الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

تحديات بناء الدولة الكوردية القومية (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

التحديات الاقتصادية

يؤدي الاقتصاد الدور الأساس في حياة الأمم والشعوب، فالإنسان يعتمد عليه في حياته ومعيشته، ويتحدد به نمط حياته. والسياسة ترتكز على الاقتصاد الذي يحدد معالمها وصورها وأساليبها وأهدافها، ولذلك فإن الجانب الاقتصادي أهم عنصر في حياة الإنسان والشعوب للتواصل مع الحياة، وخلق عالم مرفّه يحقق طموحات الإنسان وأمانيه ويشبع رغباته.

الإقليم (كوردستان) مغلق جغرافياً لا إطلالة له على البحر (الإقليم الحبيس)

إقليم كوردستان جغرافياً إقليم مغلق يفتقر إلى إطلالة بحرية، فهو إقليم قاري حبيس، محاط بحدود أربع دول هي إيران وتركيا والعراق وسوريا. ويُعدّ إقليم كوردستان من وجهة النظر الجيوبوليتيكية إقليماً حبيساً، أو بعبارة جغرافية أخرى إقليماً قارياً يفتقر إلى منفذ بحري، وهو محاط بأربع دول بحرية (إيران والعراق وتركيا وسوريا) أكبر منه حجماً وأرضاً وسكاناً واقتصاداً. لذا وجب الانتباه إلى أهمية موضوع الاقتصاد ومخاطره على مستقبل الإقليم، مقارنة بما يشكله الثقل الاقتصادي للدول المجاورة من ضغوط حالية ومستقبلية عليه، لتلافي مكامن الخطر في السياسة الاقتصادية للإقليم ومعالجتها.

وقد زادت عزلة كوردستان بعد فتح قناة السويس وتطور الطرق الجوية الحديثة. ويؤكد البعض مساوئ الموقع الجغرافي الحبيس والمقفل للإقليم، إذ قد يتحول هذا الموقع إلى ساحة للمنافسة ولعداء جارتي كوردستان الكبيرتين، تركيا وإيران، للأكراد، فتمنعان تصدير النفط عبر أراضيهما. كما أن العزلة الجغرافية وانعدام المنفذ البحري قد أسهما في تأخر وصول النفوذ الأجنبي ودخول الأفكار المعاصرة إلى كوردستان، فقد كان الأكراد في أحيان كثيرة متأخرين بخطوة عن جيرانهم، ووجدوا صعوبة في اللحاق بالتطورات السياسية، وأعاق هذا العامل حريتهم في التصرف وقدرتهم على أن يحيوا حياة مستقلة. وأصبح اعتماد الأكراد على العنصر الأجنبي دائرة مغلقة لم يتمكنوا من النجاة منها، فحتى أواخر القرن الماضي كانت تلك العلاقة تسير في اتجاه واحد، من الخارج إلى الداخل، ولذا لم يتمكن الأكراد من أن يضعوا أنفسهم على الساحة الدولية في موقع قوة نافذة قادرة على ممارسة الضغط لتحقيق المصالح الكوردية.

أما أرض كوردستان فإن القسم الأعظم منها أراضٍ صخرية ومنحدرات جبلية، تخلو إلى حد كبير من الأراضي الرخوة الصالحة للزراعة التي تلبي حاجات سكانها إلى الطعام والغذاء بشكل كافٍ، يضاف إلى ذلك الجفاف وقلة سقوط الأمطار التي ينحصر سقوطها في فصلي الشتاء والربيع، ويؤدي عدم توفر المياه في فصل الصيف إلى إلحاق الأضرار بالزراعة. وتنتشر الزراعة في كوردستان في منطقة السهول، ومن أشهرها سهول أربيل ورانية وشهرزور، وهي ترتفع نحو (500) متر عن مستوى سطح البحر، ويتراوح مجموع سقوط الأمطار فيها بين (200-950) مليمتراً سنوياً، وهذه السهول الواسعة صلبة لا يمكن حرثها، أو لا يتواجد فيها الماء، أو يصل إليها الماء بصعوبة شديدة.

النفط وتأثيره على تشكيل الكيان الكوردي المقترح

يُعدّ النفط المحرك الأساسي لجميع اقتصاديات العالم، ولهذا يسعى الأكراد إلى السيطرة على منابع النفط، وخاصة في كركوك، لضمان اقتصاد ثابت لهم عند تأسيس الدولة المقترحة.

لقد ظهر النفط على سطح الأرض في كركوك منذ الألف الخامس قبل الميلاد. وجرت أول محاولة لاستخراج النفط في كركوك في العصر الحديث، وبطرق بدائية، على يد عائلة النفطجي في عهد الدولة العثمانية، وهي عائلة تركمانية معروفة في كركوك، مُنحت امتياز استخراج النفط بتاريخ (1049هـ/1639م) بموجب فرمان صادر عن السلطان العثماني مراد الرابع. ويُعدّ دخول البعثة الألمانية إلى العراق عام (1871م) بداية جادة لإلهاب بواعث الصراع على نفط المنطقة الشمالية من العراق، فقد أشارت التقارير الجيولوجية لهذه البعثة إلى وجود كميات كبيرة من النفط في هذه المنطقة. وأعقب ذلك وصول بعثات جيولوجية عديدة وباحثين جدد للبحث عن النفط في هذه المنطقة، فأشار جاك جان دي موركان، عندما زار المنطقة عام 1892م، إلى وجود النفط في منطقة كركوك وخانقين، وكتب المهندس الألماني أ. ف. ستال والكولونيل مونسيل والبارون ماكس فون أوبنهايم، وذكروا جميعهم في بحوثهم وتقاريرهم أن حقول النفط في شمال العراق مدهشة لا تقدر. وأكدت بعثة ألمانية أخرى عام 1907 أن كركوك تعوم على بحيرة من النفط، ومنذ عام 1927م تدفق النفط بغزارة من حقول بابا كركر.

وتحتل مدينة كركوك مكانة عاطفية عليا لدى الأكراد، ليس لمكانتها الاقتصادية ومخزونها النفطي فقط، بل لاعتبارها رمزاً من رموز مظلوميتهم المستمرة، ولأنها كانت مركز الدولة الكوردية (ولاية شهرزور) وعاصمتها منذ قرار المملكة المتحدة تشكيل الدولة العراقية في مطلع العشرينيات من القرن العشرين. وطبقاً للمنظور الكوردي فإن مستقبل كركوك، بوصفها مركزاً اقتصادياً مهماً ورمزاً للسيادة الكوردية في المنطقة، أصبح يمثل تتويجاً للمشروع القومي الكوردي الذي يسعى إلى ضمان وجود كوردستان واقعاً سياسياً وتعبيراً جغرافياً، ومسألة من أشد المسائل إلحاحاً بين القضايا القومية التي تتطلب حلاً في القرن الحادي والعشرين. وكانت رغبة الأكراد في ضم كركوك إلى منطقة الحكم الذاتي سبباً في فشل صيغة التفاهم بين الحكومة العراقية والأكراد لوقف القتال باتفاقية 11 آذار/مارس 1970م.

ويرفض العرب في العراق رفضاً تاماً كل الأفكار القومية والعنصرية الانفصالية للأكراد، سواء أكانت كركوك عربية أم كوردية أم تركمانية أم آشورية، ويؤمنون إيماناً كلياً بالأفكار الوطنية والتضامن والتآلف بين جميع فئات الوطن القومية والدينية، مع الاعتراف التام بكل خصوصيات هذه الفئات وحقوقها، وضمان حقها في المشاركة الفعالة في إدارة الوطن. ويرفض التركمان أن تكتسب كركوك طابعاً كوردياً أو عربياً، ويتمسكون بكركوك لجميع العراقيين. وقد تعرضت كركوك منذ اكتشاف النفط إلى الآن لعدة محاولات لتغيير واقعها الديموغرافي، الأمر الذي أثر سلباً على طابعها القومي من خلال الاتساع العشوائي للمدينة، الذي خلق جواً من التوتر القومي والصراع حول عائديتها وهويتها القومية.

وبعد احتلال الولايات المتحدة الأمريكية للعراق عام 2003م، وتشكيل حكومة عراقية جديدة ووضع دستور عراقي دائم، ظهرت إشكالية المادة (140) من الدستور العراقي الدائم لسنة 2005، لأنها تختص بشكل مباشر بقضية كركوك، مع أنها تتعلق بكافة المناطق المتنازع عليها داخل العراق، إذ تحدد الوضع القانوني والسياسي لمدينة كركوك التي تضم خليطاً من الأكراد والعرب والتركمان والكلدوآشوريين. وقد أصر الأكراد على عدم التنازل عنها باعتبارها خطوة أساسية على طريق ضمان كوردية مدينة كركوك (حسب الوثائق والبحوث التاريخية)، وما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من إلحاق كركوك بإقليم كوردستان. وقد جعل هذا التمدد الكوردي في كركوك تركيا تتخذ موقفاً رافضاً له. أما الموقف الإيراني من سيطرة الأكراد على نفط كركوك فكان واضحاً، ويتمثل في خشية إيران من أن تؤدي السيطرة الكوردية على كركوك إلى تشجيع الأكراد على الانفصال وإعلان دولتهم المستقلة.

اقتصاد إقليم كوردستان الشرقي (غرب إيران – كوردستان إيران)

يشكل الأكراد معظم سكان غرب إيران، ويعاني هذا الإقليم من غياب تنمية حقيقية، ومن عدم توظيف الإمكانيات الموجودة فيه بالفعل واستغلالها، فالبنية التحتية فيه متأخرة جداً. ولو استعرضنا مكونات البنية التحتية والقوى البشرية والمياه والتربة في الإقليم لأدركنا أن لكوردستان كل الإمكانيات والخصائص اللازمة للتنمية الشاملة والثابتة والمتوازنة. فبالنسبة للمياه والتربة تتمتع كوردستان بأرض خصبة صالحة للزراعة، ولديها مجارٍ وأنهار مائية، والزراعة فيها اليوم واسعة الانتشار، وفيها أكبر بحيرة مياه عذبة في إيران، وهي بحيرة زريبار. ويتميز الإقليم بوجود مراعٍ لتربية الحيوانات، تقوم عليها صناعة الجلود والألبان التي تُصدّر إلى الخارج، وهذا الأمر لا يقل أهمية عن النفط في هذا الإقليم. ويوجد في هذه المنطقة احتياطي معدني كبير ومتنوع إلى جانب النفط والغاز، حتى قال أحد الخبراء إنه لا بد أن يُطلق عليه «إقليم الذهب». وقد منح اكتشاف النفط في كوردستان في أوائل القرن الماضي هذه الأرض وموقعها ومساحتها قيمة وعنصر قوة إضافيين. أما التنمية الصناعية، فمع وجود هذه الإمكانيات لا تزال الاستثمارات الصناعية الخاصة في هذا الإقليم دون المستوى الذي يتماشى مع إمكانياته وسهولة تصدير منتجاته الصناعية.

التحديات الاجتماعية

لقد فرضت البيئة الجبلية على المناطق الكوردية (كوردستان) عزلة جغرافية لقرون عديدة، اضطر الإنسان الكوردي على مداها إلى أن يعيش منعزلاً ضمن قبيلته في بيئة إقليمية مصغرة، بعيداً عن عموم بني قومه، الأمر الذي جعله يتعصب لبيئته الإقليمية المصغرة بشكل لافت، لا في سلوكه وحسب، بل في لهجته وطراز ملبسه أيضاً. فتحول بفعل كل هذه المؤثرات إلى إنسان يصعب انفتاحه واندماجه وانصهاره في أية موجة (الفرس والمغول والتتار والترك والعرب)، وإلى كائن متمترس بهذه الجبال. وقد حال الوضع الجغرافي لكوردستان دون تكوين سلطة مركزية، إذ شجعت جغرافية الأرض، بجبالها الشاهقة ووديانها العميقة وأنهارها السريعة الجريان وقلة طرقها، على إنشاء هياكل جهوية مستقلة. ومن أبرز المعوقات في هذا الإطار:

تحديات القبيلة

لقد بقيت معظم القبائل الكوردية دائماً على أطراف الدول الكبرى، منطقةً عازلة بين دولتين متجاورتين أو أكثر، مما منح رجال القبائل الأكراد ميزة أكبر، فكان بإمكانهم نظرياً أن يختاروا سيداً لهم من بين عدة أسياد. وكانت العلاقات بالمركز تتبع تعاقب ضعف سلطة الدولة المركزية وقوتها؛ فقد كان بإمكان الدول القوية أن تضم إليها بشكل فعال الكثير من القبائل، وأن تتدخل في شؤونها الداخلية، وتفرض عليها الخدمة العسكرية، وتجبي منها الضرائب، وتدعم سلطة الزعماء القبليين الذين كانت تعدّهم موضع ثقتها. وفي أوقات شيوع الوهن في أوصال سلطة الدولة المركزية كان الزعماء القبليون يمتنعون عن دفع الضرائب وتقديم المساعدة المطلوبة، وقد يعلنون استقلالهم صراحة في نهاية المطاف. أما إذا كان ضعف المركز مؤقتاً فإن هؤلاء التابعين كانوا يسارعون إلى إعادة تأكيد ولائهم، ولكن حين لا تُستعاد السلطة المركزية بسرعة كان المرء يرى ظهور مشيخات شبه مستقلة أو شبه دول على أطراف الدولة المركزية. ولم يكن الحكم ينتقل بالتتابع، ففي غالب الأحيان كانت تنشأ زعامات جديدة نتيجة للفوضى التي كانت تعقب انحسار القوة المركزية، وللمنافسة الشديدة بين الزعماء القبليين في الأطراف، وإذا انبثقت آنذاك سلطة مركزية قوية جديدة (أو سلالة حاكمة جديدة، أو جهاز دولة محدث) فإن زعماء الأطراف القبليين كانوا يخسرون استقلاليتهم من جديد. ولذلك يمكن الإشارة إلى عدة أمور، أهمها:

1. القبائل الكوردية بصفتها كيانات من خلق الدولة

ما دامت حرية القبيلة الكوردية وحرية كل فرد فيها مضمونة، وما دامت الحكومات لا تتدخل في شؤون القبيلة، نرى الأكراد يخضعون طوعاً لسلطة الحكومات، حتى أصبح الخضوع من أجل الحفاظ على حرية القبيلة وحرية أفرادها مقبولاً، ولو على حساب استعباد كوردستان بكاملها. ولم يستطع الأفراد والقبائل الكوردية تشكيل حلف قوي يقف في وجه الحكومات التي حكمت كوردستان، ولم يتعلم الأكراد كيف يموتون من أجل حريتهم واستقلالهم الوطني، وإنما اكتفوا بالقتال فيما بينهم في معارك الثأر بتشجيع من الدولة.

إن القبائل الكوردية لا توجد في فراغ يسمح لها بالنشوء نشوءاً مستقلاً، فأداؤها الوظيفي وتنظيمها الداخلي متأثران جداً بالعوامل الخارجية، وتشمل هذه العوامل القبائل الكوردية الأخرى إلى جانب الدول. وفي الواقع فإن تأثير الدولة على القبائل الكوردية أكثر تنوعاً ونفاذاً بدرجة كبيرة مما اتضح حتى الآن؛ فتدمير الإمارات الكوردية، والحملات التأديبية ضد القبائل غير المنضبطة، والتوطين القسري للأكراد، وفرض الضرائب، لم يكن كل ذلك سوى جزء من الصورة الكلية. وكثيراً ما كانت الزعامات القبلية الكوردية الطامحة تعتمد على الدعم الخارجي، أو على التحالف مع زعماء قبليين آخرين، أو (وهو الأكثر نفعاً) على دولة قوية. وفي بعض الأحيان كانت الدول هي التي تسلح القبائل وتعهد إليها بالواجبات العسكرية، وأثّر هذا حتماً على التنظيم الداخلي للقبيلة، ولذلك يمكن أن يُنظر إلى القبائل الكوردية، بمعنى من المعاني، بصفتها كيانات من خلق الدولة.

وفي كوردستان أيضاً تطورت العلاقات بين كبار ملاك الأراضي والشيوخ ورؤساء العشائر والدولة المعنية بطريقة مختلفة؛ ففي شرق كوردستان، كما في جنوبها، نجد بين كبار ملاك الأراضي والشيوخ ورؤساء العشائر الكوردية من هم موالون للدولة، وتدعم كل من إيران والعراق هؤلاء بجميع الوسائل، وتحرضهم على محاربة الأكراد المناضلين من أجل تحررهم. وفي العراق يُطلق على هؤلاء اسم «الجحوش»، وغالباً ما تمنحهم الدولة مكافآت لقاء خدماتهم المهمة جداً أثناء الحرب، فالحرب التي تدور في هذين الجزأين من كوردستان هي في واقع الأمر قتال بين الأكراد الموالين للحكومة والأكراد المقاتلين من أجل التحرر الوطني.

2. اعتراض القوميين الأكراد على الهوية الإثنية

شهد عقدا الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين احتدام الاعتراض على الهوية الإثنية للطوائف الصغيرة، من جانب القوميين الأكراد، ومن جانب المفكرين المعبرين عن مصالح الدولة القومية التركية أو الإيرانية أو العراقية. وبرزت نزعات قومية انفصالية وسط الناطقين بلغة الكورد الزازا (القريبة من الكوردية)، ووسط الإيزيديين والعلويين الأكراد، وبدأت العصبيات الجهوية الضيقة تشتد وتقوى على حساب الانتماء إلى هوية إثنية أوسع مشاركة. وقد برزت هذه الظاهرة بجلاء في كوردستان العراق، حيث أدت المنافسة المريرة بين الحزبين السياسيين الرئيسيين إلى ترسيخ انقسام المنطقة إلى رقعتين متباينتين اجتماعياً وثقافياً، تشعر كل منهما بتميزها الجلي عن الأخرى.

وتبقى الحقيقة أن هناك بين أكراد تركيا والعراق وسوريا فئات يتسم انتماؤها إلى الكوردية بالتأرجح والغموض، إذ لا تعدو الهوية الكوردية أن تكون واحداً من خيارات عدة للانتماء؛ فالكوردي قد ينتمي إلى قرية، أو لهجة معينة، أو طائفة دينية. ونجد وسط الكتلة الأساسية أيضاً وفرة من التنوعات الثقافية تجعل تحديد تخوم هذه الكتلة نفسها على أساس بعض السمات الثقافية المشتركة ضرباً من المحال. كما يعد المجتمع الكوردستاني مجتمعاً تعددياً، يتميز بالتعدد القومي والتنوع في الانتماء الديني والمذهبي، وبالتقسيم الاجتماعي الريفي والمدني، مما يجعل كوردستان تفتقر إلى وحدة فكرية وإثنية ودينية، وهذا ما يولد معوقات اجتماعية وسياسية فيها. وهذا التميز بالتنوع والتعدد في المجالات الفكرية والإثنية والدينية وغيرها قد يكون مقدمة لترسيخ الانشقاق وعدم الاتفاق بين المكونات.

الاختلاف اللغوي

أدى واقع الأكراد الاجتماعي والثقافي إلى بروز كتابات ومواقف وأفكار، لا مشروعات كبرى حتى الآن، غايتها التوحيد أو التقنين اللغوي والثقافي، وتأطير مفردات الهوية، ومواجهة السياسات الخارجية لدول الجوار. غير أن تلك الأفكار والكتابات تبيّن أن نظام القيم ربما لم يعد يتواءم مع التعددية الكبيرة ومع وقوع الأكراد تحت تأثير عناصر فاعلة محلية وإقليمية وعالمية، واسعة الطيف ومتعددة الاتجاهات والأغراض، ومن ثم متعددة النتائج والتجليات، الأمر الذي يتجلى في سياسات لغوية واتجاهات للهوية يصعب تأطيرها أو استخلاص معانٍ عامة لها. فأدى هذا إلى ارتفاع نسبة الافتراق والمنافسات السياسية والثقافية واللغوية، ومن ثم إلى تمزق الجهد والموارد وتشتتها.

ويشهد البناء اللغوي للأكراد تحديات واسعة الطيف ومتفاوتة من حيث إدراكهم لها ومن حيث تأثيرها المحتمل في هويتهم، كما يتجلى في الخطاب الكوردي الراهن. كما أن الإشارات القليلة إلى التعدد والتشتت اللغويين تحيل الأسباب عند التحليل إلى العوامل الخارجية، أما العوامل الداخلية المتمثلة في العوائق الاجتماعية والثقافية والاقتصادية فكثيراً ما يتم تجاهلها، وأحياناً تُعطى وزناً نوعياً وتحليلياً أقل، وقد تُعدّ تبعات أو نتائج للعوامل الخارجية نفسها. وتشكل السياسات العامة للدول في المجال الكوردي مصدر تهديد رئيسياً للبناء اللغوي للأكراد، من خلال التعريب والتتريك والتفريس وما يماثلها، انطلاقاً من عدّها التكوين الكوردي تطوراً ممنهجاً أو خارج السياق العام لثقافة الدولة أو الاجتماع السياسي المعني.

إن التحدي اللغوي الرئيسي كامن في المجتمع الكوردي نفسه، ونحن لا نقلل من شأن عوامل البيئة المحيطة بالمجال الكوردي أو التي تحكمه، ولا من شأن عناصرها الفاعلة، لكننا نعيد ترتيب أولويات النظر إلى اللغة والبناء اللغوي واعتبارات تحليل الواقع الثقافي الراهن، ذلك أن التشكيل اللغوي واللهجات المتعددة سابقة على الانقسام الجغرافي والتوزيع بين الكيانات السياسية الراهنة، ومن ثم قد تكون سبباً له أو أحد أسبابه، وقد تكون نتيجة له أيضاً.

وإيران تحاول اعتبار اللوريين والبختياريين الناطقين باللغة الكوردية بعيدين عن الانتماء إلى القومية الكوردية، وهذا غير صحيح، إذ يؤكد القوميون الأكراد والوثائق التاريخية أن اللوريين والبختياريين أكراد. وفي المقابل نجد أن الناطقين بالكورانية والزازائية عدّوا أنفسهم على مدى قرون أكراداً، كما عدّهم جيرانهم الناطقون بالكوردية، علاوة على المؤلفين العرب والأتراك، أكراداً أيضاً، رغم أن هاتين اللهجتين غير مفهومتين بشكل كامل عند الناطقين بالكوردية الأصلية. بل إن الكرمانجية والسورانية، وهما اللهجتان الأساسيتان في اللغة الكوردية، تفتقران إلى الفهم المتبادل، فالسوراني يفهم الكرمانجية بصعوبة، والكرمانجي يفهم السورانية بصعوبة.

وقد تضم اللغة الواحدة عدة لهجات محلية تدفع المتحاورين من مناطق مختلفة إلى تفضيل التواصل باللغة التركية أو الفارسية أو العربية، بسبب صعوبة فهم بعضهم كوردية بعض. وقد تعرضت اللهجات الكوردية المتنوعة في البلدان التي يسكنها الأكراد لتأثيرات كبيرة من اللغات الرسمية في تلك البلدان، في المفردات، وفي النحو والصرف أيضاً (في حدود معينة)، وهكذا أخذت اللهجة المحكية الواحدة على جانبي الحدود بين دولتين تفترق تدريجياً إلى لهجتين. ولعل عوامل التهديد اللغوي ومخاوف الهوية ترتبط بالمعنى العميق للسياسة في المنطقة، من جهة العلاقة بالثقافة والتكوينات الإثنية، ومن جهة توسّل القوة والعنف المادي والرمزي تجاه ما يُعدّ تهديداً. وهذا ينطبق على حال الأكراد، خصوصاً فيما يتعلق باللغة، إذ تشكل الأخيرة ساحة من ساحات المواجهة الرمزية والمادية على امتداد المنطقة، وإن بدرجات متفاوتة، واقترن ذلك أحياناً بعقوبات لردع مستخدمي لغات غير معترف بها أو غير مصرح بها، وهناك من يعدّ توسّل لغة أخرى بمنزلة فعل خيانة للأمة.

وعدّ الأكراد وضعهم اللغوي نتيجة مركبة للوضع السياسي في المنطقة والعالم، كما أن السياسات التي تتبعها دول المجال الكوردي تعدّ الأكراد مصدر تهديد محتمل أو وشيك لمزاعم البناء اللغوي القومي أو أيديولوجيته. ويقول الكاتب الكوردي الإيراني أمير حسنبور: «بقي علماء اللغويات ودارسو اللغة الكوردية صامتين تجاه القتل المتعمد لموضوع أبحاثهم من قبل سلطات عدد من الدول في تركيا وإيران وسوريا. وإن سياسة الإبادة اللغوية المشرعنة في الدساتير والقوانين لم تنكر حقوق الأكراد اللغوية فحسب، وإنما انتهكت حرية تعليمها أكاديمياً في كل مكان… وليس من الصعب رؤية أن هذا الصمت يسمح لآليات الإبادة اللغوية بأن تعمل بحرية في حقولها القاتلة».

ومن المعوقات الظاهرة لدى الفرد الكوردي عدم استخدامه لغة القرية، بل اللغة الرسمية للدولة (التركية، أو العربية، أو الفارسية)، وهذا وسّع الهوة الثقافية الفاصلة بين أكراد العراق وإيران وتركيا وسوريا. كما أن التعليم الإلزامي والخدمة العسكرية الإجبارية، إضافة إلى أشكال التعبئة السياسية المختلفة (الانتخابات والتظاهرات الجماهيرية)، والتطور الاقتصادي، والهجرة الداخلية، وتأثيرات التلفزيون القومي، عملت جميعاً على دمج القرى البعيدة وزجها في الحياة القومية لهذه الدول. وتبلورت في المجتمع الكوردي ظاهرة يُطلق عليها الهوية القومية (الكوردي العراقي، والكوردي التركي، والكوردي الإيراني)، تميز كل مجتمع كوردي عن المجتمعات الكوردية في الدول الأخرى، فقد وَسَم هذا التطورُ تبلورَ هويات قومية مناطقية في الدول العربية وإيران وتركيا. إن رسم حدود أربع دول مختلفة داخل موطن الناطقين بالكوردية قد أثر في وضعهم بطريقتين:

  • أ. إن القوة المحركة للسياسة والثقافة واللغة والنماذج الاجتماعية لكل دولة قد تركت سمتها الخاصة والمميزة على كل من المجتمعات الكوردية الأربعة.
  • ب. إن مصالح أحد تلك المجتمعات الكوردية كانت تتصادم في بعض الأحيان مع مصالح مجتمع كوردي آخر، فينجم عن ذلك صراع بينهما، ومثال ذلك الاشتباكات المسلحة بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني في العراق وحزب العمال الكوردستاني (PKK) في تركيا، وخاصة في تسعينيات القرن العشرين.

أجزاء «تحديات بناء الدولة الكوردية القومية» (4 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←