الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
تحديات بناء الدولة الكوردية القومية (الجزء الثالث)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
أكراد كوردستان العراق وأزمة الهوية
ليس من المبالغة القول إن المشكلة الكوردية في العراق كانت حتى عام 1991 تمثل المشكلة الكبرى للدولة العراقية، كما أنها لا تزال حتى يومنا هذا مشكلة رئيسية لها. وتتمثل المشكلة في محاولة الأكراد الحفاظ على هويتهم القومية واللغوية في دولة غالبيتها العظمى من العرب، في حين كانت الحكومات العراقية المتعاقبة ترى في التطرف في هذه المحاولات مرحلة تقود إلى الانفصال عن الدولة العراقية.
الأكراد شعب أصيل سكن المنطقة (كوردستان) منذ آلاف السنين. وعندما تكونت الدولة العراقية الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية، بضمّ ثلاث ولايات عثمانية بعضها إلى بعض، هي الموصل والبصرة وبغداد، ظلت ولاية الموصل تمثل مشكلتين أساسيتين داخل الدولة العراقية العربية الجديدة، إلى أن نجح البريطانيون أخيراً في ضمها (ولاية الموصل – كوردستان الجنوبية) إلى العراق العربي الجديد:
المشكلة الأولى: تتمثل في مطالبة تركيا الحديثة بولاية الموصل على أساس أنها جزء لا يتجزأ منها، والسبب الحقيقي لهذه المطالبة هو احتواء الولاية على مخزون نفطي كبير.
المشكلة الثانية: تتمثل في احتواء ولاية الموصل على مجموع المناطق الكوردية العراقية الرئيسية: السليمانية وأربيل ودهوك وأجزاء من الموصل، حيث طالب الأكراد الساكنون في هذه المناطق بكيان مستقل أسوة بالدول الجديدة التي أُنشئت في المنطقة. وفي الحقيقة كانت الطموحات الكوردية قد انتعشت عام 1920 عندما وُقّعت بين الحلفاء معاهدة سيفر، التي نصت في موادها (62 و63 و64) على حق الأكراد في إنشاء دولة كوردية في منطقة كوردستان تركيا، تتمتع بالحكم الذاتي أولاً ثم بالاستقلال. إلا أن رفض تركيا لهذه المعاهدة (سيفر، 10 آب 1920م) ورغبة بريطانيا في وضع العراق بأكمله تحت الانتداب أبقيا هذه المعاهدة حبراً على ورق. ثم جاءت معاهدة لوزان في 23 تموز 1923 لتقضي على الآمال الكوردية، إذ قُسّمت المنطقة وفق الحدود المتعارف عليها الآن، وبذلك قُسّمت منطقة كوردستان بين تركيا وإيران والعراق، مع بعض الامتدادات في كل من أذربيجان (من أجزاء الاتحاد السوفيتي السابق) وسوريا.
وللأكراد المسلمين لغتهم الكوردية القومية، وهم يرون أنهم ينحدرون من أصل آري، إلا أن أغلب الدول التي يسكنون فيها تنكر عليهم هذا التميز. وقد أثر هذا الإنكار تأثيراً كبيراً على حقيقة تعداد نفوسهم، ففي الوقت الذي تقول فيه المصادر الكوردية إن أعداد الأكراد تتجاوز 35 مليون نسمة، نجد أن المصادر غير الكوردية لا تزيدهم على عشرين مليون نسمة.
ونتناول هذا الموضوع في أربعة محاور:
- أ. الأكراد في كوردستان العراق.
- ب. الموقف الرسمي العراقي من القضية الكوردية.
- ج. تحليل الأوضاع القائمة في كوردستان العراق.
- د. مستقبل الأوضاع في المنطقة الكوردية.
أ. الأكراد في كوردستان العراق
عندما أكملت بريطانيا احتلال العراق (الولايات الثلاث: البصرة وبغداد والموصل) عام 1918 عمدت إلى تقسيم هذه الولايات إلى محافظات (ألوية)، فقُسّمت ولاية الموصل إلى أربع محافظات هي: الموصل وأربيل والسليمانية وكركوك، ثم أضيفت إليها محافظة دهوك عام 1970. وفي الوقت الذي ضمت فيه كل من أربيل والسليمانية ودهوك الغالبية العظمى من الأكراد، ضمت كل من الموصل وكركوك نسبة كبيرة منهم.
وقعت أول مواجهة مسلحة بين الأكراد والإدارة البريطانية عام 1919 بقيادة الشيخ محمود الحفيد والشيخ أحمد البارزاني والملا مصطفى البارزاني، واستمرت هذه المواجهات على فترات متقطعة منذ ذلك التاريخ حتى عام 1946 لأسباب متعددة، فقد تحول الأكراد من رفض الإدارة البريطانية إلى رفض انتشار الإدارة العراقية الملكية وبناء المخافر في المناطق الكوردية الحدودية النائية. وقُمعت كل هذه الحركات على يد القوات البريطانية، ثم على يد الجيش العراقي بعد تأسيسه عام 1921م.
وكانت الأسباب التي شجعت هذه الحركات متباينة بين عشائرية ودينية وقومية، فقد كانت في البداية عشائرية بحتة، وتحولت في الثلاثينيات والأربعينيات إلى قومية بعد تأسيس أحزاب سياسية كوردية مثل حزب هيوا (1939) وحزب رزكاري (1945) والحزب الديمقراطي الكوردستاني (1946)، علماً بأن غالبية المثقفين والمتعلمين الأكراد كانوا فاعلين في الحركة الوطنية العراقية آنذاك، إذ انضموا إلى الأحزاب السياسية العراقية السرية التي أُنشئت في تلك الفترة، مثل الحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي، ووصلوا إلى مراكز قيادية في هذه الأحزاب العراقية.
وفي بداية العهد الملكي العراقي اتهمت السلطات العراقية بريطانيا بتحريض الأكراد وتشجيعهم على عدم الاندماج في الدولة العراقية الجديدة، ولم يكن ذلك حباً في الأكراد أو إيماناً بمطالبهم، ولكن بريطانيا أرادت من وراء ذلك إجبار الحكومة العراقية على توقيع معاهدة طويلة الأمد معها، في الوقت الذي كانت فيه الحكومة العراقية تطمح إلى الحصول على الاستقلال. بل أكثر من ذلك، هددت بريطانيا الحكومة العراقية بأن الامتناع عن توقيع مثل هذه المعاهدة ومعاداة بريطانيا لن يعني امتناع الأكراد عن الانضمام إلى الدولة العراقية فحسب، بل سيؤدي إلى خسارة ولاية الموصل القديمة بأكملها لصالح تركيا التي ظلت تطالب بها.
وهكذا اضطرت الحكومة العراقية إلى القبول بالمعاهدة مقابل دعم بريطانيا لمطالب العراق بولاية الموصل، وقد تحقق للعراق ذلك بالفعل، إذ أُنهيت مشكلة ولاية الموصل لصالح العراق بعد توقيع المعاهدة العراقية البريطانية عام 1922، وأُلحقت المحافظات الكوردية بالدولة العراقية.
والمهم في هذا المجال أنه بعد أن استقرت الدولة العراقية ظهر ما يثبت أنها كانت الوحيدة بين الدول التي يسكنها الأكراد التي تعترف بالوجود الكوردي، فلم تمنع الأكراد من استخدام لغتهم الكوردية ولا من حقهم في التمسك بهويتهم القومية الكوردية، في حين أن تركيا وإيران، بل وحتى الاتحاد السوفيتي، كانت قد أنكرت على الأكراد كل ما يثبت هويتهم الكوردية المتميزة، بل منعتهم حتى من ارتداء أزيائهم القومية التقليدية. وهكذا يمكن القول إنه لم يجر في العراق أي تمييز بين العرب والأكراد، بل إن الموالين للنظام الملكي العراقي من الأكراد وصلوا إلى أعلى المراتب الرسمية (رؤساء ووزراء ومديرين عامين)، في حين أن الأكراد المعارضين لهذا النظام تمتعوا بمراكز قيادية في الأحزاب العراقية المعارضة للملكية، وكانوا يعملون، كما ذكرنا، ضمن الحركة الوطنية العراقية ككل.
وبعد سقوط الملكية في العراق وإقامة الجمهورية في 14 تموز/يوليو 1958 فُتحت أمام الأكراد آفاق جديدة من الحرية والتسامح، وبدأ القادة الأكراد يتحركون ويعملون بحرية غير مسبوقة، وسُمح للمهاجرين منهم بالعودة إلى العراق، وعلى رأسهم الملا مصطفى البارزاني، كما بدؤوا بإصدار الصحف والمجلات والمنشورات وإقامة المهرجانات الثقافية والسياسية حتى قبل أن يجيز رئيس الوزراء آنذاك، اللواء عبد الكريم قاسم، حزبهم، الحزب الديمقراطي الكوردستاني برئاسة الملا مصطفى البارزاني، عام 1960. كما نص الدستور العراقي الجديد المؤقت لأول مرة على شراكة العرب والأكراد في الوطن العراقي، ولا يزال هذا النص موجوداً حتى اليوم ولو بصيغ مختلفة. إلا أن الخلافات بدأت تظهر بعد ذلك حول كيفية تنظيم العلاقة بين السلطة المركزية العراقية والحركة القومية الكوردية متمثلة في الحزب الديمقراطي الكوردستاني، فبينما رأت الحكومة الجمهورية العراقية آنذاك أن الحرية التي يتمتع بها الأكراد والإنجازات التي حصلوا عليها كافية لطمأنتهم ضمن الدولة الواحدة، طالب الحزب بالحكم الذاتي أساساً لحل مشكلتهم.
بدأت الثورة الكوردية في 11/9/1961، وكانت في حقيقتها انتفاضة عشائرية ضد تطبيق قانون الإصلاح الزراعي الذي أعلنته الحكومة الجمهورية، والذي كان موجهاً ضد الإقطاعيين الأكراد. وبما أن المجتمع الكوردي مجتمع زراعي يهيمن فيه الإقطاع المتمثل في رؤساء العشائر الذين يملكون الغالبية العظمى من الأراضي الزراعية، فقد نجح هؤلاء الإقطاعيون في إثارة الفلاحين الأكراد ضد القانون الذي وُضع لمصلحتهم.
وبدلاً من أن تواجه الحكومة العراقية هذا الوضع بالحكمة استغلته ذريعة للإجهاز على الحركة القومية الكوردية التي رأت فيها تهديداً لهيمنتها المركزية، خاصة بعد أن نجحت في تصفية الاتجاهين القومي والشيوعي في العراق، وذلك بإجراءات مختلفة، بدأت بحل الحزب الديمقراطي الكوردستاني وملاحقة قادته، وانتهت باستخدام القوة المسلحة لضرب جميع عناصر الحركة القومية الكوردية المتمثلة في العشائر الكوردية، وعلى رأسها العشيرة البارزانية.
وأدى هذا الرد الرسمي العراقي على تلك الاضطرابات إلى تضامن جميع هذه العناصر ضد السلطة المركزية، مستفيدين من الطبيعة الجغرافية الوعرة والجبال التي شكلت لهم حماية طبيعية وعامل تشجيع على حمل السلاح. ومن جهتها اتهمت السلطة المركزية بريطانيا مباشرة بإثارة هذه المشكلة، وطلبت من السفير البريطاني مغادرة العراق. وبما أن هذه الأعمال المسلحة جاءت بعد مطالبة العراق بالكويت إثر جلاء القوات البريطانية عنها، وبعد أن أصدر العراق القانون رقم 80 لسنة 1961، الذي انتُزعت بموجبه من الشركات النفطية البريطانية (المستثمر الوحيد) جميع الأراضي العراقية غير المستثمرة وأعيدت إلى الدولة العراقية، فلا يمكن اعتبار بريطانيا، وهي المتضرر الأكبر من هذه الإجراءات، بعيدة عن هذه الاتهامات.
وقد اشتد ساعد الحركة الكوردية المسلحة التي قامت في 11/9/1961 كحركة قومية بسيطة مع مرور السنين لأسباب أربعة:
السبب الأول: سبب داخلي تمثل في عدم الاستقرار السياسي في العراق، وكثرة الانقلابات العسكرية وما تبعها من تصفيات لقيادات القوات المسلحة وصفوفها، في الوقت الذي ظل فيه الموقف الرسمي مصراً على الحل العسكري للمشكلة.
السبب الثاني: دخول أطراف إقليمية لدعم الحركة الكوردية ضد الحكومات العراقية التي وجدت فيها تهديداً لها. ففي الوقت الذي وجدت فيه إيران وتركيا في النظام الجمهوري الأول نظاماً شيوعياً مهدداً لأمنهما، وجدتا في الأنظمة الثاني والثالث والأخير أنظمة قومية لا تقل خطراً عن سابقها. أما إيران وأمريكا وإسرائيل فقد حرصت منذ البداية على دعم الحركة الكوردية المسلحة بكل الوسائل، وصولاً إلى إرسال الأسلحة والمدربين، لإضعاف الجيش العراقي وإعاقة مساهمته في أي مواجهة عسكرية مستقبلية بينها وبين الدول العربية. ثم وصل الأمر إلى أن أدّت الخلافات العربية دوراً مسانداً للحركة الكوردية أيضاً عندما اشتدت هذه الخلافات.
السبب الثالث: الدعم الدولي الذي حصلت عليه الحركة القومية الكوردية نتيجة استمرار الحرب الدامية في كوردستان العراق وعدم إيجاد حل سلمي لها.
السبب الرابع: وأخيراً فقد كان اشتعال الحرب العراقية الإيرانية في الفترة 1980–1988، ثم أزمة الكويت عام 1990 وما تبعها من عدوان على العراق، الدافعَ الأكبر لإعطاء الحركة الكوردية في العراق مكانة غير مسبوقة إقليمياً ودولياً؛ فمن ناحية دُمّرت البنية التحتية للعراق، وتعرضت القوات المسلحة لجانب كبير من الهجمات والتدمير، ثم جاء قرار انسحاب الإدارة العراقية من المناطق الكوردية، وإعلان قوات التحالف المنطقة الكوردية منطقة محمية من قبلها. وأدت كل هذه الأمور إلى إضعاف الدور العراقي ودعم الحركة الكوردية. ثم جاء فشل قوات التحالف في إسقاط النظام في العراق، أو في إجباره على القبول بمسيرة التسوية مع «إسرائيل»، ليزيد من اعتماد القوى المعادية للعراق على إنعاش الحركة الكوردية لتمزيق الوحدة الوطنية، ومنع العراق من تجميع الأطراف الرافضة للتسوية أو دعمها.
أجزاء «تحديات بناء الدولة الكوردية القومية» (4 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)
- الجزء الرابع