الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

تهويد المسيحية بانتظار الحرب العالمية الثالثة (الجزء الأول)

من محاضرات «الكنيسة والإسلام والسياسة» – 2011

كان فرح اليهود عارماً بما جرى في حرب الثلاثين سنة (1618 – 1648م) بين ممالك أوروبا، وكذلك خلال الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945م)، لما لحق بنية المجتمعات الأوروبية من خسائر باهظة، وهي المجتمعات التي أذاقتهم الويل والحرمان والإهانة قروناً خلت. وهم متمسكون بأسفار التوراة، رغم اتهام الكنيسة المسيحية لهم بأنهم المسؤولون عن قتل نبيّها المسيح عيسى ابن مريم (ع).

يعتقد اليهود أن ما قاله المصلح الديني مارتن لوثر بحقهم في القرن السادس عشر هو ما كان يجب أن يقوله رواد الكنيسة الكاثوليكية بحقهم دون مواربة منذ زمن، وأن ما ظهر من انشقاق بين الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية هو ما أراده الله لشعب الله المختار الذي قدّر له أن يعيش في الأرض الموعودة، وهو ما يؤيد نبوءة أنبياء بني إسرائيل المكتوبة في أسفار التوراة بخروج الملك المسيح من نسل النبي داود (ع)، ليقتل النصارى والمسلمين ويُخضع الناس أجمعين لدولة إسرائيل، فيصبح اليهود سادة العالم (1).

لقد أسهمت الحركة البروتستانتية وتمثّلها التوراتي في ظهور فكرة الصهيونية النصرانية قبل ظهور فكرة الصهيونية اليهودية، وفي تبنّيها عودة اليهود إلى فلسطين، لتكون حجر الزاوية في عودة المسيح التي كان بعضهم يظن أنها ستكون في القرن العشرين (2).

1. رموز يهودية في الإدارة الأمريكية (1990 – 2001م)

إن مفهوم الأرض المقدسة، كما حفظه التاريخ اليهودي، في منطقة المشرق العربي ليس الأرض الممتدة بين سورية (بلاد الشام) وقلبها فلسطين ومصر والعراق فحسب، بل يشمل أيضاً أرض نجد والحجاز التي انطلقت منها موجات القبائل اليهودية، بني قريظة وبني قينقاع وخزاعة، إلى بلاد ما بين النهرين في العراق وإلى وادي النيل في مصر بعد ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي. وهي تتمة لتاريخ يهودي كان قد نشأ منذ السبي البابلي الذي أوقعه نبوخذ نصر بهم سنة 586 ق. م.

ولكي يلعب اليهود بذكاء على عدوّيهم، المسلمين والمسيحيين، استخدموا أسفار العهد القديم ليؤثروا في النصارى، وخاصة البروتستانت، ويستغلوهم لأغراضهم؛ فهم من أدخل في روعهم أن المسيح على وشك العودة إلى الأرض، وأن الهيكل (هيكل النبي سليمان (ع)) سيكون منطلقاً لدعوته في المرة الثانية كما كان في المرة الأولى، مع التشديد على أن يكون بناؤه على أرض المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة، مسرى الرسول محمد (ص) إلى الجليل الأعلى. وهكذا ظهرت نزعة إيمانية في المنظمات الإنجيلية في الغرب عموماً، وفي الولايات المتحدة الأمريكية خاصة، تشارك اليهود اعتقادهم في الأرض المقدسة والمعبد. وقد قطع اليهود في ذلك شوطاً كبيراً، وجعلوا من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية المتعاقبين على سدة الحكم حماةً لأفكار تهويد المسيحية، لعلهم يحظون بعودة السيد المسيح إلى الأرض ليحكم العالم من مدينة القدس مدة ألف عام، وتدور معركة هرمجدون فتحقق نصراً على المسلمين الذين يتكاثرون بوتيرة متصاعدة، ويقلقون مجتمعاتهم الأوروبية بالإرهاب (3) تارة، وبأعمال الكذب والخيانة والاحتيال التي ينفر منها المجتمع الأمريكي والأوروبي تارة أخرى، كما كان يتصرف اليهود في القرون الوسطى.

وبمكر اليهود وخبثهم، وحقد النصارى وضغينتهم، ظهر الوفاق اليهودي النصراني المسمى بالوفاق الدولي، وعدوّهما المشترك المسلمون. وتجلى ذلك بوضوح بعد سقوط الشيوعية وانهيار الاتحاد السوفيتي نهاية عام 1991م، حين رفع رواد الكنيسة البروتستانتية في الولايات المتحدة الأمريكية شعار أن الصراع بين العرب واليهود هو صراع بين داود وجالوت (4). وكتب الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون في كتابه «1999: نصر بلا حرب» الصادر عام 1988 قائلاً: «في العالم الإسلامي، من المغرب إلى إندونيسيا، ورثت الأصولية الإسلامية مكان الشيوعية من حيث كونها الأداة الأساسية للتغيير العنيف» (5).

وفي الحقيقة، كان هناك بعض المنتقدين لإسرائيل أو المتحفظين في العلاقة معها في صفوف الحزب الجمهوري، لكن هؤلاء تمارَس عليهم ضغوط كبيرة تجعلهم إما أن يتخلوا عن مناصبهم وإما أن يتخلوا عن قناعاتهم. فهذا عضو الحزب الجمهوري باتريك بيوكانان وجّه النقد لإسرائيل، فكان جزاؤه أن اتُّهم بمعاداة السامية، وأخرجه الحزب من صفوفه هو ومن أيّده. والملاحظ أن الحزبين الجمهوري والديمقراطي كليهما يراقب أحدهما الآخر إذا تعلق الأمر بالعلاقة مع إسرائيل. وكذلك الحال مع الرؤساء ريتشارد نيكسون ورونالد ريغان وجورج بوش الأب، وحتى الديمقراطي بيل كلينتون الذي تسلّم وثيقة من هيئة التخطيط في البنتاغون (Pentagon Defense Planning Guide) تقول بضرورة إسقاط النظام العراقي، وتتناول دور إسرائيل وموضوع السلام ورفض اتفاقيات أوسلو بعد حرب الكويت عام 1991م. وقد وقّع المذكرة أربعون شخصية من رموز المؤسسة الأمريكية (صناع القرار)، فأثمرت صدور قانون تحرير العراق عام 1998، وضرب العراق بالصواريخ في عملية ثعلب الصحراء، وهي ليست إلا عملية متممة لعاصفة الصحراء عام 1991 التي قادها الجنرال شوارتزكوف، الذي اعترف أمام الصحافة، بعد أن دمّر جيش العراق وقاعدته العلمية والصناعية، بأنه مخلص لإسرائيل، وأنه قاتل دفاعاً عن أمنها، وسيبقى كذلك سواء بقي في الخدمة أو خرج منها (6).

إن تيار المحافظين الجدد، أو اليمين المسيحي، أو مجموعة الموت في البيت الأبيض، كلها مسميات لعناصر يهودية مؤثرة نمت وترعرعت وتولّت مناصب في الكونغرس والخارجية والدفاع في عهد الرئيس الأمريكي بوش الأب، الأقل تديناً من ابنه الذي وصل إلى السلطة بين عامي 2001 و2009 (7). ولعل من المفيد أن يطّلع القارئ على أبرز الرموز المؤثرة في صنع القرار الأمريكي قبل وصول الرئيس بوش الابن إلى الحكم وبعده، ليعرف كيف يخرج القرار السياسي من البيت الأبيض:

  1. هنري كيسنجر: وهو يهودي، كان وزيراً للخارجية ومستشاراً للأمن القومي الأمريكي في عهد الرئيس الأمريكي نيكسون خلال حرب تشرين 1973م بين إسرائيل والدول العربية. شغل منصب أحد المستشارين في البنتاغون، وكان عضواً في مجلس سياسة الدفاع الذي كان يرأسه ريتشارد بيرل، وهو من أشد المؤيدين للحرب على العراق.

  2. رالف ريد: رئيس الحزب الجمهوري في ولاية جورجيا، والمدير السابق للتحالف المسيحي المحافظ.

  3. جاري بوير: ينتمي إلى اليمين المسيحي المحافظ، ويترأس مركز أبحاث يدعى «القيم الأمريكية».

  4. جون بولتون: يُعدّ ممثلاً لهذا التيار في وزارة الخارجية الأمريكية، حيث يشغل منصب مساعد وزير الخارجية للشؤون الدولية والسيطرة على التسلح.

  5. إدوارد لوتواك: وهو يهودي يعمل عضواً في فريق أبحاث الأمن القومي في وزارة الدفاع، ويحمل الجنسية الإسرائيلية، بل إنه تلقى تعليمه في إسرائيل، وكان من أشد المتحمسين للحرب على العراق.

  6. دوف زاخيم: وهو يهودي يعمل مساعداً لوزير الدفاع ومراقباً للحسابات ورئيساً لقسم المالية في وزارة الدفاع الأمريكية، واللافت للنظر أنه حاخام ويحمل الجنسية الإسرائيلية!

  7. كينيث أدلمان: أحد المستشارين في البنتاغون، ويعمل عضواً في مجلس سياسة الدفاع، وهو يهودي معادٍ للعرب والإسلام وموالٍ لإسرائيل، وكان مؤيداً للحرب على العراق بشكل لافت.

  8. روبرت ساتلوف: وهو يهودي يعمل مستشاراً في مجلس الأمن القومي، وكان المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.

  9. مارك غروسمان: وهو يهودي يعمل معاوناً لوزير الخارجية للشؤون السياسية.

  10. ريتشارد هاس: وهو يهودي يعمل مديراً لقسم التخطيط السياسي في وزارة الخارجية، وهو أيضاً مدير برامج الأمن القومي، وعضو رفيع المستوى في مجلس العلاقات الخارجية، وعضو في فريق أبحاث الأمن القومي التابع للبنتاغون.

  11. روبرت زوليك: وهو يهودي يعمل ممثلاً للتجارة الأمريكية، وهو منصب وزاري.

  12. جيمس شليزنجر: وهو يهودي يعمل مستشاراً للبنتاغون، وعضواً في مجلس سياسة الدفاع، ومفوّضاً في فريق أبحاث الأمن القومي التابع للبنتاغون.

هؤلاء هم بعض أهم رموز تيار المحافظين الجدد داخل الولايات المتحدة، ولنا عليهم عدة ملاحظات نوجزها فيما يلي:

  • تتوزع انتماءات هذه الفئة بين اليمين المسيحي ونسبة لا يستهان بها من اليهود.

  • تشير خريطة وجودهم وقوتهم إلى أنهم يتحكمون في أهم مفاصل النظام السياسي والعسكري الأمريكي، ما بين البنتاغون ووزارة الخارجية والبيت الأبيض.

  • ظهور ولاء هؤلاء وإخلاصهم الواضح لإسرائيل، وحرصهم على مصالحها ربما أكثر من مصالح الولايات المتحدة ذاتها؛ فلم تغب هذه الرؤية المحورية لوجود إسرائيل وأمنها ومصالحها عن هؤلاء التوراتيين الجدد.

  • العلاقة العضوية التي تربط معظم هؤلاء، إذ يتقاربون فيما بينهم بالانتماء الأيديولوجي والولاء لإسرائيل، كما يشترك معظمهم في المؤسسات نفسها بشكل أو بآخر.

  • كان معظم هؤلاء، إن لم يكن كلهم، وراء فكرة الحرب على العراق والتخطيط لها بكل تفاصيلها، لا من خلال الأقوال والنظريات، بل من خلال مشروعات وسيناريوهات الإعداد للحرب ولما بعد الحرب قُدّمت إلى صناع القرار وإلى الرأي العام الأمريكي. وقد اشتركت المؤسسة العسكرية بدور واضح عبر رموزها، ومنهم:

  1. بول وولفويتز: نائب وزير الدفاع وعضو في مجلس سياسة الدفاع في البنتاغون، وهو يهودي أمريكي له ارتباطات بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وقيل إن أخته تعيش داخل الكيان الإسرائيلي.

  2. دوغلاس فايث: وكيل وزارة الدفاع، أو مساعد مستشار السياسة والدفاع في البنتاغون، وهو يهودي موالٍ لإسرائيل، تربطه علاقات حميمة بنتنياهو لدرجة أنه كتب مذكرات نتنياهو في منتصف التسعينيات. وله ارتباطات أيضاً بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وعلاقات بمنظمة متطرفة تسمى المنظمة اليهودية الأمريكية، وقد شارك في مؤتمراتها والعديد من فعالياتها. إضافة إلى ذلك فهو يدير مؤسسة قانونية باسم (فايث أند زيل) Feith & Zell، وهذه المؤسسة تمتلك مكتباً في إسرائيل، بل وتمثل مصالحها داخل الولايات المتحدة.

  3. ريتشارد بيرل: وهو يهودي كان مستشاراً لوزارة الدفاع ثم استقال أثناء الحرب على العراق. عمل رئيساً لمجلس سياسة الدفاع في البنتاغون، وكان قبل ذلك مساعداً لوزير الدفاع لشؤون سياسة الأمن الدولي في الفترة من 1981م إلى 1987م في عهد الرئيس ريغان. وسجله السابق مملوء بالفضائح؛ فقد طُرد من مكتب السيناتور هنري جاكسون في السبعينيات بتهمة تسريب وثائق سرية للغاية تخص الأمن القومي الأمريكي إلى السفارة الإسرائيلية، مما يدل على أنه قد يضحي بكل شيء من أجل إسرائيل التي يتعاون معها بكل الطرق. كما عمل فترة في شركة (سولتام) الإسرائيلية للأسلحة. وقد اقترن اسم بيرل مؤخراً، وتحديداً في آب 2002م، بتقرير أعدته المؤسسة البحثية المتخصصة في الشؤون الأمنية (راند كوربوريشن)، خُصّص لمعاداة المملكة العربية السعودية، وجاء فيه أن توضع المملكة على رأس قائمة أعداء الولايات المتحدة. وقد وُضع هذا التقرير أمام اللجنة الاستشارية لمجلس سياسة الدفاع التي كان يرأسها ريتشارد بيرل. وارتبط كذلك بعدد من المؤسسات الصحافية؛ فهو عضو في مجلس إدارة صحيفة (جيروزاليم بوست) التي تصدر في إسرائيل، ويدير شركة (هولينجر ديجيتال)، وهي مؤسسة صحافية تشرف على عدة صحف ومجلات وتديرها، منها صحيفتا (الديلي تلغراف) و(الصنداي تلغراف) في لندن. إضافة إلى ذلك أسس شركة لخدمات الأمن الداخلي في تشرين الثاني (نوفمبر) 2001م، وكان من شركائه فيها هنري كيسنجر. أما سبب استقالة ريتشارد بيرل الأخيرة من رئاسة مجلس سياسة الدفاع فهو فضائح مالية فجّرتها حملة إعلامية شنّتها عليه بعض الصحف، وأهمها مجلة (نيويوركر)، وقامت على أساس وجود تناقض بين علاقاته بشركات إنتاج السلاح ومنصبه الرسمي؛ إذ أكدت الصحف أن ريتشارد بيرل تقاضى مبالغ مالية من شركات السلاح أثناء عمله رئيساً لمجلس سياسة الدفاع، ولهذا قدّم استقالته، لكنه احتفظ بموقعه في مركز دراسات المشروع الأمريكي. وأتذكر أن استقالة ريتشارد بيرل فُسّرت في الجانب العربي والإسلامي، أثناء الحرب على العراق، بأنها تعبّر عن فشل أمريكي، حين هلّل الكثيرون لهذه الخطوة اعتقاداً منهم أن الخطة الأمريكية في الحرب على العراق تتعرض للفشل والتراجع.

  4. إليوت أبرامز: وهو يهودي يعمل مسؤولاً عن الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي، وكانت كوندوليزا رايس رئيسته في العمل. والملاحظ أن شخصية أبرامز مثيرة للجدل؛ فقد ارتبط اسمه بفضيحة (إيران كونترا)، أو ما يسمى (إيران غيت)، التي تفجرت عام 1987م، وكان يشغل وقتها منصب مساعد وزير الخارجية في عهد ريغان، حيث اتُّهم بحجب معلومات وتضليل ثلاث لجان من الكونغرس أثناء التحقيق في هذه القضية، لكنه حصل على عفو رئاسي من جورج بوش الأب عام 1992م. ولا يهمنا كثيراً ارتباط إليوت أبرامز بهذه الفضيحة بقدر ما يهمنا التأكيد على مدى تشدده وميوله تجاه إسرائيل، إذ يُعدّ من غلاة المحافظين الجدد. وقد أحيط تعيينه في منصبه بضجة كبيرة وبمعارضة من بعضهم، لكنه حظي بتأييد واضح من تيار المحافظين الجدد الموالين لإسرائيل. وما يلفت النظر في سيرة أبرامز أنه خلط العمل السياسي بالعمل الأيديولوجي؛ فقد أصدر عام 1998م كتاباً بعنوان (الإيمان أو الخوف: كيف يمكن لليهود العيش في أمريكا مسيحية)، وهو رؤية انتقادية صاغها بحماسة شديدة، طالب فيها اليهود كافة بالمشاركة مع المسيحيين الإنجيليين في دعم إسرائيل، وانتقد ضياع البعد الديني لدى اليهود وضعف الإيمان لديهم على حد قوله. وعلى الصعيد السياسي برزت مواقف إليوت أبرامز بوضوح منسجمة مع مرجعياته الفكرية؛ إذ كان يهاجم الفلسطينيين بشدة، وعارض ما تم توقيعه بينهم وبين إسرائيل من اتفاقيات، وخاصة اتفاق أوسلو. فقد كتب ذات مرة في تشرين الأول 2000م يحمّل الفلسطينيين مسؤولية ما يحدث، قائلاً: «إن القيادة الفلسطينية لا تريد سلاماً مع إسرائيل، ولن يكون هناك سلام». وهو من الذين طرحوا فكرة عدم الثقة بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وضرورة عزله وتهميشه، وقد نجحت هذه الأفكار في التأثير بدرجة كبيرة على الرئيس بوش الابن، الذي لم يستقبل عرفات طوال وجوده في السلطة.

  5. آري فلايشر: كان الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض في إدارة جورج بوش الابن حتى تموز (يوليو) 2003م. وهو يهودي يحمل الجنسية المزدوجة (الأمريكية والإسرائيلية)، وعلى الصعيد الفكري يستقي مرجعيته مما يسميه الأخلاقيات اليهودية، ولهذا تربطه علاقات جيدة بالكيان الإسرائيلي وبمجموعات يهودية متطرفة مثل منظمة (حاباد لوبافيتش الحسيدية).

  6. لويس ليبي: وهو يهودي موالٍ لإسرائيل، يعمل رئيساً لهيئة موظفي نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني.

  7. إرفينغ كريستول: وهو أستاذ جامعي يهودي من نيويورك، ويُعدّ منظّراً كبيراً لتيار المحافظين الجدد، خاصة في ظل وجود ابنه وليام كريستول ضمن هذا التيار.

  8. وليام كريستول: متأثر بأبيه وبأفكاره، وخاصة في مسألة الموالاة والدم لإسرائيل. كان يشغل منصب رئيس هيئة موظفي نائب الرئيس الأمريكي الأسبق دان كويل، أما عمله الحالي فهو رئيس تحرير مجلة (ذي ويكلي ستاندرد)، وهي إحدى المجلات التابعة لمؤسسات الصهيوني روبرت مردوخ الإعلامية. وقد اقترح وليام كريستول، بالتعاون مع مجموعة من الشخصيات اليمينية والصهيونية الأمريكية، ومعظمهم من العاملين في السياسة الخارجية، مشروعَ القرن الأمريكي، وهو رؤية سياسية تطرح المستقبل الأمريكي، وتبشّر بالهيمنة الأمريكية على العالم، وتدعم فكرة العدوان على العراق وسورية، وسوف نتكلم عن هذا المشروع لاحقاً.

  9. وحتى من كانوا يوصفون بالحمائم في صفوف الإدارة الأمريكية السابقة، مثل وزير الخارجية كولن باول، الذي أُثير عنه أن له جداً أعلى يهودياً من جهة أبيه، وأنه يتحدث اللغة (اليديشية)، لغة اليهود التي كانت سائدة في أوروبا. وقد عدّ بعضهم كولن باول معتدلاً، لكنه، بعيداً عن صحة نسبه اليهودي، أصبح يتماشى مع هذا التيار وينسجم معه، ويُشار في هذا الاتجاه أيضاً إلى ريتشارد أرميتاج نائب وزير الخارجية. ولا يجب أن ننسى مقولات كولن باول عندما كان رئيساً لهيئة الأركان المشتركة الأمريكية أثناء حرب الخليج الثانية، وذلك في خطاب له بتاريخ 19/3/1991م أمام المؤتمر الثاني والثلاثين للهيئة الأمريكية الصهيونية للعلاقات العامة المعروفة بـ(أيباك)، التي تُعدّ أقوى منظمات اللوبي الصهيوني وأكثرها تأثيراً في المجتمع الأمريكي؛ فقد قال كولن باول أمام هذا اللوبي: «لن تضحي الولايات المتحدة بأمن إسرائيل على الإطلاق، وقد أكدت ذلك عملية عاصفة الصحراء ضد العراق عام 1991م» (8).

اعتمدت إدارة الرئيس بوش الابن على وثيقة استراتيجية الأمن القومي الصادرة في العشرين من أيلول 2002، وهي الوثيقة التي تحدد فيها كل إدارة أمريكية نهجها للدفاع عن البلاد. غير أن نقطة الإثارة في هذه الوثيقة، التي أعدتها مجموعة من المنتمين إلى المحافظين الجدد، ومنهم بول وولفويتز وجون بولتون وستيف كامبون وإليوت كوهين وديفيد كروس ودوف زاخيم ولويس ليبي، أنهم أشاروا إلى تقرير أعدته مؤسسة بحثية أمنية هي (Rand Corporation)، ونشرته صحيفة الواشنطن بوست في السادس من آب 2002م، أي في الفترة الواقعة بين حرب أفغانستان 2001م وحرب العراق 2003م، فبدت كأنها وثيقة معدّة في تل أبيب، وذلك عندما أوصت «بأن توضع السعودية على رأس قائمة أعداء الولايات المتحدة الأمريكية»، ونصّت على «أن الاستراتيجية الشاملة للولايات المتحدة الأمريكية حيال الشرق الأوسط يجب أن تركز على العراق باعتباره البؤرة التكتيكية (التعبئة)، والسعودية بوصفها البؤرة الاستراتيجية، ومصر باعتبارها الجائزة». وقد وُضع هذا التقرير أمام الرئيس الأمريكي بوش الابن (9). ولكن كيف يتمكن الرئيس من إنجاز هذا الهدف الكبير، وهو يحتاج إلى عمل كبير يضع العرب والمسلمين في دائرة الاتهام تحت اسم الإرهاب؟


أجزاء «تهويد المسيحية بانتظار الحرب العالمية الثالثة» (4 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع

الجزء الثاني ←