الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
تهويد المسيحية بانتظار الحرب العالمية الثالثة (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكنيسة والإسلام والسياسة» – 2011
2. الضربة الكبرى في الدولة الكبرى
إنه إيسر هاريل، كبير المسؤولين الاستخباراتيين الإسرائيليين، ومدير جهازي الموساد والشين بيت (جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي) بين عامي 1952 و1963. ففي عام 1979م، أي قبل 22 عاماً من أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، تنبّأ إيسر هاريل بشكل دقيق للغاية بحصول ما حصل، وذلك أمام مايكل إيفانز، وهو أمريكي مؤيد للمتطرفين الإسرائيليين.
ففي 23 أيلول/سبتمبر 1979 زار مايكل إيفانز إيسر هاريل في منزله في إسرائيل، وتناول طعام العشاء معه ومع الدكتور روفن هشت، كبير مستشاري رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك مناحيم بيغن. وفي افتتاحية بعنوان (أمريكا هي الهدف) نشرتها صحيفة (جيروزاليم بوست) في 30 أيلول/سبتمبر 2001، روى مايكل إيفانز، المعروف بعدائه الشديد للعرب والمسلمين، أنه تساءل يومها عمّا أسماه الإرهاب العربي الإسلامي، وهل سيصل إلى أمريكا، فقال له إيسر هاريل إن إرهابيين عرباً ومسلمين سوف يستهدفون أعلى بناء في مدينة نيويورك، لأنه يُعدّ رمزاً لقوة أمريكا الاقتصادية. وهذه النبوءة تعني أن هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 كانت من تخطيط الموساد، بموجب اعتراف إيسر هاريل، وهي موثّقة بما فيه الكفاية، وواردة أيضاً في كتاب الكاتب الأمريكي مايكل إيفانز نفسه (10).
كان الجانب الأول على طريق الإعداد لهجمات 11 أيلول/سبتمبر هو تأمين السيطرة والإشراف التامّين على مركز التجارة العالمي عبر أيادٍ خاصة. وكان الأمر ضرورياً لإنجاح الهجمات، لأنه لولا ذلك لما أمكن وضع متفجرات ناسفة لتدمير المبنيين. وفي هذا السياق يمكن ملاحظة وجود أربع شبكات إجرامية يهودية، أولاها لاري سيلفرستاين، وهو رجل أعمال أمريكي يهودي من نيويورك، حصل على عقد إيجار لمدة 99 سنة لكامل مجمّع مركز التجارة العالمي في 24 تموز/يوليو 2001. ولم يكن هذان المبنيان يساويان الكثير، لأنهما كانا مليئين بمواد الأسبستوس (الإترنيت) المسبّبة للسرطان، وكان لا بد من إزالة هذه المواد بتكاليف باهظة توازي تكلفة بدل الإيجار تقريباً. ويشرح لاري سيلفرستاين أسباب إقدامه على استئجار المبنيين قائلاً: «راودني شعور بضرورة امتلاكهما». فهل هذا تبرير قابل للتصديق يصدر عن رجل أعمال يقال إنه ناجح؟ كان لاري سيلفرستاين يتناول فطوره كل صباح في مطعم (ويندوز أون ذي وورلد) في الطابق 107 من البرج الشمالي، لكنه بدّل عادته تلك صباح يوم 11/9/2001، كما أن نجليه اللذين كانا يعملان في المجمّع قرّرا هما أيضاً، هكذا، عدم الحضور إلى مقرّي عملهما في ذلك الصباح. فالأمر إذاً إما نبوءة من جانب أسرة لاري سيلفرستاين، وإما أن العائلة كانت تعرف ماذا سيحصل في ذلك اليوم. والنتيجة أن لاري حصل من شركة التأمين على مبلغ فاق 4.5 مليارات دولار نتيجة تدمير البرجين (11).
ومعروف أن لاري سيلفرستاين كان فاعلاً أساسياً في شركة روبرت مردوخ الإعلامية ذات التوجهات اليهودية، وصديقاً شخصياً لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون، ولرئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو، الذي يتلقى منه اتصالاً هاتفياً صباح كل يوم أحد.
أما الجانب الثاني الذي كان يجب أن يتوافر لفرض السيطرة اللازمة، فهو الإشراف الأمني على المجمّع. وقد نجح خبراء المتفجرات في الموساد، الذين صودف أن كانوا هناك قبيل الهجمات وأثناءها، في الوصول بسهولة إلى الأماكن الاستراتيجية في المجمّع من أجل الإعداد لتدميره. ويجدر أن نذكر أن شركة (كرول وشركاه) هي التي حصلت على عقد الأمن والحماية لمجمّع التجارة العالمي بعد تفجير مركز التجارة عام 1993. وهذه الشركة يملكها يهوديان هما جول وجيريمي كرول، أما مديرها التنفيذي آنذاك فكان جيروم هاور، اليهودي المتعصب جداً، وهو خبير معروف في شؤون الإرهاب البيولوجي.
والجانب الثالث الذي كان يجب تأمينه لإنجاح المخطط هو فرض الإشراف التام على أمن جميع المطارات التي يمكن أن يصل إليها الخاطفون، بحيث تتم عمليات تفتيش المسافرين على أيدي العاملين مع المخططين، بغية السماح لأشخاص معيّنين بإدخال مواد معيّنة إلى الطائرات. ولكن من كان مسؤولاً عن أمن المطارات الثلاثة التي انطلق منها الخاطفون المزعومون؟ كانت المسؤولة شركة (آي سي تي إس) الدولية لصاحبيها عزرا هاريل ومناحيم أتزمون (12)، وكلاهما يهودي إسرائيلي، ومعظم الموظفين فيها كانوا من العملاء السابقين لجهاز الشين بيت الإسرائيلي. أليست هذه الشركة هي التي سمحت لتسعة عشر خاطفاً عربياً، في مطار لوغان في بوسطن ومطار نيوارك في نيوجيرسي، بإدخال أدوات حادة، بل أسلحة نارية، إلى الطائرات؟ أم أن شيئاً مريباً قد حصل؟
وقد تلقى المواطنون الإسرائيليون تحذيرات مسبقة؛ فقد اعترفت شركة (أوديغو) لنقل الرسائل السريعة، وهي شركة إسرائيلية، بأن اثنين من موظفيها تلقّيا رسائل فورية تنذرهم بحصول هجوم قبل ساعتين من اصطدام الطائرة الأولى بأحد البرجين، ولم يُمرَّر هذا التحذير إلى السلطات التي كان في وسعها إنقاذ آلاف الناس (13). ولولا هذا التحذير المسبق لقُتل نحو (400) إسرائيلي في الهجمات، في حين لم يُقتل آنذاك إلا خمسة إسرائيليين فقط، وذلك لتبرئة إسرائيل من أي تهمة، وهو ما فعلته المخابرات الفرنسية المتعاونة مع إسرائيل في قصف مفاعل تموز العراقي عام 1981م، إذ كان من بين القتلى خبير فرنسي واحد (14).
وقامت شركة (Zim) الإسرائيلية، التي تمتلك الحكومة الإسرائيلية 50٪ من أسهمها، بإخلاء مكاتبها في البرج الشمالي من مركز التجارة العالمي، ومساحتها عشرة آلاف قدم مربعة، قبل أسبوع من وقوع الهجمات، وألغت عقد الإيجار الذي كان سارياً حتى نهاية عام 2001م، فخسرت بسبب إلغائه مبلغ 50 ألف دولار. وقد كشف الرئيس الإيطالي الأسبق فرانشيسكو كوسيغا، في حوار مع صحيفة (كوريري ديلا سيرا) الإيطالية، أن هجمات أيلول/سبتمبر 2001م الإرهابية تمّت بإدارة من الموساد، وأن هذا الأمر أصبح معروفاً لدى وكالات الاستخبارات في العالم. وأضاف فرانشيسكو كوسيغا: «جميع وكالات الاستخبارات في أمريكا وأوروبا تعرف جيداً أن الهجمات الإرهابية الكارثية كانت من تدبير جهاز الموساد وتخطيطه، بالتعاون مع أصدقاء إسرائيل في أمريكا، بغية توجيه الاتهام إلى الدول العربية والإسلامية، وحثّ القوى الغربية على المشاركة في الحرب في العراق وأفغانستان».
لم يعد خافياً في الأوساط الأمريكية ما يتردد عن إيمان الرئيس الأمريكي بوش الابن ومدى التزامه الديني وتوقيره للدين اليهودي، بل وتقديسه العجيب للتوراة. وليس غريباً أن يرتبط بمجموعة تطلق على نفسها (رابطة درس التوراة)، وهي الرابطة نفسها التي وجد فيها الرئيس المؤمن! من يأخذ عنه الدروس والتعاليم، وهو القس البروتستانتي (اليهودي) فرانكلين غراهام الذي تربطه به علاقة جيدة، وهو واحد من رواد المسيحية الصهيونية المعاصرة، وكان أبوه القس بيلي غراهام قد أدى دوراً واضحاً في تغيير قناعات الرئيس بوش حول دور العرب والمسلمين في مواجهة الجيوش الصليبية على أرض بلاد الشام (1095 – 1193م). وهو الرئيس الذي قال أثناء حملته الانتخابية عام 1992م: «إنني هنا أمثّل أمريكا التي تمثل بدورها الحضارة اليهودية المسيحية التي تقود عالم اليوم بلا منافس» (15).
تدمير أفغانستان عام 2001م
لم ينتظر الرئيس بوش ووزير دفاعه رامسفيلد، الذي ينتمي إلى المؤسسة العسكرية الوطنية (The National Military Establishment)، طويلاً لغزو أفغانستان؛ فما إن دُمّرت رموز القوة الأمريكية (الاقتصادية والعسكرية) حتى أمر بتحريك القوات البرية والجوية والبحرية الأمريكية إلى أماكن في دول الجوار الأفغاني، وخاصة بالتنسيق مع مجموعة التحالف الشمالي الأفغانية المعارضة. وقد تركزت أصابع الاتهام على تنظيم القاعدة الإرهابي بقيادة أسامة بن لادن، وعلى الملا عمر زعيم حركة طالبان التي ظهرت عام 1994م (16)، وكانت حركته قد تمكنت من السيطرة على 85% من الأراضي الأفغانية إثر حرب أهلية أفغانية استمرت بين عامي 1994 و2001م.
ألقى الرئيس الأمريكي بوش خطاباً في الكونغرس الأمريكي في العشرين من أيلول 2001م قال فيه: «إن حربنا ضد الإرهاب تبدأ بالقاعدة، ولكنها لا تنتهي عندها، ولا تنتهي هذه الحرب إلا عندما يتم القبض على كل مجموعة إرهابية دولية وتحطيمها. ومنذ اليوم فإن كل أمة تستمر في احتضان الإرهاب أو دعمه ستعتبرها الولايات المتحدة نظاماً معادياً لها» (17). وكان الخطاب بنبرته الحادة إنما يمثل رواسب الصورة المسيحية عن الإسلام كما تشكلت في السياق التصادمي للحروب الصليبية. وبدأ التحرك تحت شعار التجمع الدولي لمكافحة الإرهاب الدولي (18)، مع تركيز واضح على الدول المحيطة بأفغانستان: الهند وباكستان وروسيا والصين وإيران، حيث طالب المسؤولون الأمريكيون هذه الدول بإبداء أكبر قدر من التعاون معهم (19).
بدأت الحرب بضربات صاروخية أمريكية ضد أهداف في أفغانستان في السابع من تشرين الأول 2001. وخلال أسبوع واحد أُطلق أكثر من (2000) صاروخ ليلاً، وتبعتها المقاتلات الأمريكية والحليفة بقصف القواعد الجوية، فدمّرت خمس عشرة طائرة من طراز (MiG-21) هي كل ما تبقى من جيش النظام الشيوعي السابق. وفي السادس والعشرين من تشرين الثاني 2001 شهدت الساحة الأفغانية مزيداً من أعمال العنف والتهجير والقتل على خلفية حوادث الحرب الأهلية (1997 – 1998م)، وهي واحدة من أهداف واشنطن البروتستانتية في إثارة الفتن الداخلية، لا لضمان السيطرة على ولايات البلاد بأقل ما يمكن من الخسائر المادية، وإنما لتفتيت وحدة المجتمع (20). وهي لا تبتعد عن تشويه صورة الإسلام والمسلمين أمام باقي شعوب الأرض.
أما في الجانب الآخر، فقد تمكنت قوات الولايات المتحدة الأمريكية من أن تكون على حدود خصميها روسيا والصين، لاستثمار حقول نفط بحر قزوين، وإقامة علاقات تحالف مع بعض جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق مثل قيرغيزستان وجورجيا (21).
تدمير العراق عام 2003
كان نصر الكنيسة البروتستانتية المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا قد تحقق في أفغانستان الإسلامية بأقل ما يمكن من الخسائر. وقد يرى بعضهم أن مثل هذا الإنجاز هو ما حفّز الرئيس بوش الابن على أن يغزو إحدى دول محور الشر (كوريا الشمالية والعراق وإيران) (22). والواقع أن ما أفرزته الثقافة التوراتية التي شدّت الرئيس الأمريكي بوش ومجموعته المحافظة هو الذي ساعدهم على عسكرة السياسة الأمريكية الخارجية، وجعلوا هذه العسكرة تنتمي إلى أصول أيديولوجية (عسكروا نصوص التوراة)، وأنزلوا عباراتها المشحونة بغضب السنين ونار الانتقام وجحيم الثأر لتتحرك على أرض الواقع، بدلاً من أن تبقى نصوص الأسفار مقروءة في الجامعات. لم تكن خطة الغزو الأمريكي المعروفة بـ(الصدمة والرعب) (Shock and Awe) مجرد شعار، بل كانت واحدة من الترجمات الفعلية لعبارات العهد القديم الممزوجة بدعوات الدمار والهلاك؛ فقد ورد في سفر التثنية (الإصحاح الثاني، الفقرة 25): «اليوم أبتدئ أجعل خشيتك وخوفك أمام وجوه الشعوب تحت كل السماء. الذين يسمعون خبرك يرتعدون ويجزعون أمامك». ويظهر أن اعتقاد الرئيس بوش بتوراة الدمار والهلاك قد انعكس على أساتذة العلوم السياسية في كلية الدفاع الوطني الأمريكية، ومنهم الخبير الأمريكي (اليهودي) هارلان أولمان، الذي أصدر كتابه المعروف (الصدمة والرعب: تحقيق الهيمنة السريعة) عام 1996، وقد اطّلع عليه الرئيس بوش بنفسه لأنه يعكس فلسفة التوراة، علماً أن المؤلف يعمل مستشاراً في البيت الأبيض (23).
إن التناغم بين الرموز اليهودية التي تتقلد مناصب مهمة ومؤثرة في الخارجية والدفاع والبيت الأبيض قد أخذ بعداً مبرمجاً لإسكات أي صوت معارض للحرب على العراق. وبتوافق مشحون مع تفكير الرئيس بوش الديني ظهرت أفكار المستشرق البريطاني الأصل، اليهودي الديانة، الأمريكي الجنسية، برنارد لويس (24) عام 1996، حين كتب مقالاته عن جذور الغضب الإسلامي، وهي لا تعدو أن تكون تنشيطاً لذاكرة الرئيس الأمريكي المؤمن بوش وبقية رموز الإدارة الأمريكية، مثل رامسفيلد ونائبه وولفويتز، للمضي في مشروع برنارد لويس لتفتيت العالمين العربي والإسلامي الذي طال انتظاره. ويذكر الكاتب الأمريكي كريستوفر شير وآخرون شاركوه في كتابه (كذبات بوش الخمس الكبيرة) الصادر عام 2004 ما يلي:
الكذبة الأولى أن تدمير بابل (قوة صدام حسين) سيكون عبارة عن رقصة زنجية، إذ أصبح العراق أضعف عسكرياً منذ حرب الكويت عام 1991، في حين تطورت أمريكا خلال اثنتي عشرة سنة (25). هذا فضلاً عما طرحه ريتشارد بيرل، رئيس مجلس سياسة الدفاع، الذي وصف نظام صدام حسين بأنه بيت من أوراق اللعب سينهار من النفخة الأولى للبارود، وأن القوات الأمريكية ستشق طريقها إلى بغداد، عاصمة الخلافة العباسية، وأحد أطراف القوة التي شاركت في الحروب الصليبية أيام نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي (1095 – 1193م) (26).
كانت صيحة الحرب على العراق هي ما كان يسمعه المواطن البريطاني والأمريكي، وقد تناغمت هذه الصيحة مع دقات أجراس الكنائس البروتستانتية التي بات يسمعها رئيس الوزراء البريطاني توني بلير وهو يصرّح في مجلس العموم البريطاني.
الكذبة الثانية أن بغداد قادرة على تدمير لندن خلال (45) دقيقة (27)، وذلك لإثارة الرأي العام البريطاني ضد صدام حسين، وحمله على قبول الحرب وتقبّل الخسائر. أما الرئيس المؤمن بوش الابن فقد تناغمت طروحاته مع رموز المعارضة العراقية، الذين اجتمعوا في صلاح الدين عام 1991 وفي لندن عام 2002، وهم متلهفون للجلوس على كراسي الحكم بعد صدام حسين. أقول إن الرئيس المؤمن بوش قد طرح على الكونغرس الأمريكي تصوراته للحرب القادمة (لضمان أمن إسرائيل)، وظهر أنه، في سبيل تصديق نبوءة التوراة بتدمير بابل (العراق)، مستعد لأن يكذب على شعبه بادعاء وجود ارتباط لصدام حسين بتنظيم القاعدة، ووجود أسلحة كيماوية وبيولوجية، رغم نفي السويدي رولف إيكيوس، رئيس لجان التفتيش الخاصة، وجودها؛ فقد صرّح أكثر من مرة بأن ادعاءات بوش حول الأسلحة الكيماوية ليست صحيحة، وأنه يريد استخدامها لأغراض سياسية أهمها احتلال العراق (28). وهو ما عمل عليه المعارض العراقي الأمريكي الجنسية أحمد الجلبي، الذي لفّق الكثير من التقارير لوزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد بهدف الجلوس على كرسي القصر الجمهوري (29).
وكانت الكذبة الثالثة، المثارة بخصوص الأسلحة النووية، قد روّجها رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، حين أثارت وسائل الإعلام البريطانية أن العراق تعامل مع دولة النيجر لشراء اليورانيوم، وهو ما أثاره الرئيس المؤمن! بوش في خطابه للأمة الأمريكية في الثامن والعشرين من كانون الثاني 2003 (قبل عشرين يوماً من الغزو).
أما رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) محمد البرادعي (مصري الجنسية)، الذي كان المرشح لرئاسة مصر بعد خروج حسني مبارك من سدة الحكم في الحادي عشر من شباط 2011م، فقد أبلغ صحيفة الواشنطن بوست في الرابع والعشرين من كانون الثاني 2003 «أن أنابيب الألمنيوم يمكن أن يستخدمها العراق تقنياً لتخصيب اليورانيوم، إلا أن بغداد تحتاج إلى صرف المزيد من المال والوقت من أجل إصلاح كل قطعة وإعادة تشغيلها» (30). وتبيّن للرئيس بوش ووزير دفاعه رامسفيلد، بعد مرور سنة على غزو العراق، عدم وجود اليورانيوم، وأن أنابيب الألمنيوم ذات العيار (81) ملم كانت مخصصة لصناعة الصواريخ لا لأغراض تخصيب اليورانيوم المزعوم، وهو ما أبلغه به رجال مخابراته وجنوده الذين انتشروا على كل بقعة من العراق.
وبدت الكذبة الرابعة لاحتلال العراق كأنها رقصة زنجية، وقد سبقت الإشارة إليها، بمعنى أن قوة جيش الولايات المتحدة وتكنولوجيته قادرة على القضاء على الحرس الجمهوري الذي يدافع عن العاصمة بغداد، وبمساعدة العراقيين المشكورة للجيش القادم من أرض الكويت ودول أخرى مجاورة للعراق؛ أي أن جيش صدام حسين سيسلّم سلاحه عند عبور الجيش الأمريكي مدينتي النجف وكربلاء المقدستين، وأن 90% من جنوده سيلتحقون بالمعارضة، بتفسير طائفي أساسه أن النسبة العالية منهم من أبناء الطائفة الشيعية، دون النظر إلى تجربة الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات (1980 – 1988م)، والتي كسبها العراق، على الأقل من الناحية العسكرية. ولم نعلم دور المرجعية في مواجهة الغزو الأجنبي.
وفي أوروبا الكاثوليكية بدت فسحة المناورة للرئيس الأمريكي بوش محدودة وهو يواجه الرئيس الفرنسي جاك شيراك، الذي رفض الحرب على العراق جملةً وتفصيلاً، وكذا الحال مع ألمانيا وإيطاليا، معتقدين أن ما حمله رئيس الوزراء البريطاني توني بلير والرئيس الأمريكي بوش ما هو إلا مغالطات وأكاذيب لا ترتقي إلى مستوى الرؤساء، وأنهما يكذبان على شعبيهما، وأن التاريخ سيحاسبهما. وهو ما دفع وزير دفاعه رامسفيلد إلى وصف الدول الأوروبية بـ(أوروبا القديمة)، على سبيل الاحتقار لفرنسا وألمانيا وإيطاليا والبلدان الأخرى التي كانت ترفض الحرب على العراق، مشيراً إلى أنها تركع أمام الدكتاتوريين من أمثال صدام حسين، لأسباب خاصة أحياناً، ولأسباب اقتصادية في أحيان أخرى، ولكنها تركع في كل الأحوال بدافع الخوف (31). ويبدو أن الرئيس الأمريكي بوش، الذي أراد ترطيب الأجواء مع أوروبا لعله يغيّر قناعاتها، وقف في الكونغرس ليقول: إن أمريكا صديقة لشعب العراق، ومطالبنا موجهة فقط إلى السلطة التي تستعبده وتهددنا، وعندما تتحقق هذه المطالب فإن الفائدة العظمى ستكون للعراقيين رجالاً ونساءً وأطفالاً، للأكراد المضطهدين والآشوريين والتركمان والشيعة والسنة، وسيبدأ زمن جديد من الحرية والديمقراطية. وهذه هي الكذبة الخامسة. لكنه عاد بعد مرور سنة على غزوه غير الشرعي وغير الأخلاقي ليقول: «إن بناء الديمقراطية في بلد مقسّم بحدة يحتاج إلى معجزة، حيث النزاعات الدينية والمحاكمات المتعطشة لصلب الناس، وفرض الحرية السياسية بالقوة دون رادع جماهيري» (32).
إن الإخفاق الذي شهده الرئيس الأمريكي المؤمن ورموز إدارته في حرب العراق عام 2003 كان مزيداً من الإرهاب، ومزيداً من موت الأبرياء، ومزيداً من الدمار للاقتصاد الأمريكي، وقد طال في العمق جميع القيم الأمريكية التي يتشبث بها كل مدني في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك من أجل عقيدة توراتية حشرها القس اليهودي بيلي غراهام في عقل الرئيس بوش، فدفعته، وجيشه على أطراف بغداد، إلى مهاتفة الرئيس الفرنسي جاك شيراك ليقول له إن يأجوج ومأجوج موجودون في بابل، وعلينا مقاتلتهم. وقد وجد شيراك أن هذا الرئيس مصاب بهوس ديني، وأنه سيجلب الانتقام والثأر إلى بلدان أوروبا، وكان عليه أن يدرك، إن كان مؤمناً، أن الكتب المقدسة (التوراة والإنجيل والقرآن) مصدرها واحد، وأن لكل واحد الحرية الدينية فيما يختار، وهو مسؤول عن اختياره أمام الله.
وتساءل جاك شيراك عن سبب اختيار بوش العراقَ لحربه القادمة، فجاءه الجواب عن طريق المخابرات الفرنسية التي حللت شخصية الرئيس الأمريكي بوش، وخلصت إلى أنه اعتمد على ثقافة دينية تلقاها من أسفار التوراة، ومن تاريخ اليهود الذي لُقّن له منذ أيام السبي البابلي لليهود (586 ق. م)، ومعركة اليرموك التي كسبها العرب المسلمون ضد الروم عام 636م، والحروب الصليبية (1095 – 1193م)، وسقوط القسطنطينية بيد الأتراك المسلمين عام 1453م. وبعد ظهور العراق دولةً عام 1921م، وكان تحت حكم أهل السنة (من الأسرة الهاشمية)، حاول الجيش العراقي، الذي قطع مسافة 1200 كم، إجهاض دولة إسرائيل الوليدة عام 1948م، وذلك عندما تمكن قادته من احتلال منطقة تمتد من المدينة المقدسة (القدس) غرباً عبر طريق تل أبيب – القدس المؤدي إلى اللطرون، وحتى المنطقة الشمالية الغربية المؤدية إلى اللد والرملة، وبمحاذاة خط سكة الحديد إلى قلقيلية وطولكرم، ثم شرقاً إلى الناصرة وبحيرة طبرية (33).
وأشار التقرير المقدّم إلى جاك شيراك إلى أن العراق، وهو ليس دولة مواجهة، قد اشترك في ثلاث حروب ضد إسرائيل من أصل أربع (1948 و1967 و1973م)، وفي الحرب الأخيرة كان صدام حسين، وهو نائب لأحمد حسن البكر، من المتحمسين لضرب إسرائيل، كما أنه الدولة العربية الوحيدة التي لم توقّع على الهدنة. ويرى مدير جهاز المخابرات الفرنسية أنه لولا الثقافة اليهودية التي حُشرت في عقل بوش لكان بالإمكان تجنب حرب العراق، رغم الصوت العالي المؤيد لإسرائيل في الكونغرس الأمريكي، ووقوف معظم رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية (أصحاب المذهب البروتستانتي منذ بداية القرن العشرين) بقوة إلى جانب إسرائيل. كما أن رائحة النفط في العراق الغني لا يمكن تجاهلها، ولا يمكن تجاهل النهضة العلمية والصناعية ومستوى التعليم في ظل حكم حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي وإن كان حزباً علمانياً، فإنه يدعو إلى وحدة العرب ضد قوى الطائفية (القادمة من إيران)، ويعلّم أبناءه ما جرى بين أوروبا المسيحية من جهة والعرب والمسلمين من جهة أخرى في القرون الوسطى، وهي ثقافة قومية أكثر منها دينية (34).
ويذكر المراسل الصحفي الفرنسي فيليب بروسار، في مقال كتبه في صحيفة (لوموند) الفرنسية في الثامن من أيار/مايو 2003 (أي بعد احتلال بغداد)، أنه بعد مرور أربعة وثلاثين عاماً أمكن إحصاء عدد اليهود الباقين على قيد الحياة في منطقة (الحبيبية) شرق بغداد، فكانوا ستة وعشرين من مجموع اثنين وثلاثين يهودياً كانوا موجودين قبل حرب عام 2003، ومعهم معبد يهودي واحد، في حين كان نحو (250) ألف يهودي مولودين في العراق قبل قيام دولة إسرائيل عام 1948م، وهي سياسة عربية عنصرية ما كانت لتحدث لولا سياسة حزب البعث العربي الحاكم (35).
وفي أعقاب احتلال الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا للعراق عام 2003 ظهر تقرير في (102) صفحة أعدته مجموعة من مستشاري وزارة الدفاع الأمريكية، وجّه نقداً شديداً للاستراتيجية الأمريكية المنحازة انحيازاً سافراً لإسرائيل والمعادية للعالمين العربي والإسلامي، وأشار إلى أن العرب والمسلمين لا يكرهون حريتنا، ولكنهم يكرهون سياستنا، وقال: من وجهة نظر العرب والمسلمين فإن الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان لم يؤدِّ إلى الديمقراطية هناك، بل إلى الفوضى والمعاناة (36). وهو ما يناقض ما قاله الرئيس المؤمن! بوش، الذي بدأ خطابه قبل الحرب بأسابيع بقوله إن أمريكا صديقة لشعب العراق، وإنها ضد استبداد حاكمه، وليس لها أطماع في العراق.
أجزاء «تهويد المسيحية بانتظار الحرب العالمية الثالثة» (4 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع