الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
تهويد المسيحية بانتظار الحرب العالمية الثالثة (الجزء الثالث)
من محاضرات «الكنيسة والإسلام والسياسة» – 2011
موت مفاجئ لأسرى سجن أبو غريب في العراق عام 2004م
إن ما حدث في سجن أبو غريب في العراق عام 2004 من عمليات تعذيب للسجناء على أيدي قوات الاحتلال ما هو إلا صورة من صور القهر والإذلال للمسلمين التي تمارسها الولايات المتحدة وإسرائيل في بقاع العالمين العربي والإسلامي (37). وفي هذا الصدد ذكرت تقارير صحفية أنه «انتشرت في العراق ظاهرة الموت المفاجئ بين الذين أطلقت سلطات الاحتلال الأمريكي سراحهم من معتقلاتها» (38). وذكرت صحيفة (أخبار الخليج) أن عدد تلك الحالات وصل إلى (25) مواطناً، بعضهم من الفلوجة والرمادي، وبعضهم الآخر من بغداد. وقالت عائلة الشاب حامد محمود (32 سنة)، التي تسكن منطقة البيّاع في بغداد، إن ابنها مات بعد عشرين يوماً من إخلاء سبيله، مؤكدة أنه لم يكن يشكو من أمراض، وكان يتمتع بصحة جيدة، لكنه توفي بعد تناوله الغداء مباشرة. ومما يزيد الشكوك فيما أكله وشربه في ظل السجانين الأمريكيين أن التقارير الطبية أكدت أن سبب الوفاة مجهول. وهو ما حصل أيضاً لميثم جسام (45 عاماً)، الذي يسكن حي الجادرية، وقد توفي إثر ألم مفاجئ في البطن.
وقد يُنفى أنهم شربوا أو أكلوا مواد مسمومة في السجون، ويقال إن الموت قد يصيب أيّ واحد منا وإن تذرّع بألم في مكان ما، فـ«تعددت الأسباب والموت واحد»، إلا أن ما أثار الانتباه مرة أخرى وأعاد الشكوك هو قول الجنرال الأمريكية جانيس كاربنسكي (Janis Karpinski)، المسؤولة عن فصائل الشرطة العسكرية التي كانت تدير سجن أبو غريب عام 2004م، بصراحة لشبكة BBC البريطانية إنها شاهدت شخصاً مريباً فسألته: هل أنت مترجم؟ فأجابها بأنه يقوم باستنطاق الأسرى العراقيين واستجوابهم، وأنه يتكلم العربية لكنه ليس عربياً، وإنما هو من إسرائيل. ولما استوضحت منه بعض التفاصيل قال إنه يبحث عن عناصر استخباراتية عراقية عملت مع صدام حسين ضد إسرائيل (39). ولعل ما قاله بلغة إنكليزية واضحة هو:
I do some of the interrogation here. I speak Arabic; I’m from Israel to interrogate intelligence agents who belonged to Saddam Hussein’s anti-Israel units (40).
وفي مدينة الفلوجة توفي خمسة شبان بالطريقة نفسها، اثنان منهم من عائلة واحدة (ياسين جاسم وسطام جاسم)، وقد يكون هؤلاء قد تلقوا أقراصاً سامة أو حقناً طبية تحتوي على مواد تسبب الموت بعد فترة زمنية (41).
قتل علماء العراق
تشير الإحصاءات إلى أن أكثر من (300) عالم عراقي قُتلوا منذ بداية الاحتلال حتى أيار/مايو 2005م. ولم تكتفِ أمريكا بتدمير جيش العراق، وتجويع أطفاله، وترك الكثير منهم دون أمهات، بل عمدت إلى تدمير مستقبله. فكما كشفت الجنرال الأمريكية جانيس كاربنسكي لوسائل الإعلام الغربية عن وجود يهودي في سجن أبو غريب لغرض الاستنطاق، فإن مجموعات مجهولة الهوية والنسب هي التي قامت باغتيال الكفاءات العلمية العراقية من أساتذة الجامعات والعلماء في مجالات الطب والفيزياء والكيمياء، وخطف بعضهم، بهدف تفريغ البلد من ثروته العلمية (42). ويصف الدكتور واثق إبراهيم، أستاذ اللغة العربية بجامعة بغداد، ظاهرة اغتيال الكفاءات العلمية في العراق بأنها منسقة ومنظمة من قبل مجموعات خارجية؛ فقد قُتل بين عامي 2004 و2006م ما مجموعه (537) أستاذاً جامعياً، إضافة إلى (315) عالماً عراقياً يملكون براءات اختراع في مختلف المجالات، الأمر الذي جعل المستوى التعليمي في البلد يتجه نحو الهبوط المستمر، فلم يبقَ في معظم الكليات إلا أستاذ أو اثنان، وما عداهما قُتل أو أُجبر على الهجرة. فيما يتهم الدكتور عبد القادر المحمدي، عميد كلية الآداب، الموساد الإسرائيلي بالوقوف وراء عمليات تصفية علماء العراق، خاصة في مجالي الطاقة الذرية والفيزياء (43).
حرب أهلية
في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، التي دمرت مركزي التجارة العالمي ومقر وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، كان التوجه الذي أدار به الرئيس الأمريكي المؤمن! بوش الابن استراتيجية حربه ضد الإرهاب الدولي أنه سيعمد إلى جعل الإرهابيين (وقصد بهم المسلمين) يتصارعون فيما بينهم، قاصداً بذلك الوصول إلى الحرب الأهلية أولاً، والطائفية ثانياً. وهو ما عمل به خلال احتلال أفغانستان عام 2001، واحتلال العراق عام 2003؛ فقد اجتاحت شوارعَ العاصمة بغداد حربٌ طائفية بين الشيعة والسنة بين عامي 2005 و2007م، كان ضحاياها الآلاف من الأبرياء العراقيين دون ذنب اقترفوه، اللهم إلا ما جلبته الديمقراطية الأمريكية التي روّجت للفوضى الخلاقة. وهو هدف مركزي لرواد المذهب البروتستانتي الذين (هوّدوا المسيحية)، أساسه هدم دين الإسلام، والمجيء بقرآن آخر أطلق عليه (الفرقان الحق) أو الفرقان الجديد، الذي سيرد ذكره لاحقاً.
تدنيس القرآن الكريم
إن صور التعذيب المروّعة، والمعتقلين العراة بعضهم فوق بعض، في سجن أبو غريب عام 2004، قد أدت إلى مزيد من أعمال التجنيد في صفوف المسلمين لمقاتلة القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان وباكستان ومناطق أخرى متفرقة، بما فيها أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. وكردّ فعل عمدت (المسيحية المهوّدة) إلى تدنيس المصحف الشريف وامتهانه بصورة كارثية غير مسبوقة؛ فقد نقلت صحيفة (نيويورك تايمز) أن مجنّدة أمريكية في إدارة سجن غوانتانامو وطئت المصحف الشريف بقدمها بعد أن عرفت أن رئيسها وجنوداً آخرين متورطون في هذه الممارسات المشينة، ومنها تمزيقه ورميه في المراحيض. وهو ما حدث أيضاً على أيدي مجنّدات إسرائيليات في سجن (مجدو) داخل إسرائيل، خلال حملة التفتيش التي قامت بها لجنة الداخلية في الكنيست الإسرائيلي في السابع والعشرين من حزيران 2005م. ولعله ليس عملاً فردياً، وإنما جاء في إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بتخطيط مدروس للنيل من عقيدة الأمة وطمس هويتها العربية والإسلامية، وهو مقدمة لتبنّي كتاب (الفرقان الحق) الذي سيوزَّع في السنوات القليلة القادمة في ديار العرب والمسلمين لتدريسه في المدارس.
الفرقان الحق
تحدثت الأوساط السياسية والفكرية في أوروبا عن سعي صهيوني أمريكي مكثف لتغيير بعض آيات القرآن الكريم المتعلقة بالجهاد وتنظيم العلاقة بين المسلمين واليهود والنصارى، وعن ضغوط أمريكية تُمارَس بغية حذفها وعدم الإشارة إليها. ومع مضي الأيام بدأت الحقائق تتضح؛ فقد استُبعد بالفعل كثير من الآيات القرآنية من مناهج التعليم في المدارس والجامعات في السعودية، ثم أُعلن إلغاء تدريس العديد من المواد الفقهية والدينية بجامعة الأزهر والعديد من المدارس والجامعات الدينية في باكستان. ثم انتقل الأمر إلى وضع مادة الأخلاق بديلاً عن التربية الدينية، وجرى الحديث عما يسمى بالخطاب الديني الجديد. أما الآن فقد كشفت الحلقة الجديدة من المخطط عن وجهها سافراً، وصدرت سراً في الولايات المتحدة وإسرائيل الطبعة الأولى من كتاب «الفرقان الحق» بديلاً عن القرآن الكريم، ويُراد اعتماده لدى الدول العربية والإسلامية (44).
والكتاب الجديد (الفرقان الحق) أُعدّ بمشاركة إسرائيلية مباشرة مع الإدارة الأمريكية، واستغرق إعداده عدة سنوات، والهدف هو إلغاء القرآن الكريم نهائياً، وتقديم الفرقان الحق بديلاً عنه، بما يهيئ الرأي العام الأوروبي لإعلان الحرب الصليبية الثالثة ضد المسلمين وعقيدة الإسلام، وممارسة أشد أنواع القهر السياسي والاقتصادي والديني والعسكري في مواجهة المتمسكين بالعقيدة والرافضين للكتاب الجديد. وهذا المخطط، الذي انفردت بكشفه جريدة الأسبوع المصرية في نيسان 2004م، هو بمثابة جرس إنذار لكل الغافلين، وضوء أحمر لكل الصامتين، لعل ذلك يحرك فينا إحساساً بالغيرة على العقيدة التي باتت مستهدفة بشكل مباشر، خاصة بعد أن عاد بوش الابن ورجاله يكررون حديثهم مجدداً عن الحرب الصليبية الجديدة، وإن كان بأسلوب الخداع.
جاءت التعليمات مباشرة من الرئيس الأمريكي جورج بوش الذي قدّم نفسه على أنه مبعوث العناية الإلهية، وبدأت مجموعات يهودية دينية، بمشاركة قيادات كنسية متطرفة، الإعداد لهذا المخطط بإشراف مباشر من كبار الخبراء والمتخصصين في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) والموساد الإسرائيلي. وقد انتهى المتخصصون في الفترة القريبة الماضية من إصدار الطبعة الأولى لكتاب الفرقان الحق، ويجري توزيعه سراً على كبار المتخصصين، وهو جزء من اثني عشر جزءاً ستصدر تباعاً وتحمل الاسم نفسه.
وقررت جماعات يهودية متطرفة داخل إسرائيل وضع تفسيرات لهذا الكتاب الجديد (الفرقان الحق)، والمقارنة بينه وبين القرآن الكريم، لتصل من خلال هذه المقارنة، كما هو واضح من أهدافها، إلى أن القرآن كتاب بشري لم يكن سماوياً في يوم من الأيام.
والمخطط يمضي بحذر بالغ، لأنهم يعتقدون أن هذه المرحلة قد تمتد ثلاثة أعوام أو أربعة قادمة، تعمل أمريكا خلالها على إضعاف الشرق الأوسط وتفريغ المنطقة العربية من القوة العسكرية، في حين تقوم إسرائيل بتصفية من تسميهم قادة الإرهاب الإسلامي، بحيث يتوسع الغزو الأمريكي الغربي لدول المنطقة بعد ذلك في كل الاتجاهات بتضحيات أقل وتكاليف متدنية.
وقد اتضح من تفاصيل هذا المشروع الجديد أن الحملة الأمريكية التي انطلقت مؤخراً لنشر الديمقراطية وفقاً للمفهوم الأمريكي، وتغيير المناهج التعليمية، وإنشاء قنوات ووسائل إعلام أمريكية في المنطقة، كلها محطات في إطار الإعداد الذهني للحرب الأكثر شمولاً، التي سيتم فيها إما إجبار المسلمين على التخلي عن القرآن الكريم والأخذ بكتاب الفرقان الحق، وإما ممارسة كل أشكال القهر والحصار في مواجهة الرافضين.
ووفقاً للمخطط الجديد فإن كتاب الفرقان الحق لن يُنشر في البلاد الإسلامية في البداية إلا في أضيق الحدود، وسيقتصر الأمر في البداية على توجيهه لمخاطبة الشعوب الأوروبية والأمريكية والإسرائيلية. وتقول أوراق المخطط الأمريكي الإسرائيلي: «إن ما كشفت عنه الحرب ضد صدام حسين في العراق أن أعداداً كبيرة من الأوروبيين والأمريكيين ما زالوا غير مدركين لأبعاد المدّ الإسلامي وخطورته، وأن تلك المظاهرات التي انتشرت في العديد من المدن الغربية من أجل وقف تيار الحرب على العراق أثّرت كثيراً على النتائج المهمة التي كان من الممكن أن يتمخض عنها الانتصار العظيم لبوش وبلير ورفاقهما المخلصين». وتضيف أوراق المخطط: «إننا أمام مرحلة تاريخية جديدة، علينا أن نستعيد فيها ذاكرة الغزو الإسلامي البربري للعديد من مدن العالم وقراه؛ ففي هذا الغزو قام البربر والمسلمون بقتل الآلاف وتشريد الأطفال واغتصاب النساء وإجبار كل المدن والقرى على تغيير ديانتها الحقة إلى ديانة الباطل والزور تحت مسمى الإسلام». وتقول الأوراق: «ها هو الغزو البربري الإسلامي يصل من جديد في ثورة الإرهاب لقتل الأبرياء الشرفاء من أمة المسيح العظيم وأمة موسى المضحّية. لقد فتحنا لهؤلاء المسلمين قلوبنا، ومددنا لهم أيدينا، تارة نعلّمهم في بلداننا، وتارة نذهب إليهم لتعليمهم في بلدانهم، ونقدم لهم المساعدات الاقتصادية، ونعينهم على شؤون الحياة، وحاولنا مراراً أن يكونوا في مصافّ بني الإنسان المتقدم، وقلنا لهم: كونوا على طبيعتكم، واعتقدوا دينياً ما ترونه، إلا أن هؤلاء طمعوا في تسامحنا معهم، وقرروا نشر الرعب والفزع والقتل والتدمير، ومحاولة وقف التقدم الإنساني. لقد كشفت الأحداث الأخيرة بجلاء أن الحرب على قرآنهم يجب أن تكون معلنة، وأن يشارك فيها كل طفل وشاب وشيخ وامرأة من أمة المسيح العظيم وأمة موسى المضحّية، لأنه لم يعد هناك خيار آخر سوى الحرب وتخليص العالم من هؤلاء الأشرار الآثمين».
وتقول الأوراق: «إن الجيوش الأوروبية والأمريكية والجيش الإسرائيلي يجب أن تتحرك بعد ثلاث سنوات أو أربع، في ظل تأييد الشعوب ومباركتها لهذا التحرك العظيم، من أجل رفع راية العدل المسيحي واليهودي في منطقة الشرق الأوسط. لا بد أن تثأر إسرائيل لقتلاها وضحاياها من هؤلاء المتخلفين، وسنكون أكثر تحضراً؛ إذ سنبدأ أولاً بمحاصرة هذه الدول العربية والإسلامية شهوراً حتى تعلن استسلامها ورضوخها التام لمطالبنا التي سنحددها في كتاب الفرقان الحق بأجزائه الاثني عشر». وتقول الأوراق: «إن هذا الحصار العسكري لحدود الدول العربية والإسلامية سيبدأ من الدول المطلة على البحر المتوسط، ثم يتوغل إلى بقية الدول الأخرى، مع إحكام القبضة على كل من مصر والسعودية وإيران وباكستان، ولا بد أن يكون الحصار شاملاً ومانعاً ومؤثراً في حياة هذه الشعوب الإسلامية، خاصة أننا قضينا عقوداً طويلة في إقناعهم والتودد إليهم بأن كتابهم المقدس القرآن مزيّف وغير صالح لحياة البشرية، ومع ذلك ظلوا دائماً على النقيض منا، يعملون به ويروّجون لأفكاره المتطرفة». وتقول الأوراق: «إن الحرب التي سنخوضها ستكون أكثر دلالة وأهمية من الحربين العالميتين الأولى والثانية، ذلك أن الحرب الثالثة ستُشنّ تحت شعار توحيد العالم من أجل خدمة الإنسانية، وهذا الشعار لا يمكن تحقيقه في ظل وجود القرآن». وتستند الورقة إلى عبارة وردت في الجزء الأول من كتاب الفرقان الحق تقول: «إن يد الأخوّة تمتد إلى كل البشر، وإن المسيح أراد أن ينشر المحبة لتعمّ كل الأرض، وإن هذه المحبة في الأرض هي المحبة في السماء، فالبناء واحد والوعاء مشترك، ولا أحد منا يناقض الآخر أو يختلف معه» (45).
وتضيف الورقة الأمريكية اليهودية: «إن هذا المفهوم لا بد أن يتحقق من خلال سيادة كتاب العهد القديم والجديد وكتب اليهودية الحقة. إن الطريق طويل وشاق، ولكنه يبدأ بخطوة، والبداية قد تكون صعبة، إلا أننا عندما نصل إلى نهاية هذا الطريق سندرك يقيناً حجم الإنجازات والروائع التي حققناها.
إن الطريق سيكون مليئاً بالأشواك وغير معبّد، ولكن عندما نصل إلى نهايته ستكون الأذهان قد تفتحت على جانبيه، والأنوار قد أضيئت أمام البشرية جمعاء. وقد يكون من الإجحاف أن نسعى إلى إلغاء القرآن الكريم، أو أن ننظر إليه على أنه يمكن إصلاح بعض مواده ومضمونه، فهذا ضرب من الخيال وإغراق في التفاؤل بلا مبرر، كمن يقول إن المسلم على استعداد لأن يترك دينه من أجل ديانة أخرى؛ فهذا لن يجدي، لأنهم لن يفعلوا ذلك إلا من خلال الحرب وتدمير بلدانهم واقتصاداتهم ونشر الخراب والأمراض في بلادهم، حتى يستعيد من بقي منهم على قيد الحياة ذاكرة التاريخ، ويتذكروا ما فعله أجدادهم عندما أرادوا أن ينشروا هذا الدين تحت مظلة السيف والتدمير.
إن المسيحيين واليهود لم يكن مسموحاً لهم أن يحتفظوا بديانتيهم إلا في ظل قوانين تجبرهم على دفع أموال طائلة سنوياً إلى المسلمين حتى يسكتوا عنهم ويتركوهم على ديانتيهم، وعلينا نحن أن نجرّعهم من الكأس نفسها، وليذوقوا مرارة ما حدث، ولكن التجرّع هذه المرة سيكون للألم والعذاب بالمرض والجوع، من أجل أن يذهبوا إلى طريق الحق والعدل والمحبة.
إن علينا أن نقنعهم بأن لدينا رغبة أكيدة في أن يشاركونا جنة الآخرة التي تتسع لكل البشر، وأن تلك الجنة الوهمية التي يرون أنهم سيحصلون عليها ما هي إلا ضرب من الجنون، ذلك أنه ليس معقولاً أن يُكافَؤوا في الآخرة على أعمال الخراب والتدمير البشرية».
ويقول (شامحوم مينان)، وهو أحد المتطرفين اليهود المشاركين في لجنة العمل لنشر كتاب الفرقان الحق، مشيراً إلى أسلافه في القرن السادس عشر ممن أيدوا مارتن لوثر في إصلاحاته الدينية، وهي إصلاحات سياسية عبّر عنها كتاب «المسيح وُلد يهودياً»، إن الوقت قد حان للترويج لكتاب الفرقان الحق، ويقول: «القدس هي بيت العبادة الأعلى لأمة موسى وعيسى، وإن السماح للمسلمين بارتياد هذا المكان لإقامة طقوس غير مفهومة، أو ممارسة أعمال إرهابية، هو جريمة وذنب لن يغفره الله للبشر جميعاً، لأننا سمحنا لهؤلاء الفاسقين بارتياد مكان عبادته الرئيسي». ويضيف المتطرف اليهودي قائلاً: «أنا لا أفكر مثلما تفكرون في أن يُهدم معبد المسلمين، الكعبة، فهذا سيثير حنقهم وغضبهم إلى أعلى مراتب الانفعال النفسي، ولكن بمقدورنا أن نجعلهم ينظرون إلى الكعبة على أنها حجر كبير بناه الأسلاف، وأنها ليست مكاناً للعبادة. لا بد أن نجعلهم يتجهون معنا إلى قدس الأقداس في مدينة القدس والسلام».
ويقول المتطرف اليهودي في الورقة الخاصة التي أعدها ضمن أوراق العمل الأمريكية الإسرائيلية المشتركة: «إن الأكثر أهمية هو الهدم الفكري لمعتقدات راسخة وأفكار بالية ما زال المسلمون يؤمنون بها ويعتقدون أنها الأصوب. وإن كتاب الفرقان الحق الجديد لن يوجَّه إلى هذه الشعوب الإسلامية إلا بعد مرور سنوات من الغزو العسكري، ولكني أرى أن الغزو الفكري لا بد أن يبدأ في مرحلة متقدمة من الغزو العسكري، لأننا عندما نذهب إلى بلادهم لا بد أن يكونوا قد أحاطوا تماماً بالأفكار الجديدة والمبادئ الإيجابية في هذه الكتب الجديدة». ويستطرد المتطرف اليهودي قائلاً: «إن أجزاء الفرقان الحق الجديدة يجب ألا تكون متعارضة تعارضاً مطلقاً مع القرآن، بل إن المهمة الأساسية التي يجب أن نكرّس لها جهودنا هي كيفية تحقيق التلاقي بين كتبنا الدينية وكتابهم المقدس، فالأخير يحوي العديد من المبادئ الهدامة وغير المفهومة للصراع مع الآخرين. وهذه المهمة قد تبدو شاقة، إلا أنه يمكن تحقيقها من خلال المفكرين والنابهين الذين سجلوا أروع ملامح التقدم الإنساني في العصر الحديث. فعلى سبيل المثال، من المبادئ المشتركة التي يجب أن يحرص الفرقان الحق على إبرازها ما يتعلق بحقوق المرأة وحقوق الإنسان والديمقراطية ذات المبادئ المتشعبة، فمثل هذه القيم تبدو في الغالب متعسفة وغير قابلة للالتقاء مع الآخرين، كذلك فإن هناك وسائل جديدة للتفرقة بين العمل المشروع وغير المشروع. وإن نشر هذا المشروع لن يعتمد فقط على الوسائل التقليدية في نشر الكتب، فالمهمة الأساسية هي إقناع كل دول العالم وشعوبه المتميزين بأننا في سبيلنا إلى إنشاء هذا الفرقان الحق، أو الكتاب الجديد، من أجل نشر الإخاء والمودة بين جموع الإنسانية».
ويقول المتطرف اليهودي: «إن إحدى الأفكار المهمة هي أن القرآن هو الكتاب الذي يحوي العديد من المبادئ والأهداف التي تتصادم مع سلامة الإنسانية، وأن الأعمال الإرهابية المتصاعدة يجب أن تختفي من الحركة العالمية حتى يصبح الإنسان موضع التقدم الحقيقي في هذا العالم، وفي ظل هذه الأوضاع العالمية الجديدة».
وقد أشارت المعلومات إلى أن الجزء الأول من كتاب الفرقان الحق الجديد قد وُزّع في إسرائيل، وأن هناك مجموعات يهودية متعددة ومتنوعة تعكف الآن على دراسة محتوى الأجزاء الأخرى من هذا الكتاب، وأنها أبدت اعتراضها على الجزء الأول بحجة أنه لم يتضمن إشارات قوية وصريحة إلى الدور اليهودي في بناء الإنسانية، وإلى الإسهام العظيم الذي قدمه اليهود للحضارة العالمية، وكيف أن اليهود حاولوا مراراً التفاعل بإيجابية مع أبناء المسلمين، وأن الآخرين أبوا إلا أن يكون التفاعل قائماً على رفض الدين اليهودي في المقام الأول، وإجبار اليهود على اعتناق الدين الإسلامي في المقام الثاني، وأن اليهود عندما تمسكوا بأسسهم الدينية كان نصيبهم السبي وتخريب ديارهم ومحاصرتهم وقتالهم.
ويرى المتشددون اليهود أن الحركة العدائية الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط الكبير تحديداً هي التي أدت إلى أن يُسلب اليهود كل منجزاتهم التاريخية، والآن يحاربون دولتهم التي تكافح وسط العواصف الإقليمية التي لا همّ لها سوى اقتلاع إسرائيل من جذورها وإلقائها في البحر، كما يرددون.
أما الفكرة الثانية التي تراها الجماعات اليهودية فهي ضرورة الإصرار على ألّا يكون الفرقان الحق الجديد مبشّراً بالديانة المسيحية فقط، بل يجب أن يبشّر بلغة مشتركة وبفكر واحد عن الديانتين اليهودية والمسيحية معاً: «فاليهودية لن ترتدي ثوب المسيحية، ولن نحاول أن نتعارض معهم، فكلٌّ منا يسير في طريقه إلى الرب وفي هدي الإنسانية. إن حق الاختيار يجب أن يكون مكفولاً لكل فرد في هذا العالم، إما بالتوجه إلى اليهودية أو إلى المسيحية، وحتى يتحقق ذلك لا بد أن تتعمق مبادئ اليهودية بقدر متواصل عبر كل الوسائل الحديثة». ويرى نيكولاي ألفونس، الخبير المتخصص في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)، أن هدف المشروع ينقسم إلى جزأين رئيسيين: أولهما محاصرة المسلمين في دولهم، وسلبهم حرية التنقل إلى أمريكا والبلدان الأوروبية، وذلك في إطار محاصرة الإرهاب الإسلامي؛ وثانيهما الحدّ من حرية التكاثر في العالم الإسلامي عن طريق إقناع المسلمين بالقوة. وحتى يتحقق ذلك لا بد أن يحتاط العالم الغربي من وجود المسلمين بين ظهرانيه، فالبداية يمكن أن تكون بمنع زواج أي غربية، يهودية أو مسيحية، من المسلمين، لأن منع هذا الزواج المختلط سيترك آثاره المهمة في الفترة القادمة على انتشار أعداد المسلمين في الدول الغربية أو تحركاتهم غير الإيجابية، وكذلك الحال بالنسبة إلى زواج الغربي من المسلمة (46). وهي مقدمة لحصار بلاد العرب والمسلمين قبل شنّ الحرب لتفتيت دولهم.
أجزاء «تهويد المسيحية بانتظار الحرب العالمية الثالثة» (4 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)
- الجزء الرابع