الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

جذور المشكلة الكوردية (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2013

قلنا إن معركة جالديران عام 1514 كانت فاصلة في التاريخين الصفوي الفارسي والعثماني التركي، وإن كان للكورد أن يفخروا بشيء فهو أنهم قاتلوا فيها مع السلطان العثماني سليم الأول الملقب بـ«سليم ياوز» أي الصارم. وكانت مشاركة الكورد على أساس المذهب السني الذي يتبعه الكورد، ضد المذهب الشيعي للشاه إسماعيل الصفوي.

وقد لا يكون المذهب السني هو السبب المباشر الذي دفع المقاتلين الأكراد إلى الانحياز إلى الدولة العثمانية؛ فالواقع أن الإمارات الكوردية، وهي إمارات وراثية، كانت تحت سيطرة الإقطاعيين والأغوات الكورد الذين زيّنوا لرجال الدين أن الضرورة تقضي بمعاونتهم في بسط السيطرة على عموم الناس لنيل الحقوق القومية للكورد. وأمام سطوة الإقطاعيين والأغوات الكورد المتنفذين، كثيراً ما اشتكوا إلى السلطان العثماني سليم الأول من أن بعض أمراء الإمارات الكوردية هم من «القزلباش الآذريين» الشيعة الذين يتبعون المذهب الشيعي الصفوي الطائفي. وهي النقطة المركزية التي حملت السلطان سليم الأول على إعادة الاعتبار للأمراء الكورد السنة، وإبقاء الحكم الوراثي لهم مقابل دفع رسوم سنوية رمزاً لعائدية هذه الإمارات الكوردية للدولة العثمانية، وأن تشارك الإمارات الكوردية في القتال إلى جانب الجيش العثماني في فتوحاته، وأن يُذكر اسم السلطان سليم الأول على المنابر في خطبة صلاة الجمعة، كما كان الأمر في زمن الخليفة العباسي الجالس على عرش الخلافة في بغداد.

ولكن بعد مرور أربعة عقود من زمن الفتوحات العثمانية في الشرق والغرب، ظهرت التحديات الأوروبية للدولة العثمانية بعد محاصرة العثمانيين «فيينا» عاصمة النمسا عام 1529، وتوغل الأساطيل البحرية البرتغالية والهولندية والفرنسية في الخليج العربي بين عامي 1500 و1750، وكانت هناك دعوة برتغالية لمعاونة الشاه الفارسي الصفوي لضرب «مكة» قبلة المسلمين، وضريح النبي محمد (ص) في المدينة المنورة. وذلك ما دعا روسيا القيصرية إلى انتهاز الفرصة بحجة حماية الأرمن للتدخل في شؤون الدولة العثمانية، وتبعتها إنجلترا الاستعمارية بوصفها الوسيط الموثوق لحل المشاكل، وذلك لمنع الجهاد الإسلامي ضدها في منطقة الخليج.

وفي الشرق واجه السلطان العثماني تحدياً آخر تمثل في دولة المماليك وحاكمها «قانصوه الغوري» في بلاد الشام ومصر. وبحسب رواية إسطنبول، وردت إلى السلطان العثماني رسائل كثيرة تدعوه إلى بسط السيطرة على بلاد الشام ومصر بعد انتشار الفساد وظلم الشراكسة الحاكمين والضرائب التي أثقلت كاهل الناس. ورأى السلطان العثماني أن شريعة الإسلام تفرض عليه أن يقاتل الأعاجم الذين يتحكمون في رقاب المسلمين، فهاجم الجيش العثماني المماليك وحاكمهم قانصوه الغوري في معركتي «مرج دابق» قرب حلب عام 1516، و«الريدانية» على أطراف القاهرة عام 1517.

وأمام حجم التحديات والحروب المستمرة ضد سلطة سلاطين الدولة العثمانية، وجد السلطان العثماني سليمان القانوني أن عليه أن يتفاهم مع الشاه الفارسي الصفوي «طهماسب» حول مناطق النفوذ، ومنها مدينة «تبريز» عاصمة الصفويين، فوقّع معاهدة «أماسيا» عام 1555م. وكانت على حساب الكورد في مناطق كوردية من كوردستان مثل شهرزور وقارص وبايزيد. واستمر النزيف العثماني من جراء المعارك على جبهة أرض بلغت مساحتها (20) مليون كم² تمتد من أوروبا إلى مراكش، الأمر الذي حمل السلطان العثماني «مراد الرابع» على توقيع معاهدة «زهاو» عام 1639 لتنظيم الحدود بين الدولة العثمانية التركية والدولة الفارسية الصفوية. وكانت هناك قبائل كوردية على جانبي الحدود في كوردستان توالي الشاه الفارسي الصفوي أو السلطان العثماني التركي بحسب مقتضيات القوة والغلبة لهذا الطرف أو ذاك. وبإدراك فارسي صفوي لما تحملته الدولة العثمانية التركية من نزيف في الأموال والدماء، ظهرت معاهدة أرضروم الأولى عام 1823، والثانية عام 1847، واتفاقية طهران عام 1911. وكانت الدولة العثمانية في معارك متواصلة مع الروس حول شبه جزيرة القرم عام 1854 وفي أماكن أخرى على الحدود، كان هدفها تقويض حكم الخلافة العثمانية الإسلامية وتعطيل الجهاد الإسلامي في خانات آسيا الوسطى الإسلامية.

وأدرك أمراء الكورد أن حرب الدولة العثمانية مع خصومها الفرس والروس والأرمن وبلدان أوروبا الشرقية (دول البلقان) قد أخذت من قوة الكورد الكثير؛ فالدولة العثمانية تريد أن يشتبك الكورد مع الأرمن، كما يشدد العثمانيون باسم الدين الإسلامي ومذهبه السني على ضرورة مقاتلة الصفويين، ولكنهم في النهاية ليسوا على استعداد لإعطاء أي حقوق للقومية الكوردية. وزاد الطين بلة حين وقّعت الدولة العثمانية مع بلاد فارس اتفاقية الحدود المعروفة باتفاقية «قصر شيرين» (زهاب) عام 1639، وهي كافية لإحباط أي توجه كوردي في كوردستان إيران، وأي توجه كوردي في كوردستان العثمانية في تركيا.

جذور المشكلة الكوردية في العصر الحديث

بدأت المشكلة الكوردية بصورة واضحة في العصر الحديث عند اصطدام الدولتين الصفوية الشيعية والعثمانية السنية عام 1514م في معركة جالديران، التي كانت كبيرة وغير حاسمة، وكان من نتائجها تقسيم كوردستان عملياً بين الدولتين الصفوية والعثمانية.

فقد كانت كوردستان قبل سنة 1514م تسود فيها إمارات كوردية مستقلة مشغولة بتنظيم شؤونها الداخلية، لكن سوء معاملة الشاه إسماعيل الصفوي، إضافة إلى الاختلاف المذهبي بين الطرفين، جعل سكان إمارات الأكراد وبلاد الجزيرة الكوردية ينتظرون من يخلصهم من الحكم الصفوي. يضاف إلى ذلك جهود الشيخ إدريس البدليسي الذي ندبه السلطان العثماني لإقناع أمراء الأكراد ورؤساء العشائر الكوردية وحكام المقاطعات بالانقلاب على حكم الشاه إسماعيل الصفوي. لكل هذا بدأت المدن الكوردية في كوردستان تثور على الحكم الصفوي الفارسي، مثل ديار بكر وبدليس وأرزن وميافارقين وكركوك وأردبيل.

تقسيم كوردستان

في عام 1515م، بعد معركة جالديران بعام، عقد العلامة إدريس البدليسي، بتفويض من السلطان العثماني سليم الأول، اتفاقية مع الأمراء الأكراد في كوردستان العثمانية، تتضمن اعتراف الدولة العثمانية بسيادة تلك الإمارات الكوردية، وبقاء الحكم الوراثي الكوردي فيها، ومساندة الآستانة لها عند تعرضها للغزو أو الاعتداء، مقابل أن تدفع الإمارات الكوردية رسوماً سنوية رمزاً لتبعيتها للدولة العثمانية، وأن تشارك إلى جانب الجيش العثماني في أي معارك تخوضها الإمبراطورية العثمانية، إضافة إلى ذكر اسم السلطان العثماني والدعاء له على المنابر في خطبة الجمعة.

وقد تضمن هذا الاتفاق اعترافاً من الدولة العثمانية بالسلطات الكوردية في تلك الإمارات في كوردستان العثمانية، ولم يكن ذلك شيئاً يسيراً في مسيرة الأكراد؛ إذ قدّم لهم اعترافاً بوجود المشكلة الكوردية التي يقتضي الأمر حلها، حتى لو كان الحل مؤقتاً.

ومنذ ذلك الحين تغيرت مخططات الأكراد لمستقبلهم في كوردستان، وصاروا يتطلعون إلى انفصال المنطقة الكوردية (كوردستان) عن كل الدول التي يعيشون فيها، وإقامة دولة كوردية مستقلة في كوردستان تقوم على وحدة العرق الكوردي لا على أي رابطة أخرى، ومن ثَمّ الانفصال الكوردي عن الخلافة الإسلامية الكبرى القائمة في عصرهم، وهي الخلافة العثمانية.

ولكن في عام 1555م عقدت الدولتان العثمانية والصفوية اتفاقية ثنائية بين السلطان العثماني سليمان القانوني والشاه الصفوي طهماسب، عُرفت باتفاقية «أماسيا»، وذلك بعد ثلاث حملات عسكرية قام بها السلطان سليمان القانوني واستولى فيها على مدينة تبريز عاصمة الصفويين وعلى عدد من المدن. ولكن في كل مرة كان الصفويون يستغلون عودته إلى بلاده فيهاجمون هذه المدن مرة أخرى. وفي آخر حملة وصلته رسل الشاه طهماسب الصفوي وهو في مدينة أماسيا التركية، فقبل أن يوقع المعاهدة هناك رغبة في التفرغ للميادين الأخرى التي كان يواجه فيها صعوبات شتى. وتُعدّ معاهدة أماسيا أول معاهدة رسمية بين الدولتين، وتم بموجبها تكريس تقسيم كوردستان رسمياً بوثيقة رسمية نصت على تعيين الحدود بين الدولتين، وخاصة في مناطق كوردية صرفة مثل شهرزور وقارص وبايزيد، كما حددت حدود قواطع بغداد وتبريز وأذربيجان؛ مما شكّل صفعة لآمال الأكراد في الحصول على استقلالهم في كوردستان.

وقد تم توقيع عدة معاهدات تالية لاتفاقية أماسيا، منها معاهدة «زهاو» أو تنظيم الحدود عام 1639م، التي أكدت ما جاء في معاهدة أماسيا بشأن تعيين الحدود، مما زاد من تعميق المشكلة الكوردية في كوردستان. ثم عُقدت بعد ذلك معاهدات أخرى مثل معاهدة «أرضروم الأولى» (1823م)، و«أرضروم الثانية» (1847م)، واتفاقية طهران (1911م)، واتفاقية تخطيط الحدود بين الدولتين الإيرانية والعثمانية في الآستانة عام 1913م، وكذلك بروتوكول الآستانة في العام نفسه.

وكل هذه المعاهدات، من معاهدة قصر شيرين (زهاب) ومعاهدتي أرضروم الأولى والثانية وصولاً إلى اتفاقية طهران 1911 واتفاقية تخطيط الحدود عام 1913، كرست تقسيم كوردستان. ثم كانت اتفاقية سايكس بيكو في أيار/مايس 1916 التي حطمت آمال الأكراد في تدويل القضية الكوردية.

أسهمت هذه المعاهدات في تكريس تقسيم إقليم كوردستان، وقد زاد من حدة مشاعر الغضب الكوردية بدء انتشار الأفكار القومية الكوردية في الشرق مع بدايات القرن التاسع عشر، حين بدأت الدول الأوروبية تحتك بكوردستان عن طريق الرحالة الأجانب والإرساليات التبشيرية، وكذلك عن طريق بعض القنصليات، وأهمها البريطانية والروسية والفرنسية ثم الأمريكية.

وقد مارست كل هذه الجهات أدواراً مهمة في تحريض العشائر الكوردية في كوردستان ضد الدولة العثمانية خاصة، ثم الإيرانية، لكي تحصل الدول الأوروبية على مزيد من الامتيازات، أو يزداد نفوذها في الدولة العثمانية خاصة؛ وذلك بغية تحقيق مآربها في إثارة القلاقل داخل الدولة العثمانية لتتمكن من إضعافها عن طريق إثارة المشاكل الداخلية.

دخلت القضية الكوردية في كوردستان منعطفاً جديداً مع اشتداد الصراع الدولي في المنطقة، وخاصة بين بريطانيا وروسيا؛ إذ أخرج هذا الصراع القضية الكوردية من الحيز الإقليمي إلى النطاق الدولي، فقد بدأت روسيا ثم بريطانيا في وقت مبكر اتصالاتهما بالأكراد في كوردستان، كما حاولت فرنسا الأمر ذاته.

كما كانت أمريكا موجودة في المنطقة وفي كوردستان، على عكس ما كان شائعاً من تطبيقها لمبدأ «مونرو» الذي يؤكد عدم التورط في المشاكل السياسية خارج حدود أمريكا.

وفي الوقت ذاته التقت رغبات الدول العظمى بمحاولات بعض الأكراد التقرب من الأجانب بحثاً عن حل للقضية الكوردية في كوردستان؛ وكانت جهود الدبلوماسي الكوردي شريف باشا السليماني واضحة في هذا المجال، إذ حاول الاتصال بالإنجليز عام 1914م ليعرض خدماته، لكن الحكومة البريطانية لم تستجب له.

عندما نشبت الحرب العالمية الأولى سنة 1914م لم تكن للأكراد مصلحة فيها، وبرغم ذلك وجد الأكراد في كوردستان أنفسهم وقد جرفتهم أحداث الحرب إلى الاشتراك في القتال على الجبهتين القوقازية والعراقية؛ فقد انضم الأكراد إلى جانب تركيا في الحرب العالمية الأولى، وتمكن العثمانيون الأتراك من توجيههم لقتال الأرمن والآثوريين (الآشوريين) الذين خانوا تركيا العثمانية وتمردوا عليها وانضموا إلى جبهة الحلفاء المعادية. وقد أصيب الأكراد بخسائر فادحة، شأنهم في ذلك شأن الشعوب الأخرى التي تورطت في الحرب العالمية الأولى، ولكنهم أثبتوا أنهم مفيدون للعثمانيين الأتراك في أداء المهمات التي أنيطت بهم.

ضُربت الجهود الكوردية للاستقلال في كوردستان إثر اتفاقية سايكس بيكو في أيار/مايس عام 1916م، حين اجتمع وزراء خارجية روسيا وبريطانيا وفرنسا ودارت بينهم مباحثات سرية حول الترتيبات المقبلة للشرق الأوسط، بعد أن أصبحت هزيمة ألمانيا وحليفتها الدولة العثمانية وشيكة. وتضمنت اتفاقية سايكس بيكو تقسيم تركة الدولة العثمانية، وبما أن القسم الأكبر من كوردستان كان تحت السيطرة العثمانية فقد شملها التقسيم. وهذا الوضع الجديد عمّق بشكل فعال تعقيد المشكلة الكوردية في كوردستان؛ إذ تُعدّ معاهدة سايكس بيكو 1916 أول معاهدة دولية اشتركت فيها ثلاث دول كبرى (بريطانيا وروسيا وفرنسا)، وقد حطمت آمال الكورد في تحقيق حلمهم في تقرير المصير في بلادهم ووطنهم كوردستان.

ما بعد الحرب

تحرك الأكراد لاستثمار الظروف الدولية وهزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى لنيل مطالبهم، والاستفادة من مبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون في حق الشعوب في تقرير المصير. وقد بذلوا جهوداً مضنية لإيصال صوتهم إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919م، ولا سيما بعد أن صرح رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وودرو ويلسون بحق الشعوب في تقرير مصيرها في بنوده الأربعة عشر المشهورة. ولم يكن للأكراد في كوردستان كيان سياسي مستقل حتى يشارك وفدهم رسمياً في ذلك المؤتمر، شأنهم شأن القوميات والشعوب المضطهدة الأخرى، ولذلك خوّل الشعب الكوردي، من خلال العشائر والجمعيات السياسية الكوردية، شريف باشا السليماني تمثيله والمطالبة بالمطالب الكوردية المشروعة.

بدأ الأكراد في كوردستان يركزون جهدهم على مطالبة الهيئات الدولية التي احتلت الآستانة بتوحيد المناطق الكوردية في كوردستان ومنحها حكماً ذاتياً؛ فراجعوا لهذا الغرض اللجان الأوروبية والأمريكية التي تكونت لاستفتاء الشعوب التي انفصلت عن الإمبراطورية العثمانية. كما رأى مفكرو الأكراد وجوب توجيه مساعيهم الوطنية إلى خارج الدولة العثمانية بعد أن رفضت وزارة فريد باشا التركية منح الاستقلال الذاتي للأكراد. وقد ركز الأكراد اهتمامهم على مؤتمر الصلح الذي انعقد في باريس في آذار/مارس 1919م، خاصة أن هذا العام قد حفل بالآمال بالنسبة إلى الأكراد في كوردستان والعرب والأرمن، فقد أقبلت سنة 1919 ومعها وعود الرئيس الأمريكي ويلسون بتقرير مصير الشعوب.

وقد أصدر الحلفاء، بعد استكمال تحضيراتهم لمؤتمر الصلح في باريس، قراراً في كانون الثاني/يناير 1919م نص على ما يأتي: «… إن الحلفاء والدول التابعة لهم قد اتفقوا على أن أرمينيا وبلاد الرافدين وكوردستان وفلسطين والبلاد العربية يجب انتزاعها بكاملها من الإمبراطورية العثمانية».

وانطلاقاً من هذا القرار قدّم الممثل الكوردي شريف باشا السليماني إلى مؤتمر الصلح في باريس مذكرتين مع خريطتين لكوردستان، إحداهما بتاريخ 21/3/1919م، والأخرى يوم 1/3/1920م. كما طلب من القائمين على شؤون المؤتمر تشكيل لجنة دولية تتولى تخطيط الحدود بموجب مبدأ القوميات، لتصبح كوردستان هي المناطق التي تسكنها الغالبية الكوردية. وفضلاً عن ذلك جاء في المذكرة الأولى للممثل الكوردي شريف باشا السليماني: «إن تجزئة كوردستان لا يخدم السلم في الشرق…».

كما جاء في المذكرة الثانية: «إن العثمانيين الترك يتظاهرون علناً بأنهم مع المطالب الكوردية في كوردستان العثمانية، وأنهم متسامحون مع أكراد كوردستان تركيا، لكن الواقع لا يدل على ذلك مطلقاً…». وطلب شريف باشا رسمياً من رئيس مؤتمر الصلح في باريس، جورج كليمنصو رئيس وزراء فرنسا، أن يمارس نفوذه مع حكومة الآستانة العثمانية لمنع اضطهاد الشعب الكوردي في كوردستان العثمانية. وجاء في رسالته إلى كليمنصو: إنه منذ أن تسلمت جماعة الاتحاد والترقي (العلمانيون) الترك السلطة في الآستانة تعرض جميع الذين يحملون آمال الحرية القومية للاضطهاد المستمر، وإن من الواجب الإنساني على المجلس الأعلى للتحالف أن يمنع إراقة الدماء مجدداً، وإن السبيل إلى ضمان السلم في كوردستان هو التخلي عن مشروع تقسيم هذه البلاد.

ودلّ كل ذلك على أن المشكلة الكوردية تقدمت خطوة كبيرة إلى الأمام في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وعندما رأى شريف باشا السليماني أن تعاطف الدول الأوروبية كبير مع القضية الأرمنية، ربما بسبب الانتماء الديني للأرمن، استطاع أن يعقد معاهدة ائتلافية بينه وبين نوبار باشا رئيس الوفد الأرمني في كانون الأول/ديسمبر سنة 1918م في باريس، لحل المسائل المتنازع عليها بين الأكراد والأرمن حلاً سلمياً دون ترك فرصة للقوى الأخرى للتدخل فيها، وعلى أساس أن تكون كوردستان دولة كوردية مستقلة عن الدولة الأرمنية المزمع تأليفها.


أجزاء «جذور المشكلة الكوردية» (4 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع

الجزء الثاني ←