الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
جذور المشكلة الكوردية (الجزء الثالث)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2013
الكورد وكوردستان في العهود الإسلامية
هؤلاء الطغاة
أصحيحٌ يا ربي
أنهم مرّوا من بين أناملكَ الشفيفةِ
وتحمّلتَهم؟!— عدنان الصائغ، قصيدة من ديوان «تأبّط منفى» (1)
1. الكورد في العهد العباسي
تم فتح المنطقة الكوردية (كوردستان) أو احتلالها في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، فبتوجيه منه أرسل سعد بن أبي وقاص جيشاً بقيادة هاشم بن عتبة لاحتلال جلولاء الكوردية في كوردستان العراق (2). ويقول السيد صلاح الدين الجوزي: «دخل الكورد في الإسلام بعد فتح بلادهم على يد الصحابي الجليل عياض بن غنم رضي الله عنه، الذي فتح معظم بلاد الكورد في كوردستان من جهة الجزيرة الكوردية (سنة 18 هجرية)، وكان القعقاع بن عمرو رضي الله عنه قد فتح حلوان الواقعة في جنوب كوردستان قبل ذلك (سنة 16 هجرية)» (3). ولم يكن الفتح العربي الإسلامي سهلاً ولا المقاومة الكوردية ضعيفة، إذ دافع سكان هذه المناطق الكوردية عن أرضهم بصلابة فائقة وقدموا الكثير من التضحيات. وكان الفاتحون العرب المسلمون، المحتلون العرب الجدد، قساة على سكان هذه المناطق الكوردية بسبب دفاع القبائل الكوردية عن أرضها وأرض الآباء والأجداد، تماماً كما حصل في المعارك التي قادها خالد بن الوليد في العراق وفارس.
وتشير الكاتبة جغالينا إلى حقيقة المقاومة ضد المحتلين الجدد من العرب المسلمين بقولها: «لم يتقبل الكورد الدين الإسلامي مباشرة، فقد قاوموا الفتوحات العربية الإسلامية بقوة، بالرغم من أن هذا الدين الجديد قد راق المحاربين الكورد وأعجبهم، كما أعجب من قبلهم الكورد القاطنين على أراضي القبائل العربية. وأصبح الإسلام يحاصر تدريجياً المعتقدات الدينية التي كانت سائدة في الأوساط الكوردية قبل ذلك» (4). ومنذ بدء احتلال هذه المنطقة الكوردية وقعت معارك دامية كثيرة، بما فيها العديد من الانتفاضات الشعبية والمسلحة، في محاولة من سكانها الكورد للتخلص من الهيمنة التي فرضت عليهم ومن جور الحكام، وخاصة في العهود التالية لحكم الخلفاء الراشدين. وتدريجاً، وعبر عمليات وإجراءات كثيرة، دخلت النسبة الأكبر من الكورد في الدين الإسلامي بعد أن كانت تدين بالزرادشتية، كما كانت ديانة الكثير من الشعوب الإيرانية حينذاك، في حين حافظ الكورد الإيزيديون على ديانتهم الإيزيدية التي تعتقد بالثنائية في الواحد، بخلاف الديانة الزرادشتية التي تفصل بين الاثنين، أي بين الخير والشر، بين أهورامزدا وأهريمان، باعتبارهما قطبين متناقضين ومتقاطعين، وتنظر إليهما بشكل مستقل أحدهما عن الآخر. وأصبحت المنطقة الكوردية، أو كوردستان الحالية، بكل أجزائها تقريباً خاضعة للدولة الأموية ثم للدولة العباسية. وفيما بعد كان الصراع حولها بين الدولة العثمانية والدولة الفارسية دموياً وقاسياً، عانى منه الشعب الكوردي خاصةً الأمرّين، إذ كانت ساحته الأساسية كوردستان بالذات ووقوده الشعب الكوردي ذاته. وفي الوقت نفسه عانت القوميات والطوائف الدينية الأخرى كثيراً من الحكم العثماني أو الحكم الفارسي، بسبب السياسات الشوفينية والعنصرية مرة، والدينية المتعصبة مرة أخرى، أو الاثنتين معاً، فكانت المعاناة عندها أشد وأقسى.
وفي العهد العباسي تولى العديد من المرشحين للخلافة العباسية، قبل توليهم الخلافة، الولاية على هذه المنطقة الكوردية الحساسة، مثل أبي جعفر المنصور الذي ولي الجزيرة وكوردستان وأذربيجان في زمن الخليفة العباسي أبي العباس السفاح، أما الخليفة العباسي المهدي فنصّب هارون الرشيد والياً على كوردستان وأذربيجان وسائر البلاد الغربية (5). وكانت هذه المنطقة الكوردية مليئة بالأحداث، وكان الكورد يشكلون الغالبية العظمى من سكانها، مع قوميات مختلفة وخاصة الآشورية والكلدانية التي كانت تؤمن بالمسيحية، وهم أيضاً من سكان البلاد الأصليين كالأكراد، إضافة إلى وجود العرب والفرس. وكانت غالبية سكان كوردستان قبل الاحتلال العربي الإسلامي تؤمن بالديانات العراقية والفارسية والكوردية القديمة، ومنها العقيدة البابلية والآشورية والزرادشتية والزرفانية والإيزيدية والمثنوية والمانوية، التي سادت حينذاك مناطق كوردستان إيران وأجزاء من كوردستان العراق الحالي، قبل دخول الديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية إلى المنطقة الكوردية، إضافة إلى استمرار الديانة الإيزيدية. ولهذا السبب كان المدونون لتلك الحقبة الزمنية يتحدثون عن التداخل والتشابك في العادات والتقاليد والطقوس الدينية التي كان يمارسها السكان في كوردستان (6). وجدير بالإشارة أن الميديين الكورد، وهم كما أشرنا سابقاً من القبائل الكوردية القديمة، كانوا يؤمنون بالزرادشتية، ويفصلون، كما كان الحال عند الفرس في حينها، بين الخير والشر. وتشير المؤرخة جغالينا، استناداً إلى المؤرخ الإيراني رشيد ياسمي، إلى «أن الكثير من التقاليد التي يتميز بها الزرادشتيون، وترتبط بعبادة النار، لا تزال موجودة في الأوساط الكوردية حتى يومنا هذا. ولا تزال عبادة الأشجار المقدسة والأصول تمارس حتى الوقت الحاضر في أوساط الكورد المسلمين؛ فهناك العديد من الأشجار تتدلى منها قطع أقمشة صغيرة (خليع)، ويتردد الناس عليها ليصلّوا لها ويتبركوا بها، كما أن غالبية السكان في المناطق الكوردية في كوردستان إيران لا تراودها الشكوك في صحة الطابع المقدس لمثل هذه الأماكن» (7). ويمكن تأكيد ذلك بالنسبة إلى كورد كوردستان العراق وكوردستان تركيا وكوردستان إيران؛ فمن عاش هناك ومرّ بالمناطق الجبلية والغابات في كوردستان سيجد هذه الظاهرة المتوارثة عبر الأجيال على بعض الأشجار. وعند بقية المسلمين في سائر أنحاء العراق يجد الإنسان الكثير من العادات والتقاليد الدينية العراقية القديمة، منذ عهود السومريين والأكديين والبابليين والآشوريين والكلدانيين، ما تزال مستخدمة ومتداخلة مع الطقوس الإسلامية، دون أن يميز الإنسان بينها، وكأنها متكاملة مع بعضها.
وقبل دخول الإسلام المنطقة الكوردية كانت اليهودية والمسيحية قد وجدتا طريقيهما إلى المنطقة أيضاً، فاعتنق الآشوريون والكلدانيون الديانة المسيحية على تنوع مذاهبها فيما بعد، في حين حافظ الكورد على ديانتهم القديمة (الزرادشتية). وعند دخول الإسلام إلى المنطقة الكوردية اعتنقت غالبية الكورد، على مدى سنوات طويلة وبطرق مختلفة، الديانة الإسلامية، واحتفظت غالبية المسيحيين بديانتها، كما احتفظت غالبية الكورد الإيزيديين بديانتها القديمة الإيزيدية التي ما زالت عليها حتى يومنا هذا، رغم الإجحاف الكبير والاضطهاد اللذين تعرض لهما أتباع هذه الديانة القديمة (8)، وهي تعبر عن قدم السكان الكورد وأصالتهم في المنطقة الكوردية (كوردستان). وفي فترات مختلفة حتى الوقت الحاضر نجد في كوردستان ديانات ومذاهب وطرقاً دينية أخرى كثيرة، مثل الكاكائية (أهل الحق) و«العلي اللهية» أو الشبكية، على سبيل المثال لا الحصر (9).
كان سكان هذه المناطق من الكورد وغيرهم يعانون من صعوبات العيش ومن الاستغلال، وكان بعض حكام المنطقة الأقوياء يحاولون انتزاع حقهم في الحكم في منطقتهم الكوردية والاستقلال عن الخلافة العباسية، وفي مقابل ذلك كان الخلفاء العباسيون يشنون الحروب ضدهم، وينزلون عند تحقيق النصر أقسى العقوبات بالحاكم وبالقوى الكوردية التي ساندته. وغالباً ما منح العباسيون الأمان للحكام الكورد في كوردستان ليستسلموا للمنتصر، ولكنهم تعرضوا لأبشع ميتة بعد تسليم أنفسهم، ويقدم كتاب «شرفنامه» أمثلة صارخة على ذلك. وكان الكورد يتمردون على الحكم العباسي لا بهدف فرض الاستقلال الكوردي فحسب، بل لرغبتهم أيضاً في عدم دفع الضرائب العالية التي كانت ترهق كاهلهم، وقبل ذلك كاهل الناس الفقراء. وشهدت هذه المنطقة الكوردية حركات سياسية تمردية وثورية كوردية كبيرة، كما كان بعض المتمردين الكورد يقطعون الطرق على المارة بين بغداد والموصل، أو بين مختلف المدن الكوردستانية، أو باتجاه كوردستان فارس أو كوردستان تركيا، تماماً مثلما كانت تفعل العشائر الأخرى غير الكوردية في المناطق الأخرى. ويمكننا هنا الإشارة إلى بعض تلك الحركات الكوردية التي لازمت حكم العباسيين من بدايته حتى نهايته، والتي كانت في الوقت نفسه السبّاقة إلى مواجهة اجتياح المغول وحكم العائلة الإيلخانية في العراق.
يشير محمد أمين زكي في كتابه «خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان»، استناداً إلى الكثير من المصادر، إلى أن الكورد اشتركوا «في الثورات والقلاقل التي نشبت في كوردستان وهمذان أيام أبي جعفر المنصور» (10). وثار الكورد في عهد المعتصم في المناطق المحيطة بالموصل بقيادة جعفر بن مهر حسن (مير حسن) عام 225 هجرية/840 ميلادية، وكذلك في عهد المقتدر بالله، وفي فترة حكم البويهيين (11)، ووقعت في هذه المناطق معارك غير قليلة بين جيوش الخلافة العباسية وقوى الكورد (12).
وكان القادة العسكريون العباسيون يرتكبون أبشع الجرائم ضد الكورد المنتفضين والثوار بعد اندحار تلك الحركات الكوردية، أملاً في تلقين الكورد في كوردستان درساً قاسياً وشرساً يكفون بعده عن القيام بأعمال مماثلة. وبرهنت الأحداث على أن الكورد لم يكفوا عن ذلك، واستمروا في المقاومة ورفض الهيمنة العباسية عليهم، كما أن الحكام المستبدين لم يتعلموا من إصرار الكورد على طلب الحرية وضرورة تمتعهم بها، بل واصلوا فرض الهيمنة بالقوة وتنظيم الحملات العسكرية والمجازر الدموية ضد السكان الأكراد في كوردستان.
وعند تتبع الأحداث الخاصة بفترة حكم آل بويه يُلاحظ أنه لم يكن للكورد فيها عهد راحة واستقرار، بل تميزت باشتداد الخلافات والتوترات مع مركز الخلافة العباسية. كما أدى الاختلاف المذهبي بين البويهيين الشيعة الزيدية والكورد السنة دوره في تشديد تلك النزاعات ونضال الكورد ضد الهيمنة البويهية الشيعية. ويشير محمد أمين زكي في هذا الصدد، نقلاً عن ابن الأثير، إلى أن مقاطعة شهرزور كانت مسرحاً للقتال والفتن مرات كثيرة، أرسل على أثرها معز الدولة جيشاً بقيادة سبكتكين عام 344هـ/954م حاصرها فترة غير قصيرة، ثم اضطر إلى رفع الحصار عنها. وتكرر إرسال الجيش إلى كوردستان والاستيلاء على مدنها من جانب عضد الدولة عام 368هـ/978م، ودحر قوات أبي تغلب (فضل الله بن ناصر الدولة بن حمدان) الذي قُتل عام 369 هجرية (978م). كما أرسل عضد الدولة جيشاً آخر لمحاصرة شهرزور عام 369 هجرية (978م) من أجل الفصل بين الكورد وعشيرة بني شيبان العربية التي كانت متفقة مع الكورد ومختلطة بهم، وانتهى ذلك بهرب بني شيبان وتعقبهم، وقُتل منهم خلق كثير، كما يشير إلى ذلك ابن الأثير. وبعد عام واحد فقط (370 هجرية/979م) أرسل عضد الدولة جيشاً للقضاء على إمارة حكاري الكوردية، فحاصر الناس الكورد فيها، ثم تفاوض مع المحاصَرين و«أعطاهم الأمان والمواثيق والعهود للتسليم والخضوع»، وبعد أن خضعوا حسب الشروط غدر بهم عضد الدولة البويهي وقتلهم عن بكرة أبيهم (13)، وهو ديدن غالبية الحكام المستبدين والمحتلين. وعن صفات هذا الحاكم المستبد الجائر السفاح عضد الدولة البويهي يتحدث ابن الأثير وكأنه لا يتحدث عن سفاح، بل عن إنسان سويّ السيرة فاضل السلوك، إذ يقول: «كان عاقلاً فاضلاً حسن السياسة كثير الإصابة شديد الهيبة بعيد الهمة ثاقب الرأي محباً للفضائل وأهلها باذلاً في موضع العطاء مانعاً في أماكن الحزم ناظراً في عواقب الأمور» (14).
وفي الفترة الواقعة بين 990 و1096م قامت الدولة المروانية الدوستكية الكوردية في القسم الشمالي من كوردستان، وكانت عاصمتها ميافارقين (سلفان اليوم) (15)، وكذلك الدولة الحسنوية البرزيكانية الكوردية في القسم الشرقي من كوردستان (من نهاوند شرقاً إلى شهرزور غرباً) في الفترة الواقعة بين 950 و1096، وكانت عاصمتها دينور (16).
الجذور التاريخية للكورد
يدور السؤال الجدلي حول منشأ الأكراد، الذي كان ولا يزال موضوعاً ساخناً للنقاش، حول فرضيتين:
جذور الأكراد نشأت من الشعوب الهندو-أوروبية.
جذور الأكراد نشأت من شعب مستقل ليس هندياً ولا أوروبياً، يسمى شعوب «جبال زاكروس الكوردية»، التي كانت تقطن كوردستان منذ فجر التاريخ، وهي شعوب كوردية من «لولو، كوتي، كورتي، جوتي، جودي، كاساي، سوباري، خالدي، ميتاني، هوري، نايري». وانضمت إلى هذا الشعب الكوردي، حسب اعتقاد هذا التيار، الشعوب الهندو-أوروبية التي هاجرت إلى كوردستان في القرن العاشر قبل الميلاد، واستوطنت كوردستان مع شعوبها الكوردية الأصلية السابقة هناك، وهم «الميديون والكاردوخيون» الكورد.
ومن المفارقات في تاريخ هذا الجدل أن الغرض الأساسي منه لم يكن أكاديمياً بل سياسياً، إذ كان الهدف منه إثبات أن منشأ الأكراد يرجع إلى مناطق خارج بعض الدول التي يستوطنونها في الوقت الحاضر. ونتيجة لانعدام الغرض العلمي في هذه المناقشات غير المثمرة نشأت ثلاثة تيارات فكرية:
تيار مكون من القوميين العرب وأصحاب حضارة وادي الرافدين القديمة وبعض المستشرقين والمؤرخين، مقتنعون بأن أصول الأكراد هندو-أوروبية، وأنهم قدموا من مناطق خارج البقعة الجغرافية التي يقطنونها حالياً (كوردستان).
تيار مكون من القوميين الأكراد، مقتنعون بأنهم شعب كوردي مستقل بذاته له خصائص تميزه عن بقية الشعوب، وقد حافظ على جميع مظاهر هذه الخصوصية من الزي واللغة والعادات والتقاليد الكوردية، على الرغم من التشابه في بعض النواحي اللغوية مع الشعوب المجاورة. ويورد الأكراد الاحتفال بعيد نوروز مثالاً على ذلك؛ فبالرغم من احتفال الشعوب المجاورة بهذا العيد، فإن للأكراد مفهوماً مختلفاً تماماً لعيد نوروز (عيد رأس السنة) مقارنة بمفهوم إيران وأفغانستان وألبانيا وباكستان لهذا العيد.
تيار مكون من الأكراد أنفسهم، مقتنعون بأن أصول الأكراد هندو-أوروبية، وقد نشأ هذا التيار ردةَ فعل على ما اعتبره تهميشاً ومحاربة من قبل الشعوب المجاورة، فهو يحاول إرجاع أصول الأكراد إلى عروق آرية أو أوروبية.
ولاتباع المنهج الأكاديمي في البحث عن جذور الأكراد لجأ الباحثون وعلماء الآثار إلى البحث عن شعوب قديمة في المناطق التي كان يسكنها الأكراد منذ القدم، وكانت فكرة البحث هي التعرف على الشعوب التي كانت مستقلة من ناحية اللغة، وتربط أفرادها خصائص مشتركة تميزهم عن بقية الشعوب المعروفة في بلاد ما بين النهرين. وتم من خلال هذه الأبحاث والدراسات التعرف على بعض الشعوب التي قد تكون الجذور القديمة للأكراد، وهذه الشعوب الكوردية هي:
الشعب الكوردي الذي سكن منطقة «تل حلف»، التي كانت موقعاً لمدينة-دولة غوزانا الآرامية، وتقع هذه المنطقة في شمال شرق سوريا (كوردستان سوريا) في محافظة الحسكة الكوردية، ويعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث، وهي بالقرب من نهر الخابور. وتوجد مخطوطات في أرشيف الملك الآشوري أدد نيراري الثاني تفيد أن هذه المدينة-الدولة كانت مستقلة لفترة قصيرة، إلى أن سيطرت عليها الملكة الآشورية سميراميس سنة 808 قبل الميلاد.
الهوريون، أو شعب هوري الكوردي، الذي كان يقطن شمال الشرق الأوسط في حدود سنة 2500 قبل الميلاد، ويعتقد أن أصولهم من القوقاز أو ما يسمى القفقاس، وهي منطقة آسيوية-أوروبية بين تركيا وإيران والبحر الأسود وبحر قزوين. وسكن هؤلاء الأكراد الهوريون أيضاً بالقرب من نهر الخابور، وشكلوا لأنفسهم ممالك كوردية صغيرة من أهمها مملكة ميتاني الكوردية في شمال سوريا عام 1500 قبل الميلاد. ويعتقد أن الهوريين الكورد انبثقوا من مدينة أوركيش الكوردية في كوردستان سوريا، التي تقع قرب مدينة القامشلي. وقد استغل الهوريون الكورد ضعفاً مؤقتاً للبابليين فحاصروا بابل وسيطروا عليها في حدود سنة 1600 قبل الميلاد. ومن هذا الشعب الهوري الكوردي انبثق الميتانيون الكورد أو شعب ميتاني، ويعتبر المؤرخ الكوردي محمد أمين زكي (1880-1948) في كتابه «خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان» شعبي هوري وميتاني الكورديين من الجذور الأولى للشعب الكوردي. وكانت نهاية مملكة شعب هوري الكوردي على يد الآشوريين.
ذكر المؤرخ اليوناني زينوفون (427-355 قبل الميلاد) في كتاباته شعباً وصفهم بـ«المحاربين الأشداء ساكني المناطق الجبلية» (كوردستان)، وأطلق عليهم تسمية الكاردوخيين الكورد، الذين هاجموا الجيش الإغريقي أثناء عبوره المنطقة الكوردية (كوردستان) عام 400 قبل الميلاد. وكانت تلك المنطقة، استناداً إلى زينوفون، جنوب شرق بحيرة وان الواقعة في شرق تركيا (كوردستان تركيا الحالية). ولكن بعض المؤرخين يعتبرون الكاردوخيين الكورد شعوباً هندو-أوروبية انضمت لاحقاً إلى الشعب الكوردي، الذي يرجع في اعتقاد البعض بجذوره إلى شعوب جبال زاكروس الكوردية غير الهندو-أوروبية.
أجزاء «جذور المشكلة الكوردية» (4 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)
- الجزء الرابع