الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
جذور المشكلة الكوردية (الجزء الرابع)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2013
تاريخ الأكراد كما ورد في موسوعة ألمانية
الأكراد شعب مستقل بحد ذاته، يبلغ عدد نفوسهم حوالي 45 إلى 50 مليون نسمة. ويتراوح عدد الأكراد الذين يعيشون في كوردستان تركيا ما بين 20 و23 مليون نسمة، ويعيش منهم 13 مليون نسمة في كوردستان إيران، و10 ملايين في كوردستان العراق، و4.5 ملايين في كوردستان سوريا، و1.7 مليون نسمة في أوروبا الغربية، و1.2 مليون نسمة في دول الاتحاد السوفييتي السابق، كما يعيش عدد قليل من الأكراد في لبنان وإسرائيل.
أصل الأكراد
يحتمل أن أجداد الأكراد (أسلافهم) سكنوا، أثناء الهجرة الكبيرة الثانية للآريين الهندوجرمانيين في حدود الألفي سنة قبل الميلاد، منطقة غرب إيران (كوردستان إيران)، التي أطلق عليها فيما بعد اسم كوردستان.
ويتكون الشعب الكوردي من عدة شعوب وقبائل كوردية، وثقافتهم ولغتهم وأساطيرهم الكوردية متأصلة في الثقافة الإيرانية الفارسية أو متقاربة معها.
وتوجد ثلاث نظريات حول منشأ الأكراد وأصلهم، مع مراعاة اختلاط الشعوب الذي حصل طوال هذه الفترة الزمنية:
أسس أجداد الهوريين (الحوريين) الكورد مملكة ميتاني (Mittani) الكوردية نحو سنة 1500 قبل الميلاد، وأُطلق عليها اسم «خوري» أو «كوري» (Churri)، وتبعاً لهذه النظرية اشتُق منه الاسم الكوردي. ومنطقة استيطان الهوريين مطابقة بالضبط لحدود كوردستان.
والمنشأ الثاني من الميديين الكورد، إذ اشتُقت كلمة «كورمانج» من «كور/كورد» و«مانج» للميدي، ومعظم الأكراد يعتبرون أنفسهم من سلالة الميديين الكوردية. وقد تعززت هذه النظرية من خلال الكلمة الميدية «تورد/كورد» التي تعني «قوي»، ويجد المرء هذه الصيغة في الكورمانجية، إحدى اللهجات الكوردية، على أن الترجمة الميدية تكون «ميدي قوي».
أما النظرية الثالثة فهي أنهم من أصل الإسكيتيين (Skythen) الكورد.
ويذكر كسينوفون (Xenophon) الإغريقي، الفيلسوف والمؤرخ المولود في أثينا عام 444 قبل الميلاد، وهو أحد تلاميذ سقراط، في كتابه عن حملته العسكرية من البحر إلى الأراضي الآسيوية المرتفعة، الذي أصبح فيما بعد عملاً تاريخياً بعنوان «الصعود» (Anabasis)، المجلد الثالث، الصفحات 5 و15، أن أصل الكورد من الكاردوخيين (Karduschen) الكورد.
إلا أن معظم المؤرخين وعلماء الآثار يشكّون في صحة المعلومات القائلة إن أغلب الإسكيتيين سكنوا في المنطقة التي ظهر فيها الشعب الكوردي، لأن وطن الإسكيتيين كان في كازاخستان وجنوب روسيا وأوكرانيا، فلم تثبت صحة هذه النظريات علمياً. وقد ظهر الاسم الجغرافي لكوردستان للمرة الأولى في المراجع والمصادر العربية والسلجوقية.
تاريخ الأكراد منذ فجر التاريخ
من وجهة نظر الأكراد، كان عصرهم المزدهر في القرن السابع قبل الميلاد في مملكة الميديين الكوردية. وفي القرن الثاني عشر أسس صلاح الدين الأيوبي، من قبيلة الهذبانية الكوردية، الدولة الأيوبية في سوريا.
وامتدت الدولة الأيوبية إلى شرق كوردستان وغربها وخراسان ومصر واليمن، ولم تكن الدولة الأيوبية مملكة كوردية بأي حال من الأحوال، إذ كان معظم سكانها عرباً وشعوباً أخرى؛ إنها كانت دولة إسلامية، لأن سكانها كانوا يسمّون أنفسهم مسلمين، لا عرباً وأكراداً.
القرون الوسطى (العصر الوسيط)
كانت معركة جالديران سنة 1514م عند مدينة جالديران (Caldiran) بالقرب من وان (Van) بين العثمانيين والصفويين نقطة تحول كبيرة، إذ خضع الشاه إسماعيل الأول الصفوي لإمرة السلطان العثماني ياوز سليم الأول (Yavuz Selim I)، وبعد ذلك أصبحت كل منطقة شرق الأناضول (كوردستان العثمانية التركية) تحت سلطة العثمانيين. وفي غزوته لشرق تركيا قتل السلطان العثماني سليم الأول عند مدينة سيواس (Sivas) أربعين ألفاً من العلويين، الذين يشكلون مجموعات تركية وكوردية (أغلبيتهم من الأتراك)، ربما لمنعهم من العمل مع الصفويين.
وفي سنة 1596 ألّف شرف خان (Serefhan) أمير منطقة بدليس (Bitlis)، وابن إدريس البدليسي، سِفراً تاريخياً بخط رائع عن تاريخ الأكراد من ملطية (Malatya) إلى بحيرة أورمية، غير أن صحة تواريخ الأحداث في هذا السفر التاريخي مشكوك فيها.
القرن العشرون
تميز الوعي الكوردي قبل الحرب العالمية الأولى بالانتماء إلى القبائل الكوردية من ناحية، وإلى المذهب السني من ناحية أخرى. كما تأثر الأكراد بأفكار الأوروبيين وتطور شعورهم القومي الكوردي الذاتي، ومن خلال قوات الحلفاء المنتصرة التي وعدتهم بادئ الأمر بإنشاء دولة كوردية مستقلة (كوردستان). غير أن منطقة استيطانهم، كوردستان، وُزّعت على خمسة أقاليم لدول مختلفة منحتهم حقوقاً سياسية قليلة، واعترفت بهم أقليات كوردية صغيرة.
وفي تركيا نعتوهم بـ«أتراك الجبل»، ولم يسمحوا لهم باستعمال اللغة الكوردية إلى وقت قريب.
وفي إيران تأسست بتاريخ 22/1/1946 الجمهورية الكوردية في شمال غرب إيران (كوردستان إيران)، وعاصمتها مهاباد، وكان رئيسها القاضي محمد.
وكان الاتحاد السوفييتي يهدف من خلال تأسيس كوردستان وأذربيجان على الأراضي الإيرانية إلى أن يؤثر في المنطقة.
وبعد انسحاب السوفييت من كوردستان إيران أعاد الجيش الإيراني السيطرة على الجمهوريتين (كوردستان وأذربيجان).
وبعد مرور ثلاثة عشر شهراً، بتاريخ 31 آذار 1947، أُعدم القاضي محمد مع وزراء آخرين في ساحة جوارچرا (Car Cira Platz) التي أُعلنت منها الجمهورية الكوردية في مهاباد.
وفي العراق تمتع الأكراد بجزء من الإدارة الذاتية (الحكم الذاتي) في كوردستان العراق، وبالمشاركة في الحكم في العراق في الفترة الواقعة ما بين 1970 و1974.
وبعد حرب الخليج الثانية عام 1991 حددت الأمم المتحدة في كوردستان العراق منطقة آمنة للأكراد شمال خط العرض 36 درجة.
وقد شاركت القوات الكوردية (البيشمركة) في حرب الخليج الثالثة عام 2003 مع أمريكا لاحتلال المدن العراقية الشمالية (كوردستان العراق)، ومنذ ذلك التاريخ يتمتع الأكراد العراقيون بمكانة خاصة بوصفهم حلفاء لأمريكا.
بيد أن هدف الأكراد العراقيين في كوردستان العراق في الحصول على حكم ذاتي أكثر استقلالاً وتأثيراً يُجابَه باستنكار ورفض من تركيا، لأن تركيا تخشى أن يؤثر هذا الحكم الذاتي الكوردي المستقل في كوردستان العراق على الأكراد في كوردستان تركيا.
الجذور القومية الكوردية
يمر الأكراد بفترة يقظة عميقة متجددة لوعيهم القومي الكوردي كشعب كوردي. ومن المؤكد أنهم مدركون لأنفسهم شعباً ومجتمعاً كوردياً منذ آلاف السنين، مختلفين لغوياً بشدة عن جيرانهم العرب والأتراك والفرس، أو بوصفهم فرعاً لغوياً متميزاً بين الشعوب الإيرانية المتعددة. وفي أواخر القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين طالب أكراد كوردستان العراق وإيران وتركيا في أوقات مختلفة بحقوقهم القومية أو المحلية الكوردية، ودخل أكراد كوردستان تركيا (إضافة إلى أكراد كوردستان العراق وكوردستان إيران) مرحلة جديدة من الوعي القومي الكوردي.
انبعث الإصرار الشعبي الكوردي على الدولة الكوردية الوطنية في سياق العالم الحديث، حيث انتشار حقوق الإنسان وحق تقرير المصير والديمقراطية، وزيادة الاتصال بين الأكراد أنفسهم، وزيادة التوقعات السياسية. وانبثاق صحوة ذاتية سياسية كوردية تطور سياسي كبير لا رجعة فيه؛ فالمرء لا ينسى بسهولة انتماءه العرقي الذي تعلمه.
انبعاث قومي كوردي متأخر
لماذا تأخر الأكراد نسبياً في تطوير حركة قومية حديثة، وهم يشكلون أكبر كتلة عرقية في الشرق الأوسط بعد العرب والفرس والأتراك؟ لقد عاشت شعوب عديدة نماذج مختلفة من النمو القومي بما يتوافق مع ظروفها التاريخية والجغرافية، ونتج تأخر الكورد في تطوير حركة قومية كوردية عن عوامل عديدة، تتصدرها الجغرافيا؛ فهم شعب يسكن منطقة جبلية في الأساس (كوردستان)، وكان الأكراد مبعثرين ومنعزلين بعضهم عن بعض، بلا بنية دولة مركزية قوية كتلك التي تطورت في السهول الكبرى لنهري دجلة والفرات أو في وادي النيل في مصر. وقد عززت الجغرافيا وأسلوب الحياة البدوية لفترات طويلة تشعب لهجات كوردية متعددة، العديد منها لا يفهمه الكورد أنفسهم بعضهم عن بعض بسهولة اليوم.
وفي الظروف السياسية، على الأقل حتى السنوات المائة الأخيرة، قُسّم الكورد بين الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية، أما في التسعين سنة الماضية فقد قُسّموا أكثر، وذلك بين دول تركيا وإيران والعراق وسوريا. وهذه التقسيمات السياسية، بلا مبالغة، أشمل من سابقتها، وفي الوقت نفسه كانت الدول المعنية تبيّت بشكل واضح نية تثبيط القومية الكوردية داخل حدودها.
كما أن الأكراد عاشوا عموماً في المناطق الأكثر عزلة في كبرى الإمبراطوريات، مثل الفارسية والخلافة العباسية في بغداد والعثمانية، وقد أبطأ الانعزال عن مراكز الإمبراطوريات تطورهم أيضاً، فبقوا شعوباً غير متحدة ولا مدركة بقوة لوعيها الذاتي.
وأسهمت العزلة ونمط الحياة الريفي في العديد من المناطق الكوردية (كوردستان) في تطور بنية قبلية وعشائرية كوردية، كرّست بدورها التقسيمات المناطقية والسياسية. وخلال فترة السلطنة العثمانية كان الأكراد، جنباً إلى جنب مع بقية المسلمين، جزءاً من نواة إسلامية سنية واسعة ضمن الإمبراطورية المتعددة الأعراق. وكانت الإمبراطورية العثمانية مدركة تماماً لأقلياتها، لكنها عرّفتهم وفق معيار الدين لا الإثنية، وهكذا اعتُرف قانونياً بوجود أقليات مسيحية ويهودية كبيرة.
أما بالنسبة إلى المجموعات الإثنية المسلمة فلم يوجد حقاً مفهوم الأقلية بالمعنى القانوني؛ فقد كانت النواة الإسلامية الدينية والاجتماعية للإمبراطورية العثمانية مكونة من ترك وعرب وكورد وغيرهم، وحتى لو اختلفت ثقافاتهم ولغاتهم فإن وضعهم لم يختلف في الأساس: كان جميع السنة متساوين، وبعبارة أخرى كانوا متساوين بوصفهم مسلمين مؤمنين، ولم تكن للاختلافات الإثنية واللغوية بينهم أهمية قانونية.
وكان الأكراد، بوصفهم جزءاً من المجتمع السني للإمبراطورية العثمانية، قد عاملهم السلطان العثماني مسبقاً بوصفهم مجموعة متمايزة في القرن السادس عشر، حين أُسست مجموعة من الإمارات الكوردية المستقلة التي استعملها السلطان العثماني لضمان ثبات الحدود واستقرارها. وكانت هذه الإمارات الكوردية مستقلة في كوردستان في شؤونها الذاتية والداخلية، وفي مقابل هذه الاستقلالية اشتُرط عليها تأمين الجنود والضرائب للسلطان العثماني. وبالرغم من أن العلاقة بين الأمراء الكورد والسلطان العثماني لم تكن تخلو من مشاكل، فقد استمر هذا النظام إلى القرن التاسع عشر (17).
ومن المؤكد أن هذه العشائر والقبائل الكوردية كانت مدركة جيداً لتمايزها الثقافي واللغوي، ولكن ذلك العصر لم يكن عصراً تكونت فيه مفاهيم «القومية» بشكلها الحالي، كما لم يكن القادة الأكراد المستقلون عطوفين بشكل خاص على سكان إماراتهم الكوردية.
وبشكل عام كان الأكراد يعرّفون أنفسهم بالانتماء إلى المجتمع العثماني الأكبر، لكن الأهم من ذلك بكثير أنهم على المستوى المحلي كانوا يعرّفون أنفسهم بالانتماء إلى جماعات دينية مختلفة أو مجموعات قبلية. وكانت هذه التجمعات العشائرية الكوردية غالباً في صراع بعضها مع بعض، مشكّلةً أنماطاً متغيرة من الاتحادات، وهو، ويا للعجب، قانون الانشقاق الاجتماعي البدائي بين القبائل المتحاربة والفلاحين المتحضرين (18).
وبحلول القرن التاسع عشر رسّخت عوامل جديدة التغير الاجتماعي السياسي التدريجي في العلاقة بين الأكراد والإدارة العثمانية، منها: زيادة التدخل الاستعماري في المناطق الكوردية من كوردستان، وفرض الجندية القسرية بسبب الحرب بين روسيا وإيران والإمبراطورية العثمانية، التي كانت المناطق الكوردية مسرحاً لها، وزيادة التحديات لامتيازات الأسياد الأكراد، والنموذج الخارجي للعصيان ضد الحكم التركي في كل مكان من الإمبراطورية (كالصربي والبلغاري) (19). وقوبلت محاولات الإمبراطورية العثمانية تثبيت المركزية باضطرابات متزايدة في المناطق الكوردية، كان بعضها نتيجة تهور من قبل زعامات العشائر الكوردية التي كانت عازمة على مواصلة توسعها، وكان من أشهر هؤلاء الزعماء المتمردين مير محمد باشا الرواندوزي وبدرخان بك في الجزيرة (جزيرة ابن عمر). وقد قُمعت هذه الثورات الكوردية على حساب أرواح كثيرة من الشعب الكوردي، وكان هناك ما مجموعه 50 عصياناً مسلحاً كوردياً ضد الدولة العثمانية، شارك فيها العديد من أكراد كوردستان العراق الحالي (20).
على أية حال، لم تكن هذه الثورات الكوردية ذات طابع قومي في خصائصها، وقد أدى قمعها إلى تقوية قيادات المشايخ والطرق الصوفية (TARIKATLAR)، الذين سيؤدون فيما بعد دوراً مهماً في استمرار ثورات كوردية جديدة إلى حد كبير. أما الأمراء الإقطاعيون التقليديون في المناطق الكوردية من كوردستان، أي الأغوات، فقد اعتبروا أنفسهم «بالأساس رعية مسلمين سنة من إمبراطورية إسلامية عثمانية، وليس لهم مصلحة في كيان كوردي لا يمكن التنبؤ به» يمكن أن يتغير من خلاله وضعهم الخاص نحو الأسوأ (21). وكان تبدد ثروات الإمبراطورية العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر، إضافة إلى النشاطات القومية للأرمن في الأقاليم التي يسكنها الأكراد، وبعض الأسباب الأخرى، من دواعي خيبة الأمل الكوردية. ومع صعوده إلى العرش عام 1876 سعى السلطان العثماني عبد الحميد الثاني إلى ترسيخ أركان الدولة العثمانية من خلال التأكيد على طابع الهوية الإسلامية للإمبراطورية، وكانت الزعامات والنخبة الكوردية ممن اختارهم لهذه الغاية. وفي الوقت نفسه كانت الدولة العثمانية تزرع بذور الفرقة بين الأكراد في كوردستان، وكان من أوائل أمثلة الفرقة والتدخل المباشر في المنطقة الكوردية من قبل الدولة الإمبريالية في إسطنبول إنشاء الألوية الحميدية عام 1891 من المرتزقة أو الموظفين الأكراد، أو ما عرف بالفرق الحميدية، في زمن السلطان عبد الحميد الثاني. وقد صُممت هذه الألوية الحميدية للحفاظ على النظام العثماني في المقاطعات الكوردية الشرقية (كوردستان العثمانية)، واستخدمتها الدولة العثمانية في نهاية المطاف في حملتها ضد الأرمن. وفي غضون ذلك أصبحت هذه الألوية الحميدية، المنظمة عشائرياً والمسلحة، مصدراً للشقاق الذي ترعاه الدولة داخل المجتمع الكوردي، لأن هؤلاء الأكراد كانوا يستفيدون من رعاية الدولة وسلاحها، فيخاصمون ويقمعون من لم يأتمر بما تمليه الدولة العثمانية. كما كانوا يمثلون، من غير قصد من الدولة العثمانية، أداة ممكنة لزرع الشقاق بين الأكراد وغير الأكراد، بمن فيهم الأتراك (22). وقد قوّت الفرق الحميدية، تماماً كما فعل نظام حماة القرى بعد قرن من الزمان، الروابط العشائرية بين الكورد (23). ولئن كان هناك نقاش حول درجة الوعي الإثني لدى الأكراد خلال الجزء الأخير من القرن التاسع عشر، فإنه من الواضح، مع ازدياد النشاطات السياسية في إسطنبول وغيرها، أن شيئاً ما كان على قدم وساق؛ فالإمبراطورية نفسها كانت تعاني من هزة في الصميم، وكانت جمعية الاتحاد والترقي التركية قد بدأت تطالب وتعمل متكاتفة لإعادة الحكم الدستوري الذي كان السلطان العثماني قد ألغاه. وفي هذه الفترة طُبعت أول صحيفة كوردية قومية، «كوردستان» (KURDISTAN)، في مصر عام 1898 على يد منفيين أكراد في القاهرة (بدرخان)، ثم انتقلت إلى جنيف ثم إلى إنكلترا، وبالفعل انتقل الكثير من النخبة الكوردية إلى المنفى في أنحاء مختلفة من الشرق الأوسط وتركيا وأوروبا (24). ومع ثورة الشباب الأتراك عام 1908 ظهر اتجاهان متناقضان: فمن جهة استُعيض عن التركيز على الإسلام بالعلمانية ونظام الحكم الدستوري، وفي خضم الجو الليبرالي الناشئ ازدادت النشاطات «الكوردية»، إذ رأى فيها العديد من المفكرين الأكراد، الذين فقدوا الأمل في جدية الليبرالية العثمانية والحكم الدستوري، أفضل وسيلة لتحقيق حقوق قومية أكبر. وازدهرت الجمعيات الثقافية والسياسية الكوردية، ليس في إسطنبول فقط، بل أيضاً في المدن الكبيرة في الجنوب الشرقي الكوردي.
تشكلت المنظمة القومية الأولى، «الجمعية الكوردية للنهوض والتقدم»، عام 1908، لكن «ربيع القسطنطينية» قُمع بسرعة عام 1910. ومن الجهة الأخرى، وبينما خدمت العودة إلى الدستورية العناصر الأكثر عصرية في النخبة الكوردية، فإنها أدت إلى رد فعل معادٍ للنظام بين المشايخ والطرق الدينية الكوردية، وانخرط بعضهم في عصيان مفتوح. وتحول نظام تركيا الفتاة، وقد وجد نفسه محاصراً داخلياً ودولياً، تحولاً مفرطاً إلى نظام قومي تركي الطابع وسيلةً لترسيخ سلطته. وفي النهاية، عندما جرّ الشباب الأتراك الإمبراطورية العثمانية إلى الحرب العالمية الأولى، أثبت الكورد أنهم رعية مخلصون، فقاتلوا إلى جانب الجيوش العثمانية.
أوجدت هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى (1914-1918) وتوقيع معاهدة سيفر في 10 آب 1920 نقطة تحول للأكراد، فقد احتل الحلفاء المنتصرون أجزاء كبيرة من الإمبراطورية العثمانية بغرض تقطيع أوصالها. ولم تكن معاهدة سيفر 1920 نفسها تعني فقط إقامة دولة أرمنية موعودة تُقتطع من أراضي الإمبراطورية العثمانية، بل تضمنت أيضاً «تصوراً لحكم ذاتي مؤقت للمناطق ذات الأغلبية الكوردية من كوردستان تركيا، مع احتمال استقلال تام إذا أراد السكان الأكراد لتلك المناطق ذلك» (ولاية الموصل الكوردية) (25).
وهذا بطبيعة الحال لم يطبق، لأن الحركة القومية التركية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك انقلبت على السلطان العثماني والقوى الغربية المحتلة، وفي سياق هذا العصيان نجح مصطفى كمال أتاتورك في تجنيد الأكراد في مسعاه. ففي بداية حرب الاستقلال (لتركيا الحديثة) دعا إلى مساواة الكورد والترك، والتشارك في النضال، والأخوّة بين الشعبين (26). وفي خطابه الأول أمام البرلمانيين المنتخبين حديثاً عام 1920، قال مصطفى كمال أتاتورك إن البرلمان لم يكن مكوناً من ممثلين للترك والكورد والشركس واللاز، بل كان ممثلاً لمجتمع إسلامي موحد بشكل قوي، بل إن مصطفى كمال أتاتورك تصوّر، بحسب بعض تعليقاته في خطاباته وأحاديثه للصحفيين، أن الأكراد سيحكمون أنفسهم ذاتياً في أي مكان يكونون فيه أغلبية (27). ولم يكن مصطفى كمال أتاتورك وقواته الثائرة، وهم يواجهون نقص الرجال والعدة، يحتملون أن ينفّروا الأكراد؛ فقد احتاجوا إلى التعاون الكوردي لخوض الحرب ضد الغزاة الأجانب. وبذل الأكراد جهودهم على أساس وجود قضية إسلامية مشتركة ضد التدخل الغربي، وأن دولة مستقبلية مشتركة ذات إثنية تركية كوردية ستنبثق. ومع ذلك ثار بعض الأكراد ضد مصطفى كمال أتاتورك، وكانت أهم هذه الثورات ثورة كوجكيري (Koçgiri) عام 1920، إذ أجبرت مصطفى كمال على تحويل قواته من ساحة العمليات الرئيسية للحرب ليتعامل مع ما كان يمكن أن يقود إلى انقسام جدي في الصف الكوردي التركي.
المصادر
الصائغ، عدنان: تأبّط منفى. ديوان شعر. دار المنفى. السويد. 2001. ص25.
محمد أمين زكي: خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان من أقدم العصور التاريخية حتى الآن، في جزأين، الطبعة الثانية، بغداد 1961، الجزء الأول، ص123.
الجوزي، صلاح الدين: لئلا تكون فتنة (قومية): مرافعة إسلامية عن الحكم الذاتي. في نشرة كوردنامة. العدد الثاني والثالث. تموز/يوليو 1995. لندن. ص40.
جغالينا، و. ي.: كورد إيران من الفتح الإسلامي إلى الفتح الإمبريالي. في نشرة كوردنامة. العدد الثاني والثالث. 1995. مصدر سابق. ص41.
محمد أمين زكي: خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان من أقدم العصور التاريخية حتى الآن. مصدر سابق. ص128.
المصدر السابق نفسه، ص289-293.
جغالينا، و. ي.: كورد إيران من الفتح الإسلامي إلى الفتح الإمبريالي. في نشرة كوردنامة. العدد الثاني والثالث. 1995. مصدر سابق. ص41.
لقد تسنى للدكتور كاظم حبيب خلال الفترة المنصرمة إنجاز دراسة عن الإيزيديين في كوردستان العراق، وقد صدر الكتاب في النصف الأول من عام 2003 عن دار الحكمة في لندن. (ك. حبيب).
العلي اللهية: مجموعة من المسلمين رفعت منزلة علي بن أبي طالب إلى منزلة الله، وقد رفضها بقية المسلمين بمن فيهم الشيعة الإمامية بمختلف أطيافهم.
محمد أمين زكي، المصدر السابق، ص128.
المصدر السابق، ص130.
المصدر السابق، ص132-135.
المصدر السابق نفسه، ص133-134، نقلاً عن الكامل لابن الأثير، ج8، ص257.
الأمين، حسن: الوطن الإسلامي بين السلاجقة والصليبيين. مصدر سابق. ص45-46. عن: الكامل لابن الأثير، ج9، ص19.
فؤاد، كمال (د.): ملاحظات حول كتابة خلاصة الكورد وكوردستان. مصدر سابق. ص15.
المصدر السابق نفسه، ص15. وراجع في هذا الصدد أيضاً: البدليسي، شرف خان: شرفنامه. ترجمة جميل الملا أحمد الروزبياني. ط2 بالعربية. مؤسسة موكرياني للطباعة والنشر. مطبعة وزارة التربية. أربيل، كوردستان العراق. 2001. ص105-123.
انظر: ديفيد ماكدويل: التاريخ الحديث للأكراد.
انظر: سيامند عثمان: القومية الكوردية.
انظر: ديفيد ماكدويل: التاريخ الحديث للأكراد.
كندال: الكورد تحت حكم الإمبراطورية العثمانية.
ماكدويل: المسألة الكوردية.
فان بروينسن: الأفواج الحميدية.
تونجاي: تشكيل نظام الحزب الواحد في الجمهورية التركية.
سيامند عثمان: القومية الكوردية.
ديفيد ماكدويل: التاريخ الحديث للأكراد.
كسكين: السياسة الكوردية في تركيا والأيديولوجيا الرسمية التركية.
مصطفى كمال.
أجزاء «جذور المشكلة الكوردية» (4 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع (هذا الجزء)