الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

صلاح الدين الأيوبي القائد المسلم الكوردي وقاهر الصليبيين (الجزء الأول)

من محاضرات «شخصيات كوردية» – 2017

اسمه ومولده وشبابه

هو الملك الناصر أبو المظفر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب الدويني، المشهور بلقب صلاح الدين الأيوبي.

والد صلاح الدين هو أيوب بن شاذي، وقد أخذ أيوب لقب «نجم الدين» أي نجم الإيمان، وهو الأمير السعيد الحظ. وهو في نسبه يتصل بالعرق الآري، فليس عربياً ولا تركياً ولا فارسياً، وإنما كوردي من قبيلة الروادية الكوردية (Rawadiya)، وقد ولد في قرية «أجداناكان» (Ajdanakan) الكوردية بالقرب من «دوين» (Dawin) في أرمينيا. ومنذ ذلك الوقت والكورد يزاولون حياة الرعي في المناطق الجبلية ما بين بلاد فارس وآسيا الصغرى. وكان حب الفروسية والإحساس بالشرف وحسن الضيافة متأصلاً في الكورد في حياتهم القبلية، وهم بذلك يشبهون في شجاعتهم العرب في أيام الجاهلية (قبل الإسلام)، أو الاسكتلنديين سكان الجبال: محبين للحرب، منغلقين أمام قوانين التمدن، أشداء على الغرباء الذين يهددون أرضهم وقوميتهم ومعيشتهم.

وكان بعض سكان قرية دوين الكوردية في أرمينيا من اليهود والمجوس والمسيحيين، يعيشون بسلام مع الكورد في ظل حكم المسلمين الفاتحين، وكانت كنيسة الأرمن تقع إلى جوار الجامع الذي يصلي فيه المسلمون، ومنهم جد صلاح الدين الأيوبي شاذي (Shadhy) بن مروان، الذي ورث مركزاً مرموقاً للعائلة في هذه القرية الكوردية.

وبحسب الروايات التاريخية، كان لشاذي، جد صلاح الدين، أولاد عديدون، وكان يشعر بأن بلاط خليفة المسلمين في بغداد (أيام حكم الدولة العباسية 750-1258) يقدم الجوائز لأصحاب المواهب العلمية. وتعرف شاذي على صديق يوناني اسمه بهروز (Bihruz)، وقد ارتقى هذا اليوناني في البلاط الفارسي حتى أصبح معلماً للأمراء من أبناء الدولة السلجوقية. وهذه الدولة إحدى الدول السنية القوية التي قامت في بلاد فارس والعراق وسورية وآسيا الصغرى، ويعود نسبها إلى سلجوق زعيم عشائر «الغز» التركمانية التي هاجرت واستقرت في بخارى (تركستان) عام 1032. وعندما استنجد الخليفة العباسي القائم بأمر الله لتخليصه من ظلم البويهيين، وهم فرس، تمكن القائد السلجوقي طغرل بك من الاستيلاء على خراسان عام 1037، ثم تقدم إلى بغداد ودخلها عام 1055، فاعترف به الخليفة العباسي سلطاناً على جميع المناطق التي تحت يده، وأمر أن يذكر اسمه في خطبة الجمعة.

وبوفاة السلطان ملكشاه السلجوقي عام 1092 تفككت الدولة السلجوقية بعد أن تنافس الأمراء على عرش السلطنة، مما جعلها عاجزة عن التصدي للحملات الصليبية التي أرادت بيت المقدس مكاناً يحج إليه المسيحيون من كل بقاع الأرض.

إن صداقة بهروز اليوناني الحميمة لشاذي جعلت من أيوب، والد صلاح الدين، الآمر والمسؤول عن قلعة تكريت. وبذلك صاحب الحظ هذه الأسرة الأيوبية، إلى أن قام «أسد الدين شيركوه»، أخو أيوب، بقتل شاب أخطأ في حق امرأة، فطلب بهروز من الأسرة البحث عن مكان آخر. وقبل المغادرة جاء خبر ولادة الصبي «صلاح الدين» في قلعة تكريت عام 1138م، الذي عرف في الشرق والغرب باسم «شرف الإيمان» صلاح الدين.

في عام 1131 (قبل ولادة صلاح الدين بسبع سنوات) كان «فلك أنجو» الصليبي على عرش مدينة القدس، وكانت سورية وأعالي وادي الرافدين تحت نفوذ الصليبيين، وقد وصلت غاراتهم اليومية من ماردين في ديار بكر إلى العريش في مصر. ومع أنهم تواجدوا على الأراضي الساحلية وفي العديد من القلاع داخل الأردن ولبنان، فإن المدن الكبيرة مثل حلب ودمشق وحماة وحمص والموصل كانت لا تزال في أيدي المسلمين، ولم يسيطر عليها المسيحيون أبداً. أما قلاع الكرك والشوبك في الأردن الحالي، وراء البحر الميت، فكانت بيد المسيحيين، ومنها يخرج قطاع الطرق لصيد قوافل الحجاج القادمة من دمشق ومصر إلى مكة المكرمة.

وبنظرة واسعة نجد أن الممتلكات المسيحية كانت تبعد يوماً أو يومين زحفاً عن مدينة مسلحة أو قلعة محصنة، حيث تكثر الغارات للثأر والانتقام من الإفرنج. غير أن أحد المعاصرين لصلاح الدين الأيوبي، واسمه «أسامة العربي»، أشار إلى أن المزارعين المسلمين في الأقاليم المسيحية كانوا على وئام، وأن الإفرنج بعد ثلاثة عقود من سكناهم في سورية أصبحوا متشابهين معهم إلى حد كبير في الأخلاق والعادات، ولم يتوانوا عن الزواج من بناتهم، وأصبحوا شرقيين.

عائلة الزنكي في الموصل

كان والد زنكي حاجباً للبلاط السلجوقي أيام حكم السلطان ملكشاه. وترك والد زنكي، المتوفى عام 1094، ولداً في العاشرة من عمره هو زنكي الملقب بـ«عماد الدين الزنكي» أي «عمود الإيمان». وعاش عماد الدين الزنكي متمتعاً بامتياز في بلاط الموصل بإشراف الأمير «كاربوغا» أمير الموصل. وكان طويل القامة، جميل المحيا، داكن البشرة، ثاقب العينين، مستقيم الأخلاق استقامة شجاعته، وظل حتى سن الثامنة والثلاثين يؤدي دوراً ثانوياً في الحروب والسياسة في بلاد وادي الرافدين.

وفي الفترة بين 1122 و1124 نجح عماد الدين الزنكي في حكم إقطاعيتي البصرة وواسط، قبل أن يتولى ولاية بغداد. وفي عام 1127 أصدر السلطان السلجوقي محمود الثاني فرماناً بتعيين عماد الدين زنكي على ولاية الموصل، ولقّبه «أتابك الموصل»، وهو لقب يمنح لمن يتولى تربية الأبناء على الفضائل والمروءة والشجاعة. وحقاً لم يسمح عماد الدين الزنكي لأحد أن يعاقب آخر بدافع غريزة العدوان، ولم يسمح بإيذاء النساء، فلم يكن لأي رجل أن يهينهن ويفلت من العقوبة خلال غياب أزواجهن في الحرب ضد الصليبيين في دمشق وحلب وديار بكر.

كانت الصورة أمام عماد الدين الزنكي قاتمة على الجبهة الشامية؛ فالصليبيون قد احتلوا معظم سواحل الشام، والمدن والحصون التي يديرها المسلمون تعاني من الفرقة والاختلاف والتنافر، وكل والٍ فيها يتصرف وكأنه ملك مستقل عن سائر البلاد، ويتحاشى الصدام مع الصليبيين خوفاً على ضياع ملكه وانهدام دنياه، كما هو واقع الحكام المسلمين اليوم.

وكان أول ما سعى إليه عماد الدين الزنكي توحيد الجبهة الداخلية السورية، فبدأ مهمته بتحرير حلب بعد أشهر من توليه أتابكية الموصل، وبعد محاصرتها عدة شهور تمكن من الاستيلاء عليها عام 1128. وفي عام 1129 تمكن من ضم حماة، ثم سروج ودارا، واستمر على هذا الحال دون تردد في القرارات حتى ضم قلاع الكورد في الحميدية والهكارية، وقلعة صور، وواصل سعيه حتى استقامت له ديار بكر عام 1134م. وعندما حاول الاستيلاء على دمشق عام 1135 لم ينجح، ولكنه بقي على تواصل مع أهالي دمشق لكي يجعلها في أحضان المسلمين.

وقرر الصليبيون الاستعانة بإمبراطور القسطنطينية «يوحنا كومنين»؛ فهم كاثوليك وهو أرثوذكسي، ومع ذلك قبل نجدتهم ما داموا في النهاية مسيحيين، وشاركهم بجيوش كبيرة. وتمكن الإمبراطور عام 1138 من اختراق آسيا الصغرى ودخول سورية، وغدر بأهل مدينة «بزاعة» القريبة من حلب، وسبى نساءهم. فقرر عماد الدين الزنكي شن حرب عصابات باستخدام المتطوعين من أهالي الشام، وإرسال رسائل التهديد والوعيد إلى هذا الإمبراطور.

وعمل من الجانب الآخر على إيقاع الخلاف بين البيزنطيين والفرنجة، فقد كان عماد الدين الزنكي من دهاة ذلك الوقت ذكاءً وفطنة، واستغل الخلاف المذهبي بين الأرثوذكس والكاثوليك للتفريق بينهم؛ فراسل إمبراطور بيزنطة يخوّفه من نكث الفرنجة للعهود، وأنهم يتربصون به، وفعل مثل ذلك مع الفرنجة يخوّفهم من إمبراطور القسطنطينية بقوله: «إن ملك بالشام حصناً ملك بلادكم جميعاً».

ونجح عماد الدين الزنكي في خطته، فانسحب إمبراطور القسطنطينية من الشام، وترك المجانيق والأسلحة الكثيرة على حالها، وتحرر أسرى المسلمين، وعظمت هيبة عماد الدين الزنكي في صدور الصليبيين. ولكنه فشل مرة أخرى في دخول دمشق لقوة حاكمها «معين الدين أنر».

وحاول عماد الدين الزنكي الاستيلاء على إمارة الرها التي يحكمها الصليبي «جوسلين». وهذا القائد المسيحي ترك أهله في فرنسا، وجاء للدفاع عن المسيحية في بلاد الشام. فعمد عماد الدين الزنكي إلى خطة خداع، فأظهر نفسه مشغولاً بحرب القلاع الكوردية في منطقة ديار بكر (جنوب تركيا) التي لم تكن راغبة في الانضواء تحت راية عماد الدين الزنكي، حتى ظن جوسلين أن حاكم الموصل ليس باستطاعته التقدم إليه، فقرر زيارة أهله في فرنسا. ورصدت عيون عماد الدين الزنكي تراخي المدافعين، وعندها نادى في معسكر جيشه بالاستعداد للهجوم على الرها عام 1144، وكان لفتحها صدى شديد في العالمين الإسلامي والصليبي، واعتبر أكبر انتصار يحققه المسلمون منذ خمسين سنة.

وأمام هذا الجهد الجهادي لرفع راية الإسلام من قبل عماد الدين زنكي، تربص له المتربصون بعد أن أعيتهم الحيل في ميادين القتال، فغدرت به مجموعة باطنية مأجورة عام 1146 وهو يحاصر قلعة «جعبر» المطلة على نهر الفرات؛ إذ تسللوا إلى معسكره، ودخلوا عليه خيمته في الليل وهو نائم وقتلوه، وهو بعمر 46 عاماً، ودفن في قرية صفين (الرقة حالياً). وخلفه ابنه سيف الدين غازي لفترة وجيزة، ثم ابنه الآخر نور الدين محمود الزنكي، وبات الناس يصفون عماد الدين بالشهيد.

ولد نور الدين الزنكي عام 1118 بحلب، ونشأ في كفالة والده زنكي صاحب حلب والموصل، فتعلم القرآن والفروسية والرمي، وكان شهماً شجاعاً. وعمل على إعطاء عرب البادية إقطاعيات لكي لا يتعرضوا للحجاج في سفرهم من دمشق أو بلاد الشام إلى مكة المكرمة، وقام ببناء مدارس كثيرة، منها العادلية والنورية ودار الحديث، كما بنى الجامع النوري بالموصل، وكان فقيهاً على المذهب الحنفي. وكان واجبه وهو في سن الثلاثين تحرير الأرض العربية من الصليبيين، وعلى رأسها بيت المقدس، وتوحيد بلاد الشام ومصر في الخطوة اللاحقة، وجمع المسلمين تحت راية مذهب واحد هو مذهب أهل السنة.

وفي نيسان 1154 كان نور الدين الزنكي على استعداد لقبول أسد الدين شيركوه، الأخ الأصغر لأيوب بن شاذي وعم صلاح الدين، للقيام بعمل قتالي. وفعلاً أبدى أسد الدين شيركوه شجاعة في كل معركة، وهو ما دفع نور الدين الزنكي إلى تكريمه، لا بإعطائه الإقطاعيات المهمة مثل حمص والرحبة فحسب، بل بتعيينه قائداً للجيش الذي تقرر أن يتحرك لفتح دمشق.

ومع انهيار الحملة الصليبية الثانية (1145-1153) التي جاءت لاستعادة الرها وبقية الولايات الشامية شرق حلب، أجرى أسد الدين شيركوه، الملقب بـ«أسد الجبل»، مفاوضات حول استسلام دمشق، الأمر الذي هيأ لنور الدين زنكي دخولها دون قتال، فأصبح هو الحاكم، وعين أسد الدين شيركوه نائباً له على أن يقيم في حمص.

تربية صلاح الدين ابن السادسة عشرة

من عام 1154 إلى عام 1164 عاش الصبي والشاب صلاح الدين الأيوبي في دمشق في بلاط نور الدين الزنكي، فتعلم كيف يسير على طريق الصواب، ويعمل باستقامة، ويكون متحمساً لنصرة دين الإسلام ضد الصليبيين، واستمر على هذا المنوال يستمع إلى نصائح من هم أكبر منه في البلاط حتى سن الخامسة والعشرين. وكانت منزلة صلاح الدين الأيوبي عند النبلاء السوريين عالية، وكان هؤلاء يقضون شبابهم في الدراسة وتعلم فنون الصيد ومطاردة الأسود، وهي سيدة الألعاب الرياضية والسبيل إلى تعلم فنون الحرب.

كما تعلم صلاح الدين الأيوبي الشعر، وقراءة القرآن الكريم وتفسيره، وكان فوق كل شيء مسلماً تقياً، يشاهد الطلبة القادمين من سمرقند وقرطبة في الجوامع والمدارس الدمشقية ليتعلموا وينقلوا ما لديهم من معارف، وخاصة في الجامع الأموي، حيث كان يستمع إلى محاضرات رجل موهوب جاء إلى دمشق بصحبة نور الدين الزنكي، واسمه «ابن أبي عصرون»، وقد عينه نور الدين الزنكي حاكماً في بلاد وادي الرافدين.

وفي عام 1159، عندما كان نور الدين الزنكي يصارع الموت في مدينة حلب، كانت الفرصة مهيأة لأسد الدين شيركوه (عم صلاح الدين الأيوبي) لأن يكون صاحب تاج، أي القائد. وفي عام 1160 كان أسد الدين شيركوه قائد دمشق، وظهر في موكب فوق العادة وهو يودع الحجاج إلى مكة المكرمة.

فتح مصر 1164-1169

لقد عانت مصر قرنين من الزمن (969-1171) من حكم سلالة الخلفاء الذين افتخروا بانحدارهم من نسل فاطمة الزهراء بنت النبي محمد ﷺ، ولذلك سموا بالفاطميين. وقد تمسك هؤلاء بفلسفة روحانية شيعية متميزة، فهم ينادون بمنطق ظهور الأئمة الذين ينحدرون من نسل الإمام علي وفاطمة، واعتقدوا بقدوم المهدي الغائب في آخر الزمان.

ومع أن أهل مصر كانوا ثابتين على المذهب السني وفق تعاليم الإمام الشافعي، الذي لا يزال قبره يزار خارج سور القاهرة الجنوبي، فقد تمكن الفاطميون من فرض سيطرتهم دون صعوبة كبيرة على الناس الذين اعتادوا الخضوع والطاعة في كل ما يتعلق بالإيمان وحب آل بيت الرسول محمد ﷺ.

ونجح الفاطميون في تكوين أسطولهم البحري، فاحتلوا جزيرة صقلية، وهاجموا سردينيا وكورسيكا، وتقدمت سفنهم إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي وساحل غرب إفريقيا (عن طريق مضيق جبل طارق). وكانت تجارتهم مع آسيا وأوروبا وقلب إفريقيا حتى بحيرة تشاد.

أما جيوش الفاطميين فقد تمكنت من سورية والجزيرة العربية ومصر، وأثارت الرعب المستمر في قلوب خصومهم المنحلين، أي خلفاء دولة بني العباس في بغداد.

وقد حكم هؤلاء الفاطميون كمبشرين بين برابرة القيروان، وكانوا يعيشون ببساطة في أول مجيئهم، ثم ما لبثوا أن غاصوا في الترف والثراء في قصورهم الجميلة في القاهرة، واقتنعوا بعد فترة بمنح أنفسهم فرصة التمتع، وترك أعمال الحكم المتعبة بأيدي خدمهم. (واليوم هم يتصرفون كدولة فاطمية، ولكن في بغداد وليس في القاهرة).

وعندما انغمس الإمام الفاطمي في مفاتن حريمه حفاظاً على السلطة الروحية الخفية، أتيح لخصومه افتعال المؤامرات والمنازعات والشقاق، وتلك حالة طبيعية للحكم الذي يجمع بين الثيوقراطية والبيروقراطية في وقت واحد. فانقسم الأتباع، أي أصحاب المذهب الشيعي، واعتبروا انغماس المتنفذين في الملذات ومباهج الحياة مناقضاً لتعاليم الإمام علي (كرم الله وجهه) في الصدق والعدالة وإغاثة الملهوفين.

وكان لتدخل نور الدين الزنكي، الحاكم السوري، في شؤون مصر سبب، هو أن ملك القدس «أمالرك» قرر غزو مصر في أيلول 1163 بغرض الحصول على الجزية. وكان الحاكم المصري «شاور» (Shawar)، وهو الحاكم العربي لمصر العليا الذي شق طريقه إلى كرسي الحكم عام 1163، قد خُلع من منصبه بعد سبعة أشهر، وطرده من البلاد آمر كتيبة البركية (Barkiya) «ضرغام» الموالي لملك القدس أمالرك. ولم يكن أمام شاور إلا اللجوء إلى الحاكم السوري نور الدين الزنكي في دمشق طالباً النجدة.

وعندما سمع «ضرغام»، آمر كتيبة البركية والموالي لملك القدس أمالرك، بمباحثات «شاور» مع نور الدين زنكي في دمشق، أدرك خطأه في عدم استرضاء ملك القدس أمالرك (Amalric) بالجزية المقدمة، بل قرر زيادتها لضمان التحالف معه. وآزر نور الدين الزنكي الحاكم المصري «شاور» بقوة تركمانية تحركت من دمشق باتجاه مصر في نيسان 1164 بقيادة أسد الدين شيركوه، ومعه ابن أخيه صلاح الدين أحد القادة، فانهزم المصريون في بلبيس، ثم استجمعوا قواهم عند أسوار القاهرة.

واستمر النزاع بضعة أيام، واستحوذ «شاور» على مدينة الفسطاط وقلعة القاهرة، وكانت طبوله تقرع في الشوارع، وتمكن الشعب الهائج من قطع رأس ضرغام وحمله علامة على مؤازرة شاور، الذي استعاد قوته في أيار 1164. ثم عمل شاور على إبقاء أسد الدين شيركوه خارج مدينة القاهرة المحصنة، معتقداً أن دوره قد انتهى، ونكث وعده، ورفض دفع التعويض الذي التزم به أمام نور الدين الزنكي في دمشق. ولم يكن أسد الدين شيركوه ذلك الرجل الذي يضيع حقوقه أو يغفر لمن يحنث باليمين، فأمر جيش صلاح الدين الأيوبي باحتلال بلبيس والمقاطعة الشرقية من مصر. وكان رد شاور اللجوء إلى «أمالرك» ملك القدس. وتخندق الجيش السوري بقيادة صلاح الدين في بلبيس، وتمكن من صد هجمات أمالرك ملك القدس مدة ثلاثة أشهر، وكذلك كان حال أسد الدين شيركوه، إلى أن فتح نور الدين الزنكي جبهة باتجاه فلسطين، مما اضطر ملك القدس أمالرك إلى العودة لحماية مملكته في القدس. وحصلت الهدنة في 27 تشرين الأول 1164، وخرج الجيش السوري عائداً إلى دمشق، فيما توج نور الدين الزنكي انتصاراته بحصار بانياس في أواسط تشرين الأول 1164، وتمكن من أسر «بوهيموند» أمير أنطاكية، والكونت ريمون أمير طرابلس، وبقية قادة جيش الإفرنج، وقادوهم بالسلاسل إلى حلب. وعندما عاد أسد الدين شيركوه كتب في تقريره: «إن مصر بلاد بلا رجال، وحكومتها متزعزعة جديرة بالازدراء، وإن ثراءها وانعدام الدفاع فيها يجلبان لها العداء».

وعاد أسد الدين شيركوه إلى مصر عام 1167 بقوة ألفين من الفرسان المختارين، متخذاً طريق الصحراء (عبر وادي الغزلان) لتجنب المواجهة مع الإفرنج، ووصل إلى جنوب القاهرة على بعد 67 كم منها، على ضفة نهر النيل الغربية. وكان ملك القدس أمالرك، الذي أسرع حال سماعه بتحركات أسد الدين شيركوه، ينتظره على الضفة الشرقية من النيل، فاتخذ معسكره في الفسطاط، فيما كان معسكر أسد الدين شيركوه في الجيزة، وكل واحد منهما ينتظر بدء العمليات.

ونقل ملك القدس أمالرك جيشه ليلاً عبر نهر النيل، واكتشف أسد الدين شيركوه تلك الحركة متأخراً، فاضطر إلى التراجع إلى مصر العليا. ونصح المقربون من أسد الدين شيركوه بعدم المجازفة في المعركة، غير أن أحدهم وقف قائلاً بأعلى صوته: «إن الذين يخافون الموت أو العبودية لا يصلحون لخدمة الملوك، فليبقوا يحرثون الأرض أو يبقوا في بيوتهم مع أزواجهم»، وحيّا صلاح الدين الأيوبي هذا الصوت، فتقدم أسد الدين شيركوه إلى المعركة في 18 نيسان 1167. وكانت الخطة أن ينسحب صلاح الدين الأيوبي ليجعل العدو يلاحقه، ثم يضغط عمه أسد الدين شيركوه من الجناح الأيمن بقوة الفرسان، فيقطعوا مؤخرة العدو. فوقع ما توقعه، وانسحب الإفرنج أمام صلاح الدين الأيوبي، أما المصريون فقد تفرقوا، وعندما عاد الصليبيون من المطاردة لم يجدوا حلفاءهم، فتراجعوا هم أيضاً. وباتفاق أعطى ملك القدس أمالرك أسد الدين شيركوه خمسين ألف قطعة من الذهب سبيلاً لعقد الهدنة، وترك مصر للمصريين.

ولم يتردد الحاكم السوري نور الدين الزنكي، الذي كان مشغولاً بأحوال وادي الرافدين غير المستقرة، في العودة إلى مصر بداية عام 1168 قائلاً: علينا بمصر، لأننا لم نحقق شيئاً في الحملتين السابقتين. وقال لألفين من الجنود اختارهم من حرسه، مع ستة آلاف من الكورد والتركمان المعروفين بشجاعتهم بقيادة أسد الدين شيركوه: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}. وترأس نور الدين الزنكي نفسه مسيرة الجيش، وكافأ كل رجل بهدية هي عشرون قطعة من الذهب، وسلم أسد الدين شيركوه (200) ألف دينار للصرف على الحملة.

وفي 17 كانون الأول 1168 بدأت الحملة الثالثة بالتقدم نحو مصر، وفي 8 كانون الثاني 1169 وصل أسد الدين شيركوه إلى مصر دون اشتباك مع جيش الإفرنج، واستقبلهم المصريون استقبال المحررين. وأدرك صلاح الدين الأيوبي وجورديك أن الوزير «شاور» لا يعتمد عليه، فقررا التخلص منه.

أما الخليفة الفاطمي العاضد لدين الله، فعندما وجد جموع المصريين يستقبلون أسد الدين شيركوه وصلاح الدين الأيوبي وجورديك، لم يجد مناصاً من القول إنه تأثر بإصرار الملك السوري نور الدين الزنكي، وشجاعة المحررين بقيادة أسد الدين شيركوه وصلاح الدين الأيوبي وجورديك، فعين في الحال أسد الدين شيركوه في المنصب الذي كان يشغله شاور، وألبسه لباس الوزير، ومنحه لقبي «الملك المنصور» و«القائد العام» في 18 كانون الثاني 1169. وشاء القدر أن يشيّع الناس «أسد الإيمان» شيركوه بعد شهرين من توليه المنصب، أي في 23 آذار 1169، فبات الطريق ممهداً لصلاح الدين الأيوبي لحكم مصر.


أجزاء «صلاح الدين الأيوبي القائد المسلم الكوردي وقاهر الصليبيين» (4 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع

الجزء الثاني ←