الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

صلاح الدين الأيوبي القائد المسلم الكوردي وقاهر الصليبيين (الجزء الرابع)

من محاضرات «شخصيات كوردية» – 2017

استعادة القدس 1187

إبان الحملة الصليبية الأولى عام 1099 سيطر الجيش الصليبي بهمجية على القدس، فقد تجول حكامهم جودفري وتانكريد في شوارع القدس وهي مكتظة بالقتلى المسلمين ومن هم في حالة نزع. لقد عُذّب المسلمون العزل، وأحرقوا، وقتلوا بلا رحمة على حصون الهيكل وسطحه، رغم أن المسيح عيسى (عليه السلام) كان يبشر بإنجيل المحبة والرحمة.

ومن حق المسلمين أن يكبّروا تكبيرة المنتصرين ليلة انتهاء معركة حطين، وصوتهم لا يقول إلا: «الله أكبر، لا إله إلا الله»، وقد استمر ذلك حتى فجر يوم 5 تموز 1187. وخلال شهرين تمكن صلاح الدين الأيوبي من استرداد الأراضي من بيروت في الشمال إلى غزة في الجنوب، وبقيت صور والقدس شاهدتين على وجود مملكة للمسيحيين.

وانتشر المسلمون المنتصرون بقيادة صلاح الدين الأيوبي كالموج العارم في أنحاء فلسطين، والحقيقة أنه كان نصراً من جانب، وردعاً ورعباً لما تبقى من جيش الإفرنجة من الجانب الآخر. وكانت المقاومة ضعيفة، مما سهل على جيوش صلاح الدين الأيوبي الاستيلاء على أريحا وحصونها في أسبوع واحد. لقد وثقوا بدين صلاح الدين الأيوبي، وأعجبوا بشجاعته، وتأكدوا من رحمته وعدالته. وكان ألوف المسلمين عبيداً في مدن فلسطين فتحرروا من عبوديتهم، وبات أهل المذاهب المسيحية أكثر اطمئناناً إلى كرم السلطان صلاح الدين الأيوبي وطمعاً فيه منهم إلى طغيان رؤسائهم (المسيحيين الصليبيين).

ولم يمنح صلاح الدين الأيوبي الإفرنجة الصليبيين الوقت ليتحشدوا من جديد؛ ففي يوم الأربعاء 8 تموز 1187 (بعد أربعة أيام من معركة حطين) كانت وحدات من جيش صلاح الدين الأيوبي وراء أسوار عكا القوية، وفي يوم الجمعة 10 تموز 1187 صلى المسلمون وجيشهم في جامع عكا، الذي كان كنيسة، وتم تحرير (4) آلاف من الأسرى المسلمين. وتقدمت فرق من الجيش الإسلامي إلى الناصرة وصفورية والعفولة وحيفا وقيسارية، فيما زحف جيش مسلم آخر من القاهرة لاحتلال قلعتي ميرابيل ويافا، وكانت حصة صلاح الدين الأيوبي نفسه محاصرة تورون، التي أنجز استعادتها يوم 26 تموز 1187.

وعاد صلاح الدين الأيوبي إلى مدن الساحل، فأنجز استعادة صرفند وصيدا وبيروت وجبيل في الأسبوع الأول من آب 1187، وكانت بيروت المدينة الوحيدة التي صمدت مدة ثمانية أيام. وفي كل الأحوال عرف الناس وقادة الجيوش وحاميات الإفرنج أن للسلطان صلاح الدين الأيوبي كلمة يجب أن يثقوا بها.

وفي 23 آب 1187 تقدم الجيش الإسلامي إلى مدن الرملة وعبلين والداروم، وبات أمام مدينة عسقلان جيشان، واحد من مصر وآخر من سورية، يضغطان بقوة المجانيق على أسوارها، فيما استعادت قوات أخرى متقدمة غزة وبيت جبرين والنطرون، وفي الرابع من أيلول 1187 احتل المسلمون عسقلان.

وجاء الدور بعد عسقلان على مدينة القدس. وكان السلطان صلاح الدين الأيوبي حريصاً كل الحرص على تجنب حصار المدينة، وهو يقول لأهلها: «أنا أعتقد أن القدس هي مدينة الله كما تعتقدون، ولن أحاصر برضاي مدينة الله وأعرضها للهجوم، وأريد أن أفوز بها بالسلام والود». وعرض على سكان المدينة تزويدهم بالماء والغذاء خلال عيد الفصح، ولكن إذا أصر باليان حاكم عبلين على عدم تسليم القدس فعند ذلك له حديث آخر، وهو مستعد لترحيل السكان إلى أرض مسيحية أخرى بأمان دون قتال.

كان عرض صلاح الدين الأيوبي عرضاً فروسياً، إذا تذكرنا سوء تمسك الصليبيين بالعهود والمواثيق في أوقات شتى. ومع السجل السيئ لملوك القدس، ومن بعدهم مندوبي القدس، فقد رفضوا عرض المنتصر صلاح الدين الأيوبي دون تردد، لكون القدس المدينة التي مات فيها المخلص (المسيح).

ومن الحوادث التي دونها التاريخ أن باليان حاكم عبلين، بعد هروبه من ميدان معركة حطين، أجبرته الظروف على أن يخاطب صلاح الدين الأيوبي متوسلاً أن يذهب بأمان ليأخذ زوجته وأولاده من القدس إلى صور، فسمح له صلاح الدين الأيوبي على الفور، بشرط ألا يبقى باليان أكثر من ليلة واحدة في القدس، وألا يحمل السلاح ضد صلاح الدين الأيوبي. وقبلت الشروط بأكملها، واستقبل باليان في القدس بفرح باعتباره المنقذ، وقد خلت الساحة الإفرنجية في القدس من الفرسان الصليبيين الذين كانوا يأخذون على عاتقهم مسؤولية إدارة الصراع مع المسلمين.

في نهار يوم الأحد 20 أيلول 1187 ظهر جيش صلاح الدين الأيوبي أمام أسوار المدينة المقدسة، وقد تبين لهم حجم الاستحكامات المليئة بالمدافعين الذين لا عداد لهم، وخاصة الحائط الغربي المواجه لباب داود. وبعد مرور خمسة أيام نقل صلاح الدين الأيوبي قواته إلى الشرق، حيث الأسوار أقل متانة. ولما رأى سكان القدس صلاح الدين الأيوبي مغادراً ظنوا ذلك انتهاءً للحصار، وركضوا إلى الكنائس ليقدموا شكرهم. ولكن في 26 أيلول 1187 شاهد الناس رايات المسلمين ترفرف فوق جبل الزيتون، وغطى (10) آلاف مسلح صليبي من الخيالة أبواب القديس استفان وجوزافات، ومنعوا هجوم المسلمين، بينما كان المتخندقون تحت الأسوار يعملون بجهد لحماية أنفسهم من النار الإغريقية. وحاول الفرسان الصليبيون تنظيم أنفسهم لقطع خط رجعة المهندسين المسلمين، ولكن دون جدوى، والأسى والعويل يسمعان من داخل المدينة، والناس تلجأ إلى الكنائس للصلاة، والنساء جززن شعور بناتهن وغطسنهن في الماء أملاً في رد العار.

كان الرأي العام يميل إلى تسليم مدينة القدس للسلطان صلاح الدين الأيوبي الذي قال كلمته، فيما قرر مجلس المدينة الدفاع عنها حتى الموت، ولكن المطران «هيراكليوس» أبلغهم: إنكم بهذا العمل تعرضون النساء والأطفال للعبودية، وأقنعهم بالتفاوض مع السلطان صلاح الدين الأيوبي على شروط.

ووصل باليان، حاكم عبلين والقدس، إلى خيمة صلاح الدين الأيوبي، ليجد أن المسلمين قد اخترقوا المدينة من جهتها الشرقية، وأن هناك أعلاماً ترفرف على البرج، وكأن ما يريده باليان من شروط للتفاوض لا معنى له، فهي مدينة محتلة في نظر مجلس المدينة. ولكن صلاح الدين الأيوبي لا يريد أن يدخلها بحد السيف، وعلى باليان أن ينظر إلى الواقع في الميدان.

وأطلق باليان، حاكم عبلين والقدس، رسالته بالقول: «أيها السلطان صلاح الدين الأيوبي، اعلم أننا، جنود هذه المدينة الذين لا يعلم عددهم إلا الله، نؤجل القتال أملاً في رحمتك، معتقدين أنك ستهبها لنا كما وهبتها لمدن أخرى غيرها. هل أهل المدينة يكرهون الموت ويرغبون في الحياة؟ أما نحن مجلس المدينة فالموت لا بد منه. فوالله سنذبح أولادنا ونساءنا، وسنحرق ثروتنا وأملاكنا، ولا نترك لكم سكوين أو ستايفر لتهبوه، ولا امرأة أو رجلاً لتستعبدوه. وعندما ننتهي من ذلك سنهدم الصخرة والمسجد الأقصى، وسنذبح الأسرى المسلمين (خمسة آلاف أسير)، وسنذبح كل حيوان أو مطية لدينا، ثم سنجتمع جسداً واحداً نواجهكم ونقاتلكم من أجل حياتنا، ولن يسقط رجل منا إلا وقد ذبح منكم مثله، هكذا نموت بفخار أو نغلب بكرامة».

وفهم السلطان صلاح الدين الأيوبي أن هذه الرسالة لا تخرج عن دائرة اليأس، وأنها كلام بلا قوة مؤثرة، قد يضر السكان المحاصرين داخل المدينة. ومع ذلك اتفق صلاح الدين الأيوبي مع باليان حاكم القدس على تحديد الشروط:

  • كل رجل عليه أن يدفع عشر قطع ذهبية إذا أراد الخروج من المدينة.
  • كل امرأتين أو عشرة أطفال يعادلون رجلاً واحداً.
  • يطلق سراح الفقراء (7 آلاف) مقابل ثلاثين ألفاً من العملة البيزنطية (بيزانتس) (Besants)، تدفع من كنوز الملك هنري التي ما زالت محفوظة في دار الهوسبتاليين.
  • المهلة هي (40) يوماً، ومن يبقى بعدها داخل المدينة فهو عبد.

ووقع الاتفاق يوم الجمعة الثاني من تشرين الأول سنة 1187، وعاد باليان إلى المدينة، وأعلن الشروط التي قوبلت بالشكر مرة وبالحزن مرة أخرى، وقبّلوا جدران المدينة التي قد لا يرونها ثانية.

وظهرت غلبة صلاح الدين الأيوبي على الذين أرادوا امتحانه في قضية القدس، حيث حافظ حرسه على النظام العام في كل شارع، فلا أعمال عنف ولا إهانة، وهناك رجل موثوق عند بوابة داود يتسلم الفدية من كل مواطن يغادر المدينة. وأحضر باليان أولاً الثلاثين ألفاً من العملة البيزنطية (بيزانتس) عن السبعة آلاف من الفقراء، وسمح لهم بالسير ببطء إلى الخارج، ثم تبعهم المواطنون الواحد تلو الآخر والعملة بأيديهم. ودفع كوكبري فدية ألف من الأرمن من أهالي الرها، وأرسلهم إلى بيوتهم، وتنكر آخرون باللباس العربي وهربوا، وهرّبوا معهم آخرين دون دفع الفدية. وانتهت مهلة الأربعين يوماً، لكن بقي الألوف من الفقراء دون أن يتكفلهم أحد. ثم جاء الملك العادل أبو بكر بن أيوب (شقيق صلاح الدين الأيوبي) قائلاً: «سيدي، لقد ساعدتك نعمة الله على احتلال الأرض وهذه المدينة، لذا أرجوك أن تعطيني ألفاً من العبيد الفقراء»، فأعطاه السلطان ما أراد، وأعتقهم العادل أبو بكر بن أيوب أحراراً. ثم جاء البطريرك وباليان والتمسا مثله، فأعطاهما صلاح الدين الأيوبي ألف عبد آخر، وأعتقوا أحراراً. ثم قال صلاح الدين الأيوبي لضباطه: «أخي الملك العادل أبو بكر بن أيوب قدم صدقته، وكذلك البطريرك وباليان، والآن سأقدم صدقتي بسرور»، فأمر حراسه أن يعلنوا في شوارع القدس أن كل المسنين، وكل من لا يستطيع دفع فديته، أحرار في المغادرة. وعندها قال باليان: سأخبركم عن الاحترام الشديد الذي أظهره صلاح الدين الأيوبي لزوجات الفرسان الصليبيين وبناتهم اللواتي هربن إلى القدس، وفقدن أسيادهن في معركة حطين.

لقد دفعت السيدات الفدية وغادرن القدس، ثم اجتمعن للكلام مع السلطان صلاح الدين الأيوبي باكيات، طالبات الرحمة من الله أولاً ومنه ثانياً. وسأل صلاح الدين الأيوبي عما يردن، فقيل له إنهن زوجات الفرسان الصليبيين وبناتهم الذين قتلوا أو أسروا في المعركة، فسألهن عن طلبهن، فأجبن: «بحق الله أشفق علينا، فبعض أزواجنا في السجن، وبعضهم قتل، وبعضهم فقدوا أراضيهم، وباسم الله استرنا وساعدنا».

فرقّ قلب صلاح الدين وحزن، وبكى هو نفسه شفقة، وطلب من زوجات الأسرى إعلامه بأماكن سجنهم، فأطلق سراحهم أينما كانوا، وأمر بتعويض كل سيدة أو آنسة من خزينته الخاصة بمبالغ كبيرة أو قليلة بما يتناسب مع ما كانوا يملكون من الأراضي. فتضرعن إلى الله أن يحمي السلطان صلاح الدين الأيوبي، وأعلنّ في الخارج حلم صلاح الدين الأيوبي وشرفه. إن أعظم عطاء للسماوات هو الرحمة، فهي تاج العدالة والفخار، فقد تقتل بالحق وتنجو بالشفقة.

أسباب النصر في معركة حطين

الوقوف عند حدود الله

كان صلاح الدين الأيوبي يحاسب نفسه أولاً قبل أن يحاسب أمراء جيشه، ويردعهم عن الظلم وإيذاء الناس؛ فهو يهتم بالشريعة الإسلامية وعلمائها، ويطبق الأحكام الشرعية على الرعية، ويقمع أهل الضلالة والفساد، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويتواضع للناس، ولا يحابي محباً ولا يظلم مبغضاً، بل كان يتجاوز عن المبطل إذا خاصمه بالباطل، ويحيطه بكرمه وحسن أخلاقه.

الثبات في ميادين القتال

إن الإيمان بالله وحده، والخوف على مصير دين الإسلام إذا تقاعس صلاح الدين الأيوبي والأمراء عن أداء الواجب، جعلا منه قائداً عالي المعنويات، صبوراً، هادئاً وهو وسط جنوده. وكان يشجع أمراءه على الإغارة على العدو (المعسكرات الصليبية)، وقتل ما يمكن من رموزهم وخطفهم للاستنطاق ومعرفة ما يخططون له. وقال «أبو شامة» الذي عاش لحظات معركة حطين إنه لما وصل خبر مسير الصليبيين إلى جيش السلطان صلاح الدين الأيوبي قال: جاءنا ما نريد، ونحن أولو بأس شديد.

استدراج العدو

أي جلب العدو إلى المكان والزمان المناسبين قبل الفتك به بكثافة والإثخان فيه قتلاً وأسراً. لقد استخدم صلاح الدين الأيوبي، وغيره من قادة الجيوش الإسلامية، تكتيك الاستدراج للعدو الصليبي. فمثلاً سيطر صلاح الدين الأيوبي على بحيرة طبرية ولم يذهب إلى قلعتها، حيث تحصن العدو، وكان ذلك بفطنة ليجعل جيوش العدو تتقدم نحو طبرية، فوفر الماء لعسكره وحرم عدوه منه. وبسبب شدة الحر في تموز 1187 عمد إلى حرق الأعشاب والأشجار، فولّد دخاناً كثيفاً حولهم كان مصدر قلق لهم وهم عطشى وماء طبرية أمامهم، حتى عاجلهم بالرمي والقتل، والفرسان في مكان والمشاة في مكان آخر، ليلة 4/5 تموز 1187، ليهاجمهم في المكان الذي أراده جنوب غرب طبرية، على بعد 17 كم من قرية حطين.

مراقبة العدو ومعرفة خططه

حرص القائد صلاح الدين الأيوبي على مراقبة تحركات الجيوش الصليبية ونواياها العدوانية أو الدفاعية، بما في ذلك التبدلات داخل عائلة الملك، وكان يغدق الأموال على الجواسيس من النصارى، فهم عيونه عندما يضع خططه العسكرية.

وفي الجمعة التالية لجمعة الفتح جاء الناس من كل حدب وصوب ليشاهدوا السلطان صلاح الدين الأيوبي أولاً، ويستمعوا إلى خطبته. فلما أذن الظهر من يوم الجمعة المباركة حضر السلطان في قبة الصخرة (المسجد الأقصى) وهو في غاية السرور والفرح، إذ جعله الله تعالى في هذا الفتح ثانياً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، الفاتح الأول.

وعندما ارتقى السلطان المنبر، وعلى رأسه العمامة السوداء العباسية، ابتدأ بقوله تعالى: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، و{الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ}، و{الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}، و{وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً}، و{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّماً لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً * مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً * وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً * مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً}، و{قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ}، و{الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ}، و{الْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً}.

«الحمد لله المعز للإسلام بنصره، ومذل الشرك بقهره، ومصرف الأمور بأمره، ومديم النعم بشكره، ومستدرج الكافرين بمكره، الذي أظهر دينه على الدين كله، القاهر فوق عباده، والظاهر على خليقته فلا ينازع، والحاكم بما يريد فلا يدافع.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، دافع الشرك، وداحض الإفك، الذي أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به منه إلى السماوات العلى، إلى سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، ما زاغ البصر وما طغى. صلى الله عليه، وعلى خليفته أبي بكر الصديق السابق إلى الإيمان، وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول من رفع عن هذا البيت شعار الصلبان، وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين جامع القرآن، وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مزلزل الشرك ومكسر الأوثان».

واستمر في خطبته الطويلة حتى ختمها بقوله: «رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي، وأن أعمل صالحاً ترضاه، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين».

وفي ليلة الجمعة 20 شباط 1193 داهمت السلطانَ صلاح الدين الحمى، ولم يستطع مشاركة أصدقائه العشاء في اليوم التالي، وتوفي يوم الأربعاء الرابع من آذار 1193 وعمره (55) عاماً، رحمه الله.


أجزاء «صلاح الدين الأيوبي القائد المسلم الكوردي وقاهر الصليبيين» (4 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع (هذا الجزء)

→ الجزء الثالث