الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
صلاح الدين الأيوبي القائد المسلم الكوردي وقاهر الصليبيين (الجزء الثاني)
من محاضرات «شخصيات كوردية» – 2017
صلاح الدين الأيوبي يلبس عباءة الوزير ويلقب بالملك الناصر 1169-1171م
أصبح صلاح الدين الأيوبي خليفة عمه أسد الدين شيركوه، وفي 26 آذار 1169 ألبسه الخليفة الفاطمي عباءة الوزير، ولقب بلقب «الملك الناصر»، وهو في سن الثلاثين من عمره.
بدأ صلاح الدين الأيوبي إدارته لدولة الخلافة الفاطمية بصراحة، وترك جانباً فكرة التمتع وحب الراحة، وخصص كل طاقاته لإيجاد إمبراطورية إسلامية قوية تقصي الفرنجة خارج أراضي العرب المسلمين، ناذراً نفسه للحرب المقدسة من أجل استعادة القدس.
وكانت خطوة صلاح الدين الأيوبي الأولى أن يجلب عائلته مجتمعة من سورية إلى مصر (كما فعل النبي يوسف بوالديه وإخوته)، فأرسل لإحضار أبيه وإخوته. وعندما عرض على والده أيوب تسليمه مركزاً مرموقاً رفض ذلك قائلاً: يا ولدي، إن الله لم يخترني لمثل هذا المنصب العظيم. ومع ذلك أخذ أيوب على عاتقه واجبات أمين الصندوق، فيما آزره إخوته الآخرون في وضعه الصعب، فكافأهم بإقطاعيات تعود لمصريين مشاكسين، وربما كان ذلك لإضعاف حزب الخليفة الفاطمي وحكمه.
ولعل مما يذكره الكاتب «أسامة العربي» عن صلاح الدين الأيوبي أنه حاز رضا الناس والشعب المصري، وأنه كان يشاهد تدفق المصريين من كل أنحاء مصر ليروه على الطبيعة، فيما كان هو شديد الإصغاء للملتمسين، ويذكر أسامة العربي أنه لم يقابل أحدٌ صلاح الدين الأيوبي فخرج من عنده خالي اليدين. وكانت مثل هذه الشعبية مطلوبة، لا سيما أن كبير الخدم الأسود في بلاط الخليفة الفاطمي خطط للتفاهم مع الإفرنج لإبعاد صلاح الدين الأيوبي عن القاهرة، غير أن مراقبة كبير الخدم الأسود أدت في النهاية إلى القبض عليه وقطع رأسه في تموز 1169، وهو ما أثار الخليفة الفاطمي الذي جمع حوله (50) ألفاً من السودانيين، ولكن السودانيين انهزموا في النهاية بعد أن احترقت المنصورية، الحي الخاص بهم.
وفي شتاء 1171-1172 أخبر «توران شاه»، شقيق صلاح الدين الأيوبي، السودانيين والحاقدين عليهم أن أي تمرد ضد شقيقه يعني نهاية وجودهم، فطاردهم حتى النوبة. وفي عام 1174 كان هناك هياج من السود في أسوان بقيادة «كنز الدولة» (Kenz-ed daula)، وكان القتال حاداً، وقاد القتال هذه المرة أخ آخر لصلاح الدين الأيوبي هو «سيف الدين» (العادل). وحصل تمرد آخر قمعه سيف الدين (العادل) عام 1176، ثم لم يظهر تمرد آخر من الداخل. وعن ذلك يقول «أسامة العربي»: «إن الله هو الذي أنهى الشرور»، وهو يعتقد أن السود الثائرين كان يحرضهم العبيد السودانيون الهاربون المتحالفون مع الفاطميين.
أما في سورية، فقد كان الملك نور الدين الزنكي يرى أن القدس باتت محاصرة من الجهتين (مصر وسورية)، عندما عرف أن صلاح الدين الأيوبي امتلك دمياط والإسكندرية، وهما اللتان منحتا القائد صلاح الدين الأيوبي قوة أسطول مكنته من قطع اتصالات الصليبيين مع أوروبا، وإيقاف سفن الحج السنوية، والاستيلاء على ذخائرهم.
وفي هذه المرة شارك «أمالرك» ملك القدس المتآمرين السود، ومعه الأسطول اليوناني المكون من (220) سفينة شراعية، وأبحرت معهم قوات برية صليبية لحصار دمياط. وعلم ملك سورية نور الدين الزنكي بذلك، فأرسل الكتائب المسلحة واحدة بعد الأخرى لتعزيز قوة صلاح الدين الأيوبي، وشغل ملك القدس أمالرك بحملة على فلسطين. وفي تشرين الثاني 1169 ظهر الأسطول اليوناني، ولكن سلسلة حديدية محمية ببرج حصين حالت دون دخوله الميناء، وباتت فرص نجاحه ضئيلة. ومع استمرار وجودهم حاصرهم صلاح الدين الأيوبي بجيوشه، ومعه مليون قطعة ذهب في صندوقه للصرف على بقاء الجيوش، فشح الخبز عند الإفرنج، وانتشر المرض في صفوفهم، وذاق اليونانيون المجاعة وهم على ظهر سفنهم. والأهم أن الله هيأ الرياح المعاكسة التي أخرت الأسطول اليوناني، وأعطت صلاح الدين الأيوبي الفرصة للاستعداد وصد الهجوم.
وفي 19 كانون الأول 1169 هبت عاصفة أخرى حطمت الأسطول اليوناني كله تقريباً، وكانت جثث الأموات اليونانيين تلقى على الشاطئ الذي جاؤوا لاقتحامه.
وقبل انتهاء عام 1169 وقع زلزال عظيم لم ير الناس مثله، وعمّ أكثر البلاد من الشام والجزيرة والموصل والعراق، وكان أشده في الشام، حيث خربت مدن دمشق وبعلبك وحمص وحماة وشيزر وبعرين وحلب، وتهدمت الأسوار والقلاع، وسقطت الدور على أهلها. ومضى نور الدين الزنكي إلى بعلبك ليعمر ما انهدم، ثم إلى باقي المدن، واستغفر الله على هذه المحنة التي ألمت بالمسلمين.
وتعززت مكانة صلاح الدين الأيوبي في مصر سنة 1171، ولم ينقطع عن إجابة السائلين وقضاء حاجاتهم، فيما لم يعد الخليفة الفاطمي شخصياً عاملاً مؤثراً في السياسة. وضعف تأثير قوة الشيعة (الفاطميين) في القاهرة بحكم كثرة الكليات والمدرسين الذين ينشرون استقامة الرأي الإسلامي وفق ما جاء في القرآن الكريم، وكذلك في بقية المحافظات الأخرى.
وهكذا نرى أن المردود الإيجابي لمركز الملك السوري نور الدين زنكي كان يقابله مردود إيجابي آخر للقائد صلاح الدين الأيوبي في مصر. وبعد أن استقرت الأمور لكليهما، جاء رسول من بغداد يحمل رسالة الخليفة العباسي بإقرار نور الدين الزنكي حاكماً على الموصل والجزيرة وأربل (أربيل) وخلاط والشام وبلاد قلج أرسلان ومصر عام 1172. ولكن قبل وصوله كان آخر خلفاء الدولة الفاطمية في مصر، العاضد لدين الله، مريضاً لم يسمع بحذف اسمه من خطبة الجمعة، وقد منع صلاح الدين الأيوبي إخباره بذلك قائلاً: إذا شفي الخليفة فسوف يدرك الحقيقة سريعاً، وإذا مات فليمت بسلام. ومات بعد ثلاثة أيام، ولم يكن قد جاوز الحادية والعشرين من العمر. وأمر صلاح الدين الأيوبي باحترام أولاده ونسائه، مقدماً لهم وسائل العيش اللائق والاحترام اللذين تعودوهما سابقاً.
وفي مثل هذه الأحوال شرع أيوب يعلّم ولده صلاح الدين أن هناك أمراء يغارون منه، وسوف يكتبون إلى دمشق كل ما يروق لهم لإشعال الخلاف بينه وبين نور الدين الزنكي. وأبدى أيوب رأيه بأن كل الجيوش في مصر يجب أن تقدم الطاعة لنور الدين الزنكي إذا حضر، قائلاً: فهذه الأرض له، فإذا شاء أن ينحيك فيجب أن تطيعه حالاً، ولا تستمع إلى رأي ابن أخيك الشاب «تقي الدين عمر» الذي أخذه الحماس وهو يقول: «إذا جاء نور الدين الزنكي فسوف نحاربه ونخرجه من الأرض».
ووضعت طاعة صلاح الدين الأيوبي في الاختبار، ففي أيار أو حزيران 1173 شرع في حصار الكرك، تلك القلعة الحصينة الشهيرة شمال الشوبك، في أقصى جنوب البحر الميت، فهي على طريق القوافل، والمفتاح الأساسي لسورية، وكانت دوماً شوكة في خاصرة العرب المتوجهين إلى مكة.
وعندما هيأ صلاح الدين الأيوبي القلاع اللازمة لاحتلالها، ومنها قلعة الشوبك، وصلت الأخبار أن نور الدين الزنكي، كما أعد سابقاً، على رأس جيش سوري متجه إلى مصر. فعاد صلاح الدين الأيوبي إلى مصر أولاً لاستقبال سيده، وثانياً لمرض والده أيوب، غير أن والده توفي قبل وصول صلاح الدين الأيوبي إلى القاهرة.
ويذكر المؤرخ العربي عمارة (Omara)، الذي كان يعيش في القاهرة، أن شقيق صلاح الدين الأيوبي «توران شاه» نظم حملة قوية وترك مصر في شباط 1174 وهدفه مكة المكرمة واليمن، فوصل إلى زبيد والجند وعدن وصنعاء وغيرها من المدن اليمنية المحصنة دون قتال يذكر. وحكم توران شاه اليمن حتى رجوعه إلى أخيه صلاح الدين الأيوبي في أوائل عام 1176، وبقيت اليمن تحت نفوذ السلالة الأيوبية خمساً وخمسين سنة.
غزو سورية 1174-1176
توفي نور الدين الزنكي في السادس من أيار 1174، بعد أن قدم من الفضائل لنصرة دين الإسلام ما قدم، واعتبر بمثابة عمر بن عبد العزيز الثاني ديناً وعدلاً وملكاً، وشهد له الصليبيون بأخلاقه العالية بالرغم من اختلاف العرق والعقيدة؛ فهو يسمى باللغة اللاتينية «نورا دينوس» (Noradinus)، وضربوا الأمثال بعفته وبساطته. فقد كانت زوجته تشكو الفقر، وكان هو يترفع عما يأتيه من محلاته الثلاث في حمص، وكان دخلها يقدر بعشرين قطعة من الذهب سنوياً، وكان يجيبها: أنا لا أملك شيئاً أكثر، لأن كل الباقي عهدة عندي للشعب.
وخلّف نور الدين الزنكي ولداً هو الصالح إسماعيل، وكان طفلاً في الحادية عشرة من العمر، قليل الحظ، متأرجحاً بين خصومه الصليبيين والقائمين على وصايته. وكانت بلاد وادي الرافدين، التي استقل فيها الحكام المتنافسون، إحدى تركات نور الدين الزنكي.
ولصغر سن ولده الصالح إسماعيل تراجع ابن عمه، حاكم ولاية الموصل، عن الولاء له، وأخضع الرها ومحميات أخرى لسلطته. وبالمقابل خسر الإفرنج ملك القدس «أمالرك»، وأصبح «ريمون» وصياً على العرش لبلدوين (Baldwin) ابن الثالثة عشرة من العمر، ولو كان الإفرنج في حال أخرى لكان بإمكانهم السيطرة على سورية بأكملها.
وأرسل صلاح الدين الأيوبي سفيراً إلى الملك الشاب الصالح إسماعيل بن نور الدين الزنكي، للتأكيد على ولائه، وتقديم النصيحة والمساعدة له، وطلب من أئمة جوامع مصر أن يذكروا اسم الصالح إسماعيل في المساجد، وأن تنقش النقود باسمه.
ولعل ما أغضب صلاح الدين الأيوبي أن مجلس دمشق كان يعقد جلساته بحضور الملك الشاب الصالح إسماعيل، فيما أمير وادي الرافدين يتحرك على المدن ليضمها إلى إمارته، بل كان المجلس متفقاً على شراء ود الإفرنج بالذهب؛ فقد كانوا في الحقيقة يخافون من جيرانهم: سيف الدين في الموصل، وصلاح الدين في القاهرة. ولحماية أنفسهم اتفقوا مع الصليبيين كما فعل سلفهم «أنر» (Anar) أيام زنكي.
ولم ينتظر صلاح الدين الأيوبي الأوامر حين سمع أن الملك الشاب الصالح إسماعيل انتقل إلى حلب، وأن صديقه القائد العسكري على المدينة أصبح الوصي على الملك، وأنه فاتح ملك الموصل لمساعدة الملك الشاب فرفض. فتقدم صلاح الدين الأيوبي ومعه 700 من الفرسان عبر الصحراء إلى دمشق، ودخلها وسط زغاريد الناس في 27 تشرين الثاني 1174. ثم تقدم لاحتلال المدن الأخرى التي كانت تعود إلى مملكة نور الدين الزنكي وأصبحت مستقلة، بعد أن ترك أخاه «طغتكين» (Tughtigin) الملقب بـ«سيف الإسلام» حاكماً على دمشق.
وعبر صلاح الدين الأيوبي منطقة البقاع اللبنانية رغم برودة الجو، فدخل حمص، ثم تدمر وحلب، وحاصر قلعتها في 30 كانون الأول 1174، بحجة إنقاذ سيده الملك الشاب الصالح إسماعيل من مستشاريه الأشرار. ولم يعجب ذلك الملك الصالح إسماعيل خوفاً من صلاح الدين الأيوبي، فاستجاب لشيخ الحشاشين الشيخ سنان («شيخ الجبل الكبير») في إعلان التمرد وتدبير عمل من شأنه التخلص من صلاح الدين الأيوبي. ونجا صلاح الدين الأيوبي من ذلك بصعوبة، وكان عليه أن يواجه جيشاً جاءه من الموصل بحجة الدفاع عن ابن عم صاحب الموصل في حلب. وكانت هذه المواقف فرصة الإفرنج للتقدم باتجاه حمص، بعد أن أطلق سراح «ريموند»، كونت (حاكم) طرابلس، الذي كان أسيراً مسجوناً في حلب، وذلك في شباط 1175، وكان هدف ريموند فك الحصار عن حلب. وعلم صلاح الدين الأيوبي بذلك، وكان قد اتخذ من حماة مقراً له، فأصدر أمراً باسترداد حمص، فاستردها بعد مقاومة عنيفة في أواسط آذار 1175، وفي نهاية الشهر كانت مدينة بعلبك تحت سيطرته.
وفي نيسان 1175 تقدمت جيوش الموصل وحلب لطرد صلاح الدين الأيوبي وإعادته إلى مصر، غير أن صلاح الدين الأيوبي أطبق عليهم في شِعب ضيق، وباتت هذه الجيوش محاصرة بين جنود مصر وجنود دمشق من أصحاب الدراية والخبرة، وانتهت المعركة بهزيمة مخزية لهم، ولاحق صلاح الدين الأيوبي الهاربين حتى أبواب حلب. وعندها طلب الملك «الصالح إسماعيل» الهدنة من صلاح الدين الأيوبي، وحسب الاتفاق حافظ صلاح الدين الأيوبي على مركزه السيادي الذي لا ينازعه فيه أحد، ليس على مقاطعات دمشق وحمص وحماة فقط، بل على مدن كفر طاب وبارين والمعرة، وهي على مشارف مدينة حلب.
والآن، ولأول مرة، أكد صلاح الدين الأيوبي استقلاله ونصب نفسه ملكاً، وألغى اسم الملك الصالح إسماعيل من الخطبة والعملة. وفي هذه السنة (1175) دعي له في جميع جوامع سورية ومصر سلطاناً أعلى، وأصدر في القاهرة عملات ذهبية صغيرة باسمه ولقبه «الملك الناصر يوسف بن أيوب» لتظل الراية مرتفعة. لقد أثبت صلاح الدين الأيوبي في رسائله إلى الملك الشاب «الصالح إسماعيل» أنه عمل جاهداً لإقناعه، وهو في حلب، بأنه على استعداد لخدمته بإخلاص، ولكن «الملك الصالح إسماعيل» اعتبرها مساساً بسيادته، ورفض كل محاولة للمصالحة مع صلاح الدين الأيوبي، فشعر صلاح الدين الأيوبي أنه في حلٍّ من هذا الولاء للملك الصالح إسماعيل، خاصة بعد أن لقي موافقة الخليفة العباسي في بغداد، الذي أرسل إليه الشهادة المعتادة والألبسة التقليدية باعتباره ملكاً على مصر وسورية، وقد وصله الخبر وهو في حماة في أيار 1175م.
وبات الخلاف مستحكماً بين ورثة نور الدين الزنكي والأسرة الأيوبية، رغم الهزائم المتكررة التي لحقت بورثة نور الدين الزنكي في حلف الملك «الصالح إسماعيل». وكان سيف الدين يجند الجيوش في ديار بكر والجزيرة، وقد بلغت نحو (6000) رجل بعدما انضمت إليها فرقة الملك الصالح إسماعيل في حلب.
ووصل سيف الدين على غير توقع عندما كان جيش صلاح الدين الأيوبي منتشراً في «أبيار التركمان» في نيسان 1176. وعلى بعد (25) كم من حلب استعر القتال بين الطرفين، وتمكن حاكم أربيل من التغلب على جناح صلاح الدين الأيوبي الأيسر، غير أن الملك نفسه هاجم قلب حرس سيف الدين، فقلب موازين ذلك النهار، وأصاب العدو هلع مفاجئ، وهرب كلٌّ لإنقاذ حياته، وقتل العديد من ضباط الأتابك وأسر آخرون، وهرب سيف الدين من الميدان، وسقطت الخيول والأمتعة والخيام والمخازن بيد الفاتح.
وعامل صلاح الدين الأيوبي أسراه بكرم، وكان الجرحى مدينين له بالعناية، وأطلق سراح الأسرى، الذين كان من بينهم أصحاب مراكز وتأثير، ومعهم الهدايا. فتحدثوا عن روعة صلاح الدين الأيوبي ورأفته، وقالوا إنهم على استعداد لأن يكونوا من رعاياه.
وعندما أقرت المعاهدة بين الطرفين في نيسان 1176، جاءت إلى صلاح الدين الأيوبي فتاة هي الأخت الصغرى للملك الصالح إسماعيل، فاستقبلها بكل ترحيب وسألها: ماذا ترغبين؟ فأجابت: قلعة عزاز. فأعاد القلعة إلى أصحابها، وحمّل الأميرة الهدايا، ورافقها رئيس أركان الحرب حتى بوابة حلب. وكان ذلك قبل أن يكتشف صلاح الدين الأيوبي مؤامرة لقتله وهو مستريح في خيمته، دبرها سنان («شيخ الجبل») ونفذها ثلاثة من الحشاشين.
وتعتبر الفترة بين 1176 و1181 فترة سلم بين صلاح الدين الأيوبي وورثة نور الدين الزنكي دامت ست سنوات، بقي فيها الملك الصالح إسماعيل في حلب متمتعاً بما تبقى له من مملكة أبيه نور الدين الزنكي.
وكانت هناك هدنة مع ملك القدس عقدها صلاح الدين الأيوبي في صيف عام 1175 عن طريق الهدايا الثمينة ووساطة همفري حاكم تورون (Humphrey of Toron). أما المعاهدات مع الصليبيين فكانت أسوأ من العدم، إذ كانت العقيدة النصرانية تحثهم على عدم التمسك بها، ولا ترى حاجة إلى الصدق مع المسلمين.
وفي ربيع عام 1178 تابع ملك القدس تقدمه في بلاد العرب، محققاً انتصاراً في مدينة الرملة، وهدفه دمشق. ولكي يثني صلاح الدين الأيوبي خصمه ملك القدس، أعطاه (60) ألف قطعة من الذهب، ثم (100) ألف قطعة أخرى ليقنعه بإلغاء مشروعه على ديار العرب. وعند سفوح «جبل الشيخ»، وهو جبل الثلج، أنشأ ملك القدس قلعة حصينة لحماية الطريق إلى سهل بانياس، الأمر الذي دفع صلاح الدين الأيوبي إلى تدميرها. ونصب «فروخ شاه»، ابن أخي صلاح الدين الأيوبي، كميناً في نيسان 1179 أسر فيه الملك بلدوين مع مجموعة قليلة عند وادٍ ضيق بالقرب من بلفورت (كوكب الهوى)، وتمكن «همفري» من إنقاذ ملكه من الأسر بعملية جريئة، ولكن بعد أن ضحى بحياته. وفي حزيران 1179 اصطدم الملك بلدوين مع صلاح الدين الأيوبي في مرج العيون (مرجعيون)، وكان المشاة الصليبيون يشاهدون خيمة صلاح الدين الأيوبي، ويعتقدون أن الجيش المبعثر أمامهم غير قادر على الصمود، وأنهم في الطريق إلى حصد انتصار وغنائم كثيرة، وأنه ليس بإمكانه إعادة تنظيم جيشه. فقام صلاح الدين الأيوبي بإحدى هجماته العنيفة تاركاً البقية تلحق به، فقتل العديد منهم وهم يحملون الغنائم، وهرب البقية عبر نهر الليطاني، ولجأ بعضهم إلى القلعة الحصينة المجاورة لكوكب الهوى، ولم يتوقف قسم آخر حتى «صيدا». وكانت المفاجأة أن الأسرى كانوا من الطبقة العليا: حاكم طرابلس «ريموند»، و«باليان» حاكم عبلين، وبلدوين حاكم الرملة، و«هيو» حاكم طبرية، و(70) من الفرسان، كما أحصاهم «عماد الدين»، أمين سر صلاح الدين الأيوبي، في خيمته.
وفي شتاء عام 1179 حصل كلا الطرفين، صلاح الدين الأيوبي وبلدوين حاكم الرملة، على استراحة، وكان صلاح الدين الأيوبي يجهز أسطولاً بحرياً من (70) سفينة في خريف عام 1179، فتجول به على سواحل فلسطين، وخاصة صفد.
وفي ربيع عام 1180 عمد صلاح الدين الأيوبي إلى القيام بحملة بحرية، غير أن «ريمون» حاكم طرابلس أرسل مبعوثيه إلى القائد صلاح الدين الأيوبي مقترحاً عليه هدنة سلمية لمدة سنتين، فقبلت لأن المحصول الزراعي كان سيئاً في تلك السنة، وقد أثر على تموين جيشه. أما كونت طرابلس فلم يكن صديقاً للملك ريمون، ولم يرحب بالاتفاق. ولكن قيام العرب بشن غارة على طرابلس في أيار 1180، وظهور أسطول صلاح الدين الأيوبي البحري مقابل طرطوس السورية، أعادا لريمون حاكم طرابلس حكمته، فتوقفت الحرب المقدسة فترة من الزمن.
أجزاء «صلاح الدين الأيوبي القائد المسلم الكوردي وقاهر الصليبيين» (4 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع