الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
صلاح الدين الأيوبي القائد المسلم الكوردي وقاهر الصليبيين (الجزء الثالث)
من محاضرات «شخصيات كوردية» – 2017
فتح بلاد الرافدين 1181-1183
عقدت الهدنة الكبرى مع الصليبيين، وبات صلاح الدين الأيوبي حراً في العودة من سورية إلى مصر، بعد أن ترك ابن أخيه «فروخ شاه» مسؤولاً في سورية.
وحدثت تغيرات في العديد من العروش؛ فقد مات لويس الصغير في فرنسا وحل محله فيليب أغسطس، وحل البابا لوشيوس محل الإسكندر، وجلس ألكسيوس الثاني على عرش الإمبراطور مانويل كومنينوس. وفي آسيا توفي الخليفة المستضيء بأمر الله وحل محله الناصر لدين الله، ولحق سيف الدين (أتابك الموصل) بآبائه وحل محله أخوه عز الدين.
وكان الحدث الكبير في أواخر عام 1181 وفاة الملك «الصالح إسماعيل»، وارث نور الدين الزنكي، بمغص قولوني (تسمم). وعندما أحس بدنو أجله طلب من ضباطه أن يؤدوا القسم بالولاء لابن عمه في الموصل، وهو الأمير القوي الباقي من أسرة الزنكي.
وبوفاة الملك الصالح إسماعيل أسرع أتابك الموصل إلى الاستيلاء على حلب، حيث لاقى ترحيباً من أتباع ابن عمه، واستجابت حماة بتعاطف. ولم يجد صلاح الدين الأيوبي حرجاً في ذلك، ما دام حليفه في الموصل لم يخالف أي معاهدة في حياته، ولكنه بقي يراقب الوضع وحركة خصومه الصليبيين في الميدان.
وفي الحادي عشر من أيار سنة 1182 غادر صلاح الدين الأيوبي القاهرة، وتجمع الضباط الكبار ونبلاء مجلسه في البحيرة لوداعه، وقد عرفوه في السنوات الأربع عشرة الماضية مجداً في الخارج وعدلاً في الوطن، فكرّموه وأعجبوا به. وصدر صوت منفرد ينشد ما قيل في شعر العرب القديم:
تمتع من شميم عرار نجدٍ
فما بعد العشية من عرار
وهذا الشعر، وإن هز صلاح الدين الأيوبي، أثار فيه التشاؤم، فخرج راكباً من مصر، ولم يرها مرة أخرى.
سار عبر شبه جزيرة سيناء إلى إيلات على رأس خليج العقبة، ومن هناك زحف شمالاً باتجاه جبال الشراة والشوبك في الأردن، فيما كان جيش بلدوين (حاكم الرملة) يراقبه عند مشارف الكرك، ومن هناك إلى دمشق دون أن يعترضه أحد، فوجد ابن أخيه الفارس فروخ شاه في أواسط حزيران 1182. ووسط هذه الأجواء وصلت الأخبار بأن الإفرنج سوف يغزون دمشق، فقال صلاح الدين الأيوبي: «دعهم يفعلون ذلك، فبينما هم يسقطون القرى نستولي نحن على المدن، وعندما نعود سوف تكون لنا قوة عظمى لمحاربتهم». وكان لصلاح الدين الأيوبي جواب واحد: إما حلب وإما الموصل.
وبعد شهر من المساعي غير المجدية سحب صلاح الدين الأيوبي جيشه، وسار مسافة ثلاثة أيام نحو سنجار، معتقداً أنه سيحطم نفسية خصمه المسلم «عماد الدين» وأهل الموصل بإخضاع المدن والقرى المحيطة به، والتي يعتمد عليها في التموين. وبقي صلاح الدين الأيوبي (15) يوماً أمام أسوار سنجار، وفي الثلاثين من كانون الأول 1182 أنجز الهجوم على المدينة القديمة، ونجح صلاح الدين الأيوبي في حماية الحاكم وضباطه، وأرسلهم إلى الموصل بكل علامات التكريم، بعد أن ساد النهب بيوت المدينة.
وفي نهاية شباط 1183 تجمع ضد صلاح الدين الأيوبي جيش ضخم متحالف، قوامه أتابك الموصل، وملك أرمينيا، وأمير ماردين، وقوات من حلب، في منطقة قريبة من ماردين في مكان يقال له سهل «حارزم». وعندما علم هؤلاء بتقدم صلاح الدين الأيوبي أرسلوا في الحال مبعوثين للتفاوض معه وعقد معاهدة سلام، فرد على المبعوثين بأن الإجابة ستكون في سهل حارزم، الأمر الذي أثار ذعرهم، فعاد كلٌّ إلى مدينته. وعندما وصل صلاح الدين الأيوبي بنفسه إلى الموعد لم يجد هناك عدواً؛ فالأتابكة تراجعوا مرة أخرى خلف أسوار الموصل. ولم يطاردهم صلاح الدين الأيوبي، بل تقدم شمالاً إلى مدينة آمد على الرغم من سماكة جدرانها المزدوجة، وقد وصلته المعلومات بأن مخازنها مملوءة بالأسلحة وأدوات الحرب والكنوز. ونقلت الكتب من مكتبتها الشهيرة ذات المليون مجلد على ظهور (70) جملاً، وتسلمها الوزير الأول. وفي تلك اللحظات أُخبر صلاح الدين الأيوبي أن عماد الدين في حلب قد عقد تفاهماً مع الإفرنج، وأنه سيضرم النار في أراضي السلطان (أي صلاح الدين الأيوبي) في سورية، فتوجه صلاح الدين الأيوبي مسرعاً نحو نهر الفرات، مسيطراً على عينتاب في طريقه، وعسكر في الحادي والعشرين من أيار 1183 في الميدان الأخضر أمام حلب. ولكن عماد الدين لم يبد أي مقاومة، وأخبر صلاح الدين الأيوبي أنه يرغب في العودة إلى دياره القديمة في ولاية سنجار. وتم التفاوض على التبادل: فمقابل تسليم حلب، عاصمة سورية الشمالية، تعود ولاية سنجار مع مدنها نصيبين وسروج والرقة إلى عماد الدين، الذي رضي بها على أنه من أتباع صلاح الدين.
وفي الثاني عشر من حزيران 1183 أصبحت حلب رسمياً في حوزة السلطان صلاح الدين الأيوبي، وقدمت له الحامية العسكرية الولاء، وعمت الابتهاجات العامة، ولم يبد الناس أي تعاطف مع أميرهم عماد الدين، بل صار محط احتقار الجماهير الذين سخروا من مبادلته حلب بسنجار.
وجعل الحصول على حلب من صلاح الدين الأيوبي أقوى حاكم في الإسلام، صاحب إمبراطورية تمتد من النيل إلى دجلة، وأصبح الساحل الإفريقي حتى طرابلس وأماكن أخرى تحت هيمنته، وذاع اسمه في المساجد من مكة إلى ما بين النهرين. وعندما كتب صلاح الدين الأيوبي رسالة إلى البابا استخدم لقب «ملك ملوك الشرق جميعاً»، وكان بلا شك ملكاً لجميع أمراء الشرق الذين كانوا ضمن سيطرته. ولم يبق خارج سلطانه إلا ذلك الممر الضيق الممتد خلف الجبال على طول الساحل السوري بين أنطاكية وعسقلان، وكذلك المدن خلف نهر العاصي ونهر الأردن وحاجز مرتفعات لبنان، وفوق كل ذلك مدينة القدس المقدسة لدى المسلمين والمسيحيين على السواء.
دمشق عاصمة صلاح الدين الأيوبي ومركز قيادته 1183-1186
نظم صلاح الدين الأيوبي أمور الحكومة في حلب مدة شهرين، وفي الرابع عشر من آب سنة 1183 غادر إلى دمشق التي فضلها عاصمة ومقراً لقيادة مملكته الواسعة. وتوفي «فروخ شاه» نائبه الشجاع، فزادت جرأة الإفرنج الذين استغلوا وفاته، فنهبوا بصرى والزوراء وداريا، مدمرين الحقول والمزارع، واقتربوا إلى مسافة كيلومترات من دمشق، قبل أن ينسحبوا تاركين كل شيء خراباً.
وكان «ريجنالد» دي شاتيون، حاكم الكرك، يعد مشروعاً لاحتلال شبه جزيرة العرب، وتدمير قبر النبي محمد ﷺ في المدينة، وتخريب مكة المكرمة. ولذلك نقل ريجنالد سفنه قطعاً من عسقلان إلى خليج العقبة على البحر الأحمر، وحاصر الميناء بمركبين لإنجاز عمله.
ولكن سرعان ما تحرك الأسطول المصري بقيادة أمير البحر «لؤلؤ» (Lulu) إلى خليج العقبة، حيث تمكن من إنهاء الحصار عنها. وكان منظر السرية المصرية قد دفع أتباع ريجنالد بسرعة نحو الشاطئ والجبال المحيطة، وبحارة لؤلؤ يركبون خيول البدو، ويأسرون أتباع ريجنالد حاكم الكرك عند مدخل حصن رابغ.
هرب ريجنالد، وقتل معظم جنوده، ولم تكن هناك هوادة، عدا بعض السجناء الذين أرسلوا إلى مكة لكي يذبحوا كالشياه في وادي منى، لأنهم انتهكوا حرمة المقدسات.
كان ابن جبير، العربي الأندلسي، في الإسكندرية في أيار 1183، وهو يقول إن الهلع كان كبيراً عندما وصلت أخبار الغارة إلى مصر، وتساءل الناس وهم يرتجفون كيف رشا سيد الكرك اللعين ريجنالد البدو لحمل أجزاء السفن عبر الصحراء إلى البحر الأحمر، وكيف أحرق ستة عشر مركباً للعرب، وحاصر سفينة الحج في جدة، وأسر القافلة التي كانت تسير من قوص (Kos) على نهر النيل، حيث ذُبح كل من فيها.
ومع إخفاق ريجنالد في خطته لاحتلال المدينة المنورة وتدمير قبر النبي محمد ﷺ، قال لؤلؤ، قائد الأسطول المصري الذي هزم الصليبي الأحمق ريجنالد: علينا أن نشكر الله أولاً وأخيراً، وقد قبضنا على السفلة (المغاربة) الذين كانوا يقودون السفن.
وعلم صلاح الدين الأيوبي عند عودته إلى دمشق بالعمل المتهور الذي أقدم عليه الإفرنج، فقرر معاقبتهم، واستدعى على الفور جيوشه التي سمح لها بالعودة إلى ديارها خلال استراحة حلب، فتقدم عبر الصحراء إلى الغور، وعبر نهر الأردن في التاسع والعشرين من أيلول 1183، وتقدم إلى وادي يزرعيل، وعسكر عند بئر عين جالوت، فيما تمكن كشافته المتمرسون منذ زمن نور الدين الزنكي من أسر فوبيليه (كشاف العدو)، وواجهوا مجموعة من الإفرنج في طريقهم من الكرك إلى صفورية للالتحاق بوحدتهم. ودخل صلاح الدين الأيوبي قلعتي الفولة والعفولة قبل بدء المعركة. وقد ذكر كبار السن من الفلسطينيين الذين عاصروا معركة «العفولة» عام 1183 أنهم لم يشاهدوا قط تنظيماً عسكرياً كالذي قام به الصليبيون، حيث كانوا (1300) من الفرسان، و(15) ألفاً من المشاة المسلحين جيداً، يقودهم عدد من النبلاء الأوروبيين أمثال هنري دوق لوفان، ورالف دي مالين، وجمع من لوردات الأراضي، ومعهم دي لوزينيان، وريجنالد حاكم عبلين، وريجنالد حاكم صيدا، ووالتر حاكم قيسارية، وجوسلين حاكم كورتناي.
وكانت طلائع صلاح الدين مؤلفة من (500) فارس، ومعه عشرة آلاف من المشاة المدربين جيداً. وعسكر الجيشان متقابلين في طوبانيا وبئر جوليات، والمسافة بينهما لا تزيد على كيلومتر ونصف. وبقي جيش «لوزينيان» خمسة أيام دون حركة نتيجة الخلاف بين الأمراء الأوروبيين وتحديهم لسلطة لوزينيان، أما صلاح الدين الأيوبي فقد بادر إلى احتلال المرتفعات المطلة على العفولة، حتى شعر الجيش الصليبي، وهو منشغل بثرثرته، أنه بات مطوقاً ودون إمدادات.
وكان في صفوف لوزينيان، منذ الوهلة الأولى، الكثير من المتحمسين الكارهين لدين الإسلام، وهم تجار إيطاليون من مدن بيزا ولومبارديا والبندقية وجنوة، تركوا سفنهم ونزلوا إلى البر دون أن يفكروا في الطعام والماء والمنام، كما أنهم لم يعتادوا حمل السلاح وتحمل المشاق والحرمان، فكانوا عبئاً على الجيش النظامي، وهزيمة أحدهم قد تقود إلى هزيمة آخرين. وهكذا كانوا أول من شعر بالتعب والجوع، ولما لم تتمكن الإمدادات الصليبية من اختراق الحلقة المقفلة التي أحكمها رجال صلاح الدين الأيوبي اليقظون، حلت المجاعة الخطيرة في المعسكر الصليبي.
كان ذلك في منتصف تشرين الأول 1183، وموسم المطر سيحل قريباً، والتجار الإيطاليون المتحمسون غير مجهزين بملابس شتوية، فضلاً عن حنكة القائد صلاح الدين الأيوبي الذي اختار لهم منطقة ميتة، وعزلهم عن الإمدادات.
وعندما اشتد القتال بين الطرفين هربت جموع كثيرة من الصليبيين، ولاحقتهم سهام صلاح الدين الأيوبي، فعادوا بخزي إلى صفورية، بعدما كانوا قد خرجوا منها في صفوف مهيبة قبل أسبوع.
وفي تشرين الأول نفسه من عام 1183 ترك السلطان صلاح الدين الأيوبي دمشق لتصفية حسابه مع ريجنالد حاكم الكرك، الذي بات طليقاً ومتحصناً في الوقت نفسه في قلعته بالكرك. ولكن صلاح الدين الأيوبي سحب جيشه في الرابع من كانون الأول 1183 بعد سماعه أن هناك قوة صليبية جديدة قادمة إليه. وفي 13 آب 1184 بذل صلاح الدين الأيوبي جهداً لاحتلال قلعة الكرك، ثم عاد بعد أن عرف بوجود فرق الموسيقيين والراقصين والزوار الذين حضروا زواج إيزابيلا، شقيقة الملك، من همفري الرابع؛ فهو، أي صلاح الدين الأيوبي، يريد مواجهة مهنية، لا استهداف حفلة عرس بالمدفعية والسهام.
وفي شتاء 1184-1185 حل السلام بين العرب المسلمين والنصارى، حيث استقر التاج الصليبي على رأس طفل هو «بلدوين الخامس»، وعهد إلى «غي لوزينيان» و«ريموند» حاكم طرابلس بالوصاية على الطفل حتى يبلغ سن الرشد. وبتحرك من الوصيين (لوزينيان وريموند) أبرمت معاهدة مع صلاح الدين الأيوبي لمدة أربع سنوات، وبالمقابل أطلق ريموند حاكم طرابلس سراح الأسرى العرب الموجودين في طرابلس.
غير أن الهدنة كانت مثل الجندي المضطرب في نومه، الذي يمكن أن يقطع نومه في لحظة نداءٌ لحمل السلاح؛ فالحرب المقدسة نائمة، ولكنها ستستيقظ حتماً.
معركة حطين 1187
كان باستطاعة السلطان صلاح الدين الأيوبي أن يأمر كل القوى السورية والمصرية والعراقية (بلاد ما بين النهرين) بالتجمع في أي وقت وزمان، حيث كان أمراء سلالة الزنكي وحكام الموصل وسنجار والجزيرة وأربيل وحران والكورد وراء نهر الفرات قادرين على تضخيم الحشود الإسلامية من خدمهم وأتباعهم، وقد فتح مجالات جديدة للتجنيد إذا ما جاءت قوات من أوروبا الصليبية لتبدأ حملة صليبية ثالثة.
إن الحرب المقدسة لم يفتعلها صلاح الدين الأيوبي، الذي وقع هدنة لمدة أربع سنوات يفترض أن تنتهي عام 1189، ولكن الاستفزاز المباشر جاء كالعادة من ريجنالد حاكم الكرك، وهو يتعرض لقوافل التجار والحجاج في طريقهم من سورية ومصر إلى مكة وبالعكس. وقد فعلها هذا الصليبي المتعطش للدم عام 1179، وكانت هناك هدنة بين الطرفين.
وفي عام 1182 كرر ريجنالد حاكم الكرك هذه الجريمة، حتى إنه تجرأ على دفع جيوشه داخل جزيرة العرب نحو المدينة المنورة لاستهداف قبر النبي محمد ﷺ. وفي عام 1186 كانت هناك جريمة أخرى، رغم أنهم كانوا قد وقعوا هدنة سلمية مع صلاح الدين الأيوبي.
واستمع صلاح الدين الأيوبي إلى نقطتين أساسيتين، الأولى: أن قافلة للعرب المسلمين خيمت تحت قلعة الكرك، فعمد ريجنالد حاكم الكرك إلى أسر كل من فيها من رجل وامرأة، والاستيلاء على كل ما فيها من حيوان وأمتعة قدرت قيمتها بـ(200) ألف قطعة ذهبية، وقوله: بما أنهم يؤمنون بمحمد فليأتِ محمد لإنقاذهم.
والثانية: أن صلاح الدين أقسم قسماً عظيماً أنه سيقتل بيده كل من ينقض الهدنة، وهي دعوة للمقاتلين في بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام وبلاد النيل للتهيؤ والاستعداد لمعركة قادمة قد تكون فاصلة في التاريخ بعد معركة اليرموك التي قادها القائد خالد بن الوليد عام 636.
إن الفرق بين ثقافة المسلمين وثقافة الإفرنج هو أن للمسلمين عهداً وميثاقاً واحتراماً للتوقيع، امتثالاً لقول الله تعالى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}.
وقال صلاح الدين الأيوبي لقادته: ألا تتذكرون زواج إيزابيلا شقيقة الملك عام 1184، وقد عدنا إلى دمشق دون أن نفسد هذه المناسبة، وكنا قادرين على قلب العرس إلى مأتم؟ ألا يأخذ ريجنالد ذلك بنظر الاعتبار، فيقابله بالكف عن قافلة مسالمة قادمة إلى قبلة المسلمين مكة المكرمة؟ ثم ألا يستحي، إن كان يؤمن بكتاب الله الإنجيل، أن يأخذ النساء المسلمات أسرى، ونحن نطلق سراح الرجال من أسراهم؟ ليس هناك أنصاف حلول، وإنما السعي لهزيمة جيش متعطش للدم وقائده ريجنالد.
وفي آذار 1187 أعلن السلطان صلاح الدين الأيوبي النفير للجهاد، وأسرع بإرسال رسله إلى أمراء ما بين النهرين، ومنهم الأكراد وأتباعهم، ونواب الملك، والحكام في مدن الجزيرة وديار بكر وسورية ومصر، يطلب منهم إعداد قواتهم للحرب، فأسرعت الجيوش تعقبها جيوش أخرى إلى أماكن تحشّد مخصصة لكل منهم في مواجهة جيش الروم. ويذكر ستانلي لين بول أن الروم كانوا في وضع لا يسمح لهم بالمقاومة والصمود بسبب المشاحنات (الحسد والغيرة) بين قادتهم، وهو تبرير غير مقبول، خصوصاً بعد وفاة الملك الطفل بلدوين وظهور زمرة من الحكام لإدارة المعركة القادمة، فضلاً عن صعود سبيلا (Sibylla)، البنت الكبرى لأمالرك ملك القدس، على العرش.
نظم السلطان جيشه البالغ (12000) من الخيالة في ميمنة وميسرة، وقوة استكشاف (استطلاع) في المقدمة، وكان هو نفسه في القلب، فيما نصب على الجناحين تقي الدين وكوكبري.
بدأت مسيرة الجيش يوم الجمعة السادس والعشرين من حزيران سنة 1187، ومعها ابتهالات الشعب وصلاة الرجال الأتقياء. وعسكر جيش صلاح الدين الأيوبي في الليلة الأولى في الأقحوانة (جنوب بحيرة الجليل)، وكانت قوة الاستطلاع تجمع المعلومات عن مواضع العدو، حتى أخبروه أن هناك تحشدات للإفرنج في صفورية. فحرك صلاح الدين الأيوبي جيشه عبر نهر الأردن، وسيطر على تلال كفرسبت، على بعد (10 كم) جنوب غرب طبرية، فيما كان معسكره يبعد (17 كم) عن قرية حطين الصغيرة المحاطة بأشجار الزيتون والفواكه والماء العذب، وكانت في الوديان مياه وافرة بالقرب من طبرية. وفي جنوب حطين ترتفع الرابية الصخرية الداكنة المشهورة في التاريخ بـ«قرن حطين» (600 قدم) فوق القرية المنخفضة، مشرفة على السهل الغربي. وكان الجو في الأول من تموز 1187 حاراً. واعتقد صلاح الدين الأيوبي أن وجود جبل الشيخ شمال حطين ومرتفعات الجولان في الشرق لا يسمح له بخسران المعركة، وإن خسرها فإن السهل الأخضر يمتد من الجولان إلى دمشق مقر قيادته.
كان الإفرنج يخافون مما هو أسوأ من حرارة الصيف، وهو حشود الجيوش الضخمة التي وردت الأخبار بأنها تتبع راية صلاح الدين الأيوبي، كما كان يقلقهم أن تنفصل أجزاء (قطعات) من قواتهم فلا تصل إلى ساحة المعركة.
وفي يوم الجمعة الثالث من تموز 1187 قوض الصليبيون معسكرهم في صفورية، وبدأوا التحرك باتجاه بحيرة طبرية. وكانت البداية لجيش صلاح الدين الأيوبي الذي شن الغارات، وقد اشتكى حاكم عبلين (أرنول)، وهو في المقدمة، من فقدانه عدداً من الفرسان وهم في حالة مسير، وأيده «ريموند» حاكم طرابلس الذي كان يتقدم معه. وطوال نهار ذلك اليوم الحار كان صلاح الدين الأيوبي، الذي يمتطي حصاناً عربياً أمهر في الحركة من الحصان الأوروبي، يغير على قوات الإفرنجة بكل سهولة وحرية، وهم في طريق مكشوف، والشمس اللاهبة تضرب بشدة دروع الجنود وخوذهم، وقد شح الماء. ولما رأى ملك القدس «جاي» محنة الجيش أمرهم بالتوقف والتعسكر ليلة 3/4 تموز 1187، رغم أنهم أنجزوا نصف المسافة إلى طبرية. وكان خطأً جسيماً أن يعسكر جيش تحت وطأة غارات متكررة، والجنود يركضون في كل الاتجاهات لكسر عطشهم وهم متعبون تماماً. وصاح ريموند حاكم طرابلس في يأس: «آه يا رب، لقد انتهت الحرب، ونحن رجال أموات، وقد انتهت المملكة»، وقصد بها مملكة القدس.
كانت ليلة لا يمكن أن تنسى، وكل ساعاتها طلب واحد هو الماء؛ فقد أخذ العطش مأخذه، وأنهك الرجال والخيل، وأصوات المقاتلين المسلمين تسمع: الله أكبر، الله أعظم، لا إله إلا هو. وأشعل جنود صلاح الدين الأيوبي النار في الأشجار، فكان الدخان عذاباً لأعداء صلاح الدين الأيوبي.
وفي الرابع من تموز 1187 كانت آبار المياه بيد جنود صلاح الدين الأيوبي، وقد بكروا بعد صلاة الفجر، وفي جراب (حقيبة) كل فارس من جيش صلاح الدين الأيوبي عدد كبير من السهام لقطع دابر كل جندي صليبي يحاول الوصول إلى الماء. ويذكر ستانلي لين بول أن هناك حمولة (400) جمل كلها من السهام، ومع ذلك كان جنود صلاح الدين الأيوبي يرددون: «الله العلي وحده الذي يستطيع أن يحمينا».
وتقابل الجيشان إلى الجنوب الغربي من حطين عند قرية صغيرة اسمها «لوبيا» (Lubia). ولم يكن ملك القدس «جاي» قادراً على الوصول إلى طبرية، وجنود صلاح الدين الأيوبي يتحكمون بتل «كفر سبت» (Kafar Sebt)، أما آبار «وادي حمام» إلى الشمال فقد تسابق جنود الملك جاي للوصول إليها.
بدأت المعركة بغيوم من سهام رماة صلاح الدين الأيوبي التي كانت بكثافة أسراب الجراد، وأجبرت العديد من فرسان العدو على الترجل عن خيولهم. وبصيحة واحدة مسموعة من جيش صلاح الدين الأيوبي: الله أكبر، هجم المسلمون وكأنهم رجل واحد، وبدأ القتال يداً بيد. وكان القائد صلاح الدين متحمساً مشجعاً مسانداً رجاله في كل جزء من المعركة، مستخدمين تكتيك الانسحاب قبل الهجوم الكبير. ولم تخف موجة القتال في يوم 4 تموز 1187، وكل صليبي كان يقاتل مسلماً، فتحقق النصر للمؤمنين (المسلمين)، وحلت النكبة بغير المؤمنين (الصليبيين).
فقد المشاة الإفرنج (الصليبيون) تماسكهم مع الفرسان (الصليبيين) الذين كانوا الأمل الوحيد للنصر. أما الملك «جاي» فقد كرر رجاءه لجيشه أن يقوموا بواجبهم نحو الصليب والعرش، فأرسلوا إليه يقولون: وكيف نعمل ذلك والطريق إلى طبرية محرم علينا؟ وكيف نقاتل ونحن عطاش من لهيب شهر تموز؟ فبات المشاة في جهة والفرسان في جهة أخرى، فهجم جيش صلاح الدين الأيوبي على المشاة الصليبيين، ورموا بعضهم في الوديان، وقتلوا أعداداً كثيرة منهم، وأسروا أعداداً أخرى كانت تلهث مثل الكلاب العطشى.
والواقع أن المشاة الفرنجة (الصليبيين) لم يكونوا وحدهم في المحنة عندما انفصلوا عن بقية الفرسان (الصليبيين)؛ ففي مؤخرة الجيش كان فرسان الهيكل، وكان «الهوسبتاليون» مع الملك جاي في وسط المعركة، ولكنهم كانوا في وضع حرج من الارتباك والفوضى بسبب اندفاعات جيش صلاح الدين الأيوبي بين مسيرتهم وميمنتهم. وعمل الملك جاي على حماية الخيمة الملكية الحمراء والصليب المقدس، فيما تسلم الراية ريموند حاكم طرابلس، وقاد فرسانه لضرب ميسرة جيش صلاح الدين الأيوبي، غير أن القائد تقي الدين (ابن أخي صلاح الدين) تراجع تراجعاً تكتيكياً قبل أن يعود بقوة للهجوم المقابل، وأطلق قواته لمطاردة فرسان ريموند حاكم طرابلس التي تفرقت في اتجاهات مختلفة، ثم حوصر ريموند حاكم طرابلس، ولم تتوقف خيول ريموند إلا في قرن حطين.
وتجمع الملك مع (150) من فرسانه النبلاء حول الخيمة الملكية الحمراء، وأحاط خيالة صلاح الدين الأيوبي بمقر قيادة الجيش الصليبي، وحاول الجنود عبثاً خرق هذا النطاق.
وكانت تلك هي النهاية؛ إذ فقد الإفرنج (الصليبيون) ما تبقى لهم من قوة وهم يحاولون اختراق خطوط الجيش الإسلامي القوية إلى الآبار، وسقطت راية الصليب الحقيقي بيد المسلمين، وقتل أسقف مدينة عكا الذي حمل الراية وقد خذله الله. وكان الفرسان الصليبيون أضعف من أن يبيعوا حياتهم بثمن غالٍ، فرموا بسيوفهم، وذهب عصر ازدهار الفروسية.
أما ملك القدس «جاي» وأخوه، و«ريجنالد» حاكم الكرك، وجوسلين حاكم كورتناي، وهمفري حاكم تورون، وأسياد الهيكل، وآخرون من النبلاء (بحسب تسمية المؤلف)، فقد كانوا جميعاً ضمن الأسرى لدى صلاح الدين الأيوبي. وهرب ريموند حاكم طرابلس إلى صور (ليموت من الحزن والعار)، وهرب باليان حاكم عبلين مع أمير صيدا، أما الأموات فكانوا أكواماً كالحجارة بعضها فوق بعض.
ونصبت للقائد صلاح الدين الأيوبي خيمة في ميدان المعركة بدلاً من الأولى، وطلب إحضار الأسرى إليه، فاستقبل الملك «جاي» ملك القدس و«ريجنالد» حاكم الكرك، وأجلس الملك جاي إلى جانبه تماماً، وعندما رأى عطشه أعطاه قدحاً من الماء البارد، فشرب الملك جاي، ثم أعطى القدح لحاكم الكرك ريجنالد المتعطش للماء والدماء، فأغضب ذلك صلاح الدين الأيوبي، فقال لمترجمه: «قل للملك جاي إنه هو، وليس أنا، الذي قدم له الماء»، وإن الخبز والملح لن يجعلاه يحيد عن الأخذ بالثأر من ريجنالد حاكم الكرك لسوء تصرفه مع أسرى المسلمين ونقضه للوعود والمعاهدات. ثم نهض صلاح الدين وواجه ريجنالد الذي ما يزال واقفاً قائلاً: لقد أقسمت مرتين على قتلك؛ الأولى عندما سعيت إلى الهجوم على مكة والمدينة المنورة (قبر الرسول محمد ﷺ)، والثانية عندما أسرت أبناء القافلة التي خيمت تحت قلعة الكرك ونساءها وحيواناتها. فأخذ صلاح الدين الأيوبي سيفه وقطع رأس ريجنالد، وألقى به أرضاً كما أقسم، ورماه الحارس خارج الخيمة، وأسرع الله بروحه إلى جهنم. وكان الملك «جاي» يرتعش خوفاً من ذلك المنظر، معتقداً أن أجله قد دنا أيضاً، ولكن صلاح الدين الأيوبي أكد له عبر مترجمه «أنه ليس من عادة الملوك قتل الملوك، ولكن حاكم الكرك ريجنالد انتهك كل الحدود والأخلاق». وقدر عدد قتلى جيش الإفرنجة بـ(30000) سقطوا في ميدان القتال، وكانوا طعاماً للوحوش الضارية.
أجزاء «صلاح الدين الأيوبي القائد المسلم الكوردي وقاهر الصليبيين» (4 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)
- الجزء الرابع