الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

صلاح الدين الأيوبي يتهيأ لمواجهة الجيوش الصليبية (الجزء الثالث)

من محاضرات «الكنيسة والإسلام والسياسة» – 2012

4. معركة أرسوف (45) (Arsuf) شمال يافا (7 أيلول 1191م)

لعل عجلة التاريخ تنفعنا، نحن المسلمين والعرب، في أن نحدد مركز الثقل في مسيرة المعارك التي جرت في القرون الوسطى، أو التي ستليها في بداية القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين، وهو أنها انحصرت في أهل العراق وأهل الشام وأهل مصر. وقد يكون للحاكم أو الأمير أو السلطان فعله في رفع راية الإسلام كما أمر به النبي محمد ﷺ والخلفاء الراشدون من بعده، والسلاطين من بعدهم الذين حملوا كتاب الله في أيديهم، ولكنهم بكل الأحوال لم يعيشوا مع النبي محمد ﷺ أو يسمعوا أحاديثه عن قرب.

لم يكن السلطان صلاح الدين الأيوبي شريراً في خصائصه، بل العكس تماماً؛ فهو يتمتع بفروسية وحكمة وإيمان بقدر الله، وهو ما أفرزته تصرفاته قائداً في مصر، وفي تعاونه مع نور الدين زنكي في دمشق، ودعوة نور الدين زنكي قبائل أهل العراق للقتال ضد الصليبيين لتحرير بلاد الشام. وهو بهذه الصفات الحميدة لم يكن في عقله الرزين أن يُخمد الشرر المتطاير من عيون الأكراد والأتراك المسلمين الذين فقدوا ذويهم على يد الملك الإنجليزي ريتشارد قلب الأسد في عكا عام 1191م، كما لا تسمح له ديانته الصميمة بأن تكون القوات الصليبية على مقربة من المدينة المقدسة (القدس).

طلب ريتشارد ملك إنجلترا التفاوض مع ممثل لصلاح الدين (أخيه العادل) في الخامس من أيلول 1191م، وهو يسمع أن خصمه قد أعدّ (300.000) مقاتل لملاقاته (46).

ويظهر أن طريق التفاوض غالباً ما يسبق أي منازلة يكون الصليبيون طرفاً فيها، وغالباً ما يقع العرب والمسلمون تحت الخديعة، أو يكون التفاوض لكسب الوقت لأمر ما، أو للتأكد من المعلومات المتضاربة عن قوة الخصم.

ولكن ما طرحه الملك الإنجليزي ريتشارد قلب الأسد على ممثل صلاح الدين الأيوبي، أخيه العادل، هو أن السلام يجب أن يقوم على أساس قيام العرب بإعادة جميع فلسطين والعودة إلى بلادهم. وهو ما يفسر ليس فقط استعداد الملك الإنجليزي ريتشارد للمعركة، بل إنه أرادها معركة فاصلة تكون نهايتها أن يسلّم صلاح الدين القدس أو يهجرها، وبذلك يكون ملك إنجلترا ريتشارد قد حقق طموح كل أوروبا الصليبية، بعد أن فشل سلفه في ذلك، ولم يكن أحد غيره قادراً على ذلك منذ أن بدأت الحملات الصليبية قبل قرن من الزمان. فيما ظهرت القوة الكوردية والتركية ضمن جيش صلاح الدين وكأنها تجهز نفسها للمعركة، وتسعى للانتقام من ريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا (47).

عند الساعة الثالثة من فجر يوم السابع من أيلول 1191م، شنّت القوة الكوردية والتركية، المؤلفة من عشرة آلاف مقاتل، هجوماً سريعاً على وحدات الجيش الصليبي الأمامية، مستخدمين السهام الصغيرة مع صيحة «الله أكبر»، يعملون بتعاون وثيق مع قوة من قبائل عرب العراق، ويمتطون خيولاً سريعة لكسر قلب قوة الجيش الصليبي.

وعند الظهيرة، ردّ الصليبيون (رماة القوس) هجوم القوة التركية والكوردية، إلا أن القوات الكوردية والتركية والعربية تمكنت من فتح ثغرة في جدار سرايا الملك ريتشارد قلب الأسد، وأجبرتهم على الانسحاب إلى الخلف، وصار الاشتباك يداً بيد بالسيوف، ودار قتال آخر في مؤخرة جيش الملك ريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا (48). ولم يكن الموقف واضحاً لدى الملك الإنجليزي ريتشارد لكي يتدخل بقوته الاحتياطية، وهو ما وضعه في موقف حرج وهو يكرر طلبه منهم الصمود والقتال، فأخبره مقدّم فرسان المستشفى (الإسبتارية): «سيدي الملك، نحن محاصرون بشدة من كل جانب، وسوف نوصف بلا شك بالعار، وإن المسيحية في خطر» (49). وكان جواب ملك إنجلترا ريتشارد: «يجب أن نتحمل».

وأمام هذه الحالة، وبصيحة «القديس جورج»، اندفعت كتائب الفرسان لشن هجوم مقابل، كتيبة خلف كتيبة، وهو ما أجبر الملك ريتشارد على التدخل، وقد وجد كتائبه تقاتل في غير انتظام، حتى تمكن من إحداث خسائر كبيرة في صفوف القوة الكوردية والتركية، وباتت الميمنة والميسرة تتفرقان بدون أوامر، وعلى هوى من يصدر الأوامر، إلى الروابي العالية بسبب الخسائر.

أما صلاح الدين الأيوبي فقد بقي بلا حراك في مقره، محاولاً ضبط تصرفات قادته في الميدان، والتجمع مرة أخرى لشن هجوم جديد على أكثر من اتجاه، حتى تمكن أكثر من عشرين ألف مقاتل من مهاجمة مؤخرة الجيش الصليبي (المؤلفة من قوة فرنسية)، فيما تمكن أحد قادة الجيش الإسلامي، تقي الدين، برجاله المدربين (700 من الأتراك والأكراد) من إحداث خسائر ذات معنى في صفوف الجيش الصليبي.

وبانتهاء يوم السابع من أيلول 1191م لم يحدث تغيّر في ميزان القوى بين الطرفين، رغم ادعاء ريتشارد ملك إنجلترا النصر، وهو يذكر وجود سبعة آلاف جثة من الأكراد والأتراك في ميدان المعركة، وأنه تمكن من الوصول إلى يافا (على مسافة 100 كم من عكا) (50). وفي هذا يذكر أبو شامة، نقلاً عن عماد الدين الذي صاحب بهاء الدين لعدّ قتلى العرب والمسلمين، أنه وجد (4100) جثة للإفرنج، أما عماد الدين الأصفهاني فقد قال إن خسارة المسيحيين الكلية كانت عشرة آلاف (51).

وهي نقطة مركزية دعت ملك إنجلترا ريتشارد قلب الأسد إلى العودة إلى المفاوضات، وكان جواب صلاح الدين الأيوبي: «القدس مقدسة لنا كما هي لكم، وزيادة على ذلك فهي مسرى الرسول محمد ﷺ. لا تفكروا في أننا سنتراجع عن هذا، أو نكون متساهلين في هذه المسألة (52). أما بالنسبة إلى الأرض فهي لنا بادئ ذي بدء، وأنتم اكتسحتموها، ولولا ضعف المسلمين لما تمكنتم من ذلك، وما دامت هذه الحرب مستمرة فلن يُسمح لكم، باسم الله، ببناء حجر فيها. وبالنسبة إلى الصليب، فامتلاكنا له نقطة مواتية لنا، ولن نسلّمه إلا لمصلحة الإسلام» (53).

وصلاح الدين يقرأ في كتاب الله الذي يحمله بين يديه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (آل عمران: 19).

والكفر الذي بيّنه الله أن اليهود قالت: ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله. وهي نقطة إثارة بين الطرفين، وقد فهمها الساسة الغربيون قبل أن يظهر المصلح الديني مارتن لوثر في القرن السادس عشر، وينهي آثارها لهدف تدمير الإسلام، كما سنأتي عليه.

5. هجوم استباقي لصلاح الدين في يافا عام 1192م لضمان أمن القدس

لم يشك صلاح الدين الأيوبي أبداً في أن الصليبيين سيسيرون بدون تردد باتجاه المدينة المقدسة (القدس)، وهو الهدف الذي جاء من أجله ملك إنجلترا ريتشارد قلب الأسد إلى عكا عام 1191م. وعقد صلاح الدين الأيوبي مجلسه الحربي في تموز 1192م، واستمر النقاش مطولاً مدة ثلاثة أيام حول أحسن المسالك للدفاع عن مدينة القدس.

وفيما كان صلاح الدين الأيوبي في تفكير عميق، أمر بهاء الدين (أحد مستشاريه) بالكلام، قائلاً: «حياة الأطفال وأملاك المسلمين تعتمد عليكم، إذا فشلتم، لا سمح الله، فسيلفّون الأرض كلفافة من الجلد. المسلمون في جميع أنحاء البلاد يعتمدون على شجاعتكم» (54). وكان ما أحزن صلاح الدين، الذي صلى يوم الجمعة ودموعه على سجادة الصلاة في الثالث من تموز 1192م، خشيته أن يكون العدو على بوابة المدينة المقدسة، وأن تسقط القدس التي يكنّ لها حباً عميقاً. كما كان قلقه مبرراً وهو يرى ضباطه مختلفين حول أفضل المسالك لمجابهة الهجوم، ويعرف أن قوة الكورد والأتراك ليست على انسجام وتعاون منذ معركة أرسوف في السابع من أيلول 1191م (55).

أما في الجانب الآخر، فقد كان صلاح الدين الأيوبي على اطلاع على أن الملك ريتشارد ملك إنجلترا يريد العودة إلى لندن للتخلص من إرهاب جون الذي اغتصب المُلك ببساطة (56).

ولكن عيوناً للمسلمين، وعيوناً مسيحية، أفادت بأن في معسكر العدو خلافات حول التخطيط للهجوم، وكان رأي الفرنسيين أنهم لن يعودوا قبل استرجاع القدس، وهو ما دعا قادة صلاح الدين الأيوبي إلى تخريب جميع آبار المياه المؤدية إلى القدس (57).

كان ملك إنجلترا ريتشارد قلب الأسد في قاعدة عكا البحرية يعدّ العدة للعودة إلى لندن، وقادة جيشه في حوار مع ممثلي صلاح الدين الأيوبي حول مقترح أساسه أن يعيد كنيسة القيامة إلى المسيحيين، ويقسم البلاد إلى قسمين يكون الشاطئ فيه للإفرنج والتلال للعرب، وتُقسم الأراضي بينهما بالتساوي، وتُهدم مدينة عسقلان دون أن تكون لطرف، وهو ما اعترض عليه ريتشارد ملك إنجلترا (58).

انتهز صلاح الدين الأيوبي الفرصة ليقوم بهجوم سريع على يافا في السابع والعشرين من تموز 1192م، فالحرب مكيدة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ۝ وَأَكِيدُ كَيْدًا ۝ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ (الطارق: 15-17). وشاهد الجيش الصليبي بدهشة جنود صلاح الدين من الأكراد والأتراك والعرب وهم يجوبون شوارع مدينة يافا وسيوفهم في أيديهم (59).

ويذكر الكاتب ستانلي لين بول أن الملك ريتشارد سمع بما تعانيه يافا ليلة مغادرته، وأنه أجّل سفره إلى لندن لحين معرفة الطريقة لإنقاذ المدينة.

وكان من الواجب على جيش صلاح الدين الأيوبي احتلال قلعة يافا، التي لا يمكن السيطرة على المدينة بدونها. ويضيف الكاتب ستانلي أن الجنود المسلمين كانوا مثقلين بالغنائم، ولم يهتموا لأوامر سلطانهم باحتلال القلعة (60).

كان أسطول الملك ريتشارد في مياه مدينة يافا (61). ويذكر أمين سر القائد صلاح الدين الأيوبي بهاء الدين أن قوة الملك ريتشارد تمكنت من طرد الجنود المسلمين خارج الميناء. ولكن القتال لم ينته، إذ وُجد الملك ريتشارد يحاور بعض الأسرى، وقد أطلق أحدهم ومعه رسالة يقول فيها: «تحياتي للسلطان، وأخبره أنني أتوسل إليه باسم الله أن يحلّ السلام». لتعود مسألة مدينة عسقلان إلى واجهة المفاوضات بين الطرفين، وهي أن يحتفظ صلاح الدين الأيوبي بيافا مقابل عسقلان، وشدد بالقول: «أنا رجل كبير السن، ومسرات هذه الحياة لا قيمة لها، لقد استمتعت بها ورفضتها كلها، ولن أتوقف حتى يهب الله النصر لمن يشاء» (62).

وفي الثاني من أيلول 1192م عُقدت معاهدة السلام (الرملة)، إذ أُعطيت للملك ريتشارد مدن الساحل من عكا إلى حيفا بدون هدم مدينة عسقلان، وصار المسلمون والمسيحيون يستطيعون المرور بحرية في مناطق بعضهم بعضاً، كما يتمكن الحجاج المسيحيون من زيارة القبر المقدس في القدس.

وفي هذه أبدى الملك صلاح الدين سماحة، ولم يكن هناك سبب يدعو صلاح الدين إلى الخجل من الصلح، وهو يعرف أن الصليبيين بقوا محتفظين بالساحل. لكن السؤال المهم: هل كانت كل هذه الحملات تستحق ذلك الضجيج؟ نداء البابا لجميع الأمم المسيحية: الإمبراطور، وملوك إنجلترا وفرنسا وصقلية، وحاكم النمسا، ومئات من البارونات والفرسان. مات الإمبراطور، وعاد الملوك إلى بلادهم، وتركوا الآلاف من أتباعهم مدفونين في الأراضي المقدسة (63).

لكن القدس بقيت مدينة صلاح الدين الأيوبي، وكل القوى المسيحية المركزة في الحملة الصليبية الثالثة لم تستطع أن تهز سلطة صلاح الدين الأيوبي. وكان واجب الثناء مقروناً بجيشه الإسلامي الذي أدى الخدمة الطويلة والخطرة، ولم يرفض له طلباً بالحضور، وقدّم رجاله أرواحهم في سبيل رفع راية الإسلام تحت رايته.

ففي معركة أرسوف الأخيرة أظهرت فرقة مدينة الموصل شجاعة فائقة وعظيمة، وخلال جميع الحملات الصعبة كان صلاح الدين الأيوبي يعتمد على الفرق القادمة من مصر ووادي الرافدين، كما اعتمد على فرق من شمال سورية ووسطها، وكذلك على الأكراد والأتراك، وكانوا له فريقاً واحداً.

المصادر

  1. أرسوف: مدينة فلسطينية ساحلية تقع بين قيسارية ويافا، حيث التلال تنحدر إلى الشاطئ، وتتخللها الغابات الكثيفة من شجر البلوط لعدة كيلومترات على الساحل. انظر: ستانلي لين بول، المصدر السابق، ص255.

  2. ستانلي لين بول، المصدر السابق، ص255.

  3. رتّب الملك ريتشارد قوته في سرايا، وذلك بوضع السرية الكفوءة في الأمام، كما تمكن من أن يرتب جيشه في خمس فرق، وتثبيت مراكز اثنتي عشرة كتيبة في مواقع يعتقد أنها ذات أهمية تعبوية لا يمكن التنازل عنها لضمان صمود بقية فرقه. انظر: ستانلي لين بول، المصدر السابق، ص256.

  4. ستانلي لين بول، المصدر السابق، ص258.

  5. المصدر نفسه، ص259.

  6. ستانلي لين بول، المصدر السابق، ص262-263.

  7. بينما كان الجيش الصليبي منهكاً، وُجد عامل جديد في عقد المفاوضات؛ إذ عزم أحد حكامهم، كونراد، على مراسلة صلاح الدين سراً في الثالث من تشرين الأول 1191م، وكان ما عرضه كونراد أن ينفصل عن جيش ريتشارد ويعيد عكا إلى العرب، بشرط أن تكون صيدا وبيروت تحت إمرته. فاشتمّ ريتشارد رائحة خيانة من خلف ظهره، وحثّ الملك العادل (ممثل صلاح الدين وأخاه) على حل نهائي للمنازعات. انظر: ستانلي لين بول، المصدر السابق، ص265.

  8. أبو شامة، كتاب الروضتين في أخبار الدولتين، المصدر السابق، ص137.

  9. ستانلي لين بول، المصدر السابق، ص274.

  10. ستانلي لين بول، المصدر السابق، ص274.

  11. المصدر نفسه، ص274.

  12. المصدر نفسه، ص271.

  13. ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج2، المصدر السابق، ص100.

  14. ستانلي لين بول، المصدر السابق، ص277.

  15. المصدر نفسه، ص278.

  16. المصدر نفسه.

  17. كان أسطول الملك ريتشارد مؤلفاً من (35) سفينة، و(15) سفينة شراعية سريعة قرب الشاطئ، وكانت كافية لتجديد أمل المدافعين.

  18. ستانلي لين بول، المصدر السابق، ص282.

  19. المصدر نفسه، ص292.


أجزاء «صلاح الدين الأيوبي يتهيأ لمواجهة الجيوش الصليبية» (4 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث (هذا الجزء)
  4. الجزء الرابع

→ الجزء الثاني  |  الجزء الرابع ←