الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

صلاح الدين الأيوبي يتهيأ لمواجهة الجيوش الصليبية (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكنيسة والإسلام والسياسة» – 2012

2. حسناوات إفرنجيات متمايلات للترفيه يتجولن في ديار بلاد الشام

كان من الواضح أن قادة أوروبا الصليبية، بعد الإخفاقات في معركة حطين وبيت المقدس عام 1187م، قد أخذوا وقتاً لتجميع قواهم لاسترجاع الأراضي المقدسة (29).

وانطلاقاً من مبدأ النوايا الدنيئة، تم إرسال الحسناوات المتمايلات ليقمن بالترفيه عن المحاربين عن طريق ممارسة الفاحشة.

ويذكّرنا التاريخ أنهن بلغن المئات من النساء الجميلات، بهدف إلهاء الشباب المتطوعين في الجيش الإسلامي.

إذ يذكر ابن كثير في كتابه «البداية والنهاية»، ويؤيده الكاتب الصليبي رانسيمان، أنه في عام 1190م كانت نساء الفرنج يخرجن بنية القتال، ومنهن من تأتي بنية ترفيه الغرباء، فيجدوا راحة وخدمة وقضاء وطر (30). وفي وصف مثير بلغ ذروته عما حدث للنساء الجميلات في بلاد الشام، يذكّرنا العماد الأصفهاني في كتابه «الفتح القسي في الفتح القدسي» أنه وصلت في مركب واحد ثلاثمائة امرأة إفرنجية:

«متحلية بشبابها وحسنها متزينة، وقد اجتمعن من الجزر وانتدبن للجرائر، واغتربن لإسعاف الغرباء، وتأهبن لإسعاد الأشقياء، وترادفن على الإرفاق والإرفاد، وتلهّبن على السفاح والفساد. من كل زانية نازية، زاهية هازية، عاطية متعاطية، حاظية، متغنية متغنجة، متبرزة متبرجة، نارية ملتهبة، متنقشة متخضبة، تائقة شائقة، فائقة رائقة، راقعة خارقة، مارقة رامقة، قاسرة سارقة، فارجة فاجرة، فاتنة فاترة، مشتهاة مشتهية، ملهاة ملتهية، متفتنة متفتية، ناشية منتشية، متشوقة متسوقة، مقترحة محترقة، متحجبة متعشقة، حمراء مرحاء، نجلاء كحلاء، عجزاء هيفاء، غناء لفاء، زرقاء ورقاء، متخرقة خرقاء. تسحب غفارتها، وتسحر بنضارتها، وتتثنى كأنها غصن، وتتجلى كأنها حصن، وتزيف وعلى لبتها صليب، وهي بائعة شكرها بشكرها، باغية كسرها في سكرها» (31).

وهن بهذه المواصفات أطلعن الأشرار على الأسرار.

ولعل ما يذكّرنا التاريخ به أن هذا الحشد من الحسناوات المتمايلات لم يكن الأول في تجربته، وإن كان ما سبقه متفرقاً، إذ قصصن تجربتهن على ذوي الشأن من الساسة في بلادهن. وكان المتحقق، بسببهن أو لسبب آخر، أن الأمير على دمشق سيف الدين غازي راسل ريموند الثالث، حاكم طرابلس والوصي على بيت المقدس، بهدف التحالف ضد صلاح الدين الأيوبي عام 1148م.

وقاد الملك بلدوين الرابع، ملك مملكة بيت المقدس الصليبية، الهجوم على المناطق التابعة لدمشق (32). وفعلها قبله حاكم دمشق معين الدين أنر في تحالفه مع الصليبيين عام 1149م، وقد تعهد أن يأخذ بانياس، أيام حكم نور الدين زنكي، من أيدي المسلمين ويسلمها إلى الصليبيين، وهو والد زوجة نور الدين زنكي (33).

ويستمر مسلسل الخيانة على أرض بلاد الشام، إما حسداً أو غيرة من قيادة نور الدين زنكي، أو مما أنجزه صلاح الدين الأيوبي مع عمه القائد أسد الدين شيركوه في مصر (الدولة الفاطمية)، وقد يكون المال سبباً. ولكن من المؤكد أن أحداً اتصل بهذا الأمير معين الدين أنر أو بأحد أفراد حاشيته لمطلب يريده الصليبيون. وهو ما أدركه الأمير العربي عز الدين أبو العساكر (1098-1154م) وهو يراسل الملك ريموند حاكم طرابلس عندما كان في كفر طاب، متعهداً ألّا يتعرض للجيش الصليبي عند مهاجمته جيش المسلمين، بل أن يقدم لهم ما يحتاجون من غذاء وماء، رغم الإذلال والقتل الذي لاقاه المسلمون في بيت المقدس عام 1099م. إنه هوى المال والنفس الأمّارة بالسوء، وهو ما أعلنه التونتاش، أمير بصرى وصلخد (سورية)، عام 1099م، الذي أعلن استقلاله عن دمشق، وقدم إلى بيت المقدس يلتمس المساعدة المالية من ملكها الصليبي دون وجل (34).

وفي حصار المسلمين لمدينة عكا عام 1190م، وهو العام الذي وفدت فيه الجميلات المتمايلات من أوروبا الصليبية إلى ديار بلاد الشام، قام بعض المسلمين بتزويد الصليبيين بالمؤن والطعام، وفي مقدمتهم الأمير أسامة (أمير بيروت)، والأمير سيف الدين علي بن أحمد، الذي عمل على تهريب الطعام لهم عن طريق صيدا وعسقلان (35).

ويذكر ابن الأثير، رحمه الله، في هذا المجال: «ولولا ذلك لهلكوا جوعاً، خصوصاً في فصل الشتاء عند توقف حركة مراكبهم لهياج البحر» (36).

وبلغ استخفاف السلطان الكامل محمد، وهو غير كامل!، بدين الله وكتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (المائدة: 51)، أن استعان بالملك فردريك الثاني ضد خصومه الأيوبيين عام 1190م لفك الحصار عن مدينة عكا، ووصل به الأمر إلى أن يمنع الأذان (الله أكبر) في الجوامع لكي لا ينزعج الملك الصليبي فردريك الثاني الذي أراد زيارة المسجد الأقصى.

ولكن كان علينا أن نعرف ردّ الملك عندما أُخبر بذلك، إذ قال: «أخطأت فيما فعلت، والله كان أكبر غرضي من المبيت في القدس أن أسمع أذان المسلمين وتسبيحهم في الليل» (37).

ونعتقد جازمين أن مثل هذا التدني في السلوك الشخصي لبعض الأمراء العرب في بلاد الشام هو سلوك منحرف في السياسة والدين، ولا يبتعد عن بيع دين الإسلام بثمن بخس، وهم يقاتلون عدواً متربصاً بدينهم. وقد قاد، بل لا يزال يقود، دول أوروبا الصليبية إلى الاستفادة من هذا الدرس البالغ الخطورة على دول الإسلام التي تحرّم الزنا، وخاصة عندما تمتزج المصالح السياسية والاقتصادية في رقعة أرض محددة من عرب المشرق، لترويض حكامها على الديمقراطية والحرية المستوردة، وهي في مرماها البعيد ترمي إلى الابتعاد عن فلسفة الجهاد في الإسلام، وهو ما عملت عليه بريطانيا وفرنسا طويلاً لإجهاضه، كما سنرى في بداية القرن العشرين، وهما تواجهان الدولة العثمانية المسلمة. حتى أوصل ذلك الرئيس الأمريكي «المؤمن» بوش الابن، في بداية القرن الحادي والعشرين، وهو الذي استثمر خصوصية الجنس لدى العرب والمسلمين، إلى القول: «من الآن فصاعداً يحق للعالم تناول الخمر والتدخين وممارسة الجنس السوي أو الشذوذ الجنسي، بما في ذلك سفاح القربى واللواط والخيانة الزوجية. سنحلق لحى رجالهم، وننزع حجاب نسائهم، وسندخل أفلام الجنس إلى غرف نومهم» (38).

إنها ليست كتابة أخرى لاستثمار تاريخ الحروب الصليبية التي بدأت منذ القرون الوسطى. وإذا كان من صوت للتحدي في العالمين العربي والإسلامي، فإنه لا يعدو أن يكون باهتاً في ظل الأجواء المريضة التي تسود واقع مجتمعنا في أيامنا هذه.

3. سقوط مدينة عكا، قلب الإسلام، بيد جيش الملك ريتشارد البريطاني عام 1191م

إن حال المقاتلين العرب والمسلمين في حملة صلاح الدين الأيوبي ضد القوى الصليبية قد أصابه الوهن ابتداءً من عام 1190م، إذ شهدت مدينة عكا (39) الساحلية وقوع أكثر من ستة آلاف مقاتل تركي وكوردي (مسلم) تحت رحمة حصار القوات الصليبية بقيادة ملك إنجلترا ريتشارد (قلب الأسد) (40).

وهنا يذكر الكاتب ستانلي لين بول أن قائدي القوة التركية الكوردية المحاصرة، المشطوب وقراقوش، أبلغا الملك الصليبي ريتشارد قلب الأسد بالاستسلام إذا لم يرسل صلاح الدين الأيوبي الإمدادات بسرعة. ومع وصول القوة، فإن القوة المحاصرة سلّمت المدينة في الثاني عشر من تموز 1191م بموجب شروط (41) اعتبرها صلاح الدين الأيوبي مهينة، وشكلت له صدمة نفسية وهو يقرأ: أن تستسلم عكا بجميع محتوياتها من السفن والمخازن وأدوات الحرب، وأن يدفع صلاح الدين الأيوبي (200.000) قطعة ذهب للإفرنج، ويسلّم (1500) سجين علاوة على (100) سجين من ذوي المراكز، ويعيد الصليب الحقيقي لهم، ويدفع (4000) قطعة ذهب أخرى، مقابل أن يكون سكانها المسلمون أحراراً (42).

واعتُبرت مثل هذه الشروط وكأنها عملية مقايضة بالذهب لما حصل للنصارى في بيت المقدس في أيلول 1187م، كما هي عملية انتقامية لخسارة معركة حطين عام 1187م.

وكانت هذه إحدى نقاط الاختلاف بين ملك إنجلترا ريتشارد قلب الأسد وملك فرنسا فيليب، الذي حضر هو الآخر إلى عكا عبر البحر. إلا أن ريتشارد ملك إنجلترا، المتزمت في مفاوضات إطلاق سراح الأسرى وعوائلهم، وجد الطريق أمامه لأن يصدر أوامره بقطع رؤوس الرهائن من الشباب الأسرى، عدا أعداد وضعها ريتشارد للمقايضة، وقد بلغ عددهم (2700) مسلم تركي، وهو ما أدى إلى هياج المسلمين خارج المدينة وهم يشاهدون مواطنيهم يُذبحون بدم بارد. ورغم هجومهم على جند النصارى، فإنهم لم يوفّقوا في وقف المذبحة التي أرادها الملك البريطاني ريتشارد قلب الأسد.

ويذكر الكاتب الصليبي ستانلي لين بول: «وبهمجية أعملوا السيف بالنساء والأطفال. وبالمقارنة مع سماحة صلاح الدين الأيوبي وفروسيته وكرمه، تبدو همجية ملك إنجلترا ريتشارد عجيبة، ولا داعي للقول لدارسي الحروب الصليبية أن يدركوا أنه في هذا الصراع كانت فضائل الحضارة العربية والإسلامية (السماحة، والتحمل، والفروسية الحق، والثقافة اللطيفة) كلها بجانب العرب والمسلمين» (43).

ومع هذا العمل الشنيع الذي دوّنه التاريخ باسمه، فقد كرّمته الكنيسة الإنجليزية بأن يكون له، ريتشارد ملك إنجلترا، نصب مرفوع في ساحة وستمنستر (Westminster)، وهو يمتطي حصانه وبيده السيف الذي ذبح به المسلمين. وبدت المذبحة التي نفذها ملك إنجلترا ريتشارد، نعم، الملك!، وكأنها أصابت كبد السلطان صلاح الدين الأيوبي، وقد تذكر يومها كيف كرّم عوائل أسرى النصارى بعد معركة حطين 1187م، وعاد به التاريخ إلى خمسة قرون خلت، كان فيها الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو محرر مدينة القدس، حريصاً على عدم الاطمئنان إلى الوعود والعهود التي يطلقها الصليبيون، كما هو الحال في مصر التي حررها القائد عمرو بن العاص من الروم عام 638م.

كان لصمت صلاح الدين الأيوبي وحزنه على مذبحة الملك ريتشارد قلب الأسد ما يبرره، وهو يستدرك أنه أراد بهذا العمل أن يردع جيش المسلمين المدافعين عن مدينة القدس لكي يتخلوا عنها، ويدخلها الملك ريتشارد، الذي تقدم على طريق الساحل إلى عسقلان جنوباً، بدون مرافقة الفتيات لجيشه، لتوسيع رقعة الأرض التي يوجد عليها. وهي مهمة لتشتيت جيش صلاح الدين الأيوبي، الذي أعاد انفتاح وحداته للمحافظة على طريق طبرية - دمشق، وطريق الناصرة المؤدي إلى القدس، وهي جوهر غاية الملك المتعطش للانتقام ريتشارد قلب الأسد، الذي بادر إلى اختيار الطريق الأطول، ولكنه الأسلم، لأن ينزل بعيداً حتى يافا وعسقلان، وتكون القدس في مرمى حجر من قواته الصليبية (44).

المصادر

  1. ستانلي لين بول، المصدر السابق، ص204.

  2. ستيفن رانسيمان، تاريخ الحروب الصليبية، المصدر السابق، ص504.

  3. العماد الأصفهاني، الفتح القسي في الفتح القدسي، ص347-349.

  4. عبد الله علوان، الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين في العصر الأيوبي، ط1، القاهرة، دار الاعتصام للطبع والنشر، 1964، ص65.

  5. تمكن معين الدين أنر من محاصرة بانياس وقتل واليها وتسليمها إلى الصليبيين. انظر: الكامل في التاريخ، المصدر السابق، ص74.

  6. بسام العسلي، الأيام الحاسمة في الحروب الصليبية، المصدر السابق، ص79.

  7. الكامل في التاريخ، المصدر السابق، ص54-55.

  8. المصدر نفسه، ص55.

  9. أحمد بن علي المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق محمد مصطفى زيادة، ط2، القاهرة، لجنة التأليف والنشر والترجمة، 1956، ص303.

  10. صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية الصادرة في 30 كانون الثاني 2000، وهو خطاب أدلى به الرئيس «المؤمن» بوش أمام الكونغرس الأمريكي!

  11. مدينة عكا: كانت عكا مدينة يصعب الاستيلاء عليها، ليس فقط لمتانة موقعها الطبيعي، ولكن لأن قوات تركية كردية مختارة كانت تدافع عنها. وقد استخدم الملك ريتشارد (ملك إنجلترا) مقاليع الحجارة، ومن الحقائق المعروفة أن حجراً واحداً يرميه أيٌّ من مقاليع الملك كان يقتل اثني عشر رجلاً. انظر: ستانلي لين بول، المصدر السابق، ص237.

  12. ريتشارد قلب الأسد: وُلد عام 1157م في فرنسا، وكان ملك إنجلترا في 1189-1199م، وهو ابن ملك إنجلترا السابق هنري الثاني، وينحدر من الأسرة الأنجوية التي ترجع أصولها إلى فرنسا. قاد الحملة الصليبية الثالثة، واشتهر بمذبحة عكا في 20 آب عام 1191م، ولم يفعل صلاح الدين الأيوبي مثل ذلك بالأسرى الصليبيين. ولم يتمكن ريتشارد في حملته من الاستيلاء على القدس. عاد إلى إنجلترا عام 1193م بعد مشاكل داخلية، ومات عام 1199م، ودُفن قلبه في مدينة روان في فرنسا، أما رأسه فقد دُفن في إنجلترا.

  13. في أواخر حزيران وأوائل تموز عام 1191م وصلت إمدادات من سنجار (منطقة كوردية في العراق)، وقوة كبيرة من مصر، وقوة من الأتراك والأكراد (أي تركية) بإمرة دلدرم، وقوة من حماة، ولكنها وصلت كلها متأخرة، إذ سقطت عكا بيد الصليبيين. انظر: ستانلي لين بول، المصدر السابق، ص242.

  14. المصدر نفسه، ص248.

  15. ستانلي لين بول، المصدر السابق، ص248-249.

  16. ستانلي لين بول، المصدر السابق، ص253.


أجزاء «صلاح الدين الأيوبي يتهيأ لمواجهة الجيوش الصليبية» (4 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←