الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
صلاح الدين الأيوبي يتهيأ لمواجهة الجيوش الصليبية (الجزء الرابع)
من محاضرات «الكنيسة والإسلام والسياسة» – 2012
في حياة الأمم الحيّة رموز غالية، ورمز أمة الإسلام هو صلاح الدين الأيوبي، الذي ودّع الدنيا في الرابع من آذار عام 1193م وعمره خمسة وخمسون عاماً، ودُفن في دمشق. ولكن ما يعطي القلب دماً نقياً أن قبره لا يزال يزوره ملايين العرب والمسلمين، لخدماته الجليلة التي قدمها للإسلام.
تقسّمت المملكة الأيوبية بعد وفاة عميدها وعمود خيمتها الرئيسي صلاح الدين الأيوبي، وذلك بعد أن قسّم مملكته بين أبنائه؛ فكان ولده الأكبر الملك الأفضل علي والياً على دمشق ومعظم مقاطعات الشام، وكان ولده الأصغر الملك العزيز عثمان ملكاً على مصر.
وبفعل الغيرة والحسد وبطانة السوء المحيطة بكليهما، حدث الصراع بين الأخوين، وانتهى بهزيمة الأكبر، الأفضل علي، أمام الأصغر، العزيز عثمان، الذي استولى على دمشق. وهي قصة أخرى لم يتعظ منها السلطان صلاح الدين الأيوبي، وهو يستشرف ما كتبته الكتب عن السلطان هارون الرشيد، وعصره المتين في نهوض الدولة العباسية وعاصمتها بغداد، وصراع ولديه الأمين والمأمون في القرن التاسع الميلادي. ثم عاد الملك العادل (أخو صلاح الدين الأيوبي) إلى الخطأ الجسيم نفسه بتقسيم مملكته بين أولاده عام 1196م (64).
إن تراكم أخطاء الولاة الأبناء في إدارتهم لدولتي مصر ودمشق، وضعف الخليفة العباسي في بغداد في القرن الثالث عشر، قد أرسيا درساً لرواد الكنيسة الكاثوليكية: أولاً، لتشجيع الانقسامات بين الولاة العرب، بديلاً عن الدولة المركزية الإسلامية التي خضعت لحكم السلطان صلاح الدين الأيوبي على مدار نصف قرن من الزمن؛ وثانياً، للبقاء صامدين على ما ورثوه عن البابا أوربان الثاني الفرنسي (1088-1099م) من تعليمات بابوية، وهو حامل راية أول حملة صليبية باسم المسيح، وهو في عقلهم المسلك الذي يوصل أبناء المسيح إلى الرب لمحو الذنوب التي ارتكبوها في حياتهم.
وهو ما دعا المشرفين على وزارة التربية والتعليم في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا إلى أن يذكّروا تلاميذ المدارس الصغار، لينشؤوا على الإعجاب بالفرسان الصليبيين البواسل ويحبوهم، كما هم فرسان مالطة اليوم (65).
وتذكّرنا الكاتبة البريطانية كارين آرمسترونغ، الراهبة الكاثوليكية السابقة، في مقدمة كتابها عن الحرب المقدسة: «جرت العادة عندنا في إنكلترا أن نتعرف ونحن أطفال على ما جرى لبيت المقدس في العصور الوسطى، ويطلعوننا على الأحداث البراقة لكفاح الكنيسة في إيصال حجاجها إلى بيت المقدس دون تدخل جند (المحمديين) وإذلالهم لهم» (66).
6. استمرار البابوات في معاداة الإسلام
هنا يمكن الوصول إلى حقيقة، وهي أنه لا يمكن تحديد زمن لانتهاء الحروب الصليبية بعد وفاة صلاح الدين الأيوبي؛ إذ استمرت الكنيسة الكاثوليكية في الترصد للإسلام والتصدي لانتشاره، ولم تتوقف عن التخطيط لإيجاد أفضل السبل، وبأقل ما يمكن من الخسائر المادية، لمواجهته واحتوائه، فهو كان ولا يزال في نظرها الخطر الأكبر القادم من الشرق. ولكن سبل العلاج، وهي مجبولة على الجهل والكراهية، أوصلت رواد الكنيسة وبابواتها إلى إصدار أوامر إجبارية التنفيذ بحق رعاياها تمنعهم من كل أنواع التعامل مع المسلمين، وفق ما أصدره مجمع لاتران بين عامي 1179 و1215م، وهي مقصودة لتحقير كل من المسلمين واليهود والحط من شأنهم على السواء.
«وكانت التعليمات تركز على وجوب عزل الديانتين اليهودية والإسلامية دون اتصال أو تعايش معهما»، وعلى أن أي مسيحي يخدم في منزل مسلم أو يهودي يُلقى عليه الحرم الكنسي (67).
وهو ما دفع البابا غريغوري التاسع عام 1227م إلى إصدار عدة مراسيم جبرية، منها أن على المسلمين واليهود المقيمين في البلاد المسيحية ارتداء ملابس مغايرة لملابس أهل البلاد، بغية التعامل معهم بطريقة مهينة (68). ثم وجد البابا إينوسنت الرابع (1243-1254م) الطريق لمفاتحة رواد الكنيسة بتأسيس حلف مسيحي وثني ضد العالم الإسلامي لمحاربة المسلمين وحدهم وإبادتهم تماماً، وقاده ذلك إلى شن حملة عسكرية بقيادة لويس التاسع، هي الحملة الصليبية السابعة عام 1249م، التي انطلقت من قاعدتهم البحرية القوية في عكا الساحلية، ونزلت قرب مدينة دمياط في مصر، حيث تمكنوا منها في حزيران 1249م. ولكنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى القاهرة، إذ تفشى الوباء بين جنودهم وانقطع الإمداد، مما مكّن قوة من المماليك (69) من أسر الملك لويس التاسع ملك فرنسا ومعظم نبلائه. ثم ما لبث لويس التاسع، بعد إطلاق سراحه مقابل فدية مالية، أن قام بحملة أخرى على تونس، ومات ملك فرنسا لويس التاسع هناك (70).
كانت تلك شواهد على ما تحمله المؤسسة البابوية من كره لدين الإسلام منذ أزمان متطاولة غابرة، بدأت بالكلمة ثم تحولت إلى السيف، ودارت الأيام وعادت الكلمة من جديد، حين أسس البابا بيوس منظمة هي «رابطة الرهبان لتنصير الشعوب» (71) بين عامي 1566 و1572م، لنشر المعتقدات المسيحية والحد من انتشار ثقافة الإسلام في أوروبا.
ويشير الكاردينال كريشينسيو زيبه، رئيس مجموعة المبشرين الفاعلين، إلى أن مجموعته من «رابطة الرهبان لتنصير الشعوب» موجودة في 40% من العالم المسيحي، ومعترف بها من قبل (1081) أسقفية، من ضمنها ما يسمى «مناطق الصمت»، وهي كل مناطق العالم التي تحظر بناء الكنيسة الكاثوليكية، كما في الصين والسعودية وفيتنام واليمن وكمبوديا (72). أما تمويل هذا الجهاز الضخم «رابطة الرهبان لتنصير الشعوب» فمن الصعب تقديره، فدولة الفاتيكان ليست ملزمة بنشر الميزانيات، ولكن ما تسرّب في شهر تشرين الأول 2003م أن تكلفة هذه المجاميع التبشيرية بلغت (200) مليون دولار، ويُسمح للنفقات أن تصل إلى (500) مليون دولار، وذلك لنشر العقيدة المسيحية ومواجهة «الأديان العدوانية» (73).
ولكن ما هي هذه الأديان العدوانية غير الإسلام؟ وهل يقرّ التثقيف الكنسي بنبوة النبي محمد ﷺ، وبأنه رسول الله إلى البشر كافة، وهو ما كان سيمنع الحملات الصليبية العنيفة بحد السيف على ديار المسلمين طوال قرنين من الزمان؟ إلا أن ذلك الإخفاق الكبير للجيوش الصليبية، كما مرّ ذكره في معركتي حطين 1187م وأرسوف (7 أيلول 1191م)، قد حوّل التفكير البابوي ورواد الكنيسة الكاثوليكية إلى فتح باب الحوار مع المسلمين في مؤتمر عُقد في مدينة كراكورم على الحدود المنغولية - السوفيتية عام 1254م (74)، وقد وصفه المؤرخ ريتشارد سوذرن بأنه أول مناظرة عالمية مفتوحة بين الشرق والغرب في التاريخ. ولبيان الأهمية المنطوية على عقد هذا المؤتمر (كراكورم)، بعد غزارة الدماء التي سالت بين المسلمين والمسيحيين، فإن البابا إينوسنت الرابع أرسل ممثلاً له هو الراهب فلهلم فون روبروك إلى منغوليا، أملاً في أن يقف المغول مع أوروبا في حربها ضد المسلمين (75). ويخلص ريتشارد سوذرن إلى نتيجة مفادها أن المؤتمر في مدينة كراكورم انتهى بفوز مشترك للمسيحيين والمسلمين على البوذيين (76). ولكن أي فوز للمسلمين في مؤتمر استمر يوماً واحداً، والبابا إينوسنت كان يعرف ذلك قبل عقده؟ وقد يكون في تفصيلاته الأخرى أن الخلافة العباسية في بغداد قد وصلت إلى حالة من الضعف، وأن آخر خليفة (المستعصم بالله) لم يكن أحد يذكره إلا يوم الجمعة، وقد انتهت الخلافة العباسية على يد المغول عام 1258م، أي بعد أربع سنوات من مؤتمر كراكورم.
ولكن في كل الأحوال، فإن الفوز الذي حققه المسلمون، والذي تحدث عنه ريتشارد سوذرن، قد وصل إلى ذهن البابا إينوسنت الرابع ورواد الكنائس الكاثوليكية، ليجدوا طريقاً خفياً أساسه تقويض الإسلام عبر تشويه رموزه، وعلى رأسهم النبي محمد ﷺ، وذلك عبر حملة إعلامية مبرمجة يحمل لواءها المستشرقون في ديار الشرق.
المصادر
جمال الدين محمد بن سالم (ابن واصل)، مفرّج الكروب في أخبار بني أيوب، المصدر السابق، ص62-64.
فرسان مالطة أو فرسان القديس يوحنا: ظهرت هذه المجموعة في جزيرة مالطة عام 1070م هيئةً داعمة لرعاية المرضى المسيحيين، وصارت لهم شهرة أيام الحروب الصليبية بفضل الغارات على سواحل بلاد المسلمين في ليبيا وتونس لقربهما من مالطة. وبعد هزيمة الصليبيين في معركة حطين 1187م على يد صلاح الدين الأيوبي، هرب فرسان مالطة الصليبيون إلى البلاد الأوروبية. وبتدخل من الكنيسة الكاثوليكية تم استبدال الجيوش الإسبانية المحتلة لطرابلس في ليبيا بمحاربين من فرسان مالطة أو فرسان القديس يوحنا، وقد تم وضع طرابلس تحت عرش صقلية، وصادق على ذلك البابا كليمنت السابع في 25 نيسان 1530م. واستطاع رئيسهم جان دي لافاليت أن يقوّي دفاعاتهم ضد الأتراك العثمانيين في شمال إفريقيا، وأن يرسخ وجودهم في مالطة في معركة ليبانتو البحرية عام 1571م بين الروم والأتراك، مما أبعد الأتراك ووفّر لنظام الفرسان جواً من الهدوء. وفي عام 1538م، وعندما قرر ملك إسبانيا التنازل عن احتلال طرابلس لفرسان مالطة، كان شرطه أن يقوموا بمساعدة الإسبان في حربهم البحرية ضد الدولة العثمانية المسلمة التي بدأت تتجه بقوة إلى مقاطعات شمال إفريقيا، وبالتالي كسب فرسان مالطة موطئ قدم لهم على السواحل الإسلامية، وقطعوا به الطريق على الإمدادات العثمانية القادمة من شرق البحر المتوسط. وبقيام الثورة الفرنسية عام 1789م، وقيام قائد الحملة الفرنسية نابليون بونابرت بغزو إيطاليا، فقد فرسان مالطة ممتلكاتهم وامتيازاتهم في فرنسا وإيطاليا، وانتهى بهم الأمر إلى فقدان مقرهم في جزيرة مالطة، ودخلوا في مرحلة الشتات والتفرق. وتجمعت أعداد منهم في الولايات المتحدة الأمريكية حيث كانت الحرب الأهلية الأمريكية على أشدها، وكانت فرصة لهم لأن يوحدوا جهودهم مع منظمة «كو كلوكس كلان» الأمريكية لمحاربة كل الآسيويين من غير البيض، كون غالبيتهم يدينون بدين الإسلام. وفي أوائل التسعينيات عادوا إلى جزيرة مالطة لعقد مؤتمر هو الأول من نوعه، وبلغ متطوعوهم زهاء نصف مليون شخص، منهم مائة ألف من فرنسا وحدها، ومثلهم في ألمانيا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية. ولديهم علاقات دبلوماسية مع (96) دولة، من بينها (16) دولة إسلامية و(7) دول عربية هي: مصر، ولبنان، والسودان، والصومال، وإريتريا، وموريتانيا، والأردن. وهناك معلومات عن أن فرسان مالطة قد شاركوا في غزو العراق عام 2003م، وخضعوا لأوامر الشركات الأمنية مثل Blackwater، وشاركوا في الهجوم على الفلوجة عام 2004م. انظر: ويكيبيديا، الموسوعة الحرة؛ Islam Online؛ Knights of Malta.
كارين آرمسترونغ، المصدر السابق، ص313.
الحرم الكنسي: أي منعه من التمتع بزيارة الكنيسة والصلاة فيها، وجعله خارج سرب المؤمنين.
ستانلي لين بول، المصدر السابق، ص293.
تمكن السلطان المملوكي الأشرف خليل بن قلاوون من إخراج الصليبيين من عكا عام 1291م، كما سبق ذكره.
لويس التاسع (ملك فرنسا): بعد إطلاق سراح لويس التاسع بفدية تم تسليم دمياط للسلطان المملوكي أيبك، فيما أقام لويس التاسع في عكا، وقام بتحصين ثغور عكا وحيفا وصفد. انظر: هاني خيرو أبو غضيب، المصدر السابق، ص60.
رابطة الرهبان لتنصير الشعوب: رابطة تضم جيشاً قوامه (85) ألف قسيس و(450) ألف جمعية دينية، وقدمت الرابطة أكثر من مليون مدرّس مسيحي يجوبون كل قرية في العالم لإقناع المترددين بالإيمان بالعقيدة المسيحية.
صحيفة «فيلت أم زونتاغ» الألمانية، 30 كانون الثاني 2004م.
المصدر نفسه.
ريتشارد سوذرن، صورة الإسلام في العصور الوسطى، ترجمة رضوان السيد، ط1، لبنان، منشورات معهد الإنماء العربي، 1984م، ص90.
اشترك في مؤتمر كراكورم أربع فئات، هي: المسيحية اللاتينية (الكاثوليكية)، والمسيحية الشرقية التي مثّلها بعض الآباء النساطرة، والرهبان البوذيون، وبعض العلماء المسلمين. انظر: ريتشارد سوذرن، المصدر السابق، ص92.
المصدر نفسه، ص93.
أجزاء «صلاح الدين الأيوبي يتهيأ لمواجهة الجيوش الصليبية» (4 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع (هذا الجزء)