الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الكورد والإمبراطورية البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2012

ثمة اختلاف واسع بين الباحثين في عدد الكورد في الدول التي يعيشون فيها. ويُذكر في هذا الصدد أن الباحثة الكوردية «درية عوني» أفادت أن عددهم في تركيا يتراوح بين 12 و16 مليوناً، وفي إيران بين 6 و8 ملايين، وفي العراق بين 4 و5 ملايين، وفي سورية نحو مليون ونصف، وفي أرمينيا بضعة آلاف. ومع ذلك فقد قدّر هذا التقرير عددهم بـ30–35 مليوناً.

وعلى أي حال، فإن ثمة اتفاقاً بين الباحثين على أن أكبر الجماعات الكوردية عدداً هي الجماعة القاطنة في تركيا، وقد وصفها المسؤولون العثمانيون والترك بأنهم «أتراك الجبل». وحتى بداية الحرب العالمية الثانية وصفهم وزير الداخلية التركي بقوله: «إن الأشقياء – ويقصد بهم الكورد – جرى تلقيحهم بلقاح الحضارة عن طريق القوة»، وقصد أن القوة العسكرية وحدها هي التي قُدّر لها إحباط مساعي الثورات الكوردية للاستقلال. وأجبرت السلطات التركية، بقوة الحديد والنار، أعداداً كبيرة منهم على الهجرة، إما إلى غرب تركيا خارج مناطق وجودهم، أو إلى الدول المجاورة الأخرى، أو إلى أوروبا، وخاصة ألمانيا لإعمارها بعد الحرب العالمية الثانية. أما في إيران، وهي الثانية من حيث عدد الكورد القاطنين فيها، فإن سياسة الشاه رضا خان، ومن بعده ابنه محمد رضا، لم تختلف عن السياسة الكمالية في استخدام القوة ضد الكورد. ومنذ عام 1931 صار الطرفان التركي والإيراني يعملان بتنسيق لمحاصرة المجموعات الكوردية الثائرة، قبل ميثاق سعد آباد عام 1937. وقد يحتار المرء من العنصرية التي طبعت سياسات أتاتورك وشاه إيران (الأب والابن) المعادية لأمة كوردية موحدة الفكر، متقاربة جغرافياً في جبالها وزراعتها، تدين بدين الإسلام، ولا تنظر إلى جيرانها الفرس والترك والعرب إلا بمودة. أما ملك العراق العربي فيصل الأول (1921–1933) فلم تكن في يديه سلطة ملك ليقول ما عنده، بعد أن قُيّدت يداه دفاعياً وسياسياً بمعاهدة عام 1930 مع بريطانيا الاستعمارية. هذه السياسة برمجها محترفون للاستحواذ على النفط أولاً، وضمان أمن بريطانيا في الحرب العالمية الثانية ثانياً، وظهور دولة يهودية ثالثاً، ودون ظهور دولة كوردية مستقلة رابعاً.

ولكي نتناول السياسة الدولية التي حرّرها الساسة البريطانيون لأقرانهم في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وإيطاليا حول المصالح المشتركة التي حالت دون ظهور الدولة الكوردية، لا بد من القول إن المدن التي يقطنها الكورد في تركيا هي: ديار بكر، وحكاري، ووان، وبتليس، وديرسيم. أما في إيران فإنهم يتركزون في ولايتي كرمنشاه وأردلان ومقاطعة لورستان. وفي العراق هم في المحافظات الشمالية: السليمانية وأربيل ودهوك، كما يشكلون أكثر من نصف سكان محافظة كركوك (المتنازع عليها حالياً)، وأقساماً من الموصل وديالى. وفي سورية فإن مدن القامشلي ودير الزور والحسكة، ومنطقة كرداغ في ولاية حلب، هي المراكز الأساسية للأكراد. وفي أرمينيا فإن مركز وجودهم مدينة يريفان.

محنة الملك فيصل الأول مع الإنجليز

لم يكن الملك فيصل الأول، ملك العراق، قليل الخبرة والتجربة في تعامله مع السفارة البريطانية في بغداد، وهو يدرك عن بُعد ما حلّ بالكورد في كوردستان الشمالية (تركيا) من إعدامات صورية للشباب الكورد الثائرين، وحرق لقراهم، وإجبار لهم على الرحيل من معاقلهم في ديار بكر وبتليس وديرسيم. كما كان مدركاً أن إيران الشاه رضا خان لم تكن صانعة سياسة مستقلة عن بريطانيا لكي تستقبل الكورد أو تقدم المعونة للثوار. الأمر الذي دفع الملك فيصل الأول إلى زيارة طهران عام 1931 لحل المشكلات العالقة بين البلدين حول مجرى شط العرب والنفط والكورد، ومنها موقف البارزانيين – ومعقلهم قرية بارزان على الحدود الشرقية مع إيران – حين قدّم الشيخ أحمد البارزاني (1892–1969) طلباً إلى عصبة الأمم لمنح الكورد في كوردستان الجنوبي (العراق) حكماً ذاتياً. وقد فسّره ساسة لندن بوضوح بأن إخفاق الكورد في تركيا قد يقودهم إلى خلق مشكلات في ولاية الموصل وكركوك، وربما يؤدي إلى وقف تدفق النفط إذا ما أشعلوا ثورة أخرى قريبة، وجيش العراق ليس بالقوة التي مكّنت الجيش التركي من مطاردة الثوار الكورد، مع أن ذلك الجيش كان مهزوماً في الحرب قبل أكثر من عقد من الزمان.

كانت الآمال العراقية معقودة على أول زيارة يقوم بها الملك الهاشمي فيصل الأول لطهران عام 1931. وكانت بريطانيا – التي رتّبت هذه الزيارة – تعرف أن هناك صعوبة في إنهاء المشكلات العالقة، وخاصة موضوع شط العرب ومناصفته مع إيران وفق خط التالويك (المجرى العميق)، فذلك هو ما يعزز العلاقة بين طهران وبغداد لمواجهة الكورد بين البلدين. وبخلافه فإن طهران غير مستعدة للحديث عن حلّ لمسألة المنابع المائية والنفطية الحدودية المشتركة، والعراق في أمسّ الحاجة إلى العملة الصعبة لتنمية اقتصاده المنهك من جراء الأزمة الاقتصادية العالمية عام 1929.

وربما يُفسَّر الموقف البريطاني بأنه كان إلى جانب إيران لا إلى جانب العراق؛ فالعراق محتل من قبل القوات البريطانية، والحاجة إلى إيران مهمة مقدسة لبريطانيا التي تعدّ العراق وإيران من أهم دول المنطقة، لما يمثلانه من موقع جغرافي على رأس دول الخليج النفطية، ولتحكّمهما بالممرات المائية وطرق المواصلات التي تُستخدم لنقل القوات العسكرية والإمدادات الضرورية، إضافة إلى عامل الطاقة الموجود في كليهما. وكانت ألمانيا، التي فُرض عليها دفع التعويضات لفرنسا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، تسعى للثأر من هزيمتها، وفي عقل قادتها أن النفط في العراق وإيران هو المحرك للأسطول البريطاني. وبذلك لم يكن لغضب الملك فيصل الأول (وهو القومي العربي) من إيران الشاه خلال الزيارة نصيب في عقل ساسة لندن، وهم يسمعون الملك يقول: «إن إيران تثقف الشباب في المدارس الإيرانية على أن العراق بلاد إيرانية وفيها العتبات المقدسة». وكان في جعبة رجال المخابرات البريطانية في بغداد والموصل أن الأمير زيد (الأخ غير الشقيق للملك) أجرى محادثات مع الكورد في الموصل عام 1922 للتعاطي مع القضية الكوردية في قادم الزمن، وفي خَلَد بريطانيا أن أي اتفاق كوردي – عربي من شأنه أن يخلق وضعاً غير مريح لاتفاق يجمع تركيا وإيران والعراق لضمان أمن الإمبراطورية البريطانية.

وبات العراق الملكي بين فكّي كماشة: تركيا التي لم يتنازل زعيمها مصطفى كمال أتاتورك عن ولاية الموصل وتوابعها السليمانية وأربيل ودهوك وكركوك، وإيران الشاه الذي يطمع – وساسة لندن يسمعونه – لا في الأماكن المقدسة في النجف وكربلاء فحسب، وإنما في كل أرض العراق. أما بريطانيا التي فهمت ما يريده الكورد في كوردستان الجنوبي، فقد لعبت لعبتها: تارةً بتحريك إيران للضغط من أجل توقيع اتفاقية شط العرب، وتارةً بإظهار استعدادها لإعادة ولاية الموصل كلها إلى تركيا!

وكان موت الملك فيصل الأول المفاجئ في سويسرا عام 1933، وتتويج ولي عهده الشاب الأمير غازي، قد أربك حسابات السفارة البريطانية وساسة لندن، خصوصاً أنهم كانوا يدركون أن تجربة الملك الجديد غازي (1933–1939) في السياسة ضعيفة، وأنه وطني مخلص للعراق، وله صلات وثيقة بضباط الجيش العراقي، بل هو من قرّبهم إليه، ولا يجد غرابة في أن يطلب منه ضابط برتبة ملازم في الجيش نقله من جنوب العراق إلى الموصل ليكون قريباً من عائلته وزوجته. كما أن صلاته بشيوخ العشائر وأبناء الشعب كانت أقوى بكثير من صلاته بأركان السفارة والسفير البريطاني. وربما وجدت الشخصيات العراقية – جعفر العسكري، ونوري السعيد، ورشيد عالي الكيلاني، وياسين الهاشمي رئيس وزراء العراق عام 1935 وأخوه طه الهاشمي – أن ما كان يطرحه الملك الشاب غازي في إذاعته المعروفة «إذاعة قصر الزهور» من عودة الكويت إلى الوطن الأم العراق يُنبئ بعواقب وخيمة، فالكويت التي تحكمها عائلة آل الصباح منذ عام 1899، وليس ملك أو رئيس، هي الأكثر ضماناً وولاءً لبريطانيا.

السفير البريطاني في بغداد كورنواليس يقود انقلاباً عسكرياً!

إن تشكيل حكومة برئاسة القومي ياسين الهاشمي عام 1935 – بعد حلّ البرلمان من قبل الملك غازي – قد جلب لبريطانيا مشكلة كبيرة، إذ ظلت العلاقات العراقية الإيرانية مجمدة دون إقرار بغداد لطهران باتفاقية لتقسيم مياه شط العرب مناصفة. هذا فضلاً عن تكليف الملك الشاب غازي القائدَ الكوردي الفريق بكر صدقي بقمع انتفاضة الآثوريين في الموصل عام 1933، وبريطانيا ترى نفسها حامية لهم كما هي حامية للرعايا اليهود في العراق، وقد شكّلت من الآثوريين قوة أُطلق عليها «الليفي» لحماية الطائرات البريطانية في قاعدتي الشعيبة جنوب العراق (البصرة) والحبانية غرب العراق (الرمادي). وكانت القاعدتان في نظر مقر القيادة البريطانية في الشرق الأوسط (القاهرة) صمام الأمان لمواجهة أي ثورة كوردية في كوردستان الجنوبي، وأي انقلاب عسكري يُراد منه الاستحواذ على نفطي إيران والعراق، أو أي تهديد آخر في ظل نشوب حرب جديدة محلية أو عالمية، في وقت كانت فيه الدول الأوروبية – فرنسا وألمانيا القومية وبريطانيا وإيطاليا، ومعها روسيا الشيوعية – في سباق لتطوير قدراتها التدريبية والتسليحية.

ووجدت بريطانيا أن الوقت قد حان لاستخدام حليفها الضابط الكوردي المقرب من الملك غازي، الفريق الركن بكر صدقي، لإنجاز انقلاب عسكري تتخلص فيه من حكومة ياسين الهاشمي القومية عام 1936، وهو أول انقلاب من نوعه في العراق والدول العربية. وقد قيل إن هذا الانقلاب أتاح لبريطانيا، وحسب الاتفاق مع الفريق بكر صدقي، أن يكون حكمت سليمان (التركماني ذو الميول التركية) رئيساً للوزراء، وإن بكر صدقي كان مستعداً لا للتنازل عن نصف شط العرب لإيران فحسب، بل للتنازل عن سبعة كيلومترات وثلاثة أرباع الكيلومتر من الأراضي العراقية لإيران (أمام مدينة عبادان)، لكي يوافق شاه إيران رضا خان على توقيع ميثاق سعد آباد عام 1937 مع العراق وتركيا وأفغانستان. وأعتقد أن هذا غير صحيح، وأنه قيل لغرض تشويه سمعة بكر صدقي من قبل القوميين في حينها، وكذلك من قبل السفارة البريطانية. والدليل القاطع على أن ما قيل عن الفريق الركن بكر صدقي كذب أن ذلك يكون ضد القومية الكوردية، وأن هناك روايات بأنه كان يريد تشكيل دولة كوردية.

وقد وجدت بريطانيا، المحتلة لأرض العراق وكوردستان الجنوبي، هذا الميثاق ضرورياً لأمنها بالدرجة الأولى، وأن جيوش الدول الثلاث المتحالفة قادرة على إجهاض أي حركة ثورية كوردية تدعو إلى الاستقلال. وقد تنبّه إلى ذلك الزعيم الكوردي الإيراني عبد الرحمن قاسملو، والزعيم الكوردي العراقي الملا مصطفى البارزاني بعد عقد من الزمان، حين قال أمام جمع من الكورد في مدينة باكو السوفيتية: «إن ميثاق سعد آباد كان يستهدف بالدرجة الأولى حركة التحرر الكوردية وأمانيهم القومية، ويمثل جانباً من السياسة المشؤومة الغادرة التي كانت تمارسها إنكلترا لإبعاد الشعب الكوردي وشعوب الشرق الأوسط الأخرى عن الاتحاد السوفيتي». وثبت قول الزعيم الكوردي الخالد الملا مصطفى البارزاني في ثورة ديرسيم الكوردية عام 1937 في تركيا، وقول الأخير إن السوفييت وراء الثورة بالمال والسلاح، وبذلك تكون سياسة حكومة أتاتورك على خط واحد مع السياسة البريطانية الداعية إلى إيجاد خندق متصل لمواجهة التحرك الشيوعي والثورة الكوردية في دول منطقة الشرق الأوسط. وبذلك تكون بريطانيا قد ألّفت بين مصالح أربع دول لخدمتها، رغم المشكلات الحدودية والنفطية القائمة بينها.

وضحّت بريطانيا بحليف هو أحد رموزها، وزير الدفاع الفريق الركن جعفر العسكري (الكوردي الأصل)، مهندس ولادة الجيش العراقي وأبيه الروحي، الذي قُتل أثناء مهمة وساطة قام بها مع قادة الانقلاب. وضحّت مؤقتاً بحليفها المضمون نوري السعيد الذي هرب هو وياسين الهاشمي إلى خارج العراق. وشنّت الصحف الموالية لجماعة الأهالي (المؤيدة للانقلاب) هجوماً على دعاة القومية العربية والوحدة العربية. وبعد أن صار الفريق الركن بكر صدقي يملك الكلمة العليا، دون إعطاء صلاحيات للملك غازي، قُتل حليفها بكر صدقي عام 1937! غير أن ما أنجزه الانقلاب العسكري أنه فتح شهية العسكريين لتبوّء المناصب السياسية عن طريق الانقلابات العسكرية. ولم يجلس رؤساء العراق، الواحد تلو الآخر بعد انقلاب تموز 1958، مرة واحدة مع رؤساء دول لهم باع طويل في السياسة الدولية، بل ولا حتى مع الدول الإقليمية التي تمكنت من تجاوز محنة الأقليات القومية والدينية، قبل عرضها على طرف ثالث للمتاجرة بها أو استثمارها لاحقاً، كما حصل بين الرئيس العراقي عبد السلام عارف والرئيس المصري جمال عبد الناصر بين عامي 1965 و1966 حول المسألة الكوردية وسبل حلها كقومية مستقلة، أسوة بالقوميات الكثيرة التي تعيش على سطح المعمورة.


أجزاء «الكورد والإمبراطورية البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها» (5 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس

الجزء الثاني ←