الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الكورد والإمبراطورية البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها (الجزء الخامس)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2012
ولكي نتكيف مع البحث الذي نحن بصدده، «الأمة الكوردية بدون دولة»، فقد بات واضحاً أن الدولة القوية عسكرياً تستطيع أن تعكس سياستها على الدول التابعة لها وفق تفاهم يعكس المصالح المشتركة بينهما. وكانت بريطانيا، بقوتها العسكرية وسياستها الذكية مع إيران وتركيا، هي الرائدة بعد الحرب العالمية الأولى. ثم جاء الوقت العصيب الذي واجهته بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، ودون مواربة فإن من رجّح كفة دول الحلفاء على دول المحور (ألمانيا وإيطاليا واليابان) هي الولايات المتحدة الأمريكية. وحقّ لها، وفق منظور المنتصرين في الحرب، أن تكون الدولة القائدة لهذا العالم، نظراً لما تملكه من قوة عسكرية متطورة واقتصاد متين، وقد كانت كل الدول المشتركة في الحرب، بما فيها بريطانيا، بحاجة إلى المال الأمريكي لترميم ما خرّبته الحرب.
إن مجلس الأمن الدولي، المكوّن من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي والصين، قد أعطى الدول الخمس المنتصرة في الحرب حق النقض (الفيتو VETO) ضد أي مشروع قرار يخص دول العالم، وهو امتياز لا تملكه الدول الأخرى. وكان الجديد الذي ميّز دول مجلس الأمن أن دول العالم بشكل عام قد انشطرت إلى عالمين، أو تكتلت وراء قطبين: أحدهما شرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي (السابق) يدعو إلى تبنّي الاشتراكية في بناء المجتمعات، والآخر غربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية يدعو إلى تبنّي اقتصاد السوق وحرية حركة رأس المال والشركات والقطاع الخاص لتطوير المجتمعات.
ولم يكن بين دول مجلس الأمن الخمس من يقول إن الكورد في الدول الثلاث (إيران وتركيا والعراق) من رعاياه، بل كان حديث سفراء بريطانيا وفرنسا وروسيا مع السلطان العثماني عبد الحميد الثاني أن اليهود من رعايا الدولة البريطانية، والأرمن والموارنة من رعايا الدولة الفرنسية، والمسيحيين الأرثوذكس من رعايا الدولة الروسية. وهو ما يعني التدخل وتبادل الرأي مع هذه الأقليات لحمايتها من التهجير أو القتل في ظل حكم السلطان العثماني، خصوصاً بعد مذابح الأرمن على يد السرايا الحميدية بين عامي 1894 و1896.
وقد يسأل سائل عن دور الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الرعاية. والواقع أن السفير الأمريكي في الآستانة كان يقوم بدور «الوكالة» عن الإنجليزي لإقناع السلطان عبد الحميد الثاني بضرورة هجرة اليهود من سورية والعراق ومصر إلى فلسطين، كلما شعر السفير الإنجليزي بحرج موقفه من جراء تكرار الطلب على السلطان. ورفض السلطان استقبال «هرتزل»، مؤسس الحركة الصهيونية، لشرح قضية اليهود المشردين في ولايات الدولة العثمانية. ولكن بالإجمال كان اهتمام الدول الأوروبية وأصحاب النفوذ الإنجليزي والفرنسي والروسي كبيراً بإنشاء دولة يهودية على أرض فلسطين.
ولم يكن هذا الموقف بمعزل عن موقف الولايات المتحدة الأمريكية ورئيسها «جون آدمز» (1735–1826)، وهو يستمع إلى المهجّرين اليهود، وجلّهم من يهود بحر الخزر، لما حصل لهم من شتات منذ خمسة قرون من الزمن. الأمر الذي جعل الرئيس الأمريكي جون آدمز يرسل رسالة عطف إلى القنصل الأمريكي – اليهودي الأصل – في تونس عام 1818 يقول فيها: «إنني أرغب حقاً في رؤية اليهود ثانيةً في أرض يهوذا أمةً مستقلة». وأن تكون حدود مملكة إسرائيل الجديدة من مدينة عكا إلى البحر الميت، ومن جنوب البحر الميت إلى البحر الأحمر، لأن هذا الموقع سيجعل المملكة الجديدة تمارس التجارة مع الهند وأفريقيا الجنوبية والشرقية والعرب، كما ورد في كرّاس وزّعته الإدارة الفرنسية بشأن أرض إسرائيل عام 1795. وهي لا تختلف كثيراً عن الخريطة التي وُجدت في مكتبة الكونغرس الأمريكي عام 1678، وأهداها الرئيس الأمريكي بوش الابن عام 2002 إلى رئيس وزراء إسرائيل، وفيها، كما يُستنتج، موقع «الأرض المقدسة» التي وهبها الله لـ«شعب الله المختار» كما تقوله كتب التلمود اليهودية! ولم يكن من الرئيس الأمريكي «ويلسون» عام 1919، وهو ينادي بحق تقرير المصير للشعوب، إلا أن يبارك جهود الدولتين بريطانيا وفرنسا حول وعد بلفور عام 1917، وليس في مواقفه ما يؤكد يقيناً أنه كان يقصد إنشاء دولة للأمة الكوردية كما كان متحمساً للأمة اليهودية.
ويُفهم ذلك مما لخّصه الزعيم الصهيوني «ماكس نوردو» – زميل هرتزل – في الاحتفال الذي أقيم بعد صدور وعد بلفور، وهو يخاطب البريطانيين: «إننا نعرف ماذا تريدون منا؛ تريدون منا أن نحمي مواصلاتكم الإمبراطورية، إننا مستعدون لذلك، ولكن يجب إعطاؤنا القوة اللازمة». وفهم الساسة الإنجليز المغزى من «القوة اللازمة»، بمن فيهم ونستون تشرشل (المخلص للقضية اليهودية)، وهو وزير المستعمرات عام 1921، في لقاء جمعه برجال الدين الفلسطينيين، وقد اشتكوا من تصرفات اليهود واستيطانهم أرضهم، فقال: إن وعد بلفور حاجة بريطانية، كما هو حاجة عالمية لدول أوروبا التي ضاقت ذرعاً بعادات اليهود الاجتماعية غير المألوفة وسط المجتمع المسيحي. وهو يدرك أن «كارل ماركس» الألماني – اليهودي الأصل – هو من أوجد الفكر الشيوعي، وأن الخلاف بين الشرق والغرب ليس خلافاً على هجرة اليهود إلى فلسطين، بل إن جميع الدول المنتصرة في الحرب بدت وكأنها في سباق لتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، وإن اختلفت الحجة والمبرر. فبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية (أيزنهاور) قد وضعت نصب أعينها وجود دولة يهودية قوية – وليست كوردية مسلمة – وسط دول المشرق العربي، لكي لا يتوحد العرب كما فعلت قبائلهم العربية المسلمة أثناء فترة الحروب الصليبية (1093–1195م).
وهو ما عبّر عنه الجنرال البريطاني هايننغ، القائد العام للجيش البريطاني في فلسطين (1938–1939م)، للمفكر العسكري «ليدل هارت»، بأنه يجب الدفع باتجاه سياسة خلق دولة يهودية وتسليحها لتكون حصناً للإمبراطورية البريطانية في الشرق الأوسط، كما يجب أن تكون القوة المحصّنة لمعاقبة أيٍّ من جيرانها إذا ما حاول التمرد أو الثورة لنيل الاستقلال عن بريطانيا، وذلك بعد أن أجهدتها ثورة الكورد على يد الشيخ محمود الحفيد عام 1919، وثورة العشرين العشائرية في الفرات الأوسط عام 1920 في العراق، ومطالب الملك وخليفة المسلمين الشريف حسين بن علي بإمبراطورية مستقلة للعرب عام 1924، وحركة رشيد عالي الكيلاني الموالي للألمان خلال الحرب العالمية الثانية عام 1941، وانتفاضة البارزانيين (1943–1945).
إن بريطانيا التي عانت من وضع اليهود الاجتماعي والمالي في القرن السابع عشر، قد أدركها التاريخ البريطاني وفيه أن ملكها شارل الأول اقتيد إلى المقصلة عام 1649. وهي نفسها التي مدّت يدها إلى «المجمع النوراني» لاستثمار المال السياسي المتوفر لدى رموز المال اليهود قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية. وصار لزاماً على لندن وواشنطن أن تشجعا الهجرة اليهودية إلى فلسطين، لا لتخليص مجتمعيهما من الإحباطات الاجتماعية والمالية السابقة فحسب، بل لأن ذلك هو الحديث المتفق عليه مع كل ساسة أوروبا. حتى جاء الوقت الذي حذّرت فيه بريطانيا جامعة الدول العربية – التي ظهرت عام 1945 بتوجيه منها – من إرسال قوات عربية إلى فلسطين في بداية عام 1948، ثم عادت لتقول إنها عازمة على سحب قواتها من فلسطين في الخامس عشر من أيار/مايو 1948، وهو ما يعني أن قوة اليهود قد استكملت استعداداتها لمواجهة أي قوة عربية بعد هذا التاريخ، لإعلان دولة إسرائيل.
وهي تختلف عن «الدولة الكوردية» المعطّلة في أنها غير «مسلمة»، وحاجزة بين قوة دول المشرق الآسيوية ومصر الأفريقية. وحتى بافتراض إنشاء دولة كوردستان دولةً حاجزة بين الشيوعية وخلاياها الآخذة بالانتشار في دول الخليج النفطية، فإنها غير مضمونة النتائج ما دام كتاب الله القرآن يجمعهم، هذا فضلاً عن جغرافية كوردستان الجبلية الوعرة، وعدم إطلالها على بحر لأغراض نموّ تجارتها. وربما يكون التفكير البريطاني والأمريكي (الناضج) أن تُستخدم القضية الكوردية في دول الأكثرية الثلاث ورقة ضغط كلما أراد الملك أو الرئيس التمرد على سياسة لندن وواشنطن. وهو ما تريده «دولة إسرائيل» لإضعاف خصومها المسلمين عامة، ومصر وسورية والأردن تحديداً، كما ورد في برنامج بن غوريون عام 1954، وفيه أن دول الطوق دول عربية سنية عمقها العراق، ينبغي فتنتها بالطائفية لتفتيتها إلى دويلات صغيرة. وهي نصيحة قدّمها رجل المخابرات البريطاني «لورنس العرب» إلى مسؤوليه في لندن قبل الحرب العالمية الأولى.
وصار بالإمكان القول إن ما يواجه السياسة الأمريكية والبريطانية في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية هو: القضية الكوردية، والشيوعية، والنفط، وأمن إسرائيل، والاقتصاد المتردي في دول الحلفاء المنتصرة في الحرب، ولكل واحدة منها أسبقيتها وفق السياسة المتحركة التي تموج بها دول الشرق الأوسط عامة، ودول النفط على وجه الخصوص. ودولة كوردستان (المحجور عليها) دولياً منذ زمن طويل ليست من دول النفط. وهو ما عبّر عنه مشروع مارشال الأمريكي، الذي لم يكن لإعمار أوروبا الحليفة فحسب، بل شمل – بنصيحة بريطانية للرئيس الأمريكي ترومان – تركيا واليونان على الفور لتحسين اقتصادهما المنهار قبل أن ترتميا في أحضان الشيوعية عام 1947. وكان هدف بريطانيا ألا يتمتع الكورد والشيوعيون بثورات في تركيا وهم في ظل الحماية السوفيتية، وأن شرارة أيٍّ منهما (الكورد والشيوعية) قد تجد لها باباً مفتوحاً في كوردستان إيران، وهي تحت الحماية أو النفوذ الأمريكي، وباباً آخر في كوردستان العراق، وهي تحت الحماية أو النفوذ البريطاني.
وكانت بريطانيا تدرك أن السياسة التركية في ظل الرئيس التركي عصمت إينونو، الكوردي الأصل، لن يغيّرها مجيء الرئيس محمود جلال بايار (1950–1960). وقد أثبتت الأحداث فيما بعد كيف استثمرت المخابرات العسكرية الأمريكية صداقة الضباط الأتراك وبسالتهم وبسالة جنودهم في الحرب الكورية عام 1950، لتصبح تركيا المسلمة عضواً في حلف شمال الأطلسي عام 1952، وهي بالضرورة صديقة، إن لم تكن حليفة، لدولة إسرائيل، لا للعرب والكورد المسلمين وقضيتهم المغيّبة عمداً وهم على أرضهم.
وعدّت موسكو أن ما خلّفته الحربان الأولى والثانية عليها هو ثقل الخسائر المادية والمعنوية. ومن المؤكد أن زعماء الشيوعية بعد وفاة ستالين عام 1953 قد لعنوه وهو في قبره، كما تأسفوا على عدم قبول عرض أدولف هتلر عام 1940 تسليم السوفييت كل مناطق المحيط الهندي ومنطقة الخليج الغنية بالنفط، وحتى الهند (المستعمرة البريطانية). ولم يبقَ لها إلا أن تشجع الخلايا الشيوعية على إحداث اضطرابات وثورات في دول الشرق الأوسط بالنيابة عنها، نظراً لخطورة الحرب مع الولايات المتحدة الأمريكية في ظل وجود الأسلحة النووية في كلا المعسكرين.
كان الاهتمام السوفيتي منصبّاً على دولتي الجوار تركيا وأفغانستان، ودولتي النفط إيران والعراق. وفي الأولى منهما (إيران) كان الشاه محمد رضا يقول إن الخطر الذي يهدد نظامه يكمن في الحركات الشعبية (العقائدية): الثوار الكورد في مهاباد وسنندج وسقز، وحزب توده الشيوعي الذي انتشرت خلاياه في محافظة أذربيجان، وأدى ذلك في المحصلة إلى زيادة نسبة الخبراء الأمريكان في بلاده. فيما كان رئيس الوزراء في الثانية (العراق)، نوري السعيد الكوردي الأصل، يقول إن الخطر يكمن في قوة أنصار السلام الشيوعية بعد إعدام زعيمها يوسف سلمان (الملقب فهد) عام 1949. وأدركت بريطانيا ذلك في خريف عام 1952 عبر لجنة اتصال مع الحزب الوطني الديمقراطي (الجبهة الشعبية المتحدة) بقيادة طه الهاشمي، شقيق ياسين الهاشمي رئيس الوزراء الذي هرب خارج العراق بعد انقلاب الفريق بكر صدقي عام 1936، وفسّرته أوساط السفارة البريطانية بأن الضابط طه الهاشمي يريد الانتقام لما حدث.
وكانت المصادفة استقالة مصطفى العمري من رئاسة الحكومة أواخر تشرين الثاني 1952، وخروج مظاهرات صاخبة في بغداد، وكانت التغذية هذه المرة من إذاعة «صوت العرب» في القاهرة، وصوت المعلق «أحمد سعيد»، بعد نجاح الثورة المصرية عام 1952، وتقلّد الزعيم القومي جمال عبد الناصر مقاليد السلطة عام 1954. وفي خطبه تحريض للجماهير العربية، لا للقضاء على الاستعمار وحسب، وإنما على الحكومات الرجعية المتعاونة مع الاستعمار (تركيا وإيران والعراق)، والدعوة إلى الوحدة العربية لطرد الاستعمار من أرض العرب. وكانت هذه دعوة لتثوير الخلايا الشيوعية (العربية والكوردية) لنيل حقوقها المستباحة، وهو زعيم مفوّه الكلام وصديق للسوفييت في محاربة الإمبريالية الأمريكية، ولكنه ليس شيوعياً. وأدّت إلى سحب القوات البريطانية من مصر في أيلول 1952، وسحق ثورة محمد مصدق رئيس وزراء إيران التي دعمها حزب توده عام 1953، وحملة اعتقالات ضد مجموعات أنصار السلام الشيوعية في العراق عام 1954، قبل التوقيع على ميثاق جديد يضم العراق وإيران وتركيا وباكستان في تشرين الثاني 1955 عُرف فيما بعد بحلف بغداد. وحقيقته بناء سياج أمني لمحاصرة الشيوعية، وتقويض أي تحرك ثوري كوردي في الدول الثلاث، وحماية مناطق النفط خدمةً لمصالح بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية. وهذه الخطوة السياسية لا تعطي رموز الثورة الكوردية مرونة للتحرك بسهولة عبر حدود الدول الثلاث.
أجزاء «الكورد والإمبراطورية البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها» (5 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس (هذا الجزء)