الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الكورد والإمبراطورية البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها (الجزء الرابع)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2012

تداعيات ثورة البارزاني إقليمياً ودولياً (آب 1945)

طلب السفير البريطاني كورنواليس – بلباس مقنّع – أن تُجري حكومة حمدي الباججي مفاوضات مع الملا مصطفى البارزاني، وإلا فإن الحكومة مجبرة على اللجوء إلى خيار القوة العسكرية. وفي هذه المرة وجد السفير البريطاني أن الحاجة لم تعد قائمة لمقابلة الملا مصطفى البارزاني، بعد أن دخلت تركيا الحرب ضد دول المحور في شباط 1945. وهي خطوة، وإن جاءت متأخرة، تعني من الناحية السياسية أن تركيا حليف لدول الغرب والولايات المتحدة الأمريكية، وأنها تمكنت من تحجيم الحركة الكوردية على أرضها، رغم ما فسّرته دول الغرب من أن تركيا تريد غنائم ما بعد الحرب. وقد تكون هذه الغنائم أسلحة أمريكية لتطوير قدرة جيشها على مواجهة الشيوعية التي انتشرت بسرعة على أرض إيران الكوردية عبر ما عُرف بحزب توده الشيوعي. كما أن استمرار الدعم البريطاني والأمريكي لها سيقوّض نفوذ الحركات الثورية الكوردية في جنوبها وشرقها.

وحافظ السوفييت، بعد احتلال شمال إيران الكوردي عام 1941، على اتفاق طرحه البريطانيون، وهو ألا يسمحوا بقيام ثورة كوردية، وإذا ما قامت هناك فإن السوفييت وحدهم مسؤولون عنها. أما العراق، الذي أصبح دولة مستقلة وانضم إلى عصبة الأمم عام 1932، فإنه من الناحية العملية لا يمارس السيادة على أرضه، وقراراته السياسية لا تظهر إلا بقلم إنجليزي. وكان ذلك سرّ الخلاف الذي ظهر على السطح عام 1940 بين نوري السعيد، رئيس وزراء العراق التوّاق إلى قطع العلاقات مع إيطاليا بعد أن قُطعت مع ألمانيا عام 1939، وبين رشيد عالي الكيلاني الذي عارض عام 1941 مثل هذه الخطوة التي كان مصدرها السفير البريطاني كورنواليس.

إن مصالح بريطانيا العليا لا يحددها أشخاص غرباء من خارج جغرافية الدولة، وساستها ينظرون بعين واحدة إلى الشيخ «محمود الحفيد» الذي أرادها ثورة كوردية ضد بريطانيا عام 1919، وإلى ثورة العشرين في الفرات الأوسط عام 1920. وفي تفكيرهم لا يختلف الملا مصطفى البارزاني القومي الكوردي عن القومي العربي رشيد عالي الكيلاني عام 1941 عندما تتهدد مصالحهم، بل عدّوه أحياناً في صالحهم لمعرفة كل ما يحمله الملا مصطفى البارزاني من توجهات، والكوردي وزير الدولة «ماجد مصطفى» يتحدث في بغداد مع الحكومة عن كل ما دار من حديث حول النقاط الثماني التي عرضها عام 1944 لنيل الحكم الذاتي. وكما قلنا سابقاً، إنه تحدٍّ كبير لمصالح بريطانيا جاء في ظروف قاسية، وبريطانيا لم تكن من القوة بحيث تواجه خصومها في دول المحور لولا تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب إلى جانب الحلفاء، وقد طُلب منها تدريب 8000 طيار بريطاني، وفق رؤية رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل الاستراتيجية بأن الحرب قد تستغرق زمناً طويلاً.

وعندما أيقن تشرشل عام 1945 أن لا مفاجآت جديدة تغيّر ميزان القوة لصالح دول المحور، صار الحساب ملزماً مع الحركة الثورية الكوردية، وتحديداً مع الملا مصطفى البارزاني الذي جمع حوله كل أبناء عشيرة الزيباريين (500–600 مسلح)، و«محمود خليفة» صهر رئيس عشيرة برادوست (300–400 مسلح)، و«صالح عزيزي» (150 مسلحاً)، ومجموعات من عشيرتي الريكان والدوسكي، ومن خلفهم لجنة لقيادة الكفاح المسلح بقيادة الضابطين «عزت عبد العزيز» و«مصطفى خوشناو» ضد حكومة بغداد، وهي في واقعها ضد الوجود البريطاني. وكان السبب (المقنّع) أن الملا مصطفى والبارزانيين هاجموا دائرة البريد وسراي الحكومة ومخفر شرطة بارزان في آب 1945. وفي اعتقاد كورنواليس أن عمليات تخريب الجسور والقناطر الجبلية أو نهب الحبوب غير ذات أثر في المجهود الحربي البريطاني، وأن كل ما لديه أن يقوله لرئيس الحكومة حمدي الباججي: حان الوقت لإعادة الأمن والاستقرار إلى المنطقة الشمالية، كوردستان. وكان ذلك سبباً كافياً لأن تحمله وسائل الإعلام في ذلك الوقت، لكي تندد بالملا مصطفى البارزاني على ما قام به من تخريب للطرق في قضاء «ميركه سور»، التي صرفت عليها الحكومة العراقية الملايين من الدنانير، في وقت تضاعف فيه عدد الجياع من شعب العراق. ومثل هذا التوجيه يعني أن الطيران البريطاني سيقدّم إسناداً جوياً لـ42000 عنصر عسكري تجمّعوا في محافظات كركوك وأربيل والموصل لمهاجمة منطقتي «بارزان» و«بله». فاضطر الملا مصطفى البارزاني ومجموعات أخرى إلى ترك المنطقة في الثاني من أيلول 1945 باتجاه المنطقة الكوردية في مهاباد الإيرانية التي كانت لا تزال تحت قبضة القوات السوفيتية.

ولكي يتفادى السفير البريطاني كورنواليس اتهام البعثات الأجنبية في بغداد، ومنها الأمريكية والسوفيتية، للسفارة البريطانية بالدور الذي أدّته فيما جرى في كوردستان، فقد أُعدّ لهذا الغرض بيان حكومي بتوقيع مدير الدعاية العام، كانت عباراته عن «الأصدقاء» وعن عشائر البرادوست المعارضة للملا مصطفى تدل على حرفية السياسي الذي كتبه، وجاء فيه: «احتلت القوات العراقية منطقة شيروان مازنه وميركه سور وهاويران وبارزان في تشرين الثاني عام 1945. إن الأصدقاء من سلاح الجو البريطاني كان لهم الأثر الفعال في طرد المتمردين الأكراد، كما كان دوماً زعماء عشائر البرادوست بقيادة محمد رشيد لولان، وكلخي آغا رئيس قبائل الريكان، وأحمد آغا الزيباري، وهي عشائر كوردية ترفض زعامة الملا مصطفى البارزاني. وإن من الصعوبة قيام تمرد بارزاني جديد بعد أن سلحت الدولة العشائر الكوردية الموالية للحكومة العراقية التي مر ذكرها».

وهو إدراك بريطاني، بعد أن علموا أن أكثر من 1200 عنصر من البيشمركة المرتبطين بالملا مصطفى البارزاني قد غادروا معه خارج الحدود، إضافة إلى 3000 بيشمركة مسلح آخرين هم قوام القوة المسلحة، وأن من بقي داخل حدود العراق قادرة عشيرة البرادوست على إحباط حركتهم. وهذا ما كانت تفتقده إيران، والشاه محمد رضا غير قادر على تسليم الملا مصطفى البارزاني – المحكوم عليه بالإعدام غيابياً – إلى الحكومة العراقية، وهو يعيش في مدينة «مهاباد» الكوردية تحت نظر الجيش السوفيتي.

إن ما وجده رموز الحركة الكوردية في الدول الثلاث، تركيا وإيران والعراق، هو «الإخفاق» في كل الثورات الكوردية التي اندلعت عبر ربع قرن من الزمان؛ فقد ظهرت في زمن السلاطين العثمانيين محمود الثاني وعبد الحميد، وظهرت أثناء حكم مصطفى كمال أتاتورك للدولة التركية، كما ظهرت في زمن الشاه الإيراني رضا خان والملك العراقي فيصل الأول، وكذلك في المدة التي كان فيها الأمير عبد الإله بن علي وصياً على عرش العراق ومسؤولاً عن السياسة العراقية، وكان أقرب إلى أن يكون مستشاراً في السفارة البريطانية. وقد يكون من رموز الكورد من يضع اللوم على فرنسا التي هادنت تركيا الكمالية عبر معاهدة «فرانكلين – بويون» عام 1921، وضيّعت الدولة الكوردية وفق معاهدة سيفر عام 1920. كما يضع البعض اللوم على ألمانيا الهتلرية في الحرب العالمية الثانية عندما هاجمت الاتحاد السوفيتي في حزيران 1941، اعتقاداً منهم أن الأخير لو بقي على الحياد أو حليفاً لألمانيا لتغير شكل الثورات الكوردية، ولأصبحت لها دولة مستقلة على الأقل في كوردستان إيران وتركيا، قبل أن ينصاع المحتل البريطاني لقبولها في كوردستان العراق. وربما كانت هذه الدولة شيوعية في توجهاتها وحدودها على مشارف بغداد، وفي هذه الحالة فإن الولايات المتحدة الأمريكية لن تقبل بها وهي على مشارف منابع النفط في الخليج بعد الحرب العالمية الثانية!

إن الإخفاق المستمر في إنجاز دولة كوردية مستقلة شيء مدمّر للفرد كما هو للمجتمع والعشيرة، وفيه خذلان. وأتصور أن العقول التي كانت خلفه (الدينية والسياسية والوطنية) لم تكن ناضجة بما فيه الكفاية لموازنة التحديات المحلية والإقليمية، وخاصة سياسة الدولة البريطانية بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكل ما يهم بريطانيا هو النفط وأمن الإمبراطورية البريطانية، وفي تفكير مكمّل لهما بناء دولة لليهود المشردين. وقد يكون في خَلَد ساسة لندن أن الثورات الكوردية المتكررة هي التي أربكت لندن لفترة طويلة من الزمن وأبعدت إنشاء الدولة اليهودية على أرض فلسطين، لتجد أن مدينة مهاباد الكوردية الإيرانية قد احتضنت، في واحد من أكبر جوامعها، إنشاء دولة الحلم الكوردي في كانون الثاني 1946، حين وقف رمزها وقائدها «قاضي محمد» على المنصة ليعلن تشكيل «جمهورية كوردستان الديمقراطية» ضمن الكيان الإيراني، معبّراً عن تقديره الكبير لمساعدة السوفييت له، ولتلاحم أهل أذربيجان مع الدولة الفتية، والناس يرفعون رؤوسهم لمشاهدة العلم الكوردي فوق مباني المدينة. وكان الملا مصطفى البارزاني أحد أربعة جنرالات لقيادة جيش الدولة الكوردية الجديدة، وهم يرتدون الزي العسكري الروسي.

ذلك هو ما حدث في جمهورية مهاباد الكوردية ليشفي صدور قوم مؤمنين نذروا أرواح آبائهم وأجدادهم لمثل هذا اليوم، الرابع والعشرين من كانون الثاني 1946، وقد سجّله التاريخ ليكون رمزاً موحِّداً كلما فعلت السياسة فعلها لتفريقهم. ولكن من تداعياته الإقليمية أن تركيا أصبحت كإحدى الدول المشاركة في الحرب، حين وضعت في يد قائد الجيش الثاني التركي صلاحيات تنفيذ حكم الإعدام بأي كوردي يعبر الحدود. وفي بغداد أُبلغ العقيد «علي الحجازي»، مدير الشرطة العام، بأن يتعاون قدر الإمكان مع العقيد «همايوني»، قائد العمليات الإيرانية، أثناء مقابلة جرت بينهما في العشرين من آذار 1947 في مخفر «حاج عمران» الحدودي بعد إنهاء دولة مهاباد الكوردية. وتوصل الطرفان إلى صدور عفو عام عن كورد العراق عدا المحكومين منهم بالإعدام، ومنهم الملا مصطفى البارزاني المحكوم بالإعدام غيابياً، الذي اضطر هو و500 من البيشمركة من أتباعه إلى عبور نهر «آراس» باتجاه الأراضي السوفيتية في السابع عشر من حزيران 1947، وخلّف وراءه ولادة الحزب الديمقراطي الكوردي (الإيراني) عام 1945 على أرض مهاباد، والحزب الديمقراطي الكوردي العراقي عام 1946. وقاد شاه إيران محمد رضا بهلوي رئيس الدولة «قاضي محمد» وثمانية وعشرين من مسؤولي الجمهورية الفتية إلى حبل المشنقة في ساحة «جوارچرا» وسط مدينة مهاباد.

وفي لندن كان خبر إعلان دولة مهاباد الكوردية سيئاً، إذ رأوا أن موسكو هي التي دبّرت ظهور الدولة الكوردية في مهاباد لكي لا تسحب قواتها من شمال إيران، وفي ذلك خطر شيوعي يهدد كيان ميثاق سعد آباد لعام 1937، ويهدد منابع النفط في الخليج. وفي واشنطن أبلغ الرئيس الأمريكي ترومان زائره «مولوتوف»، وزير الخارجية السوفيتي، بالتقيد باستقلال إيران وسيادتها. وهي إشارة إلى قلق طهران وواشنطن ولندن من ضم حقول النفط الإيرانية (كوردستان الشرقية) إلى مناطق الدولة الكوردية الجديدة برئاسة «قاضي محمد»، وإلى أن على موسكو أن تسحب قواتها. وقد ترددت موسكو كثيراً قبل أن تنسحب في أيار/مايو 1946، بشروط: أن تحصل على امتيازات نفطية في شمال إيران أولاً، وإشراك حزب توده الشيوعي الإيراني في الحكم ثانياً، واستقلال أذربيجان ثالثاً، وإعادة جزر آشور الثلاث الكائنة في جنوب شرق بحر قزوين إلى روسيا رابعاً. وكلها نقاط كانت كافية لبدء حرب باردة بين الحلفاء، أصدقاء الأمس.

إن ظهور دولة كوردية بعلم كوردي عليه شمس صفراء وسنابل قمح، استمرت أحد عشر شهراً، هو الذي أدخل الأمل في نفوس كل أبناء الأمة الكوردية، الذين ما إن تقدموا بطلب إلى الحاكم المستبد – وهم في ثورة – إلا وطالبوا بأن تكون اللغة الكوردية هي اللغة الأم في تعليم أبنائهم في مناطقهم، وهي ضرورية للتواصل مع الآخرين لإنجاب جيل أو أجيال وطنية قيادية تقود المسيرة بالحوار أو بالسلاح. وقديماً قالوا لنا: «لا يمكن إعطاء شخص ما أكثر شرفاً من قيادة أبناء بلده وقت الحرب». وإن ما عمله رئيس الجمهورية «قاضي محمد» قد اجتهد فيه، وربما جاء خبر إقدامه على إعلان الدولة من موسكو، والجيش السوفيتي هو الذي يحميها، ولكنه في كل الأحوال كفاح كوردي نبيل وحق مشروع لنيل الاستقلال. وكان النشيد الوطني للجمهورية الكوردية:

يا أيها العدو، ما زال الشعب الكوردي الذي يتكلم الكوردية يعيش
لا يقل أحد إن الأكراد قد انقرضوا
الأكراد سيعيشون دائماً، ولن ينزل علمهم أبداً

وهو النشيد الخالد للدولة الكوردية الذي بقي حياً تتناقله الأجيال على مدى أكثر من ستة عقود من الزمن. وإذا كان طلاب المدارس يتغنّون به سراً خشية استبداد الحكام وطغيانهم، فإن يوم رفعه على سارية طويلة آتٍ عاجلاً أم آجلاً، لينشده الجميع رسمياً في كوردستان الموحدة. والأمة الكوردية بتضحيات أبنائها تستحق أن تكون وتحيا بين الأمم، وهي ليست أقل شأناً من الأمة اليهودية التي أتت بها السياسة الاستعمارية للدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، ولا من كثير من الدول والإمارات الأقل عدداً من الأكراد والأصغر مساحة.


أجزاء «الكورد والإمبراطورية البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها» (5 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع (هذا الجزء)
  5. الجزء الخامس

→ الجزء الثالث  |  الجزء الخامس ←