الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الكورد والإمبراطورية البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها (الجزء الثالث)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2012

وهي ذات مغزى سياسي للسوفييت ولبريطانيا، لكي تعاونهما الولايات المتحدة الأمريكية بالأسلحة والذخيرة، ومصانعها في مأمن من أي قصف ألماني. كما ظهر ذلك بعد الحرب حين أجبرت السوفييت على الانسحاب من إيران، بعد أن وطّد الشاه محمد رضا علاقاته مع واشنطن، وهو يعرف سياسة جاره الشمالي (السوفييت) الذي لم يحصل على النفط في الحرب العالمية الأولى. واستعدت واشنطن لأن تكون لها الكلمة العليا في السياسة الدولية بعد الحرب، لا لبريطانيا ولا لروسيا الشيوعية – وهي غير روسيا القيصرية التي أنقذت أمريكا من التقسيم في عهد الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن عام 1864 – وإن كان في خَلَد رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية أن حلم القياصرة الروس منذ منتصف القرن الثامن عشر هو الوصول إلى مياه الخليج الدافئة، أي النفط. وهو الموقف ذاته الذي تحدث فيه وزير الخارجية السوفيتي «مولوتوف» مع وزير الخارجية الألماني «ريبنتروب» أثناء الحرب عام 1940 لتقسيم مناطق العالم، ورفضه الزعيم الألماني هتلر بعد أن عرف مقدار أطماع السوفييت في الخليج النفطي، وفي فنلندا الجارة لهم، وفي المضائق التركية للإبحار منها. وهو في عُرف واشنطن وبرلين تصرف إمبراطوري، وكلتاهما رفضتاه قبل الحرب وبعدها. ومع مثل هذا التصور لأحوال دول العالم عامة ودول العالم الثالث (الفقير البائس) في الحرب، تصبح المسألة الكوردية والاستقلال وكأنهما موضوعتان في زاوية بعيدة لا حاجة للحديث عنهما على أي مستوى، إلا إذا اقتضى الأمر طرد الرئيس التركي أو الشاه الإيراني أو الملك العراقي وهم متلبسون بجناية خيانة مصالح الحلفاء، كما حدث مع رشيد عالي الكيلاني. ولكن على أي حال، فإن إعلان ثورة كوردية على بقعة من كوردستان في ظل ظروف الحرب العالمية الثانية يظل حاجة لشعب مقهور تعالجها حكومات الدول الثلاث، شرط ألا يؤذي ذلك مخزون الحبوب الذي تحتاجه بريطانيا لجيوشها، وهي لا تعرف متى تنتهي الحرب. وقد شجّعت الشيخ «سعيد بيروكي» عام 1943 على إشعال ثورة كوردية على الحدود التركية – العراقية بعد اتصالات مكثفة مع الملا مصطفى البارزاني وأتباعه.

وهي وإن أخفقت بسبب الضغط التركي عليها، فإن نوري السعيد، رئيس وزراء العراق الكوردي الأصل وحليف بريطانيا القوي، اعتبر هذا العمل غير مقبول في ظل ظروف الحرب، والملا مصطفى البارزاني يقول إن الكورد عامة، والعشائر البارزانية خاصة، يعانون من مجاعة، وهو ما يعني للسفارة البريطانية في بغداد «تمرداً» يمكن أن يقوّض مخزون الحبوب للجيش البريطاني.

وعد بريطاني للكورد تحت وطأة الحرب

إن اندلاع ثورة كوردية في كوردستان العراق في ظل ظروف الحرب قد يقوّض جهود بريطانيا في المحافظة على نفط الموصل وكركوك لخدمة المجهود الحربي لدول الحلفاء، ومعهم السوفييت الذين يحتلون بجيوشهم المنطقة الكوردية في إيران. ويظهر من معاقبة رموز حركة رشيد عالي الكيلاني في مايس 1941، واستنطاق بعضهم، أن هناك شعوراً عاماً قوياً بين مختلف فئات الشعب العراقي بضرورة التخلص من تسلط بريطانيا على مقدرات البلاد وثروات النفط، بما فيهم الشعب الكوردي المتعاطف تماماً مع الشعب الألماني. وهذه المرة صار للكورد (الآريين) نفوذ واسع في المثلث الجبلي العراقي – التركي – الإيراني، والثوار منهم يتجولون عبر الحدود العراقية – الإيرانية إلى مناطق مهاباد وسنندج وبانه وكرمنشاه لتأليب كورد إيران على إعلان ثورة مسلحة مشتركة تكون بريطانيا، وهي في حالة حرب، عاجزة عن إيقافها. كما يمكن لألمانيا أن تُفرز قوة وقيادة للثورة تقاتل بالنيابة عنها أنظمة الحكم الثلاثة الموالية لبريطانيا، وخاصة تركيا التي كانت لا تزال على الحياد في الحرب. وفي هذه الحالة يبدو طرح موضوع الحكم الذاتي، لا الدولة المستقلة، للكورد أمراً صغيراً في نظر الحلفاء. الأمر الذي جعل رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل يجتمع سراً برئيس الدولة التركية عصمت إينونو في محطة قطار جنوب أضنة في كانون الثاني 1943 لسبب جوهري، هو أن تدخل تركيا الحرب ضد دول المحور. ورأى إينونو – وهو كوردي – أن اتخاذ مثل هذا القرار دون دول ميثاق سعد آباد قد يثير الكورد عليه في ثورة جديدة لا يقدر على إيقافها، خصوصاً إذا ما وصلت الثوارَ الكورد تعزيزاتٌ كوردية من العراق وإيران، والحدود بينهما باتت غير محمية منذ منتصف عام 1942.

ولأجل تفويت الفرصة على الألمان وحلفائهم في منطقة الشرق الأوسط، بعد أن راجت معلومات عن توجه القيادة الألمانية بعد الانتهاء من معركة ستالينغراد إلى منابع النفط في إيران والعراق، فوّض رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل رجلَ المخابرات البريطاني والسفيرَ في بغداد «كينهان كورنواليس» بتوجيه اللوم إلى كل من نوري السعيد، رئيس الوزراء العراقي، وولي العهد الوصي على العرش «عبد الإله بن علي» – بعد الغدر بالملك الشاب غازي عام 1939 – لعجزهما عن تهدئة الكورد في كوردستان الجنوبي، بعد أن بلغ لندن أن نوري السعيد استخدم وحدات عسكرية لمواجهة المجموعات الكوردية في منطقة «بارزان» بين عامي 1943 و1945، وهي ثورة بارزان الأولى.

إن استيلاء الثوار الكورد بقيادة الملا مصطفى البارزاني على أسلحة مختلفة وأجهزة لاسلكية من مركز الشرطة في قضاء «ميركه سور» سيعزز الثورة الكوردية إذا ما امتدت إلى الجيران. وبات حديث السفير كورنواليس مع الملا مصطفى البارزاني ودياً للغاية، إذ قال إن ما أقدم عليه نوري السعيد كان عملاً غير مدروس لا علم له به، وإنه وجّه إليه تأنيباً قاسياً. ومع استمرار ثناء السفير البريطاني على البارزاني لدوره في تهدئة كوردستان العراق، وهي مهمة لتطوير الشعب وإيجاد فرص عمل للعاطلين في ظل حكم ذاتي للكورد، ردّ عليه الملا مصطفى البارزاني بالدعاء لبريطانيا بالنجاح، فردّ عليه السفير بالعفو عن كل السجناء من عشيرة بارزان. وقبل أن يخرج السفير من اجتماعه بالملا البارزاني، ولأجل تحسين صورة ولي العهد «عبد الإله» لدى الكورد، أخبره أن الوصي قد أعدّ العدة لتفقد مناطق كوردستان، وتحديداً منطقة «بارزان»، لمعرفة احتياجات الناس، وأنه سيجري تعيين نواب كورد في مجلس الأعيان وضابط كوردي معهم. حتى فُسّر في أوساط الرموز الكوردية العراقية أن كورنواليس صديق محبّ للشعب الكوردي، وهو في حقيقته كان يمارس سياسة بريطانية تحت وطأة الحرب. وإن وعود الحرب، التي لا يظهر منها للناس إلا الجزء غير الغاطس، غالباً ما تنتهي بموقف سياسي آخر يضع الكورد في موضع الملامة، كما حصل حين استُخدمت الطائرات البريطانية لقصف مقرات الملا مصطفى البارزاني في نهاية الحرب عام 1945 بعد احتلال مخفر شرطة بارزان، كما سنرى لاحقاً.

وبادر نوري السعيد – وهو الخبير بالسياسة البريطانية – إلى تشكيل حكومة جديدة في الخامس والعشرين من كانون الأول 1943، أصبح فيها الكوردي «ماجد مصطفى» وزير دولة، وهو أشبه ما يكون بضابط ارتباط مع الملا مصطفى البارزاني، الذي حمّله في أول لقاء به في بداية عام 1944 مطلب تشكيل ولاية كوردستان وفق النقاط التالية:

  1. تشكيل ولاية كوردستان تضم ألوية كركوك والسليمانية وأربيل، والأقضية الكوردية في لواء الموصل (دهوك وعقرة والشيخان وسنجار وزاخو والعمادية)، وكذلك قضاءي خانقين ومندلي في لواء ديالى.
  2. اعتبار اللغة الكوردية لغة رسمية في المنطقة الكوردية.
  3. تعيين معاون وزير (وكيل وزارة) كوردي في كل وزارة من وزارات الدولة.
  4. تعيين وزير كوردي في الوزارة يكون مسؤولاً عن ولاية كوردستان.
  5. إنشاء المدارس والمستشفيات وفتح الطرق وإعمار منطقة كوردستان.
  6. تبقى الشؤون العسكرية والخارجية والمالية من اختصاص الدولة المركزية.
  7. تطهير أجهزة الدولة من العناصر الفاسدة من المرتشين والمسيئين.
  8. إعادة الشيخ أحمد البارزاني وأتباعه البارزانيين إلى منطقة بارزان.

وهذه مقدمة لإقامة دولة كوردستان الجنوبي (العراق)، وهذا ما فسّره نوري السعيد، تبدأ من مدينة خانقين شمال شرق بغداد إلى مدينة سنجار شمال غرب مدينة الموصل. وهو ما تطلّب من حكومة نوري السعيد إنشاء إدارة خاصة مستقلة في المناطق الكوردية. ولأجل إيصال إشارة من السفير البريطاني كورنواليس إلى الملا مصطفى البارزاني بصدق نواياه – وهو غير الصادق الذي انحنى للعاصفة تحت وطأة الحرب – جرى تعيين الضابط الكوردي «بهاء الدين نوري» متصرفاً للواء السليمانية، وتوزيع الحنطة والشعير على فقراء أهالي بارزان. واستقبل الملا مصطفى البارزاني ولي العهد «عبد الإله بن علي» في إشارة إلى إعلان الولاء للعرش الهاشمي. واطمأن السفير البريطاني كورنواليس إلى أن الحكومة العراقية تقوم بما اتُّفق عليه مع الملا مصطفى البارزاني الذي قابله في شباط 1944، قبل أن يقدّم نوري السعيد استقالته في حزيران 1944 بعد أن نفّذ مطالب كورنواليس السياسية. وكان في عقله السؤال: أين كان الحكم الذاتي اللامركزي للكورد منذ أن وطئت أقدام الجنود البريطانيين أرض العراق عام 1914، ومنذ تأسيس الحكومة وجلوس الملك فيصل الأول على عرش العراق عام 1921؟ ويقيناً أنه كان على علم ومعرفة بأن السياسة البريطانية، بعنادها، تنحني أمام العواصف حتى تمرّ.

وهذه سياسة غربية عامة، وسياسة الدول صاحبة القرار، مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي وجدت أن عليها الانحناء أمام العالمين الإسلامي والعربي اللذين التهبت فيهما المظاهرات الصاخبة ضد المصالح الأمريكية على خلفية الفيلم المسيء للنبي محمد ﷺ. هذا الفيلم المسيء لدين الإسلام، الذي تسبب في مقتل السفير الأمريكي في بنغازي (ليبيا) وثلاثة آخرين في منتصف أيلول 2012، قد أجبر الإدارة الأمريكية على إصدار أمر قبض بحق مخرج الفيلم «نقولا باسيلي نقولا» بتهمة مخالفة شروط المراقبة في السابع والعشرين من الشهر نفسه. ولكن كم مرة حدثت إساءة لدين الإسلام، ومنها حرق نسخ من القرآن الكريم على يد القس «تيري جونز»، ولم يعاقبه القانون الأمريكي الذي يقول بحرية الرأي؟ ويقيناً أن الحكومة الأمريكية تدرك أن عواطف المسلمين في حالة هياج، وأن في جعبة المتعصبين ضد الإسلام الكثير، وأنها لن تكون الحادثة الأخيرة.

وهذا هو ما عمل عليه رئيس الوزراء العراقي الجديد «حمدي الباججي» في النصف الثاني من عام 1944، بعد أن تحسّن الوضع القتالي لجبهة الحلفاء ضد دول المحور في أفريقيا وجبهة موسكو، ومعارك الأسطول البحري الأمريكي الناجحة ضد اليابان في بحر المرجان. وعندما تشبّث الطرفان، الحكومة والملا مصطفى البارزاني، بمواقفهما السابقة، فلا الحكومة مستعدة لإعطاء مقومات الحكم الذاتي عبر الوسيط السيد «توفيق وهبي» (الكوردي) الذي عُيّن وزيراً للاقتصاد، ولا الملا مصطفى البارزاني يقبل بما دون ذلك.

إن طلب الملا مصطفى البارزاني مبلغ 144000 دينار لسدّ حاجة أهالي بارزان كان نقطة من مجموع نقاط حول الحكم الذاتي اتُّفق عليها مع نوري السعيد، وجاء الرد سلبياً بحجة أن العراق يعيش أزمة اقتصادية خانقة في ذلك الوقت. وعندها اعتذر وزير الداخلية العراقي عن إطلاق سراح كل المساجين الكورد، مما اضطر الملا مصطفى البارزاني إلى مهاجمة مخازن الحبوب، وخاصة القمح الذي وصلت كميته إلى مئة طن، لتوزيعه على المحتاجين، وكان موقفاً أزعج السفير البريطاني كورنواليس لأن الكمية مخصصة للمجهود الحربي البريطاني.


أجزاء «الكورد والإمبراطورية البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها» (5 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث (هذا الجزء)
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس

→ الجزء الثاني  |  الجزء الرابع ←