الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الكورد والإمبراطورية البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2012
تقييم رموز الكورد لفترة ما بين الحربين
إن ما أصاب الكوردي في تركيا من اضطهاد عنصري قد أصاب أخاه الكوردي في إيران، وأصاب الآخر في العراق وسورية. وكان ذلك محل تجاذب للقوميات الأخرى الأرمنية والآثورية والتركمانية، بل هو ما أخذت به كل العشائر الكوردية ورموزها السياسية: الملا مصطفى البارزاني، وجلال الطالباني، وإبراهيم أحمد (صهر الطالباني)، وبابا علي (نجل الزعيم الكوردي الشيخ محمود الحفيد)، والشيخ أحمد البارزاني، وخالد النقشبندي وآخرون، وهم يتذكرون في لقاءات شخصية أو جماعية في كوردستان العراق ما حصل من مقاربات للقضية الكوردية في الفترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. وربما كان في دفاعهم تقييم لموقف فرنسا في سورية، وهي دولة حليفة لبريطانيا اشتركت معها في اتفاقية سايكس – بيكو عام 1916 لتقسيم ولايات الدولة العثمانية. ولكن ساسة فرنسا لم يكونوا ببراعة نظرائهم الإنجليز فيما أنجزوه من جمع أربع دول في ميثاق واحد عام 1937 (سعد آباد) لضمان أمن بريطانيا. ولم تكن فرنسا طرفاً في هذا الميثاق، ولا طرفاً في حلف بغداد عام 1955، بل كانت طرفاً في إذلال الحركة الكوردية في تركيا بعد أن وقّعت مع أتاتورك ما يُعرف باتفاق «فرانكلين – بويون» عام 1921. وها هم الفرنسيون يواجهون السوريين في ثورة عارمة عام 1925 بقيادة الكوردي سلطان باشا الأطرش، تجسيداً لوعي قومي عربي كوردي، وقد خاض السوريون معركة ميسلون بقيادة يوسف العظمة الكوردي. ورغم أن ميزان القوة لم يكن في صالح السوريين، فإنها عبّرت عن إرادة سورية قوية. ومع حلول عام 1932 طرح أنطون سعادة (رئيس الحزب القومي السوري) فكره القومي لتجسيد نهضة شاملة في حياة أمة العرب. والواقع أن الثورة السورية التي جذبت الكورد السوريين للقتال ضد الجيش الفرنسي قد هيّأت لأن تكون معاناة الكورد ليست قضيتهم وحدهم، وإنما قضية الأمة كلها، فهي تتحمل المسؤولية في رفع المعاناة عنهم تماماً كما يتحمل الكورد مسؤولية في مجمل القضية الكلية للأمة.
وإن تسييس المسألة الكوردية وخنقها في إطار المطلبية، مثل الحكم الذاتي، انتقاص من حق الكورد. وأرى أن تكون هناك عملية فرز بين الأقرب والأبعد في المكان والزمان، دون خلط الجميع في وصف واحد بأنهم «العدو». وإن طرح القضية في أمريكا الجنوبية ليس خطأ، وطرحها في أفريقيا ربما فيه فائدة للقضية، وطرحها في دول أوروبا (صاحبة القرار) ليس خطأ، بقدر ما ينبغي إقناع الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية بضرورة النظر في مطالب الكورد، خصوصاً عندما تظهر علامات تباعد سياسي بين أصحاب القرار وبين إيران وتركيا، باعتبارهما إمبراطوريتين سابقتين بقيتا على سياسة واحدة من الكره والعنصرية للكورد خلال القرنين السادس عشر والثامن عشر، ولم تكونا صاحبتي قرار حاسم في القرنين العشرين والحادي والعشرين. وإن حصر الشكوى في شخص رموز القيادة المتعجرفة بحق الكورد له جدواه في الزمن المناسب؛ فعلى سبيل المثال، في زمن الانقلابات العسكرية التركية اللاحقة في أعوام 1960 و1971 و1980، وتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي منذ عام 1952، لم تكن الهواجس التركية من حل الأزمة الكوردية في حالة استقرار. وإن مجلة أو صحيفة في الأرجنتين أو البرازيل تنشر خبراً عن المذابح التركية بحق الكورد لها مردود على مدار الزمن، وإن إعادة طرح الموضوع نفسه في أوروبا ستزيد من حرج الزعماء الأتراك، ومثلهم الزعماء الإيرانيون الذين وفّروا النفط لدولة إسرائيل خلال حروب العرب معها عامي 1967 و1973 (زمن الشاه)، ولم يوفّروه للكورد لأنهم يختلفون عنهم قومياً، وقرى الكورد التي تعيش على الزراعة الجبلية وصناعة الصوف والجلود والسجاد والشوادر والملابس تحرق الأخشاب في الشتاء للتدفئة!
وهذا هو شأن الحكومة الإيرانية التي استخدمت القوة لإجبار العشائر الكوردية على تغيير مناطق سكناها، كما فعلت الحكومة التركية. وغابت الصحافة والمراسلون الأجانب عن تغطية هذه المعاناة ولو بصورة لقرية كوردية مدمرة. فعشيرة «جلالي» التي كانت تتألف من عشرة آلاف نسمة، وتقطن المناطق الجبلية على الحدود السوفيتية – الإيرانية – التركية، لم يبقَ منها إلا مئات الأشخاص، نتيجة قيام السلطات الإيرانية بترحيلهم بالقوة إلى مناطق منخفضة داخل إيران للسيطرة عليهم، قبل أن يعودوا إلى أراضيهم بعد تقسيم إيران بين القوات السوفيتية والبريطانية عام 1941. وفي لورستان قتل الجنرال الإيراني «أحمد آغا» كثيرين منهم، فلُقّب بـ«جزار لورستان».
إن الترحيل الإجباري للعشائر الكوردية قد صبّ في صالح أبناء البرجوازية الإيرانية التي كانت بحاجة إلى مناطق مستقرة سكانياً من أجل إنشاء سوق تخدم أهدافها. كما أن منع الترحال الصيفي والشتوي للعشائر الكوردية، الذي كان يجري تقليدياً بين تركيا وإيران، قد قسم العشيرة الواحدة إلى قسمين أو ثلاثة؛ فعشيرة «شكاك» الكوردية الإيرانية مثلاً صار لها وجود داخل الأراضي التركية، وانقسمت عشيرة الهركية بين إيران وتركيا والعراق.
إن مثل هذه الممارسات البربرية بحق الأبرياء الكورد من نساء وأطفال وكبار سن موجودة في بعض الدول العربية، ومنها سورية التي أفتى فيها الرئيس حافظ الأسد (الأب) بقتل أهالي محافظة حماة وتشريدهم وتوطينهم في أماكن أخرى عام 1982، وأفتى من بعده ابنه الرئيس بشار الأسد بقتل مبرمج للمدنيين بالقصف الجوي والمدفعي على مدن سورية: إدلب وحماة وحلب وحمص ودرعا والرقة عامي 2011 و2012، وعلماء الدين بين مصدّق ومكذّب لمثل هذه المجازر البربرية التي يندر أن يشهد تاريخ العرب والمسلمين مثلها. وهذا ما يرتّب علينا، نحن الأكراد، أن نوجد مرجعية دينية للكورد في كوردستان إيران، وأخرى في كوردستان تركيا، وأخرى في كوردستان العراق، وأخرى في سورية، لتكون على تماس مع محكمة العدل الإسلامية العليا، بهدف عزل مثل هذه الأنظمة الجائرة عن محيطها الإسلامي، لا الاصطفاف في منظمة المؤتمر الإسلامي الحالية التي يرأسها أكمل الدين إحسان أوغلو (التركي) لتبرير قتل الكورد والأرمن على يد السلطات التركية في نهاية القرن التاسع عشر. وإن كثيراً من رؤسائها لا يمثلون دين الإسلام إلا بالاسم، وذلك غير مبرر في دين الإسلام، احتكاماً لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾. وقول الله يعلو على كل لسان سياسي أو عنصري، وهو القائل: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. ونكاد لا نخطئ إذا قلنا إنه ليس هناك حكومة واحدة تحكم بما أنزل الله.
حديث الرموز الكوردية عن الحرب
ربما يتناول رموز الكورد حديث الثورات الكوردية وأثرها في صناع السياسة البريطانية بالسؤال: لماذا لم تطلب بريطانيا من دول ميثاق سعد آباد إرسال قوات عسكرية إلى جبهات الحرب للمشاركة معها، خصوصاً أن بداية الحرب العالمية الثانية (1939–1942) لم تكن في صالحها، وفرنسا فقدت سيادتها على أرضها بفعل الاجتياح الألماني لها عام 1940؟ وقد يكون الجواب الأمثل في عقل ساسة لندن، ولكننا نجد في الإجمال أنهم كانوا يدركون أن الملك ورئيس الجمهورية في تلك الدول الأربع لا يمثلون مصالح شعوبهم خير تمثيل، لا في القوانين الوضعية ولا وفق دستور الإسلام (القرآن)، وبالتالي فهم معرّضون لخطر الانتكاسة إذا ما أرسلت أي دولة منها قوة عسكرية لصالح بريطانيا. وقد يكون تدهور الأوضاع الاقتصادية والمالية والمعيشية في كل هذه الدول قد لعب دوراً في مسألة تغطية نفقات القوة المقاتلة، حتى في دولتي النفط إيران والعراق. والواقع أن سعر أي سلعة، وخاصة تلك التي تدخل في معيشة الناس، يرتفع وقت الحرب، وهو ما عمل عليه تجار المدن التركية، وأغلبهم من اليهود والأرمن وذوي الأصول اليونانية، عندما خزّنوا بضاعتهم لفترة من الزمن، مما أدى إلى أن تفقد الليرة التركية قوتها الشرائية بفعل التضخم. وهي نقطة مركزية؛ فربما كان الكورد غير مبالين، بل مكترثين، لهياج الفلاحين والعمال الحرفيين والبرجوازية الصغيرة والمتوسطة وتذمّرهم ضد نظام الحكم التركي. ونعتقد أن سبب الهدوء الذي لازم القيادات الكوردية خلال الحرب العالمية الثانية أنهم كانوا على أمل أن تظهر قيادات جديدة بعد الحرب، وقد استهوى ساسةَ لندن كثيراً أن تكون الدول الأربع «خزان حبوب» لأفواه جنود الجيوش البريطانية المقاتلة. وإن أوراق الضغط التي تمسكها بريطانيا ضد أي ملك أو رئيس ينحرف عن مسعاه في التعاون مع دول الحلفاء ستجلب الكورد إلى صفّها بإعطائهم «وعود دولة الحرب»، ومفادها أن دولة كوردية مستقلة ستحيا بعد الحرب.
وهي وعود كاذبة لا أمل منها، كما حدث مع ملك الحجاز الشريف حسين بن علي بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، مع أن نسبة العرب على أرضهم تختلف كثيراً عن نسبة الكورد في كوردستان الكبرى. وربما فات ساسة لندن في سنوات الحرب الأولى ذلك التعاطف الذي جمع شعوب إيران وتركيا وأفغانستان مع الألمان، وقد فُسّر على وجهين: الأول أن ألمانيا القوية ستكسب الحرب، ونتائجها ربما تكون في صالح القوميين ومنهم الكورد؛ والثاني أن «الجنس الآري» النقي السامي هو ما جمع هذه الشعوب مع الشعب الألماني الآري ليكونوا أسياداً للعالم فيما بعد بقيادة أدولف هتلر، زعيم الحزب القومي الألماني.
وذلك هو ما جذب الضباط القوميين (العقداء الأربعة) في العراق، والزعيم السياسي رشيد عالي الكيلاني، إلى إعلان الثورة على المحتل البريطاني في مايس/أيار عام 1941، وإلى حرب بين الجيشين البريطاني والعراقي، على أمل أن تنال سورية والعراق وفلسطين الاستقلال التام عن بريطانيا وفرنسا. وأثبتت الأحداث اللاحقة أن إيران استقبلت الكيلاني والعقداء الأربعة على أرضها بعد فشل حركة مايس 1941، وأن شاه إيران رضا خان كان متعاطفاً مع الألمان، معتبراً حركة رشيد عالي الكيلاني حركة وطنية معادية للاستعمار البريطاني. وقد يكون ما جذبه إلى ذلك رغبته في التخلص من السياسة البريطانية التي تهتم بنفط إيران أكثر من اهتمامها برفاهية الإيراني، وتهتم بنفط العراق أكثر من اهتمامها برفاهية العراقي، كما تهتم به أكثر من اهتمامها بالشعب التركي والأرمني والكوردي. وكان الرئيس التركي عصمت إينونو متعاطفاً مع الألمان، لكنه ملتزم بالحياد دون الإخلال بميثاق سعد آباد.
ولضرورات الحرب، بعد أن أصبحت الدولة السوفيتية حليفة لبريطانيا وفرنسا إثر الغزو الألماني لأراضيها في حزيران 1941، عمدت لندن وموسكو إلى تصفية الجيوب الألمانية في كابل وطهران، واعتبرتا المهندسين الألمان الـ210 في أفغانستان، وأكثر منهم في العاصمة طهران، جواسيس. الأمر الذي جعل الملك الأفغاني ظاهر شاه يذعن للأمر الواقع، فيما ماطل نظيره الإيراني رضا شاه. وكان ابتهاج الكورد عامة، وكورد إيران بصفة خاصة، كبيراً عندما احتلت الجيوش البريطانية جنوب إيران (النفط)، واحتلت الجيوش السوفيتية شمال إيران (مناطق الكورد) في آب 1941، وأجبروا رضا خان على التنازل عن العرش الإيراني لصالح ابنه محمد رضا في أيلول 1941. وبذلك تكون بريطانيا قد وضعت يدها على منابع النفط في جنوب العراق وجنوب إيران، فيما رأى الكورد أن عليهم التعاون مع حزب «توده» الشيوعي الإيراني في محافظة أذربيجان الإيرانية المحتلة، لإنجاز هدف كوردي في دولة كوردية دون ثورة مسلحة.
وقد يكون ذلك سبباً جوهرياً لبقاء الدولة التركية على الحياد وكبح جماح التعاطف مع الألمان. وكانت الصحف التركية «جمهوريت» و«حريت» و«صباح» و«صوني بوست» تركز على عدم وجود كورد لديها. وقد كتب الصحفي التركي «أكرم أوزنلي» في صحيفة «صوني بوست»، العدد 11، نيسان 1940: «نحن نعلم جيداً أنه لا توجد لا في إيران ولا في العراق جماهير كوردية واعية، أما فيما يخصنا نحن فلا وجود للكورد في تركيا». ثم يعود الكاتب فيكرر قوله ليطمئن قراءه: «يوجد في تركيا فقط أتراك جبليون أو أتراك متوحشون، يجب أن نجاهد لتتريكهم بأسرع ما يمكن وإلى النهاية». وكانت هناك خشية كبيرة في عقول القادة الأتراك من أن تحتل الجيوش السوفيتية مناطق كوردية في شرق الأناضول، وفي هذه الحالة قد تتوحد الحركة الكوردية في تركيا وإيران لإعلان الثورة وقت الحرب، وبريطانيا التي يهمها بقاء السوفييت في أرض المعركة لإنهاك خصمها القوي، الألمان، على أرض ستالينغراد عام 1942، لا تستطيع منع قيام الدولة الكوردية بأي ثمن. وقد تكون هذه الخطوة في ذهن الشخصيات الكوردية القومية حين وجّه حزب «رزكاري» (الإنقاذ) مذكرة إلى رئيس هيئة الأمم عرض فيها وصفاً لأوضاع الشعب الكوردي السياسية والاقتصادية، وجاء فيها: «باسم الشعب الكوردي يطالب حزبنا بطرد الإمبرياليين من وطننا، ووقف الملاحقات، ووضع حد نهائي للمعاملة الجائرة التي تعاملنا بها حكومات دول إيران وتركيا والعراق»، و«الإمبرياليون» وصف شيوعي. وربما كان مثل هذا الكلام موجهاً إلى السوفييت لإنقاذهم، قبل أن تدخل الولايات المتحدة الأمريكية الحرب إلى جانب الحلفاء ضد دول المحور (ألمانيا وإيطاليا واليابان) بعد معركة «بيرل هاربر» التي دمّر فيها اليابانيون معظم قطع الأسطول البحري الأمريكي في المحيط الهادئ عام 1941.
أجزاء «الكورد والإمبراطورية البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها» (5 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس