الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
المعاهدات والاتفاقيات الدولية للأكراد (الجزء الثالث)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
ويتابع الأمير فيصل في مذكرته:
أما أنا فقد أظهرت شعوري نحو الجنرال التركي مصطفى كمال باشا أتاتورك بصراحة وجلاء قبل أن تجلو الجيوش الفرنسية عن طرابلس، فقد أرسلت إلى الجنرال غورو إذ ذاك كتاباً أشرت فيه إلى النتائج الخطيرة التي تؤدي إلى فتح الباب للأتراك لإثارة القلاقل والاضطرابات في سوريا والعراق، واقترحت عليه أن أرسل إليه جيوشي لتتعاون مع الجيوش الفرنسية في سبيل احتلال المناطق التي قرر مؤتمر الصلح في باريس 1919 أن تكون من منطقتي، غير أن الجنرال غورو لم يوافق على هذا الاقتراح. وأعتقد أن رجلاً يقترح محاربة الأتراك لا يمكن أن يُتهم بـ«وضع العراقيل» أمام الجيش الفرنسي الحليف في محاربة الأتراك الأعداء المشتركين!
وقد ذكر الجنرال غورو، استناداً إلى القلاقل التي اتهمني بإثارتها، ستة حوادث قال إنها وقعت بمعرفتي، ولم يذكر قط أن ثلاثة منها قد وقعت خلال غيابي في أوروبا، وكانت المخابرات (الاتصالات) في أثناء وقوعها مقطوعة بيني وبين سوريا. والحقيقة أن هذه الحوادث الثلاثة وسواها قد وقعت إثر الأعمال التي كان يقوم بها الموظفون الفرنسيون، وهي الأعمال التي لفتُّ إليها نظر الجنرال غورو مراراً عدة، وأرسلت إليه كتابين بشأنها. أما الكتاب الأول فيبرهن على شدة إخلاصي ورغبتي في العمل مع الفرنسيين بروح المودّة، ويدل على أنني عندما ألّفت الحكومة السورية الجديدة كنت واضعاً هذه الرغبة نصب عيني.
وأعتقد أن التهمة التي أُلصقت بحكومتي، بأنها تشجع العصابات وتحثها على دخول المنطقة الغربية، تثير استغراب كل رجل كان في سوريا خلال تلك الشهور.
ومما يجدر ذكره هنا أن الفرنسيين أنفسهم سلّحوا العصابات المسيحية في مختلف الجهات لإثارة القلاقل في منطقتي.
وقد تُبودلت رسائل كثيرة بين الضباط السياسيين البريطانيين والفرنسيين وبعض الأهلين بشأن استخدام متطوعين من الأكراد، بالراتب الذي يريدون، لتأليف العصابات وإثارة القلاقل في سوريا وعلى الحدود الكوردية في كوردستان العراق.
وهناك وثائق كثيرة تبرهن على وجود اتفاقات، وتبيّن أن الدروز لعبوا على الفرنسيين فأخذوا منهم المال ولم يثيروا القلاقل. أما ما يتعلق بالأمن العام، الذي يجب على كل حكومة أن تحافظ عليه، فإنكم تستطيعون أن تحكموا على اتهامات الفرنسيين إذا عرفتم أن المارة في بيروت، وهي مركز الإدارة الفرنسية، لا يأمنون السير وحدهم في الليل، فقد كان الجنود الجزائريون يقطعون الطرق ويسلبون المارة، أما في دمشق فلم يكن ثمة شيء من هذا.
ومما يجدر ذكره هنا أنه عندما كانت الحالة خطرة في دمشق، وكانت الجيوش الفرنسية تتقدم نحونا، وقامت قيامة الشعب السوري، لم يشكُ المسيحيون من شيء – رغم أننا لم نكن قابضين على زمام الشعب الثائر – وقد جاؤوا إليّ يقدمون شكرهم على التعاون الذي وجدوه من حكومتي.
ولا أرى حاجة إلى القول إن سياسة فرنسا كانت منحصرة إذ ذاك في استثمار العواطف المذهبية والنعرات الدينية التي تثور بسرعة – مع الأسف – في بلادنا. وقد اطلعت حكومتي على مخابرات الفرنسيين مع الدروز، وعرفت بالأموال التي دفعتها فرنسا لمتطوعة الدروز لمقاتلة الشيعة في جبل عامل، والمبالغ التي أعطتها للموارنة المسيحيين لمقاتلة الدروز في لبنان، كما علمت أن فرنسا دفعت للشراكسة أموالاً لمحاربة الأرمن في الجوالة، كما دفعت للإسماعيليين لمقاتلة النصيرية في بانياس، وكما دفعت للنصيريين لمهاجمة القرى الإسلامية وإحراقها في اللاذقية.
ولم يكن في وسع الفرنسيين – ولو أرادوا – أن يوقفوا تلك العصابات التي ساعدوها عند حد، ولم يكن في وسعهم أن يحصوا الفظائع التي ارتكبتها، وهي الفظائع التي تملأ صحائف صفراء من تاريخ سوريا الحديث.
إذن فقد كان من الطبيعي، في بلاد هذه حالها، أن تُرتكب بعض الجرائم الشخصية ضد بعض الجند الفرنسيين. وعندما كانت تقع مثل هذه الجرائم في إحدى أنحاء سوريا، لم نكن نرى جهداً من الجانب الفرنسي للبحث عن المجرمين، بل كان كل ما في الأمر أن يحرق الفرنسيون أقرب قرية، وأن يحجزوا غلالها ويسوقوا ماشيتها، ويتركوا سكانها في شقاء وتعاسة لا حدّ لهما.
وإن من سوء حظ سوريا أنها بعيدة، وأن شعبها يجهل كيف يلفت نظر العالم المتمدن ويطلعه على جليّة الأمر. ولو لم يكن الحال كذلك، واستطاع السوريون أن يُسمعوا أصواتهم للعالم المتمدن، لأثارت هذه الأعمال والاضطهادات عاصفة شديدة في العالم الأوروبي «تنسف» فرنسا من سوريا إلى الأبد!
على أن هذه الأخبار إذا لم تصل إلى أسماع أوروبا وأمريكا، فقد انتشرت في كثير من الأنحاء العربية، وكان كره الفرنسيين يزداد يوماً بعد يوم.
أما التهمة الثالثة التي وجهها الجنرال غورو إلى حكومتي فهي رفض هذه الحكومة إدخال العملة الجديدة القائمة على أساس الفرنك الفرنسي. وإني لأجيب عن هذه التهمة بأن الجنرال غورو ليست لديه سلطة شرعية لإبدال العملة في البلاد بعملة سواها، وإذا فعل فإنما يكون مستعملاً سلطة «الحاكم» المطلق، وهو ما لا حق له فيه! ثم إن رفض العملة الجديدة المبنية على الفرنك الفرنسي لم يكن من حكومتي، بل من جميع فئات الشعب.
ويدّعي الجنرال غورو في إنذاره أن حكومتي قد عاملت أنصار فرنسا معاملة سيئة، وشدّدت من ناحية أخرى العداء لفرنسا! وعلى ذلك أجيب بأن هؤلاء الأنصار، الذين قيل إنهم عوملوا معاملة سيئة، كانوا من المتآمرين على الأمن لإثارة النعرات الدينية بين مختلف المذاهب، لقاء الأموال التي دفعها الفرنسيون. أما الذين يدعوهم الجنرال غورو «أعداء فرنسا» فإنهم من الرجال الوطنيين المخلصين الذين يحاربون مقاصد فرنسا، وإنه لمن المضحك أن يُدعى هؤلاء «أعداء فرنسا» وأن يُعامَلوا معاملة سيئة بسبب هذا العداء. فقد كان هؤلاء يرغبون في أن يعيشوا تحت الحكم العربي في سوريا، وكان قسم كبير منهم يقيم في المنطقة الغربية، وهي المنطقة التي لا سلطة لفرنسا عليها.
ولم يكن في وسعي بأي حال من الأحوال أن أخنق الشعور الذي تولّد في النفوس العربية السورية، وشجعته تصريحات الحلفاء في كثير من الظروف. وهناك تهمة مضحكة أخرى في سجل الجنرال غورو، وهي تهمة بعيدة عن الحقيقة، إذ ادعى أننا رشونا المجلس اللبناني بمبلغ 42 ألف ليرة إنكليزية ليطلب الاستقلال بدون مساعدة فرنسا، واتهم أعضاء المجلس بالخيانة لأنهم طالبوا بهذا الاستقلال. وهذه التهمة مضحكة لأسباب عديدة، منها:
- لم يكن لدى الحكومة السورية المال، ولم نكن نتمكن من دفع شيء.
- أن المسألة المتعلقة بلبنان الكبير كانت دوماً خارجة عن السياسة التي كنت أتبعها، ولم أكن أعتقد أن أمراً كهذا يقابَل بالارتياح بين سكان الأراضي المقترح إلحاقها بلبنان.
وقد أرسلت إليكم طيّه ترجمة قرار المجلس، وهو القرار الذي نُفي من أجله كثير من أعضائه. ولي أن أعرف السبب الذي جعل الجنرال غورو يلوم الحكومة السورية في هذا الشأن، وهو محاولة هؤلاء المنفيين الراغبين في السفر إلى فرنسا لعرض شكواهم أن يسافروا عن طريق المنطقة الشرقية، بعد أن حالت فرنسا دون سفرهم من المنطقة الغربية.
واتهم الجنرال غورو صحف دمشق بأنها تهاجم السياسة الفرنسية، ونسي أن الصحف التي تساعدها فرنسا لم تترك فرصة تمر دون أن تهاجمني وتهاجم القضية العربية والسورية مهاجمة شديدة، وتحمل على السياسة الإنكليزية في الشرق الأدنى وتحاول الإنقاص من قيمتها.
وقد طلبت مراراً عديدة من السلطات الفرنسية أن توقف صحفها عن التهجمات فلم تصغِ إلى طلبي، ولهذا لم يكن في وسعي أن أمنع صحف دمشق من الرد.
وبالرغم من لهجة الجنرال غورو القاسية في إنذاره غير المشروع، فقد بذلت كل جهد لأقنع حكومتي بالموافقة عليه، لأني كنت أعرف أن رفضه سيؤدي حتماً إلى مصيبة.
وتلقيت في تلك الظروف الحرجة، والضغط يشتد حولي، برقية من وزارة الخارجية البريطانية ووزيرها اللورد كيرزون، فأعلمت الكولونيل كوس بموافقتي على شروط الجنرال غورو، وطلبت إليه في الوقت نفسه أن يمدد مهلة الإنذار لكي أتمكن من تنفيذ الشروط، فمددها 24 ساعة بناءً على طلبي. وفي 19 تموز 1920 طلبت مهلة أخرى كي أتمكن هذه المرة من إبدال الموظفين الذين يترددون في قبول الشروط.
وفي اليوم الذي أجيب فيه طلبي أعلمت الجنرال غورو أن الجيوش العربية التي كانت تحتل مراكز مجدل عنجر القوية، والفرق العسكرية التي كانت ترابط على الحدود، قد انسحبت بناءً على أوامري إلى دمشق، وبدأت منذ ذلك اليوم أسرّح الجيوش في العاصمة، بناءً على تأكيد الفرنسيين بأن قواتهم لن تتقدم، وقد كان قناصل دول الحلفاء في دمشق شهوداً على هذا التأكيد.
أريد أن أؤكد هنا أن موافقتي على شروط الجنرال غورو إنما كانت مبنية على عزمي على الذهاب إلى أوروبا لأعرض القضية أمامكم لتأخذ مجراها، بناءً على عهودكم المقطوعة. وفي 20 تموز 1920 أغلقت المؤتمر، وكنت مضطراً إلى اتخاذ هذا التدبير بعد أن رأيت أعضاءه يرغبون في معارضة مطالب الفرنسيين بقوة السلاح.
وفي الساعة الخامسة وخمسين دقيقة من اليوم نفسه، 20 تموز 1920، أعطيت الكولونيل كوس جوابي المفصّل وموافقتي على شروط الجنرال غورو بأجمعها، فوصله الجواب قبل ست ساعات ونصف من نهاية مهلة الإنذار، ولكن الجنرال غورو يدّعي أن برقية الموافقة لم تصله إلا في صباح اليوم التالي، أي في 21 تموز 1920. ويجب أن أذكر هنا أن موافقتي على شروط الجنرال غورو قد جعلت موقفي في دمشق صعباً إلى أقصى حد، فقد أدى تسريح الجيوش العربية إلى قيام حركة في دمشق ضد الحكومة، وكان الشعب يؤثر أن يحارب على أن يوافق على مثل هذه الشروط، ولم تنتهِ هذه الحركة في دمشق إلا بعد سقوط مئة وعشرة من القتلى وثلاثمئة جريح. وفي صباح 21 تموز 1920 نُقل إليّ أن الجيوش الفرنسية كانت تتقدم نحو دمشق، وأنها أسرت فرقة صغيرة من الجيش العربي كانت قد تركت البقاع لتجمع الأسلحة والذخائر من السكان وتعود بها إلى دمشق. وقد كانت هذه الفرقة العربية الأسيرة تحمل أوامر بأن تعامل الفرنسيين كحلفاء، فكانت النتيجة أن وقعت أسيرة في أيدي هؤلاء الحلفاء دون أن تبدي أية مقاومة. ولم أكد أطلع على هذه الأنباء حتى أرسلت الكولونيل كوس تواً إلى الجنرال غورو أطلب إليه أن يفي بوعده ويأمر بانسحاب الجيوش الفرنسية.
وفي اليوم التالي، 22 تموز 1920، أرسل إليّ الجنرال غورو كتاباً يطلب فيه أن أوقّع على شروط أخرى، وقد أرسلت إليكم طيّه هذا الكتاب وتلك الشروط لتطلعوا عليها.
وقد أجبت الجنرال غورو على هذا الكتاب بأن هذه الشروط الجديدة لم تكن موجودة في الإنذار، وأني قد نفذت القسم الأكبر من الشروط الأولى، وأن تنفيذ القسم الآخر سيتم إذا انسحبت الجيوش الفرنسية.
ولو قبلنا بالشروط الجديدة لما بقيت لي ولا لوزارتي أية سلطة في البلاد، وفوق هذا لم أكن واثقاً بأن الجنرال غورو لن يبعث بشروط جديدة.
وبينما كنت أسعى لتسوية هذه المشاكل بروح المسالمة والود، وصلتني أخبار جديدة عن تقدم الجيش الفرنسي، فخرجت الجموع من دمشق، دون نظام أو أسلحة، للدفاع عن المدينة.
ولم يزد عدد الذين تجمعوا في خان ميسلون على ألفي رجل، وقد اشترك معهم مئتا رجل من رجال القبائل المسلحين، وهم بقايا الجيوش العربية المسرّحة، فعُهد إليهم بالمحافظة على الأسلحة والذخائر، وكان من الطبيعي أن يذهبوا ضحية المصفحات والطيارات الفرنسية. وكان بين الذين سقطوا صرعى في خان ميسلون بعض رفاقي في معارك فلسطين، وإني أحني رأسي احتراماً لجميع هؤلاء الذين ضحّوا بحياتهم في سبيل الاحتجاج على اعتداء لم يعرف له التاريخ مثيلاً.
لقد وثقت بكلمة الجنرال غورو، واعتمدت على وعده بألا يسمح للجيوش الفرنسية بالتقدم، فأخليت المراكز من الجند، وسرّحت قسماً كبيراً من الجيش، وأجبت – أنا الرجل الأعزل – بأني أرفض الحرب. وقد كنت أعرف أن موافقتي على الشروط الجديدة لا بد أن تثير حرباً أهلية في دمشق، فأعطيت الجنرال غورو عهداً صريحاً بأن أنفذ شروط 14 تموز 1920 بالحرف، وطلبت إليه لقاء ذلك أن يوقف تقدم الجيوش الفرنسية نحو دمشق، فكان جوابه إطلاق النار على القوات النظامية والمتطوعين. وبالرغم من هذا فقد أمرتُ النظاميين الذين نجوا من القنابل أن يتركوا السلاح، وقد فنيت فرقة من الجنود الشجعان، تحت قيادة البطل يوسف العظمة، وهي في مكانها!
أجزاء «المعاهدات والاتفاقيات الدولية للأكراد» (5 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس