الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

المعاهدات والاتفاقيات الدولية للأكراد (الجزء الرابع)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

وعن توكيل جلالة الملك فيصل الأول لحل القضية السورية جاء في العدد (92) من جريدة الجزيرة الصادر بتاريخ 27 محرم عام 1352هـ ما يلي:

«… أوليس الأجدر في نظرنا أن نترك مقاليد أمورنا بيد جلالة الملك فيصل، محرر سورية ومنقذها وواضع الحجر الأول في أساس نهضتها وكيانها، إذ سبق له أن أعطى سوريا الاتفاقية المعروفة باسم اتفاقية (فيصل – كليمنصو)، التي يعرفها كل سوري ولا يعارض في الحصول على اتفاق شبيه بها؟ وإن في جلالة الملك فيصل الأول وشخصيته المحترمة ومقامه الرفيع السامي وحبه لهذه البلاد وإخلاصه لها ما يكفل حل القضية السورية على ما تشتهي الأمة، وما يحقق مبادئها القومية ونيلها حقوقها المشروعة.

وقد اتفق قادة الأمة ورموز الرأي العام والمشتغلون في حقل القضية السورية على تنظيم مضبطة موقّعة من جميع أبناء البلاد السورية ومن جميع المناطق، ضمّنوها مطالب الأمة وأمانيها، ويلتمسون فيها من جلالة الملك فيصل – مفوّضين جلالته تفويضاً مطلقاً – محادثة حكومة باريس في الأمر أثناء زيارته المقبلة للقارة الأوروبية».

وعن لبس الفيصلية (السدارة)، هذا نص الدعوة الموجهة إلى الشباب السوري بهذا الصدد، كما جاء في العدد (63) من جريدة الجزيرة الصادر في 29 ذي القعدة سنة 1351 هجرية:

«كثير من الناس لا يحبون الطربوش، لأنه فُرض علينا في زمن لم نكن نملك فيه من أمرنا شيئاً، ولأنه يُصنع في الغرب، ولأنه قبيح المنظر، ولألف سبب وسبب يعرفها خصوم الطربوش. ولكني لا أرى استبداله بالقبعة، بل أرجح صنع زي جديد يمثل شيئاً من مزايا الشرق وجماله، وأرجح على الزي الجديد نفسه أن نلبس الفيصلية التي يلبسها إخواننا في العراق، فنكون قد ضربنا بذلك مثلاً ملموساً على تعلقنا بالوحدة العربية، وأخذنا بنوع من الكساء يجمع إلى جماله الرخص، ويمكن أن يُصنع في البلاد. ثم هناك فائدة رابعة، هي أن الرجل يستطيع أن يلبس السدارة الفيصلية حتى في البلاد الأوروبية دون أن يكون هدفاً للأنظار!

فيا أيها الشباب السوري، لنلبس السدارة “الفيصلية”، وإذا كان أحدكم يخشى أن يكون البادئ بلبسها فإننا سنعقد اجتماعاً كبيراً ونخرج منه جميعاً لابسي الفيصليات».

ومما لا شك فيه أن الملك فيصل الأول الفقيد كان يتمتع بقسط وافر من الألمعية والنباهة وسرعة الخاطر وطول الأناة ورحابة الصدر، تلك المزايا التي جعلت منه زعيماً سياسياً حكيماً منقطع النظير، وملكاً عادلاً رفع من شأن شعبه واستطاع أن يبلغ به أسمى المراتب.

ويظهر أن الظروف العديدة والحوادث المتنوعة التي مرت بالفقيد كان لها أثر نافذ في تكوين هذه الشخصية الممتازة؛ فإن جلوسه إلى جانب أساطين السياسة التركية في مجلس النواب العثماني، واتصاله بالهيئات السياسية العربية، وتبوّأه العرشين السوري والعراقي، ورحلاته المتتابعة إلى باريس ولندن وجنيف، واتصاله بالمقامات العليا في أوروبا، قد أكسبته تجارب عديدة واختبارات شتى، حتى استطاع بدهائه وحنكته وثاقب فكره أن يتفق مع المسيو كليمنصو، رئيس وزراء فرنسا، عام 1920م على شروط لو قبل بها الزعماء لكان للبلاد السورية وضع مستقر يختلف تماماً عن الوضع المهلهل الذي انتهت إليه، ولزالت من جوها هذه الغياهب القائمة. كما استطاع أن يسير بالعراق أشواطاً بعيدة في ميدان الحرية والاستقلال، برغم الصعوبات التي اعترضت سبيله والظروف الحرجة التي تسنّم فيها عرش بلاد وادي الرافدين.

وهنالك قصص ونوادر تُروى عن الملك فيصل الأول، تدل على رجاحة عقله وحسن تصريفه للأمور وقدرته على استمالة عدوه وكسب مودته.

ومما ذكره الأستاذ العقاد أن أحد الأدباء السوريين أخبره أنه حين التقى الملك فيصل الأول بالملك ابن سعود خطر له أن يدخن لفافة، بيد أنه تذكر أن التدخين حرام في مذهب الوهابيين، فقال للملك الوهابي ممازحاً: لقد بقيت مشكلة يا أخي نود أن نتكلم فيها الآن، فهل تأذن بالكلام فيها؟

وسبق إلى ظن ابن سعود أن فيصلاً يريد التطرق إلى إحدى المعضلات السياسية، فقال ضاحكاً: بل الأفضل أن نرجئها إلى وقت آخر. فلم يسع الملك فيصل إلا أن يتمهل حتى سنحت له فرصة للاستئذان، فخرج يدخن بعيداً عن ملك السعودية، ثم عاد إلى لقائه بعد الفراغ من التدخين! فلما سمع ابن سعود بالخبر أكبره، وكان لذلك أبلغ الأثر في التقريب بين العدوين القديمين.

وأما تقديره لحرية الرأي واحترامه لعقيدة خصمه، فإلى القارئ الحادثة الآتية التي يرويها الأستاذ العقاد:

«في فندق سميراميس، في عام من الأعوام، قيل لي إن “فيصلاً” العظيم يود أن يراك، فطرتُ إلى الفندق وأنا أتهيب لقاء الجبار، رجل الحرب ورجل السلم ورجل البناء والتشييد.

وأدخلوني إلى غرفة الاستقبال، فإذا بالعظيم يقبض على يدي بيديه بحنوّ غريب وعطف كله وجدان، وإذا بابتسامة وديعة قد ارتسمت على شفتيه، وإذا بي أشعر أني في حضرة صديق من زمن بعيد. قال الملك: أنا سعيد بلقائك، وأكون أسعد حالاً لو أهديتني مجموعة مقالاتك التي لها مكانة عندنا في العراق. قلت: يا مولاي إن هذا لكثير، إنه لشرف عظيم، وسأفعل بكل إجلال وامتنان.

وكنت في الواقع كاذباً في وعدي، وبدا عليّ الارتباك واضحاً، فمجموعة المقالات كانت تتضمن في بعضها طعناً مُرّاً في الملك الشريف حسين بن علي. فما لبث جلالته أن لمح ارتباكي، فقال بأسلوب الساسة الكبار: “أرسلها ولا تقطع من أوراقها شيئاً، فسأتبع تسلسل أرقام الصفحات، ولا يضيرك أن تكون ذا رأي في الناس، فأنت حر وأنا أقدّر حرية الرأي”».

وكان الفقيد على جانب عظيم من دماثة الأخلاق وحسن المعاملة لرعيته ومرؤوسيه، حتى غدا مضرب الأمثال في التواضع والديمقراطية ورقة الحاشية.

وروى أحد الصحفيين أنه سافر مع جلالته في باخرة واحدة، وكان جالساً على ظهر الباخرة مع بعض المسافرين على الكراسي الطويلة (الشيزلونغ) التي يجلس عليها المرء متمدداً، فلمح جلالته يتنزه بالسير مع أحد وزرائه، ولما رآه يدنو أنزل رجله عن الكرسي استعداداً للوقوف إجلالاً واحتراماً، فلفتت جلالته هذه الحركة، فسار نحوه وقال حرفياً: «لماذا هذه الحركة؟ خليك على راحتك وخليني على راحتي، أرجوك اجلس». واستأنف السير بعد ذلك، وبعد أن قطع سطح السفينة ذهاباً وإياباً نحو عشر مرات عاد إلى حيث كان يجلس الصحفي، وجلس على كرسي بجانبه وقال: ماذا عند صاحبة الجلالة الصحافة؟ فقال لجلالته: «إن الصحافة معجبة بديمقراطية جلالة الملك فيصل». فوضع إحدى يديه في الأخرى، كما كانت عادته، وقال وهو يشدد في مخارج الألفاظ: «إنني يا أخي لا أفهم حقيقة ما معنى هذه الكلمة: ديمقراطي! ولماذا يقولون عني إنني ديمقراطي كأنني أعمل عملاً عجيباً؟ وأنا عربي بدوي، هكذا نشأت وهكذا عشت وهكذا سأموت، أنا لست سوى فرد من الأفراد، وإذا كنت ملكاً فلكي أؤدي مهمة، فهل أحتاج لتأدية هذه المهمة إلى التوسل بالعظمة؟ والعظمة لله»!

وكان جلالته يقود سيارته يوماً في عودته من البلاط الملكي إلى قصره في مزرعته في الحارثية (بغداد)، وكان شاكر بك الوادي، مرافقه الأول، جالساً إلى جانبه. فلما وصلت السيارة إلى جسر دجلة اضطرت إلى الوقوف عند مدخله، لأن بعض الرعاة كانوا يجتازون الجسر مع مواشيهم، فهمّ شاكر بك الوادي بالنزول من السيارة ليأمرهم بالإسراع حتى لا يطول انتظار الملك، فما كان من جلالته إلا أن استوقفه قائلاً: ماذا تريد أن تصنع؟ فقال المرافق: «أريد أن أستعجلهم». فقال رحمه الله: «لماذا؟ ما الفرق بينهم وبيني؟ أنا راكب سيارة وفي استطاعتي أن أعوض هذا التأخير، أما هم فيسيرون على الأقدام. لا تكن هكذا يا شاكر».

ومما ذكرته بعض الصحف أن جلالته كان في السيارة على مقربة من بغداد، فاستوقفه قروي عجوز، فأوقف السيارة وسأله عن حاجته، فقال القروي، وهو يجهل شخصه: «أنا ذاهب إلى قرية كذا، فأرجو أن توصلني إليها في طريقك». فقال: مرحباً يا عمي، ودعاه إلى السيارة وأقلّه إلى الجهة التي كان يريد الذهاب إليها. ولما بلغها قال له مرافق جلالته: «هذا سيدنا فيصل»، فأُسقط في يد القروي وتلعثم، فطيّب جلالته خاطره حتى سُرّي عنه، ثم ودّعه واستأنف سيره.

وكان رحمه الله مثالاً للأب الشفوق على بنيه والراعي الحاني على رعيته، وكان واسع الصدر طويل الأناة، كثير التغاضي عما يسمعه من هنات أو يلقاه من خشونة في المعاملة، وقد أعاد لنا بذلك صفحة لامعة من حياة الخلفاء الراشدين والملوك العادلين.

وقد حدث في أثناء الثورة العربية عام 1916، عندما كان سموه يومئذ يقود الجيش العربي الشمالي، أن رابط الجيش في مكان يدعى «القويرة» على الطريق الواقعة بين العقبة ومعان، فجيء إلى القيادة العامة ذات يوم برجل من الأعراب فاجأه الجند وهو في حالة مريبة. وعندما حقق معه المجلس العسكري ثبت لديهم أن الرجل جاسوس، وأنه كان يعمل لحساب العدو، فحكمت عليه المحكمة العسكرية بالإعدام، وفي صبيحة اليوم التالي نُفّذ الحكم في الرجل رمياً بالرصاص. وعاد مرافق الأمير فيصل ليطلعه على الخبر، فقال فيصل:

«يعزّ علينا، وايمُ الحق، أن نكون قد وافقنا على إعدام رجل عربي كان بوسعنا أن نضمه إلى رجالنا. ألا يكفي أن يكون العرب معذبين في أوطانهم، ويُعلَّق أحرارهم على أعواد المشانق، حتى نرى أنفسنا مضطرين نحن أيضاً إلى إعدام رجال من أبناء قومنا؟». قال هذا وانحدرت الدموع من عينيه.

وليست هذه المرة الوحيدة التي شوهد فيها فيصل يبكي، فقد روت إحدى الصحف أنه جيء إلى المعسكر العربي في أبي الأسل بامرأة لبنانية معها ابنتها وابنها، وكانوا في حالة يرثى لها من الفقر والضعف والهزال، وعندما قصّت المرأة على فيصل ما قاسته من جراء المجاعة في لبنان بكى فيصل بألم، وأمر أن تُرسل المرأة وابنتها وابنها إلى مصر.

لم تؤثر مظاهر الحضارة الغربية الخلّابة في نفس فيصل، ولا بهرته مباهجها وملاذّها، بل ظل في جميع تنقلاته ورحلاته العديدة إلى الممالك الأوروبية متمسكاً بأهداب دينه القويم، محافظاً على الشعائر الإسلامية كل المحافظة، يؤدي الصلوات في أوقاتها، ولا يأبه للمشاغل العديدة والظروف الشاذة التي كانت تعترض سبيله، ويأبى أن يُسفّ إلى مستوى لا يتفق مع جلال قدره. وقد أجمع رجال حاشيته وأصدقاؤه الذين رافقوه في أسفاره وصحبوه في إقامته على أنه لا يعرف طعم الخمر، حتى إن وزراءه ورجال حاشيته كانوا يحترمون عاداته فيأنفون من تناول المشروبات الروحية في حضرته.

وكان جلالة الفقيد يعتقد أن لا حياة للأمة إلا برفع مستواها التعليمي والثقافي، ومن أجل ذلك اعتمد على نخبة صالحة من رجال التربية والتعليم في العالم العربي، وعلى رأسهم الأستاذ ساطع الحصري، ووسّد إليهم أمر إصلاح حالة المعارف في العراق، وكلّف الحكومات التي تعاقبت في عهده بأن تقدم لهم كل التسهيلات الممكنة، وبذلك تقدم العراق أشواطاً بعيدة في مضمار العلم والتربية، وازدادت أعداد المدارس الأولية زيادة محسوسة.

ومن آرائه في التعليم ما تحدث به إلى أحد الصحفيين المصريين، إذ قال: إن الاستقلال الحقيقي لا يُشاد إلا على دعائم المدنية الحقيقية، التي لا تقوم إلا على التعليم، فالتعليم هو الركن الأكبر وحجر الزاوية لكل أمة تبغي التقدم. وفي إحدى المرات دعا مؤتمر المعلمين العراقيين إلى «الشاليه» في حديقة قصره، فكان يتنقل بين موائدهم ويلاطفهم ويحادثهم في شؤون عملهم، ثم ألقى خطاباً جامعاً قال فيه: «لو لم أكن ملكاً لكنت معلماً». وذكر أحد العراقيين أن جلالته زار إحدى المدارس الابتدائية زيارة طويلة، وسجّل اسمه في عداد مدرّسيها.

ويجب ألا يفوتنا أن المجمع العلمي العربي، الذي تفاخر به دمشق جميع الأقطار الناطقة بالضاد، والجامعة السورية، هما من غرس يديه أيام ملكه السعيد في البلاد السورية.

وكان جلالته، طيّب الله ثراه، أول من دعا إلى عقد مؤتمر عام لتوحيد الثقافة العربية منذ بضعة أعوام.

ويجب ألا ننسى أياديه البيضاء على فرق الكشافة، وعطفه عليها وتشجيعه إياها، ولا يزال إخواننا في سورية وفلسطين ومصر يذكرون الفرقة الكشفية الأخيرة التي أوفدها جلالته إلى الأقطار العربية المجاورة، حين نعت أفرادها برسل الوحدة العربية.

أقر الفقيد العظيم مبدأ الوحدة القومية العامة واتخذه منهاجاً له في حياته، لا يفرق بين المسلم والمسيحي واليهودي، ولا يسمح بأن تثار في عهده النعرات الطائفية الممقوتة التي كثيراً ما كان يثيرها المستعمرون، فيبادر جلالته إلى إخمادها وإطفاء جذوتها.

وبلغ من عطفه على إخواننا المسيحيين أنه قرّبهم إليه، ووسّد إليهم أرفع الوظائف في أيام حكمه في سورية والعراق. وقد قصّ علينا الأستاذ عيسى العيسى، صاحب جريدة فلسطين، وكان كاتباً للبلاط الملكي في سوريا قبيل نزوح الأمير فيصل منها وانتقاله إلى العراق، أن سموه، وكان أميراً حينئذ، أصدر أمره بمنح كل واحد من مشايخ حوران خلعة. فلما رأى مشايخ المسيحيين أنهم استُثنوا، طلبوا من الأستاذ العيسى، كاتب البلاط، أن يبسط ظلامتهم لسموه، وأعربوا عن شدة تعلقهم بالحكومة العربية. فعرض الأمر على سموه فتأثر من ذلك وقال: إنها لغلطة يجب تداركها في الحال. فعاد إلى المشايخ وقال لهم إن سموه لم يغفل عنهم، وإنما طلب من البطريرك جدولاً بأسماء مشايخ المسيحيين لهذه الغاية، ومتى جاء الجدول كان لكم ما كان لإخوانكم المسلمين. وبعد انصرافهم طلب الأستاذ العيسى من البطريركية وضع جدول بالأسماء ففعلت، وقُدّر ثمن تلك الخلع، فأُرسل المبلغ نقداً إلى غبطة البطريرك ليتولى توزيعه عليهم، وليشتري كل منهم الخلعة التي يختارها.

ويجب ألا ننسى أن غبطة البطريرك غريغوريوس كان من أعز أصدقاء الفقيد حينما كان أميراً، ثم ملكاً على سورية، وهو أول من بايع جلالته من الرؤساء الروحيين مبايعة خالصة في دار البلدية عندما أُعلن تتويجه على عرش البلاد. وقد علمنا أن جلالته حينما غادر دمشق إثر معركة ميسلون المشؤومة لم يخرج لوداعه من أبناء رعيته سوى غبطة البطريرك المذكور. وكان في طليعة المقربين إلى جلالته القس حبيب إسطفان، أحد الرؤساء الروحيين الموارنة في لبنان والخطيب المشهور، فقد آثر أن يتخلى عن كنيسته ويخلع ثوبه الكهنوتي وينضم إلى حاشية المليك الفقيد، بعدما رآه من دماثة أخلاقه ورقة حاشيته وشدة عنايته بالأقليات الطائفية.

ومن الحوادث التي تروى عن جلالته بهذا الصدد أن بعض الأدباء زاروه مرة في بغداد، فقدّم أحد الزوار رفاقه إلى جلالة الملك بقوله: هذا فلان وهو سني، وهذا فلان وهو شيعي، وهذا فلان وهو نصراني. فقال: حسبي أن يقال لي هذا عراقي، ولا أحب أن أعرف أكثر من هذا.

ومما يروى أيضاً بهذا الصدد أن الرؤساء الروحيين في بغداد توجهوا مرة إلى القصر لزيارة جلالته وتهنئته على بلوغ العراق مرحلته الأخيرة، ناسبين ذلك إلى دهاء جلالته وجهاده وسعيه، فقال جلالته في تواضعه: «إن العراق حصل على ذلك بفضل أدعيتكم وصلواتكم، وليس لي فيه أدنى نصيب».

وروى الأب أنستاس الكرملي، أحد أقطاب اللغة العربية في بغداد، القصة الآتية: كان أحد الأدباء قد أوسع نصرانياً سباً وشتماً ولكماً في منازعة جرت بينهما، وحكى عمله هذا لسيد البلاد، وذكر أسباب عمله ذلك، ثم حاول أن يزكي نفسه، وطلب من الملك أن يستحسن فعله هذا. فقال له أبو غازي: «لقد برئت منه الذمة»، وهو يشير بهذه الكلمات إلى الحديث النبوي الذي أورده بحروفه، ومعناه أن لكل أحد من الله عهداً بالحفظ والكلاءة، فإذا ألقى بيده إلى التهلكة، أو فعل ما حُرّم عليه، أو خالف ما أُمر به، خذلته ذمة الله تعالى. فلما سمع الأديب هذا الكلام الصادق مبنى ومعنى لزم السكون إلى آخر الجلسة، ولم ينطق ببنت شفة.


أجزاء «المعاهدات والاتفاقيات الدولية للأكراد» (5 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع (هذا الجزء)
  5. الجزء الخامس

→ الجزء الثالث  |  الجزء الخامس ←