الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

المعاهدات والاتفاقيات الدولية للأكراد (الجزء الخامس)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

رُزق المغفور له الملك الشريف حسين بن علي أربعة أنجال هم: الملك علي، والأمير عبد الله، والملك فيصل، والأمير زيد.

وكانت ولادة الملك فيصل في مكة المكرمة في 20 أيار سنة 1885 ميلادية (1302 هجرية). وقد كان كبار الأشراف يأتون لأبنائهم بمعلمين يقرئونهم القرآن، ويعلمونهم الكتابة والحساب والتاريخ والجغرافيا، ويؤدبونهم داخل قصورهم، فلا يدخلون المدارس ولا ينتظمون في صفوفها. ويقول بعضهم إنهم كانوا يفعلون ذلك لقلة المدارس في مكة، وعدم استيفاء القليل الموجود منها للشروط الصحية.

وبينما كان أبناء الأشراف يدرسون اللغة العربية على مؤدبيهم، كانوا يتعلمون التركية داخل قصورهم، لأنها لغة قريناتهم وسراريهم وجواريهم، وكانوا يجيدونها كتابة وتكلماً إلى جانب لغتهم العربية، ويدرسون آدابها.

وكانوا يتعلمون أيضاً الفروسية وركوب الخيل منذ الصغر إلى جانب العلوم الأخرى، ويتمرنون على إطلاق النار والضرب بالسيف، فيشبّون فرساناً يحسنون الكر والرماية.

ولما بلغ الملك فيصل السادسة من عمره أرسله والده إلى قرية «رحاب»، وهي بلدة محمد بن عون، جد هذا الفرع من الأشراف، الذي اشتهر بانضمامه إلى المرحوم محمد علي باشا حينما جاء إلى الحجاز لمحاربة النجديين سنة 1812م، فحفظ له محمد علي باشا هذه اليد وأقطعه خمسة آلاف فدان في مصر، ولا يزال ألفان منها وقفاً على سلالته. وتقلّب بعد ذلك عدد من أمراء هذا البيت على إمارة مكة، وآخرهم الشريف حسين (الملك حسين)، فكان رحمه الله آخر أشراف مكة.

وقضى الأمير فيصل ست سنوات في رحاب بين أبناء عمومته وخؤولته، وأخذ يركب الخيل والإبل ويضرب بالسيف ويطلق الرصاص.

وأُرسل إلى مكة وهو في الثانية عشرة، وقد اشتد عوده، فجيء له بمؤدبين ومعلمين. ولم يطل به المقام، بل غادر الحجاز إلى الأستانة مع أسرته عملاً بأمر السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، فنزلوا في قصر فؤاد باشا في إستينية الذي خصصه لهم السلطان العثماني، وعُيّن والده الشريف حسين بن علي عضواً في مجلس شورى الدولة سنة 1896م.

وعاش في تلك العاصمة نحو عشر سنوات، وفيها تزوج ابنة عمه، ثم غادرها إلى مكة سنة 1908م حينما عُيّن والده شريفاً على مكة.

عاد جلالته إلى الحجاز وقد اكتملت رجولته وظهرت مواهبه، فأدناه والده منه وولاه قيادة الغزوات التي كان يقوم بها لإخضاع القبائل وتأديبها. وفي سنة 1909م انتُخب نائباً عن لواء جدة في مجلس النواب العثماني، فكان يذهب كل سنة إلى الأستانة ليشترك في أعمال البرلمان، ثم يعود بعد انقضاء دورته فينضم إلى والده ويساعده في إدارة منصبه الخطير.

ولما ثار السيد محمد الإدريسي على الدولة العثمانية في تهامة سنة 1911، مغتنماً فرصة اشتباكها في الحرب مع الطليان، وهم الذين ساعدوه ومدّوه بالسلاح، اضطرب موقف الدولة في اليمن، فاستنجدت بالشريف حسين أمير مكة طالبة مساعدته في التنكيل بمحمد الإدريسي. فلم يتردد في تلبية الطلب، وجهّز حملة بقيادة نجليه الأميرين عبد الله وفيصل، سارت من مكة حتى أبها (عاصمة عسير)، فطردت أنصار محمد الإدريسي وأضعفت شوكته، وأعادت تلك البلاد إلى الدولة. ويقول الذين شهدوا تلك الحملة إن فيصلاً أبلى فيها بلاءً حسناً، وإنه كان يسير في مقدمة الجيش ويشترك في المعارك، فأحبته القبائل لشجاعته.

وزار سورية للمرة الأولى سنة 1913، فقد خاف ولاة الأمور الترك أن يهاجم البدو المحمل الشامي في عودته من الحجاز إلى الشام، فرافقه على رأس قوة من الجند لحمايته، فلم يحدث له حادث. وأقام مدة في دمشق، فتعرف إلى رجالها ومفكريها ودعاة الجامعة العربية من أبنائها، مما سهّل عليه العمل بعد ذلك.

وجاءها مرة ثانية سنة 1915 في طريقه إلى الأستانة، وقد اختار هذا الطريق دون البحر لأن الحلفاء ضربوا الحصار على موانئ تركيا منذ ابتداء الحرب العظمى سنة 1914، ومنعوا دخول البواخر إليها وخروجها منها، لما أظهرته من ميل إلى الألمان، وقد دخلت الحرب إلى جانبهم بعد ذلك. وبعدما خُتمت الدورة البرلمانية العثمانية عاد ثانية إلى دمشق ليكون إلى جانب أحمد جمال باشا، القائد العام في سورية يومئذ، فيساعده في حملة على مصر، وقيل إنهم أرادوا أن يكون رهينة لديهم لكي يأمنوا انتفاض والده الشريف حسين بن علي. وأقبل عليه رجال الشام ومفكروها وأعيانها يدعونه إلى إقناع والده بإعلان الثورة على الاتحاديين الأتراك، وخلع طاعتهم، وإنشاء دولة عربية، لما ظهر من سوء نية جمعية الاتحاد والترقي التركية العنصرية، وتعمّدها إذلال العرب، وعزمها على إعدام مفكريهم وأدبائهم والصفوة المختارة من رجالهم ونفي عائلاتهم، رغم ما أظهره العرب من إخلاص للدولة العثمانية في السنة الأولى من الحرب، وما بذلوه من تضحيات تأييداً لها.

وقد تذرّع الفقيد بمختلف الوسائل كي يقنع أحمد جمال باشا، القائد العثماني في سوريا، بالعدول عن فكرته الجهنمية الطائشة فلم يفلح. ثم لم يجد مندوحة من المسالمة والتودد إلى الطاغية أحمد جمال باشا، بعد أن استوثق من سوء نية الاتحاديين العنصريين، فخابر والده بهذا الخصوص وحضّه على وجوب الاستعداد للثورة.

ومما يجب الإشارة إليه في هذا المقام أن الحكومة العثمانية التركية كانت قد عيّنت القائد وهيب باشا والياً على الحجاز، فأخذ يحاول تطبيق برنامج الاتحاديين الأتراك، فقاومه الشريف حسين بن علي ونجله فيصل بشدة، واستحكم الخلاف بين الطرفين، مما أفضى إلى استدعاء والي الحجاز وهيب باشا والاستعانة بغيره.

وقد اتفق في ذلك الوقت أن الحكومة العثمانية التركية كانت قد كتبت إلى الشريف حسين بن علي (شريف مكة) تطلب منه إمداد الحملة الزاحفة على القنال بجيش من متطوعة العرب، فرد عليها الشريف حسين مظهراً استعداده التام لتعضيد جيش الخليفة العثماني، ولكنه ينقصه السلاح والذخيرة.

وأحدث هذا الرد الودي ارتياحاً عظيماً لدى السلطات العثمانية التركية، وصدرت الأوامر في الحال بإرسال كمية كبيرة من السلاح إلى الحجاز، وأرسل السلطان العثماني مبلغاً وافراً من المال إلى شريف مكة الشريف حسين بن علي لينفقه على هذا الجيش، ومن ثم بادر الشريف حسين إلى تجنيد المتطوعة وحشد الفرسان.

وقد استطاع الفقيد العظيم بلباقته ودهائه أن يخدع القائد العثماني أحمد جمال باشا (القائد العثماني في سوريا)، ويؤكد له أن جيش المتطوعين العرب الذي تألف في مكة قد غادرها ميمماً شطر دمشق لإعلان إخلاصه للحكومة العثمانية التركية والانضمام إلى كتائب الجيش.

ربما يقول لنا القارئ: ولماذا هذا الإسهاب في مزايا الأمير ثم الملك فيصل الأول؟ وبماذا خدم القضية الكوردية، وقد طرده الفرنسيون من دمشق واستقبله البريطانيون في بغداد ليكون لاحقاً ملكاً على عرش العراق؟

والحق الذي نجنح إليه هو أن شخصية عربية قيادية مثل الأمير فيصل بن الشريف حسين، الذي سخّر كل جهده قائداً للجيش العربي في الحجاز لمعاونة القوات البريطانية في حربها ضد الأتراك عام 1916، قد توخّت أن يحصل العرب على الاستقلال بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918، وأن تكون وعود أبيه الشريف حسين بن علي لأهالي العراق وسورية ذات مصداقية في أن يكونوا أمة عربية بين الأمم التركية والإيرانية والأوروبية والصينية والهندية. ونعتقد أن التجربة التي مر بها الأمير ثم الملك فيصل في تعامله مع الجنرال الفرنسي غورو تحتاج إلى وقفة، وأن تُسجَّل دروسها لطلبة المدارس لكي يطّلعوا على وعود الحلفاء المنتصرين في الحرب؛ فالأمير فيصل، قائد جيش عربي مسلم حارب جيشاً مسلماً هم العثمانيون الترك، اعتبره الحلفاء مشاركاً لا منتصراً، لكي لا ينال العرب حقوقاً وامتيازات مثلهم. وإذا كان هذا حال الأمير ثم الملك الذي اطلع على رسائل والده الشريف حسين بن علي مع المندوب السامي البريطاني في مصر (مكماهون) عن دور للعرب بعد الحرب، ثم غُدر به لاحقاً بسبب اتفاقية سايكس – بيكو بين لندن وباريس عام 1916، فهو كحال الكورد في كوردستان، الذين علّقوا آمالهم على المحتل البريطاني للعراق في أن تكون ولاية الموصل الكوردية من نصيب الكورد، الذين ذاقوا مرارة التعصب القومي العثماني والفارسي على مدى أربعة قرون من الزمن.

إن مرارة التعصب القومي للحلفاء المنتصرين في الحرب، بريطانيا وفرنسا تحديداً، لا تقل عن مرارة التعصب القومي للفرس والأتراك، بل كانت المرارة هذه المرة أنياباً فتاكة. والأمير فيصل، الذي جلس مع الحلفاء في مؤتمر الصلح في فرساي (باريس) عام 1919، سمع كلاماً مباشراً من البريطاني والفرنسي في أن يكون ملكاً على سورية نظير ما قدمه من خدمات في الميدان ضد الخصم العثماني التركي.

يا لبؤس السياسة الأوروبية المجردة حتى من أي خلق! وكأن الولايات العثمانية في ديار العرب، في شرقها وغربها، لا تكفي جشعهم، فأرادوا أرض كوردستان أيضاً، التي لم يكتشفوا فيها موارد ذات مردود اقتصادي، مرتعاً لأولادهم من بعدهم. إن حرية الشعوب لدى دوائر صنع القرار في لندن وباريس نكتة سمجة تزول بزوال مبرراتها، وكأن لدم الغزاة الإنجليز والفرنسيين لديار الكورد والعرب قدسية تفوق دم القائد العربي المسلم خالد بن الوليد، ودم الشيخ والزعيم الكوردي عبيد الله النهري، ودم القائد الكوردي الشاب بدرخان، ودم القائد الكوردي المسلم الذي قهر الصليبيين صلاح الدين الأيوبي. وهذا ما يفسّر لنا موقف الشيخ والزعيم الكوردي الجليل محمود الحفيد (حفيد صلاح الدين الأيوبي)، ورغبته الصادقة في إيجاد حكم ذاتي للكورد على الأقل، وقد شهد شيوخ الكورد وآغواتهم بذلك، كما وعد الشريف حسين بن علي زواره من عرب العراق وسورية.

لم يكن الشيخ والزعيم الكوردي محمود الحفيد، المولود في مدينة السليمانية عام 1888، مراوغاً في طلباته أمام المحتل البريطاني، ولا متخاذلاً أو خواناً وهو يقود ألفي مقاتل كوردي لنصرة الجيش العثماني التركي المسلم في معركة الشعيبة عام 1915. وعندما سأله الرائد البريطاني الميجر نوئيل عن مدى ولائه للعثمانيين وللترك المتعصبين لقوميتهم التركية، كان جوابه أن دين الإسلام لا يقر هذه العصبية، وأن من صفات الكورد المسلمين أن يظهروا في ساعة الامتحان لنصرة حملة دين الإسلام، ولكنهم لا يعطون وعوداً كاذبة، ولا يخدعون إخوانهم ولا أصدقاءهم حتى وإن كانوا من دين آخر.

إن مواد اتفاقية سايكس – بيكو عام 1916 قد أباحت لبريطانيا وفرنسا الحق في أن تستخدما ما لديهما من تجهيزات على أرض العرب وكوردستان، وليس هناك مادة واحدة تقول إنه يحق لممثلي العرب والكورد أن يقبلوا الحاكم السياسي البريطاني أو الفرنسي أو لا يقبلوه وهو يتجول بين ظهرانيهم.

كما أن الطرفين البريطاني والفرنسي، مع امتداد خبرتهما في بلاد ما بين النهرين التي بدأت منذ منتصف القرن الثامن عشر، قد صاغا اتفاقية سايكس – بيكو بمعزل عن طموحات الشعب الكوردي الثائر ضد ألوان التعصب القومي وقهر العيش، وخداع السلاطين العثمانيين وملوك بلاد فارس للرموز الكوردية. وربما كان هناك العديد من الآغوات والمثقفين الكورد ممن فكّر وجاهر علناً أمام أبناء الشعب الكوردي بأن ديمقراطية لندن وباريس هي الأكثر نضجاً في إعطاء الشعوب المقهورة حريتها واستقلالها، وزادت صيحتهم في أماكن تجمع الكورد بأن الرئيس الأمريكي ويلسون هو من أبرز دعاة الغرب لتقرير مصير الشعوب المضطهدة.

وقد يكون ذلك استجابة لدعوات لندن وباريس وواشنطن لتهدئة الأوضاع في كوردستان والعراق وسورية، قبل أن يكتشف الكورد أن الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 قد فضحت اللعبة السياسية لأطراف معاهدة سايكس – بيكو، ومنها أن للروس القياصرة الحق في استعمار كوردستان مقابل إعطاء سورية لفرنسا ونفط العراق لبريطانيا، وأن تكون فلسطين في قادم الزمن وطناً قومياً لليهود.

ذلك هو ما عقّد المشهد في كوردستان. والشيخ محمود الحفيد، الذي رشحه الكورد عامة، وأكراد مدينة السليمانية وتوابعها خاصة، زعيماً عليهم ومفوضاً للدفاع عن مصالحهم، لم يكن على معرفة كافية بما كان يختزنه عقل الأمير فيصل بن الحسين عن ديمقراطية بريطانيا وفرنسا، وهو يخوض حرباً ضد الأتراك في جزيرة العرب بالنيابة عن التاج البريطاني. وهذا ما أوجس منه الشيخ الكبير محمود الحفيد، الذي استعان بخبرة السنين الطويلة التي خلّفتها الثورات الكوردية ضد المستعمر العثماني والفارسي، وكان في عقله سؤال: ألم يكن باستطاعة بريطانيا المنتصرة في الحرب العالمية الأولى أن تقرّ وتعترف بحقوق الكورد في كوردستان بعد أن فقدت الدولة العثمانية كل نفوذها على أرض العرب والكورد؟

ذلك هو السؤال المركزي في ذهنه وفي ذهن الرموز الكوردية المطلعة على معاهدة سايكس – بيكو 1916، قبل أن يجود عليه الجنرال العثماني التركي المهزوم في الحرب «إحسان باشا» والرائد البريطاني «الميجر نوئيل» بتنصيبه «حكمداراً» على الكورد، في الوقت الذي لم يكن للطرفين العثماني التركي والبريطاني من إعلان ذلك إلا غرض «تكتيكي» أملته تبعات الحرب العالمية الأولى، وليس هدفاً استراتيجياً لولادة دولة كوردية مستقلة.


أجزاء «المعاهدات والاتفاقيات الدولية للأكراد» (5 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس (هذا الجزء)

→ الجزء الرابع