الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

المعاهدات والاتفاقيات الدولية للأكراد (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

انتهى القسم الأول من مذكرة الأمير فيصل بن الشريف حسين، أما القسم الثاني فيتعلق بالحوادث التي وقعت منذ جلاء الجيوش الإنكليزية عن سوريا في نهاية تشرين الثاني عام 1919 حتى احتلال دمشق في 24 تموز عام 1920 من قبل الجيش الفرنسي بقيادة الجنرال غورو، وفيه يقول:

في شهر تشرين الأول 1919، عندما تخلى الجنرال الفيكونت اللنبي عن مسؤولية الحكم في سوريا، كانت البلاد بصفة عامة هادئة ساكنة، عدا بضعة حوادث وقعت في المنطقة الغربية. وقد وقعت هذه الحوادث من جراء الشدة والضغط اللذين لجأ إليهما الموظفون الفرنسيون ليحولوا بين الشعب وبين إبداء رأيه الصريح في تشكيل حكومة عربية في سوريا، وقد اطلعت اللجنة الأمريكية على هذا كله في ربيع عام 1919 وصيفه. وفوق هذا كان الاستياء عاماً بسبب الإدارة الفرنسية، وكثيراً ما اضطر الجنرال اللنبي إلى التدخل لحل المشاكل التي كانت تنشأ بين الفرنسيين والشعب. ولم تكد الحاميات الإنكليزية تنسحب وتحل محلها الجيوش الفرنسية حتى بدأ الفرنسيون يفكرون في احتلال المنطقة الشرقية من سوريا احتلالاً عسكرياً.

كانت أولى حركات الجيش الفرنسي أنه أخذ يجمع جيوشه في مدينة زحلة اللبنانية، وطفق يفتح طريقاً بين جديدة ومرجعيون وحدود حاصبيا لا يفيد أحداً سواهم، وهذا ما أثار أهالي المنطقة الشرقية من سوريا، فوقعت الحادثة الأولى بين السوريين والفرنسيين.

فقد أُرسلت فرقة فرنسية، بدون أي إشعار، إلى المنطقة الشرقية من سوريا، وأخذ الفرنسيون ينزعون السلاح منها، وكانت هذه الفرقة بقيادة الحاكم العسكري الفرنسي في زحلة. وما إن سمع سكان المنطقة الشرقية بهذا كله حتى تجمعوا وقرروا مهاجمة الفرنسيين، فأسرع شقيقي الأمير زيد، وقد كان نائباً عني خلال غيابي في أوروبا، لتسوية الأمور وتهدئة الأفكار. والغريب أنه بالرغم من اعتراف الفرنسيين بأن هذه الحوادث قد نكثت عهد السلام، فقد رفضوا معاقبة المعتدين والمجرمين، وأجابوا على هذا الطلب بعد قليل بأن أرسلوا قوة فرنسية بقيادة الجنرال دولامو، فاحتلوا بعلبك، وقتلوا رجلين، وقطعوا المواصلات التلفونية بين حمص ودمشق.

وفي هذه الأثناء، وبعد قليل من المفاوضات التي قمت بها في باريس بمساعدة وزارة الخارجية الإنكليزية ووزيرها اللورد كيرزون، اتفقت مع المسيو كليمنصو، رئيس الوزراء الفرنسي، في 27 تشرين الثاني عام 1919، وأبرقت لشقيقي الأمير زيد في سوريا بشروط الاتفاق، وهي:

  1. ألا تحتل الجيوش الفرنسية البقاع السوري، وأن ننسحب نحن منه أيضاً.
  2. أن تتألف لجنة من الفرنسيين والإنكليز والعرب للإشراف على رجال الدرك في هذه المنطقة.

وقد أرسل المسيو بيشون، وزير الخارجية الفرنسي، نص هذا الاتفاق إلى شقيقي الأمير زيد بواسطة الكولونيل كوس، الموظف السياسي الفرنسي في دمشق. ومما جاء في برقية المسيو بيشون أن نص هذا الاتفاق قد أُرسل إلى الجنرال غورو، قائد الجيش الفرنسي في سوريا، ليسير بموجبه. وعندما طلب شقيقي الأمير زيد من الجنرال غورو أن يسحب جيوشه من البقاع بموجب الاتفاق، كان جوابه بعد بضعة أسابيع أنه لم يتلقَّ من حكومته إشعاراً بذلك، ثم احتل مواقع جديدة في البقاع ولم يتخلَّ الفرنسيون عنه قط. وفوق هذا فقد كانت السلطات الفرنسية تضبط البرقيات التي أبرقها للأمير زيد من باريس، وتقطع المخابرة بيني وبين حكومتي في دمشق، وأصبح البقاع نتيجة هذه التصرفات ميداناً للاضطرابات الدائمة، وأخذ النفور من الفرنسيين يزداد يوماً بعد يوم في مختلف الجهات. وعند وصولي إلى ميناء بيروت في 14 كانون الثاني سنة 1920 كانت الحالة العامة، بالرغم من هذا كله، مُرضية، فقد استقبلني في المرفأ قسم كبير من الوجوه، فأكدت لهم حسن نوايا الحكومة الفرنسية وحسن نية ممثلها الجنرال غورو، قائد الجيش الفرنسي في سوريا.

على أن هناك من أكد لي، من ناحية أخرى، أنه ما من أحد في سوريا لا يعرف مقاصد فرنسا من أعمالها، وأن سياستها ترمي إلى إثارة الاضطرابات في البلاد لتجعل موقفي في المنطقة الشرقية صعباً، وليتمكن الجيش الفرنسي من التدخل العسكري وفرض سلطة فرنسا بقوة السلاح على الشعب السوري كله.

وقد أبلغت والدي الشريف حسين بن علي أن إدارة الضباط الفرنسيين في المناطق التي يتواجدون فيها داخل سوريا – ومعظمهم قادم من إفريقيا الشمالية – كانت تسبب لهم الكثير من المتاعب، وأن الحوادث المخيفة التي كانت تقع بين الجند والشعب السوري في جبل لبنان ومرجعيون وتل كلخ واللاذقية وإسكندرونة وحارم وجسر الشغور لا تعد ولا تحصى.

ولم يكد نبأ هذه الاضطرابات يصل إلى مسامعي حتى أرسلت على الفور رسلاً إلى تلك المناطق السورية لتهدئة الشعب وإقناعه بأن يكون صديقاً للفرنسيين. وقد حدث آنذاك أن الأتراك والأكراد استطاعوا إقناع أحد زعماء العشائر البدوية بمشاركتهم العمل على إخراج الفرنسيين من مدينة أورفة، فجاء هذا الزعيم يستشيرني، فنصحته بألا يفعل، فعمل بنصيحتي. وقد عرّضت نفسي بهذا العمل لانتقاد شعبي، وقد عرف الفرنسيون أنفسهم سياستي، فأرسل رئيس الدائرة السياسية لدى الجنرال غورو آنذاك مذكرة إلى الجنرال قال فيها: «إن لجنة الدفاع الوطني، التي كانت تدير شؤون الحكومة السورية قبل وصول الأمير فيصل، ما زالت حتى الآن تنشر في البلاد أفكار “الاستقلال التام لسوريا”! وها قد قررت هذه اللجنة محاربة الأمير فيصل إذا ما وقّع معاهدة مع فرنسا.

وقد كانت الاستقبالات في دمشق هذه المرة أقل حماسة للأمير فيصل مما كانت عليه في أي وقت آخر، وذلك لأن الجمهور السوري بدأ يشعر بأن الأمير فيصل قد باع سوريا لفرنسا. ولا تزال هذه اللجنة مستمرة في معارضة الاحتلال الفرنسي، ويظهر أنها لا ترغب في مشاركة الأمير فيصل في غاياته».

هذا، وأعتقد أن كل من يعرف طبيعة المنطقة الشرقية من سوريا وصعوبة المواصلات فيها وطبيعة العشائر المشاغبة يدرك صعوبة العمل على تهدئة الخواطر الثائرة، والحيلولة دون رغبة هؤلاء في مهاجمة الفرنسيين في المنطقة الغربية من سوريا. ومما يجب ذكره هنا أنه عندما كانت حامية الفرنسيين في أقصى درجات الضعف، وكان عدد رجالها لا يزيد على الألف، زرتُ حلب في ذلك الحين زيارة شخصية لكي أوقف العصابات المسلحة الذاهبة لمشاركة أتراك مصطفى كمال أتاتورك في محاربة الفرنسيين في كيليكيا.

ازداد استياء الشعب السوري في كل مكان، ورأى الناس أنه قد انقضى ثمانية عشر شهراً على إعلان هدنة مودروس، ولم يظهر حتى الآن ما يدل على أن هناك رغبة في العمل على تلبية رغباتهم. وكان الشعب السوري من ناحية أخرى يرى أن الفرنسيين يطبقون سياسة استعمارية محضة. كما كان الأتراك يرسلون دعاتهم إلى المدينة ليحرّضوا الرأي العام ضد الحلفاء الذين يطبقون مثل هذه السياسة بالرغم من أن العرب حاربوا إلى جانبهم، ويقولون إن سوريا والعراق سيقسمان إلى قسمين، وإنه من الأفضل للعرب ولمصلحتهم أن يسيروا إلى جانب الأتراك لمعارضة أنانية السياسة الأوروبية بقوة السلاح.

وكل ما كنت أستطيع عمله في تلك الظروف هو أن أقنع كل واحد بأنهم إذا صبروا وانتظروا فإنهم واصلون إلى ما يرضيهم.

وفي 8 آذار عام 1920 أعلن شعبي السوري، بواسطة مندوبيه الذين اجتمعوا في دمشق، استقلال سوريا وانتخابي ملكاً عليها. وقد قال هؤلاء المندوبون السوريون في أنفسهم: إذا كان الحلفاء مخلصين وصادقين في أعمالهم ووعودهم فإنهم سيعترفون بهذا القرار الناشئ عن رغبة الشعب السوري العامة، والذي يضع وعود الحلفاء موضع التنفيذ، ويبرهنون بذلك على كذب الأتراك في ادعاءاتهم. أما إذا كان الأمر على النقيض من هذا، ولم يؤيد الحلفاء عمل الشعب السوري وقرار مندوبيه، فإن الأتراك صادقون في كل ادعاءاتهم وأقوالهم وتحذيراتهم.

لقد قال الفرنسيون عن المؤتمر السوري في 8 آذار 1920م، الذي مثّل الشعب السوري حق التمثيل، إنه مؤتمر غير قانوني، مع أن هذا المؤتمر قد انتُخب بأفضل الوسائل المشروعة، وكان – حسب أوامري وطلبي – يمثل الشعب السوري بكامله.

لقد جرت الانتخابات على درجتين، وحسب القوانين العثمانية التركية القديمة، فانتُخب 85 مندوباً من مختلف الجهات، وأضفنا إليهم 35 مندوباً من زعماء القبائل ورؤساء الأديان. وقد جاء الأعضاء من المنطقتين الشرقية والغربية من سوريا، وكانوا يمثلون مختلف المذاهب والديانات. وأرسل لبنان ثلاثة مندوبين إلى المؤتمر السوري، وكان انتخابهم لغرض إطلاع اللجنة الأمريكية على رغائب اللبنانيين وأمانيهم.

وبعد أن نزلت عند قرار المؤتمر السوري وقبلت عرش سوريا، أعلنت السياسة التي يجب أن تسير عليها الحكومة السورية الجديدة، وعنيت عناية خاصة بألا ألعب بعواطف الشعب الوطنية وألا أخدعه، مع أنه كان في وسعي إذ ذاك، لو أردت، أن أكون محبوباً من الشعب السوري إلى أقصى حد.

وقد أسرعت بعد هذا إلى تنظيم إدارة الحكم بشكل يتفق مع طبيعة البلاد، فألّفت حكومة كان للمسيحيين من يمثلهم فيها. وكان موقف الوزراء في العمل صعباً إلى حد كبير، لأن الفرنسيين كانوا مسيطرين على الشاطئ، وكانوا يتقاضون الرسوم الجمركية التي كانت المورد الأساسي للخزينة السورية، ولا يدفعون حصتنا إلا بصورة متقطعة، كما أنهم لا يدفعون إلينا سوى قسم ضئيل من هذه الحصة. وهذا ما جعل حكومتي تواجه صعوبات جمّة منذ تأليفها، وتقع في حيرة شديدة لشدة حاجتها إلى المال. ثم ازداد سوء الحال في سوريا بعد ذلك، وأخذ الفرنسيون يطبقون سياسة جائرة في الشؤون الجمركية، فأضروا بالتجارة وأوقعوا أضراراً لا حد لها بأسواق دمشق، وهذا ما كانوا يرمون إليه من وراء سياستهم هذه. وهكذا بدأت المملكة السورية الجديدة حياتها تحت هذا الكابوس. وقد أخبرت وزارة الخارجية الإنكليزية، بواسطة الجنرال حداد باشا، بالأسباب التي أدت إلى القيام بهذا العمل وإعلان الاستقلال والملكية في سوريا، فردت الوزارة المذكورة بعد مقررات مؤتمر سان ريمو عام 1920 بأن إنكلترا تعترف باستقلال حكومة سوريا وتعترف بي ملكاً عليها.

أما فرنسا فقد رفضت أن تتخذ مثل هذا القرار وتعترف باستقلال سوريا وبي، وذهب الجنرال غورو فوق هذا إلى لبنان وأخذ يخطب خطباً ضد حكومتي، مثيراً اللبنانيين للاحتجاج على مقررات المؤتمر السوري في 8 آذار 1920م.

وعندما عدت مرة ثانية إلى قضية البقاع، وطلبت من الجنرال غورو أن يجلو عن البقاع، أجابني جواباً غريباً قال فيه: «كنتُ أريد أن أنسحب، ولكني لا أستطيع أن أمنع الضباط الذين يصرّون على التقدم!» فأجبته: «إذا كان الجنرال غورو يجد صعوبة في منع ضباطه، وهم الذين يسيرون على نظام الجندية، فكيف أستطيع أن أمنع رجال القبائل الذين لا يعرفون شيئاً عن النظام؟». وكان موقف فرنسا يزداد غموضاً يوماً بعد يوم، وقد استطاعت بعد عقد الهدنة مع مصطفى كمال أتاتورك أن ترسل قسماً كبيراً من جيوشها إلى هذه البلاد، وأخذت تحشد في مختلف الأنحاء الجند والناقلات والمصفحات والطيارات وغيرها.

لقد كنت أفكر دوماً في السفر إلى باريس لبحث المشكلة السورية مع الحكومة الفرنسية، بيد أن ازدياد خطورة الموقف يوماً بعد يوم جعلني أعتقد أن وجودي في سوريا ضروري للغاية، بل أكثر أهمية من وجودي في أوروبا. وقد اعترف الجنرال غورو بذلك في كتاب بعث به إلى حكومته، كما اعترف اللورد كيرزون، وزير خارجية بريطانيا، بمثل هذا في الخطاب الذي ألقاه في مجلس اللوردات في لندن، رغم أنه صرّح برغبته في أن يراني في لندن في المستقبل القريب.

وإذ ذاك سرتُ حسب الآراء التي أبرق بها إليّ الجنرال حداد باشا من لندن، وقررت أن أذهب إلى أوروبا حالاً كما تريد وزارة الخارجية الإنكليزية، وكان موقف الجنرال غورو، الذي بدأ يتضح شيئاً فشيئاً، يقوّي عزمي على السفر بأسرع ما أستطيع.

فقد فكرت أنه قد يكون من الممكن، إذا سافرت إلى أوروبا، أن أصل إلى حل للقضية كلها. وكتبت إلى الجنرال غورو في 9 حزيران 1920 أطلب إليه أن يهيئ لي أسباب سفري، فأجابني بأن لديه بضعة شروط يريد أن يعرضها عليّ قبل مغادرتي سوريا، وإلا فإن الحكومة الفرنسية لن تدخل معي في أية مفاوضات.

ومنذ تلك اللحظة أخذت الحوادث تمر بسرعة، فقد أصبح لدى الجنرال غورو قوة كافية لسحق كل معارضة نحاول أن نبديها، واعتقد أن ذهابي إلى أوروبا قد ينهي القضية، فحال دون سفري. وتحركت الجيوش الفرنسية في 11–12 حزيران 1920 وأخذت تتقدم من طرابلس نحونا، فاحتلت جسر الشغور، ثم دخلت رياق مزوّدة بالأسلحة والمدافع لتقوية الحامية العسكرية فيها.

وقد حدث كل هذا فجأة وبطرفة عين دون إخطاري بشيء، وكان من الواضح أن الجنرال غورو قد أعد العدة للقيام بحملة عامة على منطقتي.

وفي 14 تموز 1920 تلقيت من الجنرال غورو إنذاره المعروف. وإنه لمن المستغرب أن يدعي الجنرال غورو في هذا الإنذار أني وضعت له العراقيل في محاربة العدو المشترك، تركيا والجنرال مصطفى كمال باشا أتاتورك، ورفضت السماح بنقل الذخائر إلى جيشه! فالذخائر لم يعترض أحد على نقلها ولم يوقفها أحد، أما الجيوش فكل ما فعلته في شأنها أني طلبت إليه أن يعترف بما اعترفت به إنكلترا فيما يتعلق بالحكومة العربية السورية، وأن يفي بالتعهدات التي قطعتها حكومته لنا قبل أن ينقل جيوشه على الخطوط الحديدية، وأوضحت له أنه يستحيل عليّ تهدئة الشعب السوري إذا لم تُلبَّ هذه المطالب.

وقد طلبت إلى الجنرال غورو أن يعترف بالحكومة السورية وبي، لأني كنت أعرف عن ثقة أن حكومته تركت له أن يقرر هذا الأمر حسب ما يراه. ويجب أن أضيف إلى هذا أن الجنرال غورو كان يرسل الذخائر إلى جيوشه في القطارات، وقد أدركت الآن أن ما قالته الصحف المحلية عن غايات الجنرال غورو من إرسال هذه الذخائر كان صحيحاً لا ريب فيه؛ فالجنرال غورو لم يكن يرغب في نقل الجند والذخائر لمحاربة العدو المشترك، تركيا ومصطفى كمال أتاتورك، بل لمهاجمة منطقتي!


أجزاء «المعاهدات والاتفاقيات الدولية للأكراد» (5 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←