الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

حق تقرير المصير والفيدرالية في كوردستان العراق (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

الدولة والمجتمع: الفيدرالية الديمقراطية والتعددية القومية

الدولة كيان سياسي منظم، وتركيب فوقي قاعدته المجتمع. والدولة كالمرآة تعكس صورة هذا المجتمع؛ فإذا كان المجتمع أحادي القومية كانت الدولة أحادية القومية (Uninational) أيضاً، لأن الدولة تعكس طبيعة المجتمع، مثل مصر واليابان وفرنسا وهولندا وألمانيا. وإذا كان المجتمع ثنائي القومية كانت الدولة ثنائية القومية (Binational)، مثل بلجيكا وكندا وتشيكوسلوفاكيا سابقاً. أما إذا كان المجتمع متعدد القوميات فتكون الدولة متعددة القوميات (Multinational)، مثل سويسرا ونيجيريا والهند وبريطانيا والاتحاد السوفيتي سابقاً ويوغسلافيا سابقاً أيضاً.

كيف نصل إلى حل مشاكل القضية الكوردية؟

إن الحوار والتفاوض هما المفتاح لمعرفة جميع المشاكل وحلها، ويُعدّ الحوار والنقاش والتفاوض صحوة حضارية، ولا سيما في عصر العولمة التي تعني أساساً تحويل العالم إلى مكان واحد ذي قطب واحد، بل تعني أكثر من ذلك: معاقبة الشعوب بحجة خلع أنياب حكامها الخارجين على بيت الطاعة.

لم تعد القضية الكوردية في كوردستان، كما كانت أيام الحرب الباردة، شأناً داخلياً لا يحق لأحد مناقشته، بل أضحت واحدة من البؤر الدولية الساخنة؛ فالشعب الكوردي يعيش في إقليم متميز جغرافياً وإثنياً، غير أنه مجزأ بين أربع دول أساسية هي إيران والعراق وتركيا وسوريا.

يتمركز أكراد العراق في المحافظات الشمالية (السليمانية وأربيل ودهوك)، وبنسبة كبيرة في كركوك، وبنسبة أقل في الموصل وديالى، كما ينتشرون في العديد من المحافظات الوسطى والجنوبية.

يقدَّر عدد أكراد العراق بما يقارب خمسة إلى ستة ملايين نسمة، ويدين أغلبهم بالإسلام، وأكثرهم من أهل السنة على المذهب الشافعي. ويرى العلامة مينورسكي أن الأكراد اعتنقوا المسيحية قبل ظهور الإسلام وانتشاره بينهم، غير أن هناك من يعتقد أنهم انتقلوا من الديانات القديمة التي كانت سائدة في المنطقة (كوردستان)، كالمانوية والزرادشتية، إلى الإسلام من دون المرور بالمسيحية.

يعيش الأكراد مجتمعاً متجانساً في منطقة كوردستان منذ آلاف السنين، ومن حسن التوفيق أن كوردستان نجت من الغزوات الاكتساحية التي شهدها وادي الرافدين على مر الزمن.

ومن حيث التطور الاقتصادي حافظت كوردستان على مستويات متقاربة منذ العصور الإسلامية، فلم تشهد قفزات أو انهيارات إلا في مواقع محددة، إذ كانت كوردستان تشهد ازدهاراً مؤقتاً إثر قيام إمارات كوردية قومية، ثم تدهوراً بتدهور تلك الإمارات.

ورغم وجود أشكال من الملكيات الكبيرة فإن الإقطاع لم يتبلور نظاماً سائداً في كوردستان، بينما حافظت الروح العشائرية ضمن تقاليد سكان الجبال (كوردستان) على مكانتها حتى اليوم.

يتميز الكوردي العراقي بالعفوية والصبر، وهي مزايا فرضتها عليه جغرافية بلاده، كما يحتفظ بنزعة استقلالية ناشئة من عدم خضوع كوردستان لحكم مركزي مطلق متسلط، بفضل تضاريسها الوعرة الشديدة التعقيد.

ومن هنا يلاحظ علماء الاجتماع أن المواطن الكوردي لا تحكمه عقدة الخوف من السلطة، وأن الكوردي العراقي بقدر اعتزازه بقوميته الكوردية عميق الاعتزاز بعراقيته.

لقد دعا الدكتور علي الوردي، المفكر الاجتماعي البارز، الأكراد إلى دراسة مجتمعهم بعمق، وأعرب عن أسفه لعدم قدرته على القيام بهذه المهمة بنفسه لجهله باللغة الكوردية. وكان مستغرباً كذلك عدم تدريس هذه اللغة في المدارس والمعاهد العراقية كافة لغةً ثانية إلى جانب اللغة العربية.

شارك الكورد في كفاح الشعب العراقي من أجل الاستقلال والحرية، غير أن الحكومات العراقية المتعاقبة أهملت إقليم كوردستان إهمالاً مخيفاً، وتحول هذا الإقليم إلى منفى لمن ينال غضب تلك الحكومات. ورغم كل هذا يُعدّ العراق أول بلد يعترف بالحقوق القومية والثقافية للشعب الكوردي، وذلك حين قرر دستور العراق المؤقت الصادر في تموز 1958م: «أن الكيان العراقي يعتبر العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن، ويقر الدستور حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية».

على أن المؤسف أن هذا النص الدستوري الصريح لم يجد طريقه إلى التنفيذ الحقيقي، فاشتعلت الانتفاضات والثورات، وانطلقت الحملات العسكرية الوحشية لتدمير إقليم كوردستان والعبث بشعبه الوديع المسلم، حتى إذا أطل ربيع 11 آذار 1970م مبشراً بإعلان الحكم الذاتي انتعشت آمال الشعب الكوردي ببدء عهد جديد للسلم الاجتماعي وللوحدة الوطنية العراقية.

وهنا أريد القول إن برامج معظم الأحزاب والتنظيمات السياسية والقومية العربية ومنطلقاتها تخلو من تشخيص واضح الملامح لقضية القومية الكوردية وقضايا الأقليات في العراق؛ فهذه الأحزاب والتنظيمات تعمم وتغمز من بعض القيادات الكوردية التي تتصل بالقوى الاستعمارية أو الصهيونية، دون محاولة معرفة أسباب هذه الاتصالات المرفوضة والمدانة من قوى التقدم والسلم.

أما التيار الإسلامي فله نظرية شبه غامضة، لأنه يكتفي بالعموميات التي تدعو إلى المساواة وفق المبادئ الإسلامية التي تؤكد عدم وجود فوارق بين العرب والأعاجم إلا بالتقوى وطاعة الله. في حين حدد التيار الماركسي الشيوعي موقفه الجريء من القضية الكوردية في وقت مبكر على أساس حق تقرير المصير، وهو ما جعل البعض يتهمون قيادة الحزب الشيوعي العراقي بأنها خاضعة لسيطرة الأكراد الذين يشكلون نسبة عالية من لجنتها المركزية ومكتبها السياسي.

وبالعودة إلى النقطة الأساسية فيما تقدم نقول: إن الحكومة العراقية (حزب البعث) التي تسلمت السلطة في 17 تموز عام 1968م شرّعت نصوصاً لتنفيذ الحكم الذاتي، غير أن هذه النصوص لم تُنفَّذ كاملة بحق الشعب الكوردي، إذ جاء تحديد الحدود الإقليمية لمنطقة كوردستان مخالفاً لكل الحقائق العلمية ولما كان متفقاً عليه في 11 آذار 1970.

أما حق الأكراد في لغتهم فمبتور غير معمول به، سواء في مجال التعليم أو القضاء أو غيرهما، بالرغم من صدور قانون اللغات المحلية في العهد الملكي.

وقد أسست الحكومة العراقية السابقة مجمعاً علمياً كوردياً ثم تراجعت عنه، وأنشأت جامعة السليمانية في إقليم كوردستان ثم نقلتها إلى أربيل، وهكذا انكمش استعمال اللغة الكوردية في العديد من الدوائر الرسمية في كوردستان العراق.

أما هيئات الحكم الذاتي فإن اختصاصاتها لا ترقى إلى ما تباشره أصغر هيئة محلية من وحدات الحكم المحلي في مصر وغيرها من الدول العربية.

ويرى بعض الباحثين الأكراد أن الحكم الذاتي لا يمثل نظاماً قانونياً صالحاً أساساً لحل المشكلة القومية للشعب الكوردي، ولا لمشكلة الجماعات المتباينة في الدولة الواحدة، لما فيه من عدم مساواة بين الحقوق والالتزامات المتعلقة بعنصر السلطة السياسية في الدولة. وإثر انتفاضة آذار عام 1991م التي أعقبت انسحاب الجيش العراقي من الكويت وإعلان وقف إطلاق النار بعد اتفاق خيمة صفوان، جرت بين الحكومة العراقية والقيادة الكوردية مباحثات من أجل تطبيق الحكم الذاتي في إقليم كوردستان وفقاً لروح قانون الحكم الذاتي الصادر في 11 آذار سنة 1974م.

وقد بدا جلياً أن الاضطراب والقلق كانا يسودان الطرفين؛ فالأكراد الذين هزتهم مأساة حلبجة وقصف أهلها بالسلاح الكيمياوي في 16 آذار عام 1988، التي راح ضحيتها بضعة آلاف (5000) من المواطنين المدنيين الكورد، وأرعبتهم عمليات الأنفال السيئة الصيت، والتغيير الديموغرافي لمدن إقليم كوردستان وقصباته، وإزالة معالم 4500 قرية كوردية، فضلاً عن مدن وقصبات كوردية كثيرة في منطقة كوردستان، تراوحت مطالبهم، قيادةً وشعباً، بين:

  1. حكم ذاتي جذري يعالج سلبيات قانون الحكم الذاتي الصادر في 11 آذار لسنة 1974م وأخطاءه.
  2. طرح مشروع للفيدرالية أو الكونفدرالية للأكراد في منطقة الحكم الذاتي.
  3. طرح مشروع حق تقرير المصير للشعب الكوردي، وقد عرضه بعض القادة الكورد.

وهنا لا بد من إيضاح المقصود بهذه المصطلحات، أعني: الفيدرالية والكونفدرالية وحق تقرير المصير للشعب الكوردي.

الفيدرالية: يقول علماء القانون إن الفيدرالية هي اتحاد بين دولتين أو أكثر، أو انضمام مجموعة من الدول في اتحاد فيدرالي تتخلى فيه الدول المنضوية إليه عن جزء من سيادتها واستقلالها لصالح سلطة عليا تدير القضايا الإستراتيجية، كالدفاع (القوات المسلحة)، والشؤون الخارجية (التمثيل الدبلوماسي)، وميزانية الدولة (الشؤون المالية)، وتترك الشؤون الأخرى للدول المنضوية في الاتحاد الفيدرالي، تديرها الحكومات المحلية التي تتمتع باستقلالها الذاتي عن السلطة العليا.

والشكل الآخر للفيدرالية يتألف إثر تخلي السلطة المركزية داخل دولة معينة، ولا سيما في بلد متعدد القوميات أو متلون التراكيب والتشكيلات التاريخية والإدارية، عن جزء من صلاحياتها المركزية لصالح الحكومات المحلية التي تربطها بالسلطة الفيدرالية العليا علاقات يحددها الدستور.

وبقيام الفيدرالية، سواء نجمت عن اتحاد دول أو عن منح الدولة المركزية صلاحيات لحكومات محلية، وقيام اتحاد مكون من دول أو كيانات سياسية أو قومية، تنبثق دولة جديدة ذات سيادة تضم في ثناياها مجموعة من الدول التي تحتفظ بحكوماتها الخاصة، ويحدد العلاقة بينها دستور الدولة الاتحادية. وتمثل الحكومة العليا أو السلطة العليا في الدولة الفيدرالية مختلف الدول المنضمة إلى الاتحاد، ويشتمل الدستور الفيدرالي عادة على طرق ممارسة الحكومة العليا المركزية لسلطاتها وعلى الميادين التي تتمتع فيها بالصلاحيات.

من أوضح الأمثلة على النظام الفيدرالي

الولايات المتحدة التي تتكون من خمسين ولاية تتمتع بصلاحيات واسعة. ويلاحظ أن صلاحيات الولايات في الولايات المتحدة الأمريكية تشبه ما تنص عليه دساتير بلدان أخرى، مثل أستراليا وفنزويلا والمكسيك والأرجنتين.

وقد أقامت تشيكوسلوفاكيا اتحاداً فيدرالياً بين التشيك والسلوفاك بعد أحداث عام 1968م، وذلك ضمن إطار الدستور الجديد الذي شُرّع في محاولة لمعالجة مشكلة القوميات والحكم في تشيكوسلوفاكيا سابقاً.

ويمكن القول إن الاتحاد التشيكوسلوفاكي سابقاً يمثل الشكل الثاني من أشكال الفيدرالية، إذ جرى التخلي عن بعض صلاحيات الدولة المركزية للحكومتين المحليتين التشيكية والسلوفاكية، في حين اختصت السلطة العليا للدولة الاتحادية بالدفاع والأمن الخارجي والعلاقات الدولية وشؤون الميزانية العامة.

وفي ظل الوضع غير الطبيعي، المتسم بالترقب والقلق والإحباط، الذي كان يمر به إقليم كوردستان قبل عام 2003م، كان الجار الشمالي يعبث بالإقليم ويغتصبه ويمزق بنيته التحتية الهشة كل يوم، مما يحرج الجار الشرقي (إيران) الذي يعاني هو الآخر من مشكلة أكراده، فيسعى بدوره إلى دخول الحلبة.

إن الخضوع لحصار شرس حطّم العراق والعراقيين، وأتى على مئات الألوف من الأطفال والشيوخ والنساء بسبب نقص الدواء وسوء التغذية، فضلاً عن الإحباط واليأس النفسي اللذين يسببهما انعدام الحريات العامة، وتواصل انتهاكات حقوق الإنسان، وافتقار العراق قبل الاحتلال إلى مؤسسات دستورية شرعية.

ما آفاق المستقبل للعراق؟

أي غد ينتظر الأجيال العراقية من العرب والكورد والتركمان والآشوريين (الآثوريين) والإيزيديين والصابئة والأقليات الأخرى؟

وما المطلوب لتثبيت كيان القطر العراقي بحدوده الجغرافية المعروفة، غير القابلة للمساومة أو الثلم أو الابتزاز؟

الآن وقد أضحى جلياً أن الاستقرار للعراق وللمنطقة لا يتم إلا بمنح الشعب الكوردي حقوقه القومية والثقافية بشكل حاسم وإستراتيجي، يضع حداً لآلامه وأحزانه التي طالت كثيراً، ويعوضه عما خسره، سواء أكان ذلك حكماً ذاتياً أم فيدرالية أم كونفيدرالية، أم أبعد من ذلك أم أقل؟

قبل أن نؤكد أهمية هذه الأمور، لا بد من التفكير في حقائق ليست خافية، وهي أن الشعب العراقي اليوم غائب مغيَّب محبط، وسبب ذلك مؤامرة احتلال الكويت وما قبلها وما بعدها، وما تبع ذلك من حظر فظيع فُرض على العراق قبل احتلال نيسان 2003. وإذا أضفنا إلى ذلك ما ذكرناه من انعدام الديمقراطية والمؤسسات الدستورية، كان من المستحيل على المواطن العراقي إبداء الرأي في هذه القضايا الكبرى المصيرية في ظل النظام السابق.

فهذا الوطن (العراق) قبل احتلال نيسان عام 2003م كان يعجز عن توفير رغيف الخبز، ويجد صعوبة في توفير ثمن الدواء أو الاطلاع على كتاب أو مطبوع، إذ كانت الجريدة غير متوفرة في المكتبات بسبب العقوبات الأمنية المفروضة.

وهذا المواطن العراقي لن يتمكن من التعبير عن وجهة نظره إلا إذا أصبح سيداً في بلده، مشاركاً في صناعة القرار السياسي، وهذه المعجزة لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل عراق ديمقراطي تعددي فيدرالي دستوري.

وعوداً على بدء أقول: إن الحوار والتفاوض الحضاري المنفتح، البعيد عن التعصب العرقي أو المذهبي، هو سبيلنا إلى بناء عراق ديمقراطي موحد يكون ظهيراً قوياً للأمة العربية والعالم الإسلامي.

فلنتعلم من الشعوب كيف توحدت شعوب القارة الأوروبية دون أن تؤثر هذه الوحدة في الحقائق العرقية والإثنية لشعوبها.

وتبرز المشكلة القومية في الدول ثنائية القومية أو متعددة القوميات إذا كان هناك خلل في تركيبها الاجتماعي القومي، أي إذا كانت الدولة لا تعكس صورة صحيحة للتركيب القومي في البلاد، كأن تكون الدولة أحادية القومية بينما المجتمع ثنائي القومية، كالعراق وسوريا مثلاً، أو متعدد القوميات كإيران وتركيا. فالمجتمع التركي متعدد القوميات، إذ يتكون من الترك والكورد والعرب، بينما الدولة التركية أحادية القومية تمثل القومية التركية فقط، ولا تنسجم مع التركيب أو الواقع الاجتماعي القومي الحالي في تركيا ضمن حدودها السياسية أو إطارها الإقليمي. فالانسجام في مجتمع حر متعدد القوميات يتطلب أن يجد هذا المجتمع التركي صورته أو تعبيره منعكساً في ظل الحرية والعدالة، أي في دولة متعددة القوميات تتعايش قومياتها معاً في نظام من المساواة والديمقراطية، في إطار الوحدة الوطنية والأرض الإقليمية، مع الاحتفاظ بالهويات الثقافية القومية. ومع غياب الانسجام بين الواقع الاجتماعي القومي في تركيا والصورة المشوهة في كيانها السياسي، سيبرز الخلل والتشويه في جسم الدولة التركية عاجلاً أو آجلاً، ويتحول إلى مشكلة قومية، كما هي الحال الآن في المشكلة القومية الكوردية في تركيا التي تنكر الدولة التركية وجودها.

والمثال السيئ الآخر هو إيران؛ فالمجتمع الإيراني متعدد القوميات، إذ يتكون من الفرس والترك الآذريين (التركمان) والكورد والعرب والبلوش، بينما الدولة الإيرانية أحادية القومية، فهي فارسية، وتعاني لهذا السبب من الخلل لأنها لا تعكس التركيب الاجتماعي القومي في البلاد. وهكذا نجد أن المشكلة القومية متفشية في إيران: المشكلة الكوردية في كوردستان إيران، والمشكلة العربية في عربستان (المحمرة)، والمشكلة البلوشية في بلوشستان، وكلها تنكر إيران وجودها. فقد كانت إيران تقول سابقاً: «كلنا إيرانيون»، وتقول الآن: «كلنا مسلمون»، إذن لا مشكلة! وهكذا قال الدكتور إقبال، رئيس الوزراء الإيراني في النظام الشاهنشاهي، حين زار بريطانيا عام 1959، إذ صرح في مقابلة مع صحيفة «الأوبزرفر» البريطانية الأسبوعية: «لا توجد مشكلة كوردية في إيران». وقد نشرت الصحيفة في العدد التالي رسالة من القائم بأعمال رئيس جمعية الطلبة الأكراد في أوروبا تحت عنوان «المشكلة الكوردية» (Kurdish Problem)، ذكر فيها أن من الأفضل للدكتور إقبال، رئيس وزراء إيران، معالجة المشكلة الكوردية بدلاً من إنكار وجودها.

إن بعض ممثلي الدولة الإيرانية يذهبون في الحقيقة إلى أبعد من إنكار المشكلة، أي إلى إنكار القومية الكوردية، بل حتى إنكار اللغة الكوردية. وهنا أشير إلى حادثة لا تخلو من طرافة، لكنها في غاية الجدية: فقد ترأس رئيس جمعية الطلبة الأكراد في أوروبا وفداً كوردياً خماسياً لإجراء محادثات مع ممثلي السفارة الإيرانية في لندن عام 1959، بناءً على طلب السفارة، بعد أن نشروا بياناً دفاعاً عن الجمهورية العراقية، ومطالبةً بتلبية الحقوق القومية الديمقراطية للشعب الكوردي في إيران، وذلك بمناسبة زيارة الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي إلى بريطانيا. وعندما استفسر الممثل الإيراني عما يريدون، أجابوه: أن يتعلم المواطن الكوردي بلغته الكوردية. فقاطعنا قائلاً: لا توجد لغة كوردية، إنها لغة فارسية! وعندها انتهت المحادثات العتيدة!

أما المجتمع العراقي فهو ثنائي القومية، إذ يتكون من القومية العربية والقومية الكوردية، أما الدولة العراقية فهي أحادية القومية عملياً، ولا تعكس بصدق التركيب الاجتماعي القومي الثنائي في البلاد، ولهذا برز الخلل في كيان الدولة العراقية وتطور إلى مشكلة قومية في غياب العلاج. وذلك رغم ما وُضع من أساس للاعتراف بوجود قومية ثانية في العراق هي القومية الكوردية إلى جانب القومية الأولى وهي القومية العربية، والاعتراف نظرياً بحق القومية الكوردية، سواء في الشراكة في الوطن العراقي، أو في الدستور المؤقت، أو في الحكم الذاتي وبيان 11 آذار 1970م، مما يشير إلى حقيقة ثنائية القومية في المجتمع العراقي ومن ثم في الدولة العراقية، ويعزز بهذه الطريقة التعايش القومي والوحدة الوطنية في ظل الدولة ثنائية القومية.

لا بد أن يكون التعايش القومي طوعياً وحراً، منطلقاً من حق القومية في تقرير مصيرها بنفسها، ومستنداً إلى عقد اتحادي يرتكز على مبدأ المساواة القومية والمصلحة المشتركة، ويستبعد كلياً الوصاية القومية، ناهيك عن الاضطهاد القومي والاستغلال الاقتصادي والاستيطان القسري.

تقوم الدولة الاتحادية، ثنائية القومية أو متعددة القوميات، منطقياً على أساس نظام اتحادي (فيدرالي) يتكون من إدارة مركزية ثنائية القومية أو متعددة القوميات تختص بإدارة شؤون الدولة المركزية كالدفاع والخارجية والمالية، ومن كيانين لا مركزيين أو كيانات لا مركزية تتكون من وحدتين قوميتين أو وحدات قومية تختص بإدارة الشؤون المحلية، كالتعليم والصحة والنقل والزراعة والصناعة والإسكان والشرطة والبلديات والاتصالات. وقد تكون هاتان الوحدتان أو الكيانان القوميان، أو الوحدات والكيانات القومية، جمهوريتين كاملتين أو جمهوريات كاملة تتحد لتشكل الدولة الاتحادية. فقد يكون المجتمع ثنائي القومية فتكون الدولة اتحادية ثنائية القومية، وقد يكون متعدد القوميات فتكون الدولة متعددة القوميات أيضاً، وتتكون من عدة جمهوريات أو كيانات قومية. ويفترض هذا النموذج من الدولة ثنائية القومية أو متعددة القوميات وجود النظام الديمقراطي، فهو شرط جوهري لممارسة القومية أو القوميات حقوقها. والواقع أن العلاقة الجدلية بين الديمقراطية والحقوق القومية بديهية، إذ لا يمكن التمتع بالديمقراطية دون ممارسة الحقوق القومية، ولا يمكن ممارسة الحقوق القومية في غياب الديمقراطية. ويأتي على رأس هذه الحقوق حق تقرير المصير، وهو حق ديمقراطي في جوهره، فلا يمكن لقومية أن تمارس حقها الطبيعي في تقرير مصيرها بنفسها إلا بعد حصولها على حقها الأولي في الحرية والديمقراطية.

إن هذه العلاقة الوثيقة بين الديمقراطية والقومية هي التي تفسر النضال الدائب لحركات التحرر القومي في سبيل الديمقراطية، حتى إنها تضع المطلب الديمقراطي فوق المطلب القومي، وهي على حق في ذلك؛ فوجود الديمقراطية يضمن للشعب ممارسة الحقوق القومية، أما غيابها فيجعل الحق القومي شكلاً بلا مضمون. ومن هنا تأتي الدعوة إلى دمقرطة الدولة، وتوسيع العملية الديمقراطية عبر الديمقراطية البرلمانية، بإجراء الانتخابات التشريعية والإشراف الفاعل على السلطة التنفيذية التي تنبثق منها، مع المحافظة على استقلالية القضاء للحكم بين الناس بالعدل.

تتميز الدولة الاتحادية بالكفاءة في الحكم والإدارة، وبالديمقراطية في تمثيل المصالح المحلية، ولهذا تتبناها حتى مجتمعات أحادية القومية كألمانيا. أما أبرز مثال ناجح للدولة الاتحادية فهو الولايات المتحدة الأمريكية، وإلى هذا الشكل من الدولة يتجه حالياً منهج الدول الأوروبية نحو تشكيل الولايات المتحدة الأوروبية.

وأخيراً، فإن الدولة الاتحادية الفيدرالية الديمقراطية تحل إشكالية عملية، هي التوفيق الناجح بين حق القومية في تقرير مصيرها بنفسها، وهو حق طبيعي ومشروع، ورغبة السلطة المركزية في صيانة الوحدة الوطنية ووحدة الأراضي الإقليمية للدولة، وهي رغبة مفهومة. فهي مبنية على أساس الاختيار الطوعي بوصفه شكلاً من أشكال ممارسة حق تقرير المصير ضمن الوحدة الوطنية في إطار الدولة الواحدة.

هنالك من يهوّل في مغزى الفدرالية سلباً أو إيجاباً، وهو تهويل لا مبرر له في الواقع؛ فالفدرالية في جوهرها نظام إداري لا مركزي تتنازل فيه السلطة المركزية عن بعض صلاحياتها ومسؤولياتها للسلطة الإقليمية أو المحلية الخاصة بالإقليم أو المنطقة، كالتعليم والصحة مثلاً، ضمن مفهوم اللامركزية في الإدارة (Devolution)، كما حدث في بريطانيا مؤخراً بالنسبة إلى اسكتلندا التي أقيم فيها برلمان إقليمي يتمتع بصلاحيات واسعة من ضمنها فرض الضرائب وجبايتها، كما أقيم مجلس وطني في ويلز. أما الشؤون العامة المشتركة التي تخص البلاد أو الدولة كلها، كالدفاع والخارجية، فتبقى من اختصاص السلطة المركزية. ويلاحظ هنا أن الحركة الكوردية التي تدعو إلى الفدرالية لم تطبقها بعد في إقليم كوردستان نفسه؛ فبالرغم من إجرائها الانتخابات المحلية التشريعية والبلدية في الإقليم فإنها لم تشرع في تطبيق الفدرالية فيه، مع أن الفدرالية صيغة تلائم كوردستان أيضاً، وربما أكثر من بقية أنحاء العراق. ويمكن أن تتجسد هذه الصيغة بإقامة نظام إداري لا مركزي فدرالي في إقليم كوردستان على أساس مناطقه الجغرافية التاريخية، وهي بهدينان وسوران وبابان (شهرزور) وگرميان، بحيث يكون لكل منطقة مجلس محلي تشريعي منتخب ينبثق عنه مجلس تنفيذي، يمارسان السلطة بجانب برلمان الإقليم وحكومته، ويكون لكل منطقة حاكم منتخب أيضاً. وعندها تُلغى مناصب المحافظين والقائمقامين ومديري النواحي، وهي من مخلفات النظام الإداري البيروقراطي العثماني البالي، وتُحوَّل صلاحيات هذه المناصب ومسؤولياتها إلى رؤساء البلديات المنتخبين؛ فالمبدأ الملزم هنا هو توكيل السلطة إلى ممثلي الشعب المنتخبين.

ومن نافلة القول أن استكمال الحل السلمي الديمقراطي للمسألة القومية يمر بالضرورة عبر الحوار، كما لمسنا من التجربة، بغض النظر عن الحلول المقترحة. وهذا سيفرز بدوره الاتحاد الفيدرالي الذي يبدأ بالاعتراف بحقيقة موضوعية، هي أن الحركة القومية الديمقراطية الكوردية تمثل في جوهرها مصالح الشعب الكوردي وطموحاته المشروعة، ويشكل هذا الاعتراف مفتاح حل المسألة الكوردية، كما رأينا في بيان 11 آذار 1970م. لهذا فإن المصلحة الوطنية، مصلحة الشعبين الشقيقين العربي والكوردي، تتطلب اعتراف الحركة العربية بمثيلتها الكوردية، بل التحالف معها أيضاً تحالفاً إستراتيجياً لا تكتيكياً؛ فهذا التحالف الإستراتيجي القائم على أساس التآخي العربي الكوردي التاريخي سيكون سنداً قوياً للقوميتين الشقيقتين العربية والكوردية ولكفاحهما المشترك على درب الوحدة والعدالة والديمقراطية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، مما سينعكس إيجاباً على مستقبل القطر والأمة العراقية.


أجزاء «حق تقرير المصير والفيدرالية في كوردستان العراق» (5 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس

الجزء الثاني ←