الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
حق تقرير المصير والفيدرالية في كوردستان العراق (الجزء الرابع)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
المطالبة بإقامة دولة كوردية مستقلة في كوردستان
يَعُدّ القوميون العرب أحياناً المطلب الكوردي بإقامة دولة كوردية مستقلة مطلباً رجعياً، ويطلبون من الكورد رفضه والكفاح ضده. ويبرر أصحاب هذا الموقف موقفهم في الأغلب بخطر استيلاء الإقطاعيين والانتهازيين والمستعمرين على السلطة في هذه الدولة، وهؤلاء معادون للديمقراطية وللحقوق القومية للشعب الكوردي.
وهكذا تصبح كوردستان، في نظر هؤلاء الشوفينيين والعنصريين، قلعة للاستعمار والفاسدين في الشرق الأوسط. غير أن هذا الموقف برمته وفي جوهره لا أساس له، وهو نابع من افتقار هؤلاء القوميين إلى إدراك واقع الحال الراهن في كوردستان. فقد أوضحت لنا التحليلات المتعلقة بالعلاقات السياسية في المجتمع الكوردي أن الانتهازيين فقدوا منذ زمن بعيد زعامة الثورة والحركة القومية الكوردية؛ فعلاقات هؤلاء آخذة بالانحلال، في حين تتزايد الأهمية الحاسمة للوطنيين والشباب. وعليه فإن دولة كوردية يترأسها الإقطاعيون والانتهازيون والمفسدون قد غدت في عداد الماضي، أي في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى. وينبغي ألا يغيب عن بالنا أن الدولة المستقلة لا يمكن أن تنشأ إلا نتيجة كفاح وطني وقومي عنيف تؤدي فيه الروح القومية الوطنية والمخلصون للقضية الكوردية الدور الرئيسي.
ولا يعني قولنا السابق إنكاراً للمركز الاقتصادي المهم وللنفوذ المعيّن اللذين ما يزال الانتهازيون الكورد يتمتعون بهما، واللذين يرتبطان أحياناً بتأثير العلاقات القبلية والإقطاعية التي تخدم مصالح طبقة الإقطاع. لقد بيّنا آنفاً أن هؤلاء والمستفيدين الانتهازيين يشكلون القاعدة الرئيسية للقوى الاستعمارية في المجتمعات، ومنها المجتمع الكوردي، ولذلك ينبغي أن نأخذ في الحسبان أنهم ربما يسببون مصاعب غير قليلة في مجرى التحرر القومي للشعب الكوردي.
إن الدعاية الخبيثة التي تنشرها الدول الغربية، والتي تتظاهر فيها بعدم رضاها عن الموقف الذي تقفه حكومات تركيا وإيران والعراق إزاء الكورد، تخلق أحياناً لدى الكورد الانطباع بأن هذه الدول الغربية هي التي تدعم فكرة إنشاء دولة كوردية مستقلة. ومن الناحية النظرية لا يمكن أن تؤيد الدول الاستعمارية استقلال الكورد، أو استقلال أي أمة أخرى في المنطقة، لاحتمال أن يتضارب ذلك مع مصالحها، إلا إذا اضطرت إليه اضطراراً، وكان أيضاً ضمن مصالحها الإستراتيجية. أما من الناحية العملية فليس من المنطقي أن يطالب الغرب بقيام دولة كوردية مستقلة ضد رغبة حليفتيه في حلف السنتو، إيران (سابقاً) وتركيا. ثم من يضمن للغرب أن يكون الزعماء المنتظرون لكوردستان المستقلة أكثر طاعة من حكومتي تركيا الحالية وإيران زمن الشاه؟ لقد ذكرنا سابقاً أن حلف السنتو موجه كذلك ضد حركة التحرر القومي في المنطقة، ولا سيما ضد كل مساعي الشعب الكوردي، كما ينعكس ذلك في مشروع «عملية النمر» التي ذُكرت في فصل آخر. وتقول صحيفة «لوموند» الفرنسية، التي يقلقها موقف الغرب من حركة التحرر القومي الكوردي: «تتردد حكومات الغرب في تأييد الحركة القومية الكوردية خشية بث الفزع في نفوس حلفائها الأتراك والإيرانيين في زمن الشاه».
وما تزال الاحتكارات الغربية الاستعمارية تمتلك امتيازات استخراج البترول في كوردستان إيران، ومن كركوك الكوردية وحدها كانت الاحتكارات الغربية تجني سابقاً ربحاً سنوياً يتراوح بين 400 و500 مليون دولار، والآن أضعاف ذلك. إن أي تغيّر في الأوضاع القائمة في الشرق الأوسط، في الظرف الدولي الراهن، لا بد أن يؤدي إلى نتائج لا يمكن التنبؤ بها فيما يتعلق بمصالح الغرب البترولية. والقوى الغربية تدرك ذلك إدراكاً تاماً، ولذلك فهي تُعنى أكثر من غيرها بالمحافظة على «الاستقرار والأمن» في الشرق الأوسط، وبالاحتفاظ بمركزها الاقتصادي والسياسي والإستراتيجي في هذه المنطقة.
ويدرك الاستعماريون اليوم كذلك الشعور السائد بين الكورد، ولهذا السبب فهم غير مستعدين لتحمّل أي مجازفة ناجمة عن حصول الكورد على استقلالهم؛ فهم يدركون أن كوردستان المستقلة ستخلق لهم من المشاكل ما يوازي على الأقل ما يواجهه المستعمرون من مشاكل تتمخض عنها حركة التحرر القومي الوطني الكوردي. كما أن مجرى التطورات الراهنة يقلق الغرب، فالحركة الكوردية تزداد جذرية، وتتغلغل الأفكار القومية الكوردية والتقدمية بين الشعب الكوردي. ونظراً لذلك يعرب الغرب أحياناً عن التضامن مع الكورد في نضالهم وكفاحهم، كما يحاول التسلل إلى الحركة القومية الكوردية، وذلك في الأغلب عن طريق النفوذ الذي يتمتع به كبار الانتهازيين المستفيدين من ذلك الوضع.
وليس التدخل الغربي في الحركة القومية الكوردية ظاهرة جديدة؛ فهذا التدخل أسلوب جرى العمل به في السابق وما يزال يجري، وذلك بهدف حرف الكفاح القومي الكوردي من أجل الحصول على الحقوق القومية المشروعة، وضربه من الخلف في اللحظات الحاسمة. وكل ذلك يدلنا على أن كوردستان المستقلة لا تلائم أياً من خطط الدول الغربية ودول الجوار.
قد يحدث أن تستولي الأحزاب الوطنية المعادية للاستعمار على السلطة في إيران وتركيا والعراق، أو أن تطرأ على هذه البلدان تغيرات ديمقراطية جذرية، كما حصل فعلاً في العراق وإيران. أفلا يسعى المستعمرون الغربيون في هذه الحالة إلى تشجيع الكورد ضد هذه البلدان وتأييد مطلبهم بالاستقلال؟ ذلك أمر يُحتمل حدوثه تماماً. ومع ذلك، فلو وقف الغربيون، بدافع من مصالحهم، موقف التأييد الفعلي لانفصال كوردستان عن هذه البلدان، فإن ذلك يدل على أن الكفاح والنضال ضد الاستعمار قد أحرز في هذه البلدان تقدماً كبيراً، وأن الشعب الكوردي هو الآخر قد أحرز مكاسب مهمة في كفاحه ونضاله بوحدته مع الأمم الأخرى في هذه البلدان. ويصبح جلياً في مثل هذه الظروف أن أي مساعٍ يبذلها الغربيون لجرّ الكورد إلى مخططاتهم ستبوء بالفشل. وقد ثبت ذلك عقب ثورة 14 تموز عام 1958 في العراق، حين أبدت الأغلبية الساحقة من الكورد تأييداً فعالاً لحكم عبد الكريم قاسم، وكذلك الحزب الديمقراطي الكوردستاني. والمثال الواضح على ذلك هو الموقف الحاسم الذي وقفه الشعب العراقي إزاء تمرد العقيد الركن عبد الوهاب الشواف في الموصل في ربيع (آذار) عام 1959، وكذلك ضد مؤامرة كركوك التي نظمتها شركة نفط العراق في 14 تموز 1959.
ليس ثمة أي مجال للاتفاق أو التوفيق بين الحركة القومية الكوردية وبين الغرب، الذي سيظل في المستقبل أيضاً العدو الأول لاستقلال كوردستان. وهذا يعني أن المطالبة حالياً بإقامة كوردستان مستقلة ليست أبداً خطوة رجعية أو مؤيدة للاستعمار كما يلمّح بعض الشوفينيين.
يبدو أن انفصال كوردستان سيتمخض عن دولة أصغر حجماً، وبالتالي أضعف اقتصادياً، مما قد لا يحظى بالقبول من وجهة نظر التطور الاقتصادي اللاحق. ورغم أن ثمة حالياً دولاً أصغر حجماً بكثير من كوردستان العراق، فإن السيادة القومية الكوردية في كوردستان لا تشكل أي عقبة أمام الوحدة الاقتصادية للعراق في المستقبل، ولا أمام إقامة تجمعات اقتصادية كبيرة من شأنها أن تضم عدداً من الدول معاً. بل على العكس من ذلك، يمكن اعتبار الاستقلال السياسي الكوردي شرطاً سابقاً ومرحلة ضرورية في الطريق نحو الوحدة الاقتصادية القائمة على التقسيم الدولي للعمل.
فانفصال كوردستان وإقامة دولة كوردية مستقلة لا يعني التجزئة عن العراق بأي حال، بل على العكس، ستنشأ عقب هذا الاستقلال الكوردي الشروط اللازمة لإقامة اتحاد بين كل دول منطقة الشرق الأوسط، وقد يكون ذلك في شكل اتحاد فدرالي، وهي خطوة نحو التمركز السياسي والاقتصادي، التمركز القائم على أساس ديمقراطي. ومن الخطأ اعتبار هذا القول تناقضاً؛ فالاعتراف بحق الانفصال للشعب الكوردي في كوردستان يزيل نظرياً كل العقبات التي تعترض الوحدة، لأن هذه الوحدة لا يمكن إقامتها إلا على أساس من المساواة والعدالة التامة والديمقراطية الكاملة. وفي مجرى التاريخ نشأت علاقات عدم المساواة بين الأمم السائدة والأمم المضطهَدة، وتظهر الظروف الموضوعية لعدم المساواة في الميادين الاقتصادية والسياسية والثقافية في صورة تقدم كبير تحرزه الأمم السائدة. أما الانعكاس الذاتي فيظهر في الطريقة التي تفكر بها الأمة السائدة التي تعامل الأمم المضطهَدة بازدراء وفوقية وشوفينية، وينظر أبناء الأمة المضطهَدة من الجهة الأخرى نظرة ريبة إلى الأمم السائدة، ويميلون إلى الحكم على سائر الأمور من زاوية قومية. إن مهمة إزالة الظروف الموضوعية ونتائجها الذاتية تقتضي زمناً ليس بالقصير أبداً، ومن الضروري قبل كل شيء اكتساب ثقة مواطني الأمة المضطهَدة.
لقد أسلفنا القول إن التقدميين والمثقفين يحبذون من حيث المبدأ انفصال الأمة الكوردية وإنشاء دولة كوردية مستقلة. وإذا كان ينبغي لهم أن يعلنوا حق الشعوب المضطهَدة في تقرير المصير، بما في ذلك الانفصال، ويدافعوا عنه، فإن دعايتهم ينبغي ألا تتركز حول الانفصال فقط، بل حول شعار الوحدة الوطنية والمساواة والحقوق القومية المشروعة. وليس في ذلك تناقض، فتلك هي الطريقة الوحيدة التي تؤدي إلى تقارب الوطن والشعب ووحدتهما.
وفي الظروف الحالية التي نجمت عن تطور تاريخي طويل، ليس هناك، ولا يمكن أن تكون هناك، أي طريقة أخرى يمكن أن تبلغ أهداف الصداقة والمساواة بين الشعوب.
وينطبق هذا كل الانطباق على المسألة الكوردية. فهل بوسعنا اعتبار المطالبة باستقلال كوردستان قضية الساعة في المرحلة الحالية من الكفاح والنضال القومي للشعب الكوردي ومطالبته بحقوقه المشروعة، حين يشكل الاستعمار الغربي القوة المعادية الرئيسية في الشرق الأوسط والنير الذي لم تتخلص منه شعوب المنطقة بعد؟ وكما قلنا من قبل، فإن هذا المطلب في حالة الكورد لا يعني سوى تحقيق مطالبهم، وهكذا لا يسعنا اعتبار انفصال قسم من كوردستان وحده، مثل كوردستان إيران، قياماً لدولة كوردية مستقلة. فلو كان الكورد يعيشون وحدهم مثلاً لكان الوضع أكثر بساطة، ولكانت المسألة الكوردية مسألة أمة تعيش داخل دولة واحدة، ولو كانت كوردستان مستعمرة لكان الوضع أكثر بساطة أيضاً. إن دقة المسألة الكوردية تكمن في حقيقة أن كوردستان مقسمة بين دول مختلفة.
إن المطالبة باستقلال الكورد شعاراً آنياً قد تؤدي إلى الإضرار بالثورة الكوردية وبالنضال المشترك الذي كانت تخوضه داخل العراق سابقاً، وهو شعار لا يمكن في الواقع تلبيته حالياً. وعليه، هل يمكن أن يلبَّى مطلب الكورد في تقرير مصيرهم والاستعمار موجود؟ إن المحاورة مع الغرب بحد ذاتها عملية متعددة الجوانب طويلة المدى، وكذلك مع حلف السنتو ومع القواعد العسكرية، وكل ذلك يؤدي بالشعب الكوردي إلى الوصول إلى نتائج جيدة معهم. ونستخلص من ذلك أن شعار الاستقلال للكورد في المرحلة الحاضرة شعار خاطئ من الناحية النظرية. ولنفرض جدلاً أن نفوذ الغرب في الشرق الأوسط سيأخذ بمضي الزمن في الضعف، وأن القوى الوطنية ستتولى السلطة في البلدان التي يعيش الكورد داخل حدودها، وقد تم ذلك إلى حد ما في العراق عام 1958. ومن المفهوم تماماً أن تعارض الحركات الوطنية العربية في العراق المطالب القومية للشعب الكوردي، وقد حدث ذلك؛ فكما فعلت الحركة الكمالية في تركيا عقب الحرب العالمية الأولى، جرّدت الحكومة العراقية حملة من القمع الشديد ضد السكان الكورد.
فإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الحكومة العراقية، وهي أقل تطوراً وأكثر تعرضاً للاضطهاد وأضعف، ولذلك أكثر جذرية، قد اتخذت هذا الموقف من المطالب القومية للكورد، فلن تلقى الحركة القومية الكوردية موقفاً أفضل من جانب الحكومة في كل من تركيا وإيران، اللتين هما أكثر تطوراً نسبياً وأقل تعرضاً للاضطهاد، وهما لذلك أشد ميلاً إلى المحافظة والشوفينية والعنصرية. وعليه، فما دامت تلك القوى هي التي تحكم البلد فلن يتحقق للكورد حق تقرير المصير. ومن الجهة الأخرى، فمن الخطأ الاستنتاج بأن كل المساعي المبذولة لتحقيق الحقوق القومية وتلبية المطالب الجزئية مساعٍ غير مجدية؛ فالمطالب القومية الكوردية، شأنها شأن كافة المطالب الديمقراطية، ينبغي العمل لتحقيقها. وما دامت السلطة بيد الرجعيين والقوميين والحاقدين فإن تحقيق أي مطلب، مهما كان جزئياً، يستلزم جهوداً كبيرة، ومع ذلك يمكن تحقيق مثل هذه المطالب حتى في مثل هذه الظروف. وتجربة السنين الأخيرة في كل من العراق وإيران تثبت لنا ذلك، كما تثبت أن تلبية مطلب الشعب الكوردي في حق تقرير المصير لا يمكن الوصول إليها فعلياً إلا بالحوار والديمقراطية والعدالة.
طريق الشعب الكوردي نحو الحرية
لئن أراد الكورد، ولا نعني بهم الوطنيين الكورد وحدهم بل الأغلبية الساحقة من الشعب الكوردي، أن يبلغوا الحرية والاستقلال، فليس أمامهم إلا خيار واحد، هو التنسيق مع الحركات الوطنية في الشرق الأوسط، لأنه ليس للكورد حليف ثابت في نضالهم من أجل الحصول على حقوقهم القومية إلا الوطنيون والمثقفون في البلدان المجاورة. وبكلمة أخرى، لا يمكن حل المسألة القومية الكوردية حلاً تاماً ما دامت قوى ذات آراء رجعية وشوفينية وقومية تحتفظ بالسلطة، الأمر الذي يدل على أنه لا يمكن أن يوجد حل نهائي للجانبين السياسي والقومي من المسألة الكوردية ضمن إطار النظام الشوفيني القومي في تلك البلدان. إن تسوية المسألة الكوردية وحلها رهن بتقدم الحلول الديمقراطية في البلدان التي يوجد فيها الكورد في المنطقة.
ومع هذا فسيلزم حتى لتحقيق الحكم الذاتي جهود عظيمة، وينبغي أن يسبقه الاعتراف بوجود الأمة الكوردية ولغتها وتاريخها وثقافتها، ولا سيما في العراق وإيران وتركيا وسوريا، وحينذاك فقط يمكن أن يقام حكم ذاتي في الحقول الاقتصادية والسياسية والثقافية والإدارية. وقد يحدث أن تُشكَّل جمهوريتان اتحاديتان في كوردستان العراق وكوردستان إيران، ضمن كل من الدولتين بطبيعة الحال، ثم تزداد هاتان الجمهوريتان تقارباً بالتدريج حتى يمكن التوصل إلى توحيدهما في نهاية الأمر، وفيما بعد ينضم الجزء الباقي من كوردستان إلى الدولة الناشئة. إننا نركز اهتمامنا طوال الوقت على توحيد أجزاء كوردستان الأربعة، ومع ذلك فإن هذه المسألة لا تخص الكورد وحدهم، بل العرب كذلك؛ فعملية توحيد الكورد لا يمكن فصلها تماماً عن عملية الوحدة العربية، فسيتحد عرب العراق يوماً مع عرب البلدان الأخرى، وستؤثر هذه العملية بالتأكيد في توحيد الكورد، الذين يعيش قسم كبير منهم مع عرب العراق وسوريا.
هل يمكن أن ينال جزء واحد من كوردستان الاستقلال، ويؤلف تبعاً لذلك دولة كوردية حرة مستقلة؟ إن هذا الأمر غير متوقع إلى حد ما، وإن كان مثل هذا التطور لا يمكن استبعاد وقوعه نهائياً. ونحن، وإن كنا لا نود الخوض في التكهنات حول هذا الموضوع، فإن بوسعنا القول إن إقامة مثل هذه الدولة ممكنة شريطة أن تكون هذه الخطوة لفائدة القضية الديمقراطية في الشرق الأوسط برمته، وذلك في ذلك الجزء من كوردستان الذي يتولى الكورد فيه السلطة بعد أن يتوصلوا سياسياً إلى إزاحة الطبقات المستغِلّة عن الحكم في البلد المعني، وفقط عندما يرون أن دولة ديمقراطية مستقلة في جزء واحد من أجزاء كوردستان الأربعة من شأنها أن تكون قدوة تساعد على تنامي الوعي لدى الأمة الكوردية في بقية أجزاء كوردستان، وعلى حلول الديمقراطية في الشرق الأوسط كله.
والقضية الكوردية لا تتعلق بالشكل الذي سيتبلور فيه حق تقرير المصير، لأن ذلك سيعتمد على عدد كبير من العوامل، كما أنها لا تتعلق بحصول الأمة الكوردية شكلياً على دولة مستقلة خاصة بها، بل هي قضية المقدرة الفعلية على استعمال حق تقرير المصير بحرية؛ فالأمر الحاسم إذن هو المضمون. فبوسعنا في هذه الأيام أن نعثر على كثير من البلدان المستقلة شكلياً؛ فالكويت مثلاً مستقل، ويتمتع بسيادة شكلية، وله نشيده الوطني وعملته الخاصة وعلمه وممثله في هيئة الأمم المتحدة. ومن الجهة الأخرى فإن جمهورية أوزبكستان الاتحادية السوفيتية لم تكن دولة ذات سيادة، ولم تكن لديها عملتها الخاصة ولا ممثلها في هيئة الأمم المتحدة، إنما كانت إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، ولكن الواضح للملأ أن الأوزبكيين أمة حرة تقرر مستقبلها بحرية، في حين أن الشعب الكويتي محروم من كل حق يؤهله للبت في أموره بحرية.
ولهذا السبب ستكون المقدرة على تقرير المصير، بالنسبة إلى الكورد، حالياً وفي المستقبل، العامل الحاسم الأكبر. لقد بيّنا فيما سبق أن توحيد الشعب الكوردي سيجري فعلاً، ولا نقصد بهذا أن الكورد سينفصلون عن الشعوب المجاورة؛ فمن المحتمل جداً إقامة اتحادات اختيارية أكبر، الأمر الذي سيكون ذا فائدة كبيرة للشعب الكوردي وللشعوب الأخرى، ومن هذا المنظور ستفقد الحدود القائمة حالياً بين الدول أهميتها في المستقبل. فالاتحاد الطوعي بين الشعوب القائم على أساس الاختيار الحر هو الصورة التي تمثل العلاقات بين الشعوب في المستقبل، وذلك هو أيضاً الحل الصحيح للمسألة القومية الكوردية.
إن الحاجة إلى تسوية عاجلة للمشاكل الاقتصادية في بلدان الشرق الأوسط، والمصالح والمشاكل المشتركة بين الشعوب المعنية، والموقع الجغرافي للمنطقة، والعلاقات الاقتصادية والثقافية التي نشأت تاريخياً بين أمم المنطقة، وأخيراً وليس آخراً الأهمية التي يتمتع بها البترول في اقتصاد غالبية هذه البلدان، كل هذه، فضلاً عن عناصر اقتصادية وسياسية أخرى ستظهر في المستقبل، تتطلب اتحاداً طوعياً بين شعوب منطقة الشرق الأوسط، اتحاداً قائماً على أساس من الديمقراطية والحرية والعلاقات الطيبة. وهذا لا يعني من الزاوية الاقتصادية إقامة كيانات اقتصادية قومية صغيرة، بل إقامة وحدات اقتصادية كبيرة، أو إقليمية على الأقل. والحرية والديمقراطية وحدهما قادرتان على التوصل إلى حل عادل للمسألة القومية على أساس من المساواة بين شعوب المنطقة، وقادرتان على تلافي المسببات الموضوعية لعدم المساواة القائمة حالياً في فترة قصيرة تاريخياً، وتتمثل تلك المسببات في التخلف الاقتصادي والثقافي الذي تعانيه البلدان التي كانت مضطهَدة. لكن ما يتطلب فترة أطول نسبياً هو تلافي مخلفات العقلية التي ينظر بها الناس إلى المسألة القومية، أي الشوفينية والغطرسة المترسبة في ذهنية أبناء الأمة الكبيرة، والنزعة القومية والشك لدى أبناء الأمة الصغيرة. وتتطلب مهمة تلافي انعدام المساواة بين الأمم والشعوب وقتاً أطول بكثير، وجهداً أكبر لتربية الشعوب بروح الوطنية والمساواة والديمقراطية.
تلك هي بوجه عام مشاكل الجوانب السياسية والقومية للمسألة الكوردية، التي دخلت مرحلة جديدة منذ أحداث عام 1961م التي أعقبها فرض الحرب الدموية على الشعب الكوردي في العراق.
النضال من أجل تقرير المصير في كوردستان العراق
ثورة 14 تموز عام 1958 وحكومة عبد الكريم قاسم
لقد فتحت ثورة 14 تموز عام 1958 العراقية آفاقاً جديدة للشعب الكوردي، وتقديراً لمشاركة الكورد في النضال ضد نظام نوري السعيد باشا، ذي الأصل الكوردي، أعلن دستور الجمهورية العراقية أن «العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن». وحقق الشعب الكوردي خلال السنة الأولى من الثورة نتائج مهمة في تأمين مطالبه القومية والسياسية، وظهرت آمال تبشر بأن الشروط الأولية اللازمة سوف تتوفر لحل المسألة الكوردية حلاً معقولاً ضمن إطار الجمهورية العراقية، وهو حل كان يمكن أن يكون نموذجاً للبلدان الأخرى التي يقطنها الشعب الكوردي، ولا سيما أن الطابع الوطني المناهض للاستعمار الغربي لحكومة عبد الكريم قاسم كان يوحي بإمكانية تحقيق هذا الحل العادل الديمقراطي.
وقد اتُّخذت بعض الإجراءات في هذا الصدد؛ فعُيّن السيد خالد النقشبندي، وهو كوردي، في مجلس السيادة المؤلف من ثلاثة أعضاء، وأُدخل أربعة وزراء كورد في الحكومة. وكان شعار الدولة الجديد، جمهورية العراق، يرمز إلى عهد المساواة الجديد، إذ كان يصور السيف العربي متقاطعاً مع الخنجر الكوردي. وعاد الملا مصطفى البارزاني، زعيم الشعب الكوردي، الذي كان يعيش في المنفى في الاتحاد السوفييتي منذ عام 1947، إلى العراق حيث استُقبل بطلاً وطنياً، وجرى الاعتراف رسمياً بالحزب الديمقراطي الكوردستاني، وظهرت بعد فترة وجيزة خمس عشرة صحيفة باللغة الكوردية، أربع منها يومية.
إلا أن هذا العهد السعيد كان قصير العمر، وانتهى بشكل مفاجئ؛ إذ لم تُترجَم نصوص المادة الثالثة من الدستور العراقي المؤقت إلى الواقع السياسي، وبقيت الإدارة العراقية شديدة المركزية إلى حد كبير كما كانت في كل الحكومات السابقة، دون تغيير في تطبيقها في كوردستان، واستمر، كما في الحكومات السابقة، تجاهل اسم «كوردستان» ذاته رسمياً. وبعد السنتين الأوليين طبّق نظام عبد الكريم قاسم سياسته المعادية للديمقراطية، فإلى جانب تشديد أعمال القمع ضد القوى الديمقراطية وكبح الحريات الديمقراطية، شدد القمع والإرهاب ضد منجزات الشعب الكوردي وحقوقه.
وفي تشرين الأول عام 1960 نشرت «خه بات»، الجريدة المركزية للحزب الديمقراطي الكوردستاني، افتتاحية تنتقد عبد الكريم قاسم لعدم تطبيقه المادة الثالثة من الدستور ورفضه توسيع الحريات الديمقراطية. وقالت الافتتاحية تعليقاً على المادة الثانية من الدستور التي تعلن أن العراق «جزء من الوطن العربي»: «إذا كان العراق جزءاً من الوطن العربي فإن كوردستان جزء من الوطن الكوردي».
فكانت هذه الافتتاحية علامة افتراق السبل النهائي؛ فسحبت حكومة عبد الكريم قاسم الامتيازات التي كانت الحركة القومية الكوردية لا تزال تتمتع بها، وأغلقت جريدة «خه بات»، وصودرت أخيراً جميع الصحف الكوردية. وعاد الملا مصطفى البارزاني، الذي لم يعد يشعر بالأمان في بغداد، إلى مسقط رأسه في منطقة بارزان، حيث انتظر بصبر وذكاء تطور الوضع، راجياً أن يعود عبد الكريم قاسم إلى صوابه. واختفى العديد من القادة الكورد الذين كان يتهددهم الاعتقال، أو سافروا إلى كوردستان للانضمام إلى الملا مصطفى البارزاني وأتباعه.
وفي نهاية عام 1960 بدأت حكومة عبد الكريم قاسم تضطهد الوطنيين الكورد بشكل سافر، وساعدت أجهزة الحكومة كبار الإقطاعيين على محاربة الفلاحين وسواهم من الوطنيين الكورد الذين طالبوا بإصلاح زراعي حقيقي وإزالة القمع الإقطاعي. وأخذت عصابات الإقطاعيين المسلحة تحرق القرى ومخازن الحبوب، وتقتل الفلاحين وتسلبهم، وقد نُظّمت هذه الجرائم على نطاق واسع.
وفي ربيع 1961 ازداد الوضع سوءاً في كوردستان، فنظمت حكومة عبد الكريم قاسم، بالتعاون مع بعض شيوخ القبائل الكوردية الرجعيين وكبار الملاكين، استفزازات مسلحة اتخذتها ذريعة لعملياتها الحربية في كوردستان العراق. وجاءت الأنباء بأن ضربة ماحقة يجري إعدادها ضد عشيرة الملا مصطفى البارزاني، التي كانت قد تعرضت لاضطهاد وحشي للغاية في عهد الحكم الملكي.
فاضطر الشعب الكوردي إلى حمل السلاح دفاعاً عن حياته وممتلكاته. وقد أثارت استفزازات حكومة عبد الكريم قاسم المسلحة وأعمالها المعادية للديمقراطية سخط الشعب الكوردي، فلجأ العديد من الوطنيين الكورد، ولا سيما الشبان والمثقفون، إلى الجبال، ونظموا قوات البيشمركة المسلحة.
ولم يكن تحت تصرف الملا مصطفى البارزاني إلا 700 بندقية قديمة عندما شنت حكومة عبد الكريم قاسم هجومها على المنطقة الكوردية. ولكن بفضل قيادة الزعيم الكوردي الملا مصطفى البارزاني وكفاءته العسكرية وشخصيته القوية التي يحترمها جميع الأكراد، وبفضل تنظيم الحركة الثورية الكوردية والوعي السياسي العالي للجماهير الكوردية، وهما العاملان اللذان استطاع الحزب الديمقراطي الكوردستاني أن يجمع بينهما بجدارة كبيرة وأن يسير في طليعة الشعب الكوردي وقيادته، وبفضل شجاعة هذا الشعب وتضحياته، تحولت هذه الحركة والثورة الكوردية إلى حرب تحرير بكل معنى الكلمة.
إن العمليات العسكرية التي قامت بها حكومة عبد الكريم قاسم، وقصف السكان الكورد الآمنين، وتدمير القرى، والضغط السياسي والعسكري وحتى الاقتصادي الذي لا سابق له، لم تؤدِّ إلى أي نتيجة؛ فقد أصبحت وحدة الشعب الكوردي أوثق، واتحدت الغالبية الساحقة من الكورد في كوردستان العراق تحت قيادة زعيمهم الوطني الملا مصطفى البارزاني. ووصلت سياسة عبد الكريم قاسم في كوردستان العراق إلى طريق مسدود، فكانت بالتالي أحد الأسباب الرئيسية لسقوط حكمه الديكتاتوري في 8 شباط 1963 (14 رمضان).
أجزاء «حق تقرير المصير والفيدرالية في كوردستان العراق» (5 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع (هذا الجزء)
- الجزء الخامس