الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
حق تقرير المصير والفيدرالية في كوردستان العراق (الجزء السادس)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
منطقة الشرق الأوسط والقوميات فيها
كانت منطقة الشرق الأوسط منذ القدم بمثابة خيمة تعيش تحتها مجموعة من القوميات، لكل منها خصوصيتها ومشاركتها في الحضارة المدنية والثقافة المشتركة.
وتعرضت هذه المنطقة لغزوات واحتلالات خارجية، وذاقت الأمرّين من البطش والتهديد والقمع والقهر القومي على أيدي الغزاة المحتلين، وبالذات على أيدي السلطات العثمانية التي استخدمت أساليب وأشكالاً مختلفة من صنوف الاضطهاد والحرمان والتمييز العنصري لشلّ إرادة الشعوب المطالبة بحقوقها القومية المشروعة وبالخلاص من الأوضاع التي تعيشها. الأمر الذي دفع طلائع الحركة القومية والعناصر المثقفة الواعية، وبالذات من الشعبين العربي والكوردي، إلى النضال لتحقيق حقوقهم القومية المشروعة، بما فيها حق هذه الشعوب في الاستقلال ورفض الخضوع والمذلة.
ومنذ بداية القرن العشرين ظهرت للوجود حركات سياسية قومية منظمة تمكنت من تعبئة الجماهير المتطلعة إلى الحرية والسلام، وخاضت نضالاً عسيراً، وقدمت تضحيات جساماً على هذا الطريق.
وما إن انتهت الحرب العالمية الأولى وانهارت الإمبراطورية العثمانية حتى بدأت المرحلة الجديدة من تقسيم المنطقة إلى مناطق نفوذ للمحتلين الجدد، وانتقلت المنطقة من هيمنة السلطات العثمانية إلى هيمنة الاحتلال الأجنبي لقوات الحلفاء المنتصرة في الحرب، التي قسمت البلدان فيما بينها وفقاً لمصالحها الاستعمارية بعد عقد مجموعة من المعاهدات والمواثيق الاستعمارية، ومنها اتفاقية سايكس-بيكو 1916م.
إن الوضع الجديد في منطقة الشرق الأوسط دفع شعوب المنطقة إلى ممارسة أساليب جديدة للدفاع عن الوطن، بعد أن تكشفت نوايا دول الحلفاء وادعاءاتها بالنسبة إلى شعوب المنطقة، وحفزها إلى النضال المشترك ضد تلك الدول التي أخذت تستخدم سياسة «فرّق تسد» لمزيد من السيطرة على الشعوب وثرواتها القومية.
وإن النضال المشترك الموحد أفشل العديد من المعاهدات والمخططات الاستعمارية، وتصاعد الشعور الوطني والقومي أكثر من ذي قبل لدى القوى والأحزاب والتنظيمات السياسية، وبالأخص بعد الحرب العالمية الثانية، مما أدى إلى تشكيل جبهات معارضة وطنية ضد تلك الاتفاقيات والمعاهدات المشبوهة والمعادية لتطلعات شعوب المنطقة وطموحاتها، وإلى خلق حالة متطورة من التضامن والتفاهم المشترك، خاصة بين الشعبين الشقيقين العربي والكوردي. وتجسد ذلك جلياً في نضالهما المشترك ضد الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وفي الوثبة المجيدة عام 1948م، وانتفاضة عام 1952م، والنضال ضد مشروع آيزنهاور وحلف بغداد عام 1955، والعدوان الثلاثي الغاشم على مصر عام 1956، ودعم النضال المشروع للشعبين الجزائري والفلسطيني من أجل نيل حقوقهما المشروعة وحق تقرير مصيرهما.
وقد أثبت التضامن القومي الوطني بين العرب والكورد للتاريخ أنه كفيل بتحقيق الأهداف المشتركة ومقاومة المخططات الاستعمارية.
ولهذا بدأت القوى المعادية والمناهضة لتطلعات الشعبين العربي والكوردي تعزف على وتر التفرقة وزرع الشكوك بهدف تمزيق وحدة الصف الوطني خدمة لأهدافها الاستعمارية، مستعينة بظهور ثغرات وخلافات بين صفوف القوى الوطنية بعد مرحلة الانتداب والانتقال إلى تشكيل الكيانات المستقلة.
وتمكنت فعلاً من تأليب القوى السياسية بعضها على بعض، وتحويل الصراع الجانبي فيما بينها إلى صراعات تناحرية في ظل الأنظمة غير الديمقراطية والشوفينية.
كما تمكنت من تفجير المشاكل والخلافات وتوسيع مداها، وتحويلها أحياناً إلى نزاعات مسلحة، لخلق أجواء ملائمة للتدخل والضغط وتوجيه الأوضاع لخدمة مصالحها السياسية والاقتصادية والإستراتيجية، وتعقيد الأمور أكثر فأكثر حتى تجعل من نفسها طرفاً وسيطاً لحل تلك المنازعات، والعودة إلى المنطقة للسيطرة عليها بشكل آخر.
إن الشعب الكوردي أحد الشعوب العريقة في منطقة الشرق الأوسط منذ البداية، وقد أخذ، وبالأخص بعد الحرب العالمية الثانية وإعلان الجمهورية العراقية في 14 تموز 1958م، يبذل الجهود من أجل حل قضيته القومية العادلة على أساس ديمقراطي سليم ضمن وحدة العراق، وشراكة الشعبين العربي والكوردي التي أقرتها المادة (3) من الدستور المؤقت بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958م.
وجسّد الشعب الكوردي وقيادته ذلك لفترة طويلة بشعارهما المركزي: «الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان العراق». ولكن، مع الأسف الشديد، قابلت الأنظمة المتعاقبة على الحكم في بغداد الطموح والحق القومي المشروع للشعب الكوردي بالحديد والنار، واستخدمت مختلف الأساليب والوسائل والقوة العسكرية لمواجهة ذلك، وقامت بتغيير البنية السكانية في كوردستان عبر اتباع سياسة القتل الجماعي والقمع والتنكيل والاضطهاد والتهجير القسري والتعريب في كوردستان، وعمليات الإبادة الجماعية (الجينوسايد)، والقضاء على الزرع والضرع، مما دفع الشعب الكوردي إلى الدفاع عن نفسه بمختلف الوسائل النضالية، بما فيها اللجوء إلى الكفاح المسلح.
ومع ذلك كان الشعب الكوردي دائماً مع الحل السلمي والديمقراطي والحوار الأخوي البنّاء للتوصل إلى حل عادل للقضية الكوردية في إطار وحدة العراق، لإبعاد التدخلات الخارجية واستغلال هذا الصراع من جانب القوى الأجنبية المعادية لتطلعات الشعبين الشقيقين العربي والكوردي.
وقد دخل الأكراد في مفاوضات عدة مرات مع الحكومات المركزية العراقية المتعاقبة، وكانت اتفاقية 11 آذار (مارس) 1970م إحدى المحاولات الإيجابية والجادة لحل المشكلة الكوردية بالطرق السلمية. فعلى الرغم من كل المآسي التي تعرض لها الشعب الكوردي على أيدي السلطات العراقية المتعاقبة على الحكم، فقد كان دائماً مع الحل السلمي للقضية القومية الكوردية المشروعة، ولم يدع فرصة إلا بادر فيها بإخلاص إلى الحوار، حقناً للدماء البريئة وحرصاً على وحدة العراق.
كما فعل ذلك بعد انتفاضة آذار (مارس) 1991م، حيث دخلت الجبهة الكوردستانية في حوار ومفاوضات لعدة شهور في تلك الظروف الدقيقة والمعقدة بالنسبة إلى الحكومة العراقية المركزية بعد تورطها في حرب الخليج الثانية واحتلال الكويت في 2 آب 1990م.
وبالرغم مما قدمه الوفد الكوردي المفاوض من مرونة، أصرت حكومة بغداد ونظام حزب البعث على مواقفهما المتعنتة السابقة، ولم يعترفا بالحد الأدنى من الحقوق القومية العادلة للشعب الكوردي، بل لجأت الحكومة إلى سحب الدوائر والمؤسسات الرسمية من منطقة كوردستان عام 1991م، واستمرت سياستها الشوفينية في ترحيل العائلات الكوردية وتهجيرها قسراً من المدن الكوردية الواقعة تحت سيطرتها وتعريبها.
الأمر الذي عقّد الأمور أكثر فأكثر، ودفع قوى الجبهة الكوردستانية آنذاك إلى ملء الفراغ في إدارة الإقليم (المحافظات)، وذلك بإجراء انتخابات المجلس الوطني الكوردستاني، وتشكيل حكومة الإقليم، وإعلان الفيدرالية صيغةً مناسبة في إطار الجمهورية العراقية الموحدة، وقد نالت التأييد من جميع الأحزاب الكوردستانية في العراق.
والفيدرالية لا تعني الانفصال، بل هي صيغة عصرية لحل مشاكل الدولة المتعددة القوميات، وتعزز الوحدة الوطنية.
ومنذ ذلك الوقت لم تنقطع الجهود لحل القضية الكوردية بين القوى السياسية الكوردستانية والحكومة المركزية.
ولكن لم يتم التوصل حتى احتلال العراق في نيسان عام 2003، وإلى الآن، إلى صيغة مناسبة، على الرغم من القناعة بأن الحل السلمي والديمقراطي ضمن الإطار العراقي هو أفضل صيغة للنقاش السلمي بين الشعبين الشقيقين العربي والكوردي، وأنه يُبعد العراق عن التدخلات الأجنبية ومخاطر التمزيق. ودون ذلك لا يمكن أن يسود الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط خاصة، إذا أخذنا بنظر الاعتبار الخلافات الموجودة بين دول المنطقة، وخصوصاً في الحدود والأمن والمياه وغيرها.
والخلاصة أن إيجاد حل سلمي ديمقراطي للمسألة الكوردية في العراق يخدم مصلحة الشعبين العربي والكوردي، ويقوّي أواصر الأخوّة التاريخية بينهما، ويجنّب العراق بشكل خاص، والدول العربية وشعوب المنطقة بشكل عام، مخاطر جدية على استقرارها وأمنها وسلامها ومستقبلها، ويرسي معالم سليمة للعلاقات الوطنية والقومية على أسس الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والسيادة الوطنية وحق الشعوب في تقرير مصيرها تعبيراً عن إرادتها الحرة، وعلى أساس التعايش الأخوي، لمواجهة المخططات المناهضة لوحدة الشعبين العربي والكوردي وتآخيهما.
حق تقرير المصير للشعب الكوردي
في 22 أيار 1919 أرسل الممثل السياسي البريطاني في بغداد برقية رقمها 5354 إلى سكرتير (وزير) وزارة الهند البريطانية في لندن ذكر فيها: «وصل الزعيم الكوردي السيد طه الشمزيني إلى بغداد من منطقة نهري، وقابلته مدة طويلة. إن الضباط السياسيين البريطانيين يعتبرون نفوذه بين أكراد كوردستان الوسطى وشمال غرب إيران أكبر من نفوذ أي فرد آخر، ويشهد بهذا نقيب بغداد» (عبد الرحمن النقيب، رئيس وزراء العراق العربي الجديد).
«أعلن الزعيم الكوردي السيد طه الشمزيني أن غايته من القدوم إلى بغداد هي المطالبة بكوردستان موحدة، تضم كل أكراد إيران، تحت الحماية البريطانية، وقد ظهرت عليه خيبة أمل كبيرة عندما شرحت له ألا يتوقع مساعدتنا (بريطانيا) في بلوغ غايته (دولة كوردستان) فيما يخص أكراد إيران. ومن بين مطالبه كان العفو العام، وخلق إدارات كوردية عديدة ذات حكم ذاتي، وتقديم الحكومة البريطانية مساعدات مادية كما تقدم للحكومة العراقية العربية».
وقد أوصى الممثل السياسي البريطاني بإعطاء «تأكيدات تامة بخصوص العفو، دون التعهد بقبول الحماية البريطانية على ولاية الموصل (كوردستان العراق) إلى أن ينجلي الموقف العام».
وفي 5 حزيران 1919 أجاب سكرتير وزارة الهند البريطانية في لندن ببرقية مستعجلة رقمها 192 قائلاً: «لا أنصح بإعطاء وعد بالعفو»، مضيفاً: «سأكون سعيداً إذا زودتني بسرعة بآرائك عن حدود المناطق الكوردية المعيّنة، وإن كنت لا تزال مؤيداً لاستثناء ديار بكر وأورفة، ولاية الموصل (كوردستان تركيا)، من دولة العراق العربي».
وكان رد الممثل السياسي البريطاني، الذي أرسله في برقية تحت عنوان «كوردستان» مؤرخة في 13 حزيران 1919 ومرقمة 6666، كما يلي: «إن الحدود التركية الفارسية يجب على الأكثر أن تكون الحدود الشرقية للمقاطعة (كوردستان) التي ستُعتبر ذات أغلبية كوردية. ولأسباب اقتصادية وإستراتيجية، ولأجل تأمين فوائد بقعة جبلية (كوردستان) لدولة العراق العربي، مشجرة بصورة جيدة وقابلة لتطور كبير، من المرغوب فيه ضم السليمانية ورانية وكويسنجق ضمن حدود إدارة ما بين النهرين (ميسوبوتاميا) التي تشمل ولايتي بغداد والبصرة فقط. وأربيل هي إحدى نقاط خطوط التشكيل للسكك الحديد إلى الموصل، ولهذا يجب استثناؤها، مثل عقرة، من كوردستان (الدولة الكوردية المقترحة أو المفترضة بعد الحرب العالمية الأولى). كذلك يجب اعتبار دهوك وزاخو واقعتين ضمن ميسوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين بعد إضافة ولاية الموصل إليها)، ولكن ليس العمادية».
«إني أرى أن الحدود الجنوبية للمقاطعة (كوردستان) التي غالبيتها كوردية يجب أن تكون شمال الجزيرة قليلاً، شمال نصيبين، جنوب ماردين، شمال رأس العين في سوريا، على خط العرض 37 إلى بيره جك على نهر الفرات، ثم تتبع حدود ولايات خربوط (معمورة العزيز) وبتليس ووان، وهكذا نستثني أذربيجان وأرضروم». وكان من بين مقترحاته أن تكون مدن الموصل وبغداد والبصرة دولة عربية تحت الرعاية البريطانية.
وفي 22 آب 1919 أرسل سكرتير (وزير) وزارة الهند البريطانية برقية من لندن إلى الممثل السياسي البريطاني في بغداد جاء فيها ما يلي: «بحثت حكومة صاحب الجلالة بدقة مسألة السكك الحديد من قزلرباط نحو كفري وكركوك، وبغض النظر عن الاستعمال النهائي لهذا الخط فإننا نوصي ببنائه حالاً لأسباب إستراتيجية، لحفظ كوردستان الجنوبية وتهدئتها. إنها (حكومة صاحب الجلالة) أيدت إلى الآن سياسة توسيع النفوذ البريطاني إلى كوردستان الجنوبية لاعتقادها أن السكان الأكراد يرحبون به، لهذا وافقت على الاقتراح الوارد في برقيتك المؤرخة في 9 أيار بخلق مجموعة من الدول الكوردية ذات الحكم الذاتي يحكمها رؤساء أكراد. ويظهر أن اعتقادنا كان خاطئاً، وأن السكان الكورد، بدل الترحيب بالنفوذ البريطاني، يظهرون عداءً شديداً له، ولهذا فالسكك الحديد الإستراتيجية ضرورية لكبح جماحهم».
وأشاد الممثل السياسي البريطاني في بغداد بهذا الخط في برقية تاريخها 18 آب 1919، رقمها 10081، موجهة إلى سكرتير وزارة الهند البريطانية، قائلاً: «أعتبر المكاسب الاقتصادية أكبر من الفوائد الإستراتيجية، إنه يمر خلال منابع نفطية ثمينة، وخلال البقعة الرئيسية لزراعة الحنطة في ميسوبوتاميا (بين النهرين، ولايتي بغداد والبصرة)، ولها محاصيل ريفية وغابات نحتاجها للغاية. إن الأمل بوجود ثروة معدنية غير مؤكد، لكن لا يمكن إهماله».
وفي 22 تشرين الثاني 1919 أرسل سكرتير (وزير) وزارة الهند البريطانية برقية إلى الممثل البريطاني في بغداد قائلاً: «يظهر أن كوردستان يجب تركها لمصيرها، والقضية العملية هي: كيف يمكن إنجاز هذا بصورة ثابتة، والمحافظة على الأمن والسلام على حدود بلاد ما بين النهرين (ميسوبوتاميا، ولايتي بغداد والبصرة فقط)؟ إن نوئيل (الميجر نوئيل) ينصحنا بأن هنالك ثلاثة شروط هي:
- يجب إخراج النفوذ التركي من كوردستان (ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية).
- يجب عدم تقسيم كوردستان.
- يجب أن تتبع حدود كوردستان، بقدر الإمكان، الخط القومي (الإثنولوجي) بين الأكراد والعرب.
ويرى الميجر نوئيل أن الأكراد عند تركهم لمصيرهم سيصبحون موالين لبريطانيا، ولن يحتاجوا إلى تشجيع أو مساعدة لإبقاء الأتراك في الخارج، ويعتقد أيضاً أن تقسيم البلاد بإلحاق أغنى أجزائها، أي كوردستان الجنوبية، ببلاد ما بين النهرين (ميسوبوتاميا) سيقدم الفرص للدعاية القومية المعادية لبريطانيا». وأضاف الوزير البريطاني: «وفيما يخص كوردستان ذاتها، فلا نزال نعتقد أنه قد يكون عملياً تشجيع تشكيل فدرالية من الدول الكوردية ذات الحكم الذاتي، التي قد تتنازع فيما بينها لكنها لن تلحق الأذى بميسوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين، ولايتي بغداد والبصرة فقط)».
وهكذا يتضح أن الحكومة البريطانية كانت في هذه المرحلة تؤيد إقامة كيان كوردي في شكل اتحاد فدرالي من دول كوردية ذات حكم ذاتي، ولم تكن هنالك بعدُ أي اقتراحات لإلحاق كوردستان بالدول المجاورة. ولهذا فإن لحذف الفقرات التالية من برقية لوكالة «رويتر» في 22 تشرين الثاني 1919 مغزاه: «أعلن مراسل جريدة التايمز في الشرق الأوسط، في ولاية الموصل، أن إلحاق كوردستان الجنوبية بميسوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين، ولايتي بغداد والبصرة العربية فقط) هو الطريق الوحيد لتأمين السلام في مقاطعة خانقين-السليمانية، وهو ضروري بسبب مسؤولياتنا تجاه الفرس».
وفي 26 تشرين الثاني 1919 أبرق الحاكم المدني البريطاني في بغداد إلى سكرتير وزارة الهند البريطانية: «لا أوافق على شروط الميجر نوئيل الثلاثة»، وأضاف: «لا أزال أوصي بخلق دول ذات حكم ذاتي للأكراد كأحسن وسيلة للحدود الشمالية لميسوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين العربية، أي ولايتي بغداد والبصرة فقط)».
وقد صودق على هذا الرأي في مؤتمر عُقد في دائرة (وزارة) الهند البريطانية في لندن يوم السبت 6 كانون الأول 1919 برئاسة السير آي. إج. هيرتزل لبحث الحدود بين كوردستان وميسوبوتاميا العربية، وقد لخص هيرتزل المناقشات قائلاً:
«في اعتقاد الكونفرنس (المؤتمر) يجب أن تكون هنالك دولة كوردية في السليمانية تحت الرعاية البريطانية، وأن يكون هنالك مجلس كوردي لإدارة شؤون المقاطعة الكوردية الواقعة بين الزابين، ولكن يجب استثناء رواندوز إلى أن تطلب الانضمام، وأن تكون الجزيرة مركزاً لدولة كوردية ذات حكم ذاتي تكون تحت رعاية فرد من عائلة بدرخان».
وتذكر سجلات المؤتمر أن السير هيرتزل لفت الانتباه إلى المساحة الواقعة وراء الزاب الكبير، وقال إن الكولونيل ويلسون شمل زاخو وعقرة ضمن خطه، وذكر الميجر نوئيل أن البلدتين كورديتان، وأنه سيستثنيهما من بلاد ما بين النهرين (ميسوبوتاميا) العربية، وسيرسم الحدود جنوب عقرة إلى فيشخابور على نهر دجلة.
وهنا ثانية يتبين أن الحكومة البريطانية كانت ماضية في تشكيل عدة كيانات أو دول كوردية ذات حكم ذاتي في كوردستان، لكن الأحداث جرت في اتجاه آخر.
فقد تمخض مؤتمر الصلح في باريس 1919 عن توقيع معاهدة سيفر في 10 آب 1920، التي اعترفت، ولو بصورة مشوهة، بحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره بنفسه، بعد التنسيق مع الممثل الأرمني نوبار باشا والممثل الكوردي شريف باشا السليماني، وذلك في المواد الشهيرة 62 و63 و64 من معاهدة سيفر، التي نعيد نشر نصوصها لأهميتها التاريخية، وهي كما يلي:
معاهدة سيفر (10 آب 1920) وكوردستان: القسم الثالث
- المادة 62:
«ترسم لجنة في القسطنطينية (إسطنبول) مكونة من ثلاثة أعضاء من قبل الحكومات البريطانية والفرنسية والإيطالية مشروعاً للحكم الذاتي المحلي للمساحات التي تقطنها غالبية كوردية، الواقعة شرق الفرات، جنوب الحدود الجنوبية لأرمينيا كما ستتقرر، وشمال حدود تركيا مع سوريا وما بين النهرين (ميسوبوتاميا، ولايتي بغداد والبصرة العربية) كما هو محدد في المادة 27 القسم الثاني (2) و(3). وفي حالة عدم حصول الإجماع في الرأي حول أي مسألة تُحال القضية إلى الحكومات الثلاث. يوفر المشروع ضمانات لحماية الآثوريين والكلدانيين والأقليات الدينية والقومية الأخرى في هذه المناطق، ولهذه الغاية تتكون لجنة من الممثلين البريطاني والفرنسي والإيطالي والفارسي والكوردي، تزور البقعة وتفحصها وتقرر التعديلات عند الضرورة على الحدود التركية التي تتطابق، حسب نصوص المعاهدة الحالية، مع الحدود الفارسية».
- المادة 63:
«توافق الحكومة التركية على قبول وتنفيذ مقررات اللجنتين المذكورتين في المادة 62 خلال فترة ثلاثة أشهر من إيصالها إلى تلك الحكومة».
- المادة 64:
«إذا قررت الشعوب الكوردية في المناطق المحددة في المادة (62)، خلال سنة من بدء تنفيذ المعاهدة الحالية (سيفر)، أن تبيّن لمجلس عصبة الأمم أن أكثرية سكان هذه المناطق، وهم الأكراد، تريد الاستقلال عن تركيا، وإذا قرر المجلس (عصبة الأمم) أن هذا الشعب الكوردي قادر على هذا الاستقلال وأوصى بمنحه إياه، توافق تركيا على تنفيذ التوصية وتتخلى عن جميع الحقوق في هذه المقاطعات الكوردية (كوردستان).
النصوص التفصيلية لهذا التخلي ستكون موضوعاً لاتفاقية منفصلة بين الدول الحليفة الرئيسية وتركيا.
عندما يحدث هذا التخلي، لن تعارض الدول الحليفة الرئيسية انضمام الأكراد القاطنين ذلك القسم من كوردستان، ضمن ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية)، إلى هذه الدولة الكوردية المستقلة».
وُلدت معاهدة سيفر 1920 يتيمة وماتت لفقدان الرعاية، فقد عقدت بريطانيا صفقة مع تركيا تضمنت الموافقة على إلحاق ولاية الموصل (كوردستان العراق) بالعراق العربي مقابل وأد معاهدة سيفر 1920.
ويجب القول إن معاهدة سيفر فُصّلت على مقاس الأرمن لا الكورد، في وقت كانت الأرض قد خلت من الأرمن عملياً بسبب حملة الإبادة (Genocide) التركية ضدهم؛ إذ لم يكن يقطن المنطقة المعنية بالمعاهدة، وهي كوردستان في الحقيقة، إلا بضعة آلاف من الأرمن، فقد بلغ عدد نفوس الأرمن في تركيا كلها أربعة وثمانين ألف نسمة حتى عام 1919، منهم أربعة آلاف نسمة فقط في الأقاليم الشرقية الكوردية، بموجب إحصائية البطريركية الأرمنية في إسطنبول، التي بلغ عدد الأرمن فيها ثمانين ألف نسمة.
أما الطرف الكوردي فقد كان منهكاً نتيجة ويلات الحرب وأهوالها، ويعاني من ضعف القيادة الميدانية وغياب المنهاج السياسي الواضح حينئذ. وباختصار، كان شريف باشا السليماني ونوبار باشا الأرمني، ممثلا الكورد والأرمن، جنرالين بلا جنود، ولم يكن بوسعهما حماية معاهدة سيفر 1920م.
وللمزيد من المعلومات حول تقرير المصير للشعب الكوردي، راجع كتابنا «الأمة الكوردية بدون دولة».
أجزاء «حق تقرير المصير والفيدرالية في كوردستان العراق» (5 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس (هذا الجزء)