الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
حق تقرير المصير والفيدرالية في كوردستان العراق (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
النظام الفيدرالي للكورد في كوردستان
اتخذ المجلس التشريعي الكوردي (البرلمان الكوردي) في الرابع من تشرين الأول (أكتوبر) عام 1992 قراراً بتبني النظام الفيدرالي للعراق، فأعاد إلى الأذهان مجدداً التعقيدات والأخطار التي تواجه القضية الكوردية، لا في العراق وحده، بل في غيره من دول المنطقة والدول العربية.
كما كشف هذا القرار قصوراً ذاتياً غريباً في تفكير عدد كبير من أجنحة الرأي السياسي في العراق ودول المنطقة والدول العربية، ونقصد بها تلك الأحزاب والكتل السياسية التي تميل إلى الإبقاء على الوضع الراهن وتقاوم التغيير، رغم أن الشعب الكوردي ما زال كما كان محروماً من أبسط حقوقه القومية الأساسية، ولا سيما حقه في إقامة كيانه السياسي الخاص أسوة بغيره من الشعوب، وهو من هذه الناحية ربما كان واحداً من الشعوب القليلة جداً في العالم التي حُرمت من مثل هذا الحق. ومع ذلك فهو لا يفكر إلا في مجرد إعادة تنظيم طروحاته القومية وأولوياته الضرورية في ضوء التطورات الدولية المتسارعة تسارع العاصفة. وحتى هذا الموقف بدا كافياً لإثارة غيظ جانب كبير من القوى المحافظة التقليدية، بل القوى الأقل محافظة وتقليدية، داخل الحكومة وخارجها. وربما يُعزى ذلك إلى الخلفيات والأصول الفكرية لبعض تلك القوى، وإلى الأسس التي ترتكز عليها وجهات نظرها في حل مسألة القوميات عموماً، ومعالجة المسألة الكوردية بوجه أخص، تحدوها في ذلك مشاعر من الحذر، أو ربما الشك الكبير في احتمال أن تتطور المشكلة إلى حد قد يؤثر في استقرار بعض بلاد المنطقة.
إن الرسالة التي أعلنها المجلس التشريعي (البرلمان) الكوردي باعتماده مبدأ الفيدرالية، بما في ذلك التصدي لإعادة النظر في شكل العلاقة التي يرغب فيها بين الشعبين الكوردي والعربي في العراق، تثير منابزات ومهاترات متشعبة قديمة وحديثة، ليست ذات طابع فكري خالص، بل هي سياسية أيضاً. والوجه السياسي فيها على جانب كبير من الأهمية بسبب آثاره الفورية والمستقبلية، ولا سيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار الأوضاع المعقدة والعلاقات المتشابكة والمصالح المترابطة والقواسم المشتركة لبعض دول المنطقة إزاء المسألة الكوردية داخل حدودها الخاصة.
والشعب الكوردي الذي يعيش ظروفاً شاذة استثنائية، معانياً التجزئة والحرمان من حقوقه وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره، يشكو فوق هذا من الخصوصية الناجمة عن تبني كل حكومة من حكومات المنطقة أسلوباً خاصاً في معالجة هذه المسألة.
وتبرز من هذه الخصوصية معضلة أخرى، هي كيفية تعامل الحركات السياسية في كل دولة من تلك الدول مع مطالب الشعب الكوردي فيها بحسب مناهجها ووجهات نظرها، وهي تتوقف أيضاً على درجة النضوج التي بلغتها الحركات القومية الكوردية في دول المنطقة التي تعاني من المشكلة عينها.
إن تبني الجهاز التشريعي (البرلمان) الكوردي نمط الاتحاد الفيدرالي نموذجاً تقوم عليه العلاقة مع عرب العراق أحدث ردود فعل مختلفة ومتنوعة. والواقع أن طائفة كبيرة من التساؤلات والشكوك في إمكانية تحقيق هذا المسعى قد برزت، لا سيما حين لم تستطع دول المنطقة إخفاء امتعاضها وغضبها الشديدين من طرح هذا المشروع، مع محاولة بعضها الاحتجاج بأن المعلنين عنه لا يملكون صلاحية أو سلطة لبحث موضوع كهذا، واحتجاج بعضها الآخر على التوقيت، أي الظروف التي اختيرت للإعلان عن الفيدرالية، قائلاً إن الكلمة النهائية في هذا الموضوع هي للشعب العراقي كله، بعربه وكورده، عندما يكون قادراً على ممارسة إرادته الحرة في بيان رأيه.
إن التحليل النظري البحت لهذه الاعتراضات يحمل ظاهرياً بعض الصحة، ولكن الصحيح أيضاً أن برلماناً حراً منتخباً يمثل إرادة الشعب الكوردي في كوردستان العراق قد أصدر إعلان الفيدرالية تطويراً لشكل العلاقة المستقبلية بين العرب والأكراد، ولا علاقة له بتقسيم العراق.
إن المجلس التشريعي (البرلمان) الكوردي الذي بسط رأيه في نوع العلاقة التي يطمح إليها بين الشعب الكوردي الذي يمثله والشعب العربي، باختياره الاتحاد الفدرالي وسيلةً لتحقيق تلك العلاقة وتوثيقها، إنما كان يقدم سبيلاً مقترحاً للخلاص من النظام السابق، نظام حزب البعث، ولقيام حكومة عراقية جديدة ديمقراطية وعادلة. وكل هذا من شأنه أن يجعل أبناء الشعب العربي في العراق أسياد أنفسهم والمتحكمين في مصائرهم، وسيكونون قادرين على قول كلمتهم في شكل العلاقة التي يحبذونها مع أبناء الشعب الكوردي في العراق.
إن إطاراً تعاقدياً بين فريقين متساويين سيجعل اقتراح الفدرالية اقتراحاً بنّاءً في ضوء الشرعية الدستورية، في حين لا يمكن في أي ظرف من الظروف فرض صيغة للتعايش لا تكون موضع رضا الأطراف كافة، حائزةً على قبولهم الحر من دون إكراه أو ضغط، وهذا شرط صحة أي عقد رضائي بين طرفين متساويين.
وإذا كان إعلان الرغبة في الاتحاد الفدرالي قد أحدث ردود فعل سيئة لدى البعض دون علم بمعنى الفيدرالية، فإن نموذج الحكم الذاتي (الأوتونومي) الذي أقرته اتفاقية الحادي عشر من آذار (مارس) 1970 قوبل كذلك بالامتعاض وبشيء من السلبية، رغم أن نظام بغداد لم يسلّم به طواعية، بل مرغماً بحكم الواقع في حينه. وقد ارتفع مبدأ الحكم الذاتي هذا إلى الصياغة القانونية في 11 آذار عام 1974 بتشريع سنّته الحكومة المركزية، لكنه، كما كان متوقعاً، بقي حبراً على ورق، وما لبث النظام العراقي أن تراجع عن كلمته، فأنزل بالشعب الكوردي صنوف التنكيل، مباشراً العديد من عمليات القمع الوحشية والمظالم خلال السنوات الثلاثين المنصرمة. ومن أبرزها وأشدها ما حصل نتيجة تطبيق الخطة التي عرفت بعمليات «الأنفال» السيئة الصيت، حيث أُزهقت أرواح الآلاف من المدنيين الأبرياء من النساء والأطفال الكورد، وكانت الحصيلة 182000 مواطن مدني كوردي بريء. وأزيلت خلالها من على وجه الأرض أكثر من 4500 قرية كوردية وموضع مأهول بالسكان الكورد، وجرى تدمير مدينة حلبجة بالغاز الكيمياوي السام لتغدو مدينة أشباح. وتواصلت حملات الإبادة الجماعية والتهجير القسري الجماعي للمواطنين الكورد من النساء والأطفال، وتكثفت مساعي النظام العراقي وقيادة حزب البعث لإزالة معالم الهوية القومية للشعب الكوردي في أرضه وموطنه كوردستان العراق بكل الوسائل المتصوَّرة، البعيدة كل البعد عن القيم الإنسانية والأخلاقية.
ومع أن الحكم الذاتي، ولا سيما الصيغة القانونية التي تبنتها الحكومة العراقية وقيادة حزب البعث، لم يُنفَّذ فيه جميع ما اتُّفق عليه سابقاً خلال مباحثات بيان 11 آذار 1970، ولم يحقق طموح الشعب الكوردي وما يصبو إليه، فإنه بقي شعاراً ترفعه الحكومة والمعارضة معاً. فمن ناحية نجد النظام السابق يعتز ويفتخر بأنه الوحيد بين دول المنطقة الذي أقر «بالحكم الذاتي لأقليته الكوردية»، أي لمواطنين فيه ذوي قومية معينة. ومن ناحية أخرى يتشبث فريق من فرقاء المعارضة المساندة لمشروع الحكم الذاتي بفكرة ضرورة تطويره وتوسيع حدوده، تمييزاً لنفسه عن النظام وابتعاداً عن الشعار الذي رفعه، بإضافة صفة «حقيقي» إلى تعبير الحكم الذاتي، في الوقت الذي لا يقبل بعضهم بالفكرة أساساً في باطنه، ومنهم الأحزاب الإسلامية.
هل الفيدرالية اتحاد أم انفصال؟
إن بعض المواقف تبدو مثيرة للكثير من التساؤلات عن مشروع الفيدرالية: ما المقصود بها؟ وإلى أي حدود ستمتد؟ وعلى أي أسس ستقوم؟ ونقول: إن الفدرالية إعادة تقييم لعلاقة قانونية داخلية بين الشعبين العربي والكوردي في العراق، بل هي بالأحرى شراكة في الوطن العراقي تنبع من مبادئ تقرير المصير، وهي الأساس في حل المسألة القومية. والفدرالية تعني اتحاداً وتعهداً تعاقدياً الغرض منه تنظيم علاقة ما على قاعدة المساواة وضمن وحدة الأرض والسيادة، تقضي بترك المسؤوليات المركزية (كالجيش والعلاقات الخارجية والميزانية) للسلطة الاتحادية العليا، وترك المسؤوليات الباقية للحكومات الإقليمية. وهذا التنظيم لا يمكن تحقيقه إلا في إطار ديمقراطي، وفي جو من الأوضاع المستقرة الهادئة الثابتة. وموجز القول أن الفدرالية عقد رضائي بين طرفين، هما في هذه الحالة قوميتان، يقصد به تنظيم حياة من التعايش، وهي لا تعني التقسيم ولا الانفصال، وليست خطوة في هذا الطريق، بل هي على العكس من ذلك تثبيت لعلاقة اختيارية بين العرب والكورد، تستلزم إعادة النظر في نظام الدولة العراقية وإقامته على أسس جديدة، يتم بموجبها إلغاء صيغة السير برسي كوكس، المندوب السامي البريطاني على العراق، وعبد الرحمن النقيب، أول رئيس وزراء أو حكومة عراقية، للعام 1921، وذلك بإعادة التأكيد على شراكة العرب والكورد في الوطن العراقي الموحد كما نص عليها دستور الرابع عشر من تموز (يوليو) 1958، وتعزيزها وتكييفها بحسب الظروف المستجدة. ويُفترض في الاتحاد الفيدرالي، على وجه الخصوص، زيادة مساهمة الكورد في صنع القرارات السياسية وإدارة شؤون الدولة بحكم نسبتهم العددية إلى مجموع سكان العراق. وبمختصر القول: إن الإقرار غير المقيد بمبدأ حق تقرير المصير يعني أن بوسع أي قومية ممارسته إلى أقصى حدوده، بما في ذلك الانفصال، سواء وُجدت الفدرالية أم لم توجد.
الفيدرالية في الحقيقة تأكيد على الوحدة في إطار الوحدة السياسية العراقية، وضمان لسلامتها، ورد على التخوف من التقسيم ومن الأخطار الناجمة عما يسمى «مؤامرة النزعة الانفصالية الكوردية». إن الوصول إلى تحقيق الوحدة الوطنية ممكن عن طريق الديمقراطية والإرادة الحرة للشعبين، والفيدرالية، كما أثبتت تجارب القوميات والمجموعات العنصرية الأخرى، عامل وحدة، كما هي الحال في سويسرا.
إن الفيدرالية تثبيت لدعائم علاقات طيبة بين الشعبين، وإعادة بناء هيكل الدولة القانوني والدستوري على مبادئ جديدة ضمن إطار وحدوي وعلى أسس الشرعية الدستورية، وهو ما سيقضي قضاءً مبرماً على الخيار العسكري الذي طالما استخدمته الحكومات العراقية المتعاقبة، وسيضع نهاية لهذا التراث المقيت، ويعيد الثقة إلى الروابط التاريخية المشتركة، ويمتّن أواصر الأخوة، ويعمّق فكرة المصير الواحد للشعب العراقي، كورداً وعرباً وآثوريين وتركماناً وغيرهم من العناصر القومية والطائفية. بل من شأنه أن يضع نهاية لأسلوب العنف الذي تستخدمه الحكومات حيال الشعب الكوردي. وكل هذا لا يمكن إنجازه إلا بحل صحيح لمشكلة الحكم في العراق، وإزالة الطابع اللاديمقراطي الذي دمغه منذ البداية بغياب الشرعية الدستورية وسيادة القانون، واعتماده على امتهان حقوق الإنسان، والتمييز الطائفي والسياسي، وإثارة الحزازات القومية والتعصب المذهبي، منذ قيام الدولة العراقية في 23 آب 1921 حتى الآن.
إن قيام نظام ديمقراطي تعددي برلماني تنتقل فيه السلطة بشكل هادئ سلمي من حكومة إلى أخرى سيضمن حقوق الشعب الكوردي في العراق، وسيكون خير مثال يحتذى في التعامل مع المسألة الكوردية في سائر دول المنطقة، بل في كل بلد ذي قوميات متعددة.
النص الكامل لبيان إعلان الاتحاد الفيدرالي في كوردستان العراق
عندما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها تطلعت الأمة الكوردية والشعب الكوردي، كسائر الأمم الرازحة تحت الحكم العثماني، إلى إقامة كيان كوردي خاص بها في كوردستان (المنطقة الجغرافية الكوردية) تكون ضمنه سيدة نفسها. ولكن المصالح المتعددة الجوانب للقوى المنتصرة في تلك الحرب، المالكة لمفاتيح الحل والربط، أبت إلا أن تحرم هذه الأمة العريقة من حقها المشروع في الاستقلال، ولم تكتفِ بذلك بل قسمتها بين خمسة كيانات متجاورة رغم احتجاجات هذه الأمة الكوردية المظلومة وثوراتها. ورغم اعتراف المادتين 63 و64 من القسم الرابع من معاهدة سيفر (Sèvres) المعقودة في 10 آب (أغسطس) 1920م بحق الأمة الكوردية في حكم ذاتي يتحول خلال سنة إلى استقلال تام لدولة كوردية تضم جميع أجزاء كوردستان، بما فيها كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل)، التي عرفت فيما بعد، بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة، بكوردستان العراق، إن شاء سكانها الأكراد الانضمام إلى تلك الدولة الكوردية المستقلة، فإن تلك الآمال أُجهضت في معاهدة لوزان المنعقدة بتاريخ 24 تموز (يوليو) 1923، ثم أُلحقت ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية بالعراق العربي الجديد في 16 كانون الأول (ديسمبر) 1925م (الجلسة 37)، بالرغم من أن اللجنة المشكلة من قبل عصبة الأمم كانت قد أقرت في الصفحة السابعة والخمسين من تقريرها بأن «حقائق الوضع السكاني لولاية الموصل (كوردستان العراق) تقوم على الاعتراف بإنشاء دولة كوردية مستقلة في كوردستان، لأن الكورد يشكلون خمسة أثمان سكان ولاية الموصل». واكتفت عصبة الأمم باشتراط تمتع الكورد بحقهم في الإدارة والعدالة والمؤسسات اللغوية.
وهكذا، ورغم ثورة الشعب الكوردي في كوردستان الجنوبية بقيادة الشيخ محمود الحفيد، واعتراف الحكومة البريطانية به حكمداراً للمرة الأولى سنة 1919 الميلادية وللمرة الثانية سنة 1922، فإن هذا الجزء من كوردستان العراق قد أُلحق قسراً، وبالضد من إرادة سكانه الأكراد، بالدولة العراقية العربية الحديثة التكوين. وقد حاولت حكومة صاحب الجلالة ملك بريطانيا طمأنة الشعب الكوردي حين قدمت هي والحكومة العراقية العربية الحديثة، وهي تحت الانتداب البريطاني، وعداً تضمنه تصريحهما الرسمي المشترك الذي يعترف بحق الكورد الذين يعيشون داخل حدود العراق في إقامة حكومة كوردية ضمن هذه الحدود (العراق العربي الحديث)، وتأمل فيه الحكومتان البريطانية والعراقية أن تتوصل العناصر الكوردية على اختلافها إلى اتفاق فيما بينها حول الشكل الذي ترغب أن تقوم عليه تلك الحكومة وحول الحدود التي ترغب أن تمتد إليها، وأن يرسلوا موفدين ذوي صلاحيات إلى بغداد للتداول في العلاقات الاقتصادية والسياسية مع حكومة صاحب الجلالة البريطانية والحكومة العراقية. ولكن هذه الوعود بقيت حبراً على ورق.
وعندما قُبل انضمام العراق العربي الجديد إلى عصبة الأمم في 3-10-1932 عُلّق ذلك القبول على شرط تقيد العراق بالتزامات وضعتها عصبة الأمم، وهي الالتزامات ذات الاهتمام الدولي الواردة في البنود الستة عشر لتصريح الحكومة العراقية الصادر في 30 أيار (مايو) 1932. ومن تلك الشروط وجوب احترام العراق العربي الجديد للحقوق الإنسانية والثقافية والإدارية للكورد والأقليات القاطنين في ألوية الموصل وأربيل وكركوك والسليمانية ودهوك وأجزاء من ديالى. وهذا التصريح لا يزال ساري المفعول، إذ نُقلت حقوق عصبة الأمم والتزاماتها إلى هيئة الأمم المتحدة بموجب القرار الأخير لمجلس عصبة الأمم في 18 نيسان (أبريل) 1946. وقضت المادة 16 من ذلك التصريح بوجوب تقيد العراق ببنوده وعدم مخالفتها بأي قانون داخلي، وعدم جواز تعديلها إلا باتفاق بين العراق العربي الجديد ومجلس عصبة الأمم وبأكثرية الأصوات، كما تخضع المنازعات حول تفسير بنود التصريح لحكم محكمة العدل الدولية الدائمة.
وهكذا فإن استقلال العراق الجديد ووحدة أراضيه أصبحا مرهونين باحترام العراق لبنود ذلك التصريح. ولكن الحكومات العراقية المتعاقبة خرقت تلك الالتزامات خرقاً صارخاً، وثبت ذلك الخرق بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 688 في 5-4-1991، وبقرار لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة (المجلس الاقتصادي والاجتماعي) في دورتها الثامنة والأربعين، رقم 1992/71، في 5 آذار (مارس) 1992.
إن تاريخ شعبنا الكوردي في العراق حافل بالانتفاضات والثورات؛ ففي 11 أيلول (سبتمبر) 1961 امتشق هذا الشعب، بقيادة الزعيم والقائد الكوردي الخالد الملا مصطفى البارزاني، سلاحه مرة أخرى بعد أن نكثت حكومة عبد الكريم قاسم بوعودها، وأخلّت بالمادة الثالثة من الدستور العراقي المؤقت الصادر بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، التي اعتبرت العرب والكورد شركاء في الوطن العراقي. فكانت ثورة 11 أيلول 1961م ثورة قومية تجسد مطالب شعبنا الكوردي وتطلعاته المشروعة. وبالرغم من الانتكاسة المؤقتة في عام 1975 إثر مؤامرة دولية أدت إلى توقيع اتفاقية الجزائر في 6 آذار 1975م، التي باع فيها النظام العراقي السابق، وقيادة حزب البعث وصدام حسين، جزءاً من أراضي العراق ومياه شط العرب وسيادته وتنازلوا عنها لإيران لقاء قمع الثورة الكوردية، فإن شعبنا الكوردي الأبي سرعان ما استأنف ثورته في عام 1975م، وواصل نضاله ليثبت للعالم أجمع أنه شعب أبيّ لا يُقهر.
لقد نص ميثاق الأمم المتحدة على عدم جواز الحرمان من التمتع بالحقوق الأساسية للإنسان، وبكرامة الفرد وقدره، وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية (ديباجة الميثاق، الغايات). كما نصت الفقرة 6 من الفصل الأول على «إقامة العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالمساواة في الحقوق بين الشعوب، وبأن يكون لكل منها حق تقرير مصيرها». وتأكد حق الشعوب في تقرير مصيرها بشكل واضح في الفقرة الأولى من المادة الأولى من العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبالحقوق المدنية والسياسية، الصادرين عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966، اللذين انضم إليهما العراق في 25 كانون الثاني (يناير) 1971، حيث أكدا «حق جميع الشعوب في تقرير مصيرها، وحرية تقرير مركزها السياسي». وحين حددت المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة المبادئ التي تعمل هذه الهيئة وفقها لتحقيق غاياتها، جعلت تمتع أعضاء الأمم المتحدة بالحقوق والمزايا المترتبة لهم بموجب الميثاق، ومنها طبعاً احترام السيادة ووحدة الأراضي، مرهوناً بوفاء الأعضاء بالالتزامات المترتبة عليهم وفق ميثاق الأمم المتحدة.
لقد كان شعبنا الكوردي يعبّر عن حسن نيته وصفاء سريرته بقبوله كل بادرة لحل مشكلته القومية، رغم الآلام والمآسي وحملات الإبادة التي تعرض لها. ولكن حسن نية شعبنا كان يقابَل في كل الأحوال من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة بالغدر والخيانة والتنصل من الاتفاقات الموقعة من جانب الحكومات والأنظمة العراقية المختلفة. وآخر تجربة في هذا الصدد كانت مفاوضات عام 1991، حيث تنصل النظام العراقي من وعوده التي رافقت بداية المفاوضات، ثم سحبت الحكومة العراقية الإدارات الحكومية من كوردستان العراق، أي المحافظات الشمالية (السليمانية وأربيل ودهوك)، وفرضت حصاراً اقتصادياً على كوردستان، مما اضطر شعبنا الكوردي إلى إجراء انتخابات نيابية حرة بقرار من الجبهة الكوردستانية، سلطة الأمر الواقع (De Facto) آنذاك. وتمت تلك الانتخابات بصورة رائعة يوم 19 أيار (مايو) 1992. وقد نص القانون رقم 2 لسنة 1992 (قانون المجلس الوطني لكوردستان العراق، البرلمان) في الفقرة 2 من المادة 56 على أن من مهام المجلس الوطني لكوردستان العراق: «البت في المسائل المصيرية لشعب كوردستان العراق، وتحديد العلاقة القانونية مع السلطة المركزية». ولصيانة الوحدة الوطنية للعراق وتعزيزها، وحفاظاً على علاقات الإخاء التاريخي بين الشعبين الشقيقين العربي والكوردي، ولضمان ديمومتها وترسيخ صرحها، وانسجاماً مع القرار الذي أجمعت عليه المعارضة العراقية في فيينا وكوردستان العراق، والذي أكد المبدأ القانوني الذي يقر للشعب الكوردي حقه في تقرير مصيره ضمن المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين العربي والكوردي، والحقوق القومية والثقافية والإدارية للتركمان والآثوريين، وضمان مساواتهم في الحقوق والواجبات وإقرار ذلك دستورياً؛ فها هو المجلس الوطني لكوردستان العراق (البرلمان) يمارس نيابة عن شعب كوردستان العراق مهمته في هذا الصدد، وحقه الثابت في تقرير المصير وفقاً للعهود والمواثيق الدولية المشار إليها، معلناً أنه قرر بالإجماع تقرير مصير الشعب الكوردي وتحديد علاقته القانونية مع السلطة المركزية في العراق، في هذه المرحلة من تاريخه، على أساس الاتحاد الفيدرالي ضمن عراق ديمقراطي برلماني يؤمن بنظام تعدد الأحزاب، ويحترم حقوق الإنسان المعترف بها في العهود والمواثيق الدولية.
فيدرالية العراق في أقلام الكتّاب الأمريكان
اتفق الكتّاب الأمريكان، وأكثرهم من الساسة المعمّرين، إلا القليل منهم، على أن العودة إلى نظام مركزي مستبد في العراق باتت شبه مستحيلة، وأن نظاماً سياسياً جديداً يجب أن يحكم عراق ما بعد النظام السابق وصدام حسين، ولكنهم ذهبوا مذاهب شتى في طبيعة النظام السياسي المقترح: فمنهم من دعا إلى الفدرالية، واختلف دعاتها في التفاصيل، ومنهم من دعا إلى الكونفدرالية، ومنهم من استساغ التقسيم. وظهرت في الآونة الأخيرة تسريبات إعلامية تفيد أن تقريراً للاستخبارات الأمريكية أوصى بتعيين أحد الجنرالات العراقيين قائداً للبلاد في حال فشل الحكومة الوطنية.
وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع ما يقدمه هؤلاء المؤلفون، فإنه يشكل وجهات نظر سائدة في دوائر صنع القرار الأمريكي، وقد تتحول أي من هذه الأفكار إلى واقع بين يوم وليلة. ومن هنا تأتي أهمية محاولة فهمها واستيعابها، ومن ثم تحديد أسلوب التعامل معها، سواء على الصعيد الفكري أو على صعيد الواقع السياسي. لذا نحاول استعراض تلك المقترحات وما أثير حولها من مواقف وردود، لنرى مدى جديتها وفائدتها للعراق.
أجزاء «حق تقرير المصير والفيدرالية في كوردستان العراق» (5 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس