الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
طموح أكراد كوردستان العراق بين الممكن والمستحيل (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2010
على الرغم مما تعرّض له أكراد كوردستان العراق من ويلات واضطهاد، خاصة من الحكومات العراقية المتعاقبة السابقة، وبالأخص نظام صدام حسين الديكتاتوري، فإن رجائي فايد، مؤلف كتاب «أكراد كوردستان العراق: الطموح بين الممكن والمستحيل»، يرى أن أكراد كوردستان العراق، رغم كل ما تعرّضوا له من ويلات، كانوا الأسعد حظاً على الإطلاق بالمقارنة مع باقي المجموعات الكوردية في أجزاء كوردستان الواقعة في دول الجوار المختلفة، وذلك للوضع الخاص الذي يعيشونه في كوردستان العراق، والذي يجعلهم أشبه بدولة كوردية مستقلة. ولذلك يحاول المؤلف أن يطرح عدة تساؤلات، مفادها: ما أبعاد الطموح الكوردي في كوردستان؟ وكيف يتحقق؟ وما التفاعلات التي ستترتب على ذلك الطموح؟
ولم ينسَ رجائي فايد في الوقت نفسه أن ينبّه إلى وجود قلة محدودة جداً من المثقفين العرب أدركت عن وعي مدى أهمية الاعتراف بالوجود الكوردي بين ظهرانيها، شأنه في هذا شأن الأقليات غير العربية التي تعيش في المنطقة، وأنه لا بد، من منطلقات عدة، أن تحصل تلك الأقوام على حقوقها القومية المشروعة.
ويؤكد رجائي فايد وصف السياسي والمفكر القومي العربي الدكتور جمال الأتاسي لأكراد كوردستان العراق، إذ يقول: المكان مختلف، وشكل القرى مختلف، والسكان مختلفون، والأزياء مختلفة، واللغة الكوردية غير لغة أهل العراق العربي، وكل الأشياء تختلف عن نظائرها في العراق العربي. ويقرر الدكتور جمال الأتاسي، بشجاعة تُحسب له، أن هذا الشعب الكوردي في كوردستان العراق غير باقي الشعب العراقي العربي.
ثم ينتقل رجائي فايد إلى الإشارة إلى بعض الرموز الكوردية التي أثّرت في محيطنا العربي والإسلامي، فيقول إن الأكراد قدّموا على مرّ التاريخ الكثير للعالمَين العربي والإسلامي، ومنهم صلاح الدين الأيوبي قاهر الصليبيين ومحرر القدس، ومن قبله أبو مسلم الخراساني الكوردي، أحد أبرز فرسان مؤسسي الدولة العباسية، والشيخ عبد القادر الكيلاني. ومن الأكراد أيضاً رب السيف والقلم محمود سامي البارودي، ومحرر المرأة قاسم أمين، والإمام محمد عبده، والعائلة التيمورية التي خرج منها أحمد تيمور وعائشة التيمورية ومحمد ومحمود تيمور، والزعيم الوطني السوري الكبير إبراهيم هنانو، ومحمد كرد علي، والشاعران جميل صدقي الزهاوي وبلند الحيدري. ومن العائلات ذات الأصول الكوردية التي أسهمت في الثقافة والفنون العربية عائلة بدرخان وعائلة وانلي، ومنهم كذلك مؤسس مصر الحديثة محمد علي باشا، وغيرهم كثيرون.
ويؤكد رجائي فايد أن الأكراد قدّموا الكثير خدمةً للإسلام والعروبة سياسياً وثقافياً، إلا أن الظروف جعلت منهم خنجراً في خاصرة الدولة العراقية العربية. فما بين المطالبة بالحقوق القومية الكوردية والمزيد منها، والرفض الحكومي العراقي، نشأت المشكلات بين الأكراد في كوردستان العراق والحكومات العراقية العربية المتعاقبة، وخرج إلى الوجود ما عُرف بالمسألة الكوردية، وما تفرّع عنها من مسائل أخرى، مثل مسألة ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق)، ومسألة الحدود العراقية مع إيران وتركيا وسوريا. ويضيف أن الحركة الكوردية في كوردستان، شأنها في ذلك شأن أي حركة أخرى في أماكن أخرى من العالم، لا بد أن تأخذ العون المادي والمعنوي من الخارج، وقد أدى ذلك إلى أن دولاً إقليمية في المنطقة وجدت في المسألة الكوردية فرصة للنيل من الحكومة العراقية من خلالها، تحقيقاً لمآرب لها.
ويشير المؤلف إلى أن الأكراد، على الرغم من أنهم من أقدم شعوب المنطقة وأعرقها، لم يستطيعوا حتى الآن تكوين دولتهم الكوردية المستقلة على أي جزء من كوردستان كغيرهم من الشعوب. وكوردستان، أي أرض الكورد، هو الاسم الأحب لدى الأكراد، الذي يدغدغ مشاعرهم القومية، وهم يعيشون على هذه الأرض منذ آلاف السنين دون أن ينازعهم أحد فيها، ويدركون في نضالهم هذا أنهم ضحايا التاريخ والجغرافيا واللعبة السياسية للأمم. ويبيّن أن من يستطيع منهم في المستقبل أن يزيح عن كاهله ما تعرّض له من ظلم تاريخي، كأكراد كوردستان العراق، فإنه حتماً سيتطلع إلى تحرّر باقي أجزاء كوردستان مثلما تحرّر هو، وعندها تتجمع أشلاء الجسد الكوردي في كوردستان من جديد.
ويوضح رجائي فايد بعض الإحصاءات المتعلقة بكوردستان جغرافياً وديموغرافياً؛ إذ تبلغ مساحة كوردستان الكبرى حوالي نصف مليون كيلومتر مربع، وهي بذلك تبلغ نصف مساحة مصر، لكن معظم مساحة مصر صحارى جرداء، في حين أن كوردستان غنية بالأمطار والأنهار والجداول، وتكثر فيها المراعي الطبيعية والزراعات بأنواعها، من المحاصيل البستانية إلى المحاصيل الحقلية كالقطن والذرة والقمح والشعير والتبغ.
أما عن عدد الأكراد ونفوس الشعب الكوردي، فيرى المؤلف أنه يصعب تحديد رقم دقيق لهم، ويرجع ذلك إلى أن الدول التي تنتمي إليها المجموعات الكوردية لا تعلن، لأسباب سياسية، عن أعداد الأكراد الموجودين ضمن حدودها السياسية، لكنه يلمّح إلى بعض المؤشرات التي تضع أرقاماً تقريبية للأكراد، كما يلي:
كوردستان تركيا: 20–25 مليون نسمة، يعيشون على 29% من الأراضي التركية.
كوردستان إيران: 12–15 مليون نسمة، يعيشون على 12% من الأراضي الإيرانية.
كوردستان العراق: 6–8 ملايين نسمة، يعيشون على 29% من الأراضي العراقية.
كوردستان سوريا: 2–2.5 مليون نسمة.
الاتحاد السوفيتي السابق: 1.5–2.5 مليون نسمة.
الأكراد في المهجر: حوالي 2 مليون نسمة.
ويخلص المؤلف من تلك الإحصاءات إلى أن العدد الإجمالي للأكراد يتراوح ما بين 35.5 و46.5 مليون نسمة، مضيفاً أنهم يتوزعون على عدة دول متجاورة، وقد جاء ذلك نتيجة للتقسيمات التي جرت لكوردستان.
ويشير المؤلف إلى كلام شرف خان البدليسي في كتابه «الشرفنامه» الكوردي، إذ يسأل: «هل تريد أن تعرف أيها الكوردي ما هي الأماكن التي يقطنها أقرباؤك الكورد؟ إنها صوب البحر الأسود، وشمالاً أردهان وآراس، وشرقاً من جبال الوند حتى جبال حمرين وسنجار وطريق نصيبين». ثم يجيب المؤلف بأن الأكراد يعيشون اليوم في الأماكن الآتية:
في كوردستان العراق يعيش الأكراد في جزء كبير من ولاية الموصل ذات الأكثرية الكوردية، أي القسم الشمالي من العراق، حيث تمتد منطقتهم جنوباً حتى سلسلة جبال حمرين التي تقطع طريق بغداد–أربيل في منتصفه.
وفي كوردستان تركيا يشكّلون الأغلبية الساحقة في ولاية هكاري القريبة من الحدود الإيرانية، وكذلك في المناطق الجبلية في ولايتي وان وبتليس، وفي ولايتي ديار بكر وخربوط، ومنطقة بوتان، ومقاطعة ديرسيم.
أما في كوردستان إيران فيشكّل الأكراد الأغلبية المطلقة في ولايتي كرمنشاه وكوردستان، وفي بعض أجزاء مقاطعة ساوجبلاغ وكوردستان موكري جنوب بحيرة أورمية، وفي الرضائية.
وفي الاتحاد السوفيتي السابق يعيشون في أذربيجان السوفيتية ومقاطعات أخرى.
أما في كوردستان سوريا فيتوزع الأكراد في محافظات القامشلي وحلب والحسكة. ومن أبرز المدن الكوردية: أربيل والسليمانية ودهوك وكركوك في كوردستان العراق، وديار بكر وبدليس في كوردستان تركيا.
ويتطرق رجائي فايد إلى أحد الفاعلين الرئيسيين على الساحة الكوردية، فيذكر أن اسم عبد الله أوجلان بدأ يظهر بقوة على الساحة الكوردية في كوردستان تركيا عام 1977، وذلك من أجل حق تقرير المصير للشعب الكوردي في كوردستان تركيا، وخلق تنظيم ثوري محترف، والتحوّل إلى الكفاح المسلح، عن طريق حزب العمال الكوردستاني (PKK). ثم بدأت في 31 أيار/مايو 1999 محاكمة عبد الله أوجلان، الذي وقف خلف صندوق زجاجي مضاد للرصاص، وحُكم عليه بالإعدام، وأمام الضغوط الدولية، وضغوط الاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص، الذي تسعى تركيا إلى الانضمام إليه، خُفّف الحكم إلى السجن مدى الحياة.
وأمام الضغوط نفسها بدأت تركيا تخفّف من حدة إجراءاتها ضد الأكراد في كوردستان تركيا، فسمحت بإصدار الصحف، وأفرجت عن بعض المعتقلين الأكراد، وفي مقدمتهم ليلى زانا، التي كانت نائبة في البرلمان التركي، وأصرّت على أن تؤدي قسم العضوية باللغة الكوردية، فرُفعت عنها الحصانة البرلمانية، وقُدّمت إلى المحاكمة وأودعت السجن.
ويقول رجائي فايد إن المسألة الكوردية في كوردستان تركيا دخلت الثلاجة مؤقتاً؛ فأحياناً تعلن الأحزاب الكوردية في تركيا تحوّلها إلى الكفاح السلمي، وأحياناً أخرى تعلن عودتها إلى الكفاح المسلح، لكن الوقت لن يطول حتى تخرج من هذه الثلاجة من جديد.
أما فيما يتعلق بأكراد كوردستان العراق، فيوضح رجائي فايد أنهم المجموعة الكوردية الوحيدة التي برزت على السطح، واستطاعت أن تحقق لنفسها مكاسب لم تستطع أي مجموعة كوردية أخرى أن تحقق جزءاً منها، مرجعاً ذلك إلى الظروف المختلفة. ولذلك كانت مقولات القيادات الكوردية في كوردستان العراق حول المجموعات الكوردية الأخرى: «لسنا نحن من قسّم كوردستان، لقد خرجنا فوجدناها هكذا؛ لقد جرى تقسيم كوردستان منذ مدة، ومع مرور سنوات التقسيم حدث تمايز بين المجموعات الكوردية المختلفة، وصارت لكل مجموعة خصوصيتها عن الأخرى، وليس لأي منها أن تصدّر مشاكلها إلى المجموعات الأخرى؛ فمشاكل أكراد كوردستان تركيا تُحل في أنقرة، ومشاكل أكراد كوردستان إيران تُحل في طهران، ومشاكل أكراد كوردستان سوريا تُحل في دمشق».
ويذهب رجائي فايد إلى أن المكاسب التي تحققت للحركة الكوردية تعود إلى أسباب قديمة نسبياً، منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في 23 آب 1921، ومؤتمر القاهرة في 12–24 آذار/مارس 1921 برئاسة وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل، ووضع المناطق الكوردية من كوردستان العراق وعلاقتها بالعراق العربي الحديث.
ويرى المؤلف أن المنطقة الكوردية، منذ أن أدارها الأكراد ذاتياً بعيداً عن الحكومة المركزية في بغداد عام 1991، أصبحت ملاذاً لكافة قوى المعارضة العراقية، وللمواطن العراقي العادي الذي ضاقت به سبل الحياة في العراق، والذي كان إذا أراد أن يرى أهله يكون اللقاء في كوردستان العراق. أما قوى المعارضة العراقية فكانت كوردستان العراق المكان المفضّل للقاءاتها واجتماعاتها، موضحاً أنها، من الجانب المعنوي، اجتماعات معارضة على أرض عراقية. وقد أعطى هذا للكورد مكانة بارزة بين فصائل المعارضة العراقية، إذ كانوا المعارضة العراقية الوحيدة التي تعارض من على الأرض العراقية، في حين كان الآخرون يعارضون من الخارج، ولذلك انتشر مصطلح «معارضة فنادق ومعارضة خنادق». ولأن الولايات المتحدة كانت تحضّر للحرب على العراق، ولم يكن أمامها سوى فصائل المعارضة العراقية لتؤدي دوراً في مستقبل العراق، فقد سعت إلى تجميع صفوف هذه المعارضة والتنسيق فيما بينها.
ويمهّد المؤلف للحرب التي شنّتها الولايات المتحدة على العراق، مشيراً إلى دور الأكراد فيها، فيذكر أنه خلال تصاعد التهديدات الأمريكية للعراق في عام 2002 نشطت العلاقات بين الولايات المتحدة والأكراد وقوى المعارضة العراقية، للتشاور فيما يمكن لهذه القوى أن تقدمه سنداً لتلك الحرب، وترتيباً للبيت العراقي في مرحلة ما بعد السقوط المتوقع للنظام العراقي. ولأن الولايات المتحدة كانت تهيّئ مسرح العمليات لحربها القادمة، فقد كان هذا المسرح يشمل تركيا وأكراد العراق في كوردستان. ويوضح أن تركيا مثّلت في خضم ذلك حساسية خاصة بالنسبة لأكراد كوردستان العراق بسبب ما يُعرف بمسألة ولاية الموصل، حتى إن رئيس الوزراء التركي السابق بولنت أجاويد قال بوضوح إبان المعركة الانتخابية التركية التي جرت أواخر عام 2002: «إن ولاية الموصل وكركوك أمانتان لدى الحكومات العراقية المتعاقبة، وقد آن الأوان لاستردادهما». لذلك كانت مسألة مشاركة تركيا في الحرب أمراً بالغ الخطورة على الأكراد في كوردستان العراق، أي ولاية الموصل سابقاً.
أجزاء «طموح أكراد كوردستان العراق بين الممكن والمستحيل» (5 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس