الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
طموح أكراد كوردستان العراق بين الممكن والمستحيل (الجزء الخامس)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2010
وعندما كان الزعيم الكوردي الشيخ محمود الحفيد الخالد في منفاه في الهند، قام الشعب الكوردي بحركات مسلحة ضد البريطانيين. فقد انعقد في قرية زاله في سنگاو مؤتمر لرؤساء العشائر الكوردية في قره داغ وجمجمال وجباري وسنگاو وزنگنه، حضره الشيخ قادر گولله نه بر وابنه الشيخ مصطفى، وكريم بك فتاح بك رئيس الهماوند، وسيد محمد الجباري، وعبد الكريم آغا ورستم آغا زنگنه، ورؤساء قبيلتي روغزالي وميكائيلي من الجاف، وأشرف رباتي رئيس عشيرة ربات، وقرروا القيام بحركة مسلحة ضد الإنجليز. وكان المؤتمر في ربيع سنة 1920، وقاموا بعمليات مسلحة؛ ففي كفري استولى إبراهيم خان، رئيس عشيرة دلو، على كفري وأسر الحاكم السياسي البريطاني (سالمون)، وفي جبل سورين شرقي شهرزور قاتل الشيخ فرج باني بنوك في الوقت نفسه القوات البريطانية.
أما في رواندز فقد استولى عليها رؤساء العشائر في الثلاثين من آب 1920، وأسسوا مجلساً وطنياً كوردياً شاركت فيه عشيرة بشدر، وقاتل غفور خان رئيس ناودشت الإنجليز ثم التحق برواندز، والتحق بها أيضاً أشخاص سياسيون مثل ماجد مصطفى وأحمد تقي، الذي ألّف كتاباً في تاريخ حركة رواندز. وقد حررت هذه الحركة بشدر ورانية وكويسنجق، ووصلت قوة من مقاتليها بقيادة أحمدي حمه آغا البشدري إلى قرية قمچوغه في سورداش القريبة من السليمانية تمهيداً للزحف على مدينة السليمانية، فاضطر الإنجليز إلى الانسحاب من السليمانية والتخلي عنها في 5/9/1922.
وأرسلت تركيا سنة 1922 قوة صغيرة، أقل من مئتي جندي، مع الضابط التركي العقيد أوزدمير إلى رواندز، فانضمت إليها عشائر بارزان وزيبار وسورجي، وكذلك عشيرة آكو، والتحق بها كريم بك الهماوندي وسيد محمد الجباري ورفعت بك رئيس عشيرة داوده في طوزخورماتو، وانضمت عشيرة خوشناو كذلك إلى الحركة، وشارك فيها ميراني قادر بك رئيس خوشناو في شقلاوة. واقتربت قوات حركة رواندز من أربيل للزحف عليها، وأرسلت صالح بك خوران الخوشناوي، المعروف بتأييده للشيخ محمود الحفيد، إلى الكابتن (هي) الحاكم السياسي البريطاني لأربيل (16) طالباً منه، باسم الحركة الكوردية، إعادة الشيخ محمود الحفيد من منفاه في الهند إلى كوردستان. كما قدّمت حركة رواندز، بتشجيع من السياسيين الأكراد في السليمانية، عدداً من المضابط إلى السلطات البريطانية، مطالبةً بإعادة الشيخ محمود الحفيد ومنح الأكراد حقوقهم القومية المشروعة في كوردستان العراق، على ما هو مفصل في «مذكرات أحمدي حمه ئاغاي بشده ري» (17).
وقد سُجّلت بأصوات المعمّرين ذكرياتهم، من المشاركين في هذه الحركات المسلحة الكوردية والمعاصرين لها، وكذلك من المشاركين في ثورات الشيخ محمود الحفيد، بما يُقدّر بمئات الصفحات من المعلومات النادرة غير المنشورة، وسوف ينشرها الدكتور عبد الرقيب يوسف في أجزاء. وله وجهة نظر في الكتاب الذي ألّفه الدكتور كمال مظهر بعنوان «دور الشعب الكوردي في ثورة العشرين»، إذ يرى أنه حرّف فيه أهداف هذه الحركة الكوردية وعدّها من ثورة العشرين العربية الهادفة إلى تشكيل حكومة عربية في العراق، في حين لم يحدث أي اتصال بين الحركة الكوردية وبين ثورة العشرين.
واضطر البريطانيون إلى إعادة الشيخ محمود الحفيد من الهند تحت ضغط الحركات الكوردية المسلحة التي دامت من 1920 إلى حين إعادته ووصوله إلى مدينة السليمانية في الثلاثين من أيلول 1922. وقد شكّل الشيخ محمود الحفيد وزارة حكومته في السليمانية في 10/10/1922، فسرعان ما عملت سلطات الاحتلال البريطانية في العراق ضده كالسابق، وظهر أنهم لم يعيدوا الزعيم الكوردي من الهند من أجل منح الأكراد حقهم القومي، وإنما أعادوه، حسبما قاله إدموندز، المستشار البريطاني في وزارة الداخلية العراقية، في كتابه «كرد وترك وعرب» (ص 274)، من أجل إخماد الحركات الكوردية وإخراج القوات التركية الصغيرة بقيادة الضابط التركي العقيد أوزدمير بواسطة الشيخ محمود الحفيد. وأشار إلى أن مطالب الشيخ محمود كانت تؤيدها وتدعمها كافة أكراد الألوية الثلاثة، أي السليمانية وكركوك وأربيل، وأطراف الموصل الكوردية ومنها دهوك.
واستغرب إدموندز (ص 272) مما كان يتمتع به الشيخ محمود الحفيد من شعبية كبيرة عندما أعاده البريطانيون من الهند ووصل من بغداد إلى كفري، حيث تقاطرت لاستقباله حشود الأكراد ورؤساؤهم، حتى رؤساء عشيرة البيات (18). وكان إدموندز حاضراً في كفري ضيفاً على السيد محسن آغا. وفي 17/11/1922، أي في اليوم الثامن عشر من وصول الشيخ محمود الحفيد من المنفى إلى السليمانية، كتب إدموندز تقريراً إلى المندوب السامي البريطاني ضد الحركة الكوردية، أبدى فيه مخاوفه من أن تصوّت كركوك الكوردية إلى جانب الشيخ محمود، وطلب من المندوب السامي البريطاني تأجيل التصويت، على ما ذكره بنفسه في كتابه المذكور (ص 274–275).
ولم يكن البريطانيون في العراق يعملون ضد الحركة الكوردية في كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق) فحسب، وإنما كانوا يعملون طوال بقائهم في العراق ضد الحركة الكوردية في كوردستان الشرقية التابعة لإيران أيضاً، وكانوا قد شكّلوا أجهزة تجسس على الحركة الكوردية هناك تضم عدداً من رؤساء العشائر الكوردية، وكانوا يرسلون إليهم الأموال والمنشورات والتوجيهات.
فكانت الأطراف الثلاثة، بريطانيا والعراق وإيران، كما هو دأب الأعداء، تتعاون وتتفق ضد الحركة الكوردية في كوردستان إيران كما في كوردستان العراق. وكان إدموندز، عندما كان مستشاراً بريطانياً لوزارة الداخلية العراقية (1935–1945)، هو المسؤول عن هذه المهمة، وقد اتخذ له عملاء، واستمر هذا التعاون إلى نهاية العهد الملكي في العراق. وكان لدى المرحوم الشهيد شاكر فتاح معلومات مهمة بهذا الصدد. وينتقد عبد الرقيب يوسف بشدة محمد أمين زكي وتوفيق وهبي وأمثالهما، إذ لم يدوّنوا المعلومات المتعلقة بهذا الخصوص مفصّلة في كتاباتهم وأخفوها عن الأنظار.
وفي خريف عام 1922 قدم قائد الثورة الكوردية في كوردستان إيران، سمكو آغا الشكاك، إلى قرية بحركة القريبة من مدينة أربيل، وحلّ ضيفاً على جميل آغا گردي، وذلك بعد أن هاجمت القوات التركية مقره الرئيسي بصورة مباغتة، فقُتلت زوجته وأُسر ابنه الطفل خسرو، وكانت القوات الإيرانية في الوقت نفسه تخوض معارك مع قوات سمكو آغا. فاتصل بالبريطانيين وتفاوض معهم، إذ نزلت طائرتهم عند قلعة ديره شمال أربيل، القريبة غرباً من جبل بيرمام (بيرمه م – جبل مصيف صلاح الدين)، في هذه النقطة (19).
وحضر الاجتماع السيد طه الشمديناني، الذي كان سابقاً اليد اليمنى لسمكو آغا، ولكنه وصل إلى أربيل قبله. ولم يلبِّ البريطانيون مطالب سمكو، أي لم يُبدوا استعداداً لتأييده. وكان مجيد آغا وفتاح آغا الهركي قد هيّآ لسمكو آغا خيمة في قرية سروكاني الواقعة في سفح الجبل المذكور (بيرمام) شرقي قرية ديره، وقد شُخّص مكان خيمته وصُوّر. واختار سمكو آغا الشكاك سروكاني هذه لكي يسند ظهره إلى الجبل، إذ كان يحذر البريطانيين، كما أن السكان هناك تحدثوا بأن الإنكليز دبّروا دسيسة لقتله (20).
وفي الثامن من كانون الثاني 1923 وصل سمكو آغا الشكاك إلى مدينة السليمانية، فسُرّ الشيخ محمود بذلك سروراً عظيماً، وكتب رسائل إلى رؤساء الأكراد ليأتوا إلى السليمانية لزيارته، كرسالته إلى السيد محمد الجباري التي طلب فيها أيضاً إبلاغ رفعت بك رئيس عشيرة داوده في منطقة طوز، وكانت الرسالة بتاريخ 9 كانون الثاني 1339هـ = 9/1/1923م.
لقد استُقبل سمكو آغا استقبالاً جماهيرياً حاشداً، وتقاطر رجال العشائر مع رؤسائهم لزيارته، ومكث في السليمانية إلى أن قصفت الطائرات البريطانية المدينة، وخاصة دار عزت بك جاف التي كانت إحدى مقرات الشيخ محمود الحفيد، وقُتل على بابها بالقصف واحد من رجال سمكو آغا. وشارك سمكو آغا الشكاك في مؤتمر سري بالسليمانية حضره ستة وعشرون من الرؤساء الأكراد، منهم فارس آغا وسليمان بك رئيسا عشيرة بيات، وسمكو آغا، وحامى (حامو) بك جاف رئيس عشيرة الجاف، وجعفر سلطان رئيس هورامان، ووقّعوا على مضبطة لمنح الشيخ محمود الحفيد صفة شرعية للتفاوض مع الترك باسم «رئيس جمعية كوردستان» أو رئيس «الهيئة الممثلة لكوردستان الجنوبية» (21).
إن لجوء الشيخ محمود الحفيد، وكذلك سمكو آغا الشكاك الذي خرج نتيجة الضربة التركية أو نتيجة تعاون الدولتين الإيرانية والتركية معاً للقضاء عليه، إلى الترك للتفاوض معهم على منح الأكراد حقوقاً قومية، إنما كان لليأس من البريطانيين. وإن ما جاء في وثيقة عثمانية من التعبير عن سياسة البريطانيين الكاذبة إزاء الكورد كان صحيحاً، وإن لم يكن الترك أحسن منهم. فقد جاء في الوثيقة: أن الإنكليز يحاولون بسط نفوذهم على شمدينان وأوره مار (من هكاري) وعلى گويان (من بوتان)، وأنهم إذا علموا أنهم لا يستطيعون بسط نفوذهم على منطقة ما يحترمون حتى العوام من الأكراد، ويحاولون الحصول على مساندة مشايخ بارزان والشيخ محمود وأحمد فائق بدرخان، ويقولون إننا نعمل من أجل الأكراد، وعندما يقضون حاجتهم لا يحترمون مشايخ الأكراد ورؤساءهم ويتعاملون معهم بخشونة وإهانة. وقد أرسلوا رسالة إلى رئيس عشيرة أوره مار، وهو سيتو أوره ماري، الذي حضر إلى وان، كتبوا فيها أنهم يرسلون إليهم شخصاً عليهم أن يحموه ويكتموا اسمه، وعندما يتبين لهم فيما بعد من هو فإنهم سيصبحون ممتنين، وإنه هو أحمد فائق بدرخان. وورد في الوثيقة أيضاً: يظهر أن الإنكليز يجذبون البدرخانيين للاستفادة منهم. وهذه الوثيقة برقية لوالي ولاية وان (حيدر) بتاريخ 6 مايس 1335 رومي (= 6 مايس 1919)، وهي في مركز الوثائق العثمانية تحت رقم DH.KMS/50-3/25.
ولما تيقّن الشيخ محمود الحفيد من حقيقة سياسة البريطانيين التي تقضي بعدم تلبية رغبات الشعب الكوردي، وأن كافة وعودهم كانت لخداع الكورد، على ما قاله الشيخ محمود نفسه، وأن سياستهم كانت تهدف إلى إلحاق كوردستان الجنوبية بالعراق، قاد ثورة كوردية ضدهم في أوائل آذار 1923، واتخذ من كهف قمچوغه، الذي يسمى حتى الآن «ئه شكه وتي مه ليك»، مركزاً لقيادته مدة، ثم نقل مركز القيادة إلى كهف جاسنه.
وخاض معارك ضارية ضد القوات البريطانية، ثم عاد إلى مدينة السليمانية في السادس والعشرين من حزيران 1923 بعد انسحاب البريطانيين منها في السادس عشر من حزيران 1923. وكان هذا الانسحاب بناءً على ضغط دولي، إذ كان الشيخ محمود الحفيد قد أرسل مضبطة ضد الإنكليز إلى سفارات الدول التالية في طهران: أمريكا وتركيا وروسيا وإيطاليا وفرنسا وإنكلترا، وذلك بتاريخ 11 مايس 1923، وتوجد المضبطة في كتاب «جيم دي» (ج 2، ص 34–36) لأحمد خواجه، الذي أخذ المضبطة إلى مدينة سنه، فأرسلها الشيخ عارف الشيخ شكر الله السنوي بالتلغراف إلى طهران. وكان الشيخ محمود الحفيد قد أرسل مذكرة إلى قنصليات عدد من الدول في تبريز أيضاً، يوجد نصها أو قسم منه في أطروحة الدكتوراه للمناضل المرحوم الدكتور عزيز الشمزيني، كما أرسل مذكرة أخرى إلى القنصل السوفيتي في تبريز بتاريخ العشرين من كانون الثاني 1923، يوجد نصها في الأطروحة المذكورة أيضاً.
ولما عاد الشيخ محمود الحفيد إلى السليمانية شكّل حكومته الثانية، التي دامت إلى السادس عشر من تموز 1924، أي إلى أن غادر الشيخ محمود السليمانية وسيطرت القوات البريطانية عليها مرة أخرى. ودامت الثورة إلى أيار سنة 1931، واضطر قائدها الشيخ محمود الحفيد، تحت ضغط الإنكليز والحكومة العراقية وإيران، إلى الاستسلام، فنُفي إلى الناصرية، ثم إلى المنفى في الرمادي وحي الصليخ في بغداد (22) إلى سنة 1941، سنة حركة رشيد عالي الكيلاني، حيث فرّ به أصحابه المقربون إلى قرية سيتك شمال السليمانية.
وأخيراً، فإن المسؤولين البريطانيين في العراق، وفي مقدمتهم المندوب السامي البريطاني برسي كوكس وويلسن وإدموندز ومس بيل، أجرموا بحق الشعب الكوردي، وتركوه للمجازر الوحشية التي ارتكبتها الحكومة العراقية بحقه، إلى أن وصل الحد إلى ضرب الشعب الكوردي في كوردستان بالأسلحة الكيميائية في 16 آذار 1988 في حلبجة وغيرها، مما لم يحصل في أي بلد آخر في العالم، وإلى تخريب أكثر من أربعة آلاف وخمسمائة قرية ومدينة كوردية، وإلى اعتقال أكثر من (182) ألفاً من المواطنين الأكراد، رجالاً ونساءً وأطفالاً، بصورة جماعية، فيما سماه نظام حزب البعث وصدام حسين عمليات «الأنفال» السيئة الصيت، وقتل هذا العدد الهائل، ودفن قسم كبير منهم أحياءً في القبور الجماعية، مما تقشعر منه الأبدان (23).
وإن القسط الأكبر من آثام هذه الجرائم البشعة يقع على أوائل المسؤولين البريطانيين. ومع أن أمريكا حررت العراق مع الدول المتحالفة معها، وفي مقدمتها بريطانيا، فإنها لم تحقق للشعب الكوردي إلى الآن حقه القومي المشروع، ولم ترفع عنه الحيف الذي أصابه منذ أكثر من تسعين سنة، ولم تحقق له العيش في العراق في نظام فدرالي كامل سليم؛ فما زالت مناطق عديدة من كوردستان، وخاصة كركوك والمناطق المتنازع عليها، خارجة عن فدرالية كوردستان التي اعترفت بها بصورة أولية. فلم تحل أمريكا قضية الشعب الكوردي، كما أن الأنظمة العربية، ما عدا دولة أو دولتين، تقف ضد هذه الفدرالية الناقصة أيضاً.
المصادر
راجع التفاصيل في «سنتان في كوردستان» (ج 2، ص 152–153) للكابتن هي. وهناك معلومات مسجلة بصوت المرحوم حمه شين كويسنجقي، الذي رافق (هي) مع ستة مسلحين آخرين للاجتماع بصالح بك في قلعة أربيل، وهي محفوظة لدى الأستاذ عبد الرقيب يوسف.
سُجّلت معلومات المرحوم أحمد آغا البشدري بالكاسيت مدة عشر ساعات، ثم كتبها عبد الرقيب يوسف ونشرها مع الأخ صديق صالح في كتاب باسم «يادداشتي ئه حمه دي حمه ئاغا بشده ري» في 204 صفحات سنة 2001، وهو يضم معلومات غزيرة ونادرة مع جملة من الوثائق. وإن ما سُجّل بخصوص تلك الحركة الكوردية إنما هو من مجموعة تبلغ حوالي خمسمائة ساعة سُجّلت صوتياً من ذكريات المعمّرين، وبعضهم من أكراد كوردستان إيران وكوردستان تركيا، في كافة أوجه الحياة في كوردستان، وهي تقدر بحوالي ألفي صفحة، وفيها معلومات لا تقدر بثمن.
كانت عشيرة بيات التركمانية، التي دخل في تركيبها منذ القرن العشرين أو قبله قسم من الأكراد والعرب، تعدّ نفسها جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الكوردستاني، ووقفت بجانب الحركة التحررية الكوردية في عهد الشيخ محمود الحفيد، الذي كان يأخذ رأيها كأية عشيرة كوردية. فمثلاً وقّع كل من فارس آغا بيات وسليمان بك بيات، ممثلَين للعشيرة، على مضبطة سرية وقّع عليها ستة وعشرون من الرؤساء الأكراد، منهم الزعيم الكوردي سمكو آغا الشكاك، بعد أن وصل إلى السليمانية في الثامن من كانون الثاني 1923، وذلك في مؤتمر سري بالسليمانية لمنح الشيخ محمود صفة شرعية للتفاوض مع الترك باسم «رئيس جمعية كوردستان الجنوبية»، وقد ناولها الشيخ محمود الحفيد للمرحوم رفيق حلمي، بحضور سمكو آغا الشكاك، للاطلاع عليها، على ما ذكره في مذكراته («ياد داشت»، ج 2، ص 107). فكان رئيسا البيات فارس آغا وسليمان بك من أعضاء «جمعية كوردستان الجنوبية».
القلعة فجّرتها القوات العراقية، كما دمّرت القرية التي يسكنها الهركيون، وكانت سابقاً من قرى «گه ردي». وكانت ديره مركز ناحية واسعة جداً تشمل حرير، فبعد أن قضت الدولة العثمانية على ثورة محمد باشا الرواندزي ألحقت بها منطقة حرير. وكانت القلعة، وهي الدائرة الرسمية للناحية، مقامة على تل أثري كبير عُثر فيه على آثار من العهد الآشوري. والمعمّر حاجي أحمد سليمان هركي هو الذي دلّ على موقع نزول الطائرة، وقد رأى الأستاذ عبد الرقيب يوسف ذلك الموقع بأم عينيه في ديره وسه روكاني، أما موقع خيمة سمكو في سه روكاني عند الطرف الجنوبي من «گرده شينكه» فقد أبلغ به مام بيرو، وكان من أبطال البيشمركة. وأبلغ الهركيون من سكان القرية المحيطة بالموقع بمعلومات ثمينة بخصوص كيفية مقتل سمكو آغا الشكاك على يد جنود إيرانيين سنة 1930، حيث خدعته إيران، وبخصوص الهركيين الذين قُتلوا معه وأسمائهم وأسماء الجرحى منهم، ويجب ذكرها لإحياء تلك المناسبة التاريخية. وقد قدّم مختارو عدد من القرى عريضة إلى إدارة أربيل لبناء مستشفى باسم سمكو آغا هناك في موقع خيمته، ولم يُنفّذ طلبهم.
كان الهركيون من أصدقاء سمكو آغا ومؤيديه، والتفّوا حوله لحمايته، وكان يتنقل معه حوالي أربعمائة مسلح بيشمركة منهم، كما استشهد معه عدد غير قليل من الهركيين في شنو، وعلى رأسهم خورشيد آغا أخو فتاح آغا، وذلك عندما غدرت به الحكومة الإيرانية وقتلته. وفي 4/11/1922 ذهب إدموندز ومستر لاين بالطائرة للاجتماع بسمكو آغا، على ما كتبه إدموندز في «كرد وترك وعرب» (ص 275–277)، مضيفاً أن الميجر نوئيل «استمر يكافح صامداً مستميتاً ليجمع بين سيد طه الشمديناني وسمكو آغا الشكاك وشيخ محمود الحفيد ليقوموا معاً بعمل مشترك إلا أن مساعيه باءت بالفشل». وهناك معلومات قيّمة بصوت والده محمد علي، الذي كان من جملة بيشمركة سمكو الذين كانوا معه عندما استشهد في شنو (أشنويه)، وستُنشر تلك المعلومات في مجال لاحق. كما أرسل الدكتور عزيز گردي، بواسطة الأخ محمد عبد الله گردي، معلومات رواها له والده (كويخا عدو) من سكان قرية بحركة الواقعة شمال أربيل، بخصوص إقامة سمكو في ضيافة جميل آغا گردي في بحركة شهراً أسفل «تل قه بري جوان»، وأن الحاكم السياسي البريطاني في أربيل طلب من سمكو آغا الحضور إلى مدينة أربيل للتباحث معه، لكنه لما اقترب من المدينة شعر أن الحاكم دبّر مؤامرة لقتله أو إلقاء القبض عليه، وأحسّ بذلك من تحركات الطائرات والقوات البريطانية في أربيل، فرجع برجاله إلى بحركة ومنها توجه إلى السليمانية.
راجع التفاصيل في مذكرات رفيق حلمي («ياد داشت»، ج 2، ص 101–106). وفي مذكرات أحمد حمه آغا البشدري معلومات عن وصول سمكو إلى السليمانية، إذ كان قد رافقه مع جماعة من البشدريين وغيرهم، ونُشر ذلك، مع رسالة الشيخ محمود إلى «سيد محمدي جه باري» بمناسبة قدوم سمكو إلى السليمانية، في مجلة «روشنبيري نوي»، العدد (110)، سنة 1987. ومن الجدير بالذكر أن المغني الكوردي الشهير كاويس آغا طلب منه سمكو، الذي أُعجب بصوته، أن يرافقه إلى السليمانية، وأن أغنيته الشهيرة في مدح الشيخ محمود الحفيد غنّاها في مجلس الشيخ بالسليمانية بحضور سمكو، علماً أن قبر كاويس آغا في مقبرة قرية هورشه م الواقعة جنوب قرية سه روكاني جنوب شرق ديره. وكان الشيخ محمود الحفيد نفسه أديباً وشاعراً جيد الشعر وحسن الصوت، يعرف المقامات ويتغنى بها، خاصة عندما كان كئيباً. وقد ذكر رفيق حلمي أن الشيخ محمود، عندما أطلعه على المضبطة السرية في وقت متأخر من الليل، وكان سمكو آغا جالساً عن يمينه في دار ميرزا فتاح الباقية حتى اليوم، والتي كان قد اتخذها مقراً له، غنّى أبياتاً من شعر عمر الخيام وحافظ الشيرازي، وذكر خُلقه المرح وتواضعه؛ فكان الشيخ محمود أجدر شخص بقيادة الأكراد في تلك الظروف.
فرّ الشيخ محمود من بغداد أثناء حركة رشيد عالي الكيلاني، ومعه من أصحابه فقي حسين الخانقيني، وكان أصله من سنندج، و«محيي الديني سالحه سور» من السليمانية، وكان السائق «ئه حه خورشه»، ونُشر ذلك في مجلة «روشنبيري نوي»، العدد (112)، سنة 1987. وقد كتب فقي حسين التفاصيل الخاصة بفرار الشيخ محمود الحفيد في مذكراته التي نشرها السيد إبراهيم باجلاني، ومنها نسخة ومعلومات مفصلة بهذا الخصوص. أما ما نشره الدكتور كمال مظهر بعد سنة 1987 في مجلة «روشنبير» وغيرها من أن رشيد عالي الكيلاني أرسل الشيخ محمود من بغداد إلى السليمانية، فتحريف للتاريخ حسب رأي عبد الرقيب يوسف، على ما أثبته الدكتور محمد محمد صالح في مقاله المنشور في «التآخي» في العدد الصادر في 16/11/1985.
ويرى عبد الرقيب يوسف أن من الضروري الإشارة إلى أن كثيرين ممن ليس لهم إلمام بالتاريخ، وخاصة اليساريين الأكراد، كانوا ينشرون دعايات ضد الشيخ محمود، ويتهمونه بالضعف والسذاجة وعدم المداراة مع البريطانيين، بل حتى بالاشمئزاز منهم بسبب تعصبه الديني، حتى إنهم يقولون إنه عندما كان يصافحهم كان يلفّ يده بكُمّ (وجك) قميصه حتى لا تتنجس يده، وما إلى ذلك من الأكاذيب. وقد ذكر المؤرخ وكاتب الشيخ محمود المرحوم الأستاذ أحمد خواجه لعبد الرقيب يوسف مراراً، وذكره لغيره أيضاً، ومنهم السيد غفور ميرزا كريم، أنه شاهد الشيخ محمود ومستشاره البريطاني (كلارك) يشربان الرائب الممزوج بالماء (ماستاو) بملعقة هورامانية واحدة. وفي هذا ردّ على هؤلاء، وكذلك فيما كتبه المهندس البريطاني (هاملتون) في كتابه «طريق في كوردستان» (ص 155–157) نقلاً عما حدّثه به كلارك، مستشار الشيخ محمود سابقاً، في ليلة عيد الميلاد سنة 1928 بأربيل، وقد طلب منه أن يحدثه عن حقيقة الشيخ محمود، فقال كلارك: لم يكن بين الأكراد أليق من الشيخ محمود، مع ما لديه من البسالة، وإنه لم يصبح ضدنا إلا عندما علم أن البريطانيين قرروا نقل السلطة إلى العرب وعدم الاستجابة لمطالبه. وقال، وهو يلقي باللائمة على سياسة البريطانيين لا على الشيخ محمود: «والسبب يعود إلى تذبذب سياستنا الخاصة في هذه البلاد وعدم استقرارنا على خط معين»، «وشعر الشيخ محمود أن كل خططه قد أُحبطت ظلماً وتعسفاً». وبخصوص الميجر سون وسياسته في السليمانية قال: «كان شديداً لا يعرف المرونة، غريباً عن طراز الإدارة لما بعد الحرب، لا يصلح لا لزمانه ولا لمكانه». وأضاف كلارك: «وأنا من جهتي أقدّر وجهة نظر الشيخ محمود وأراها بكل وضوح، ولكن ما حيلتي وأنا عاجز عن تقديم الحل الأفضل». وبخصوص مداراة الشيخ محمود مع البريطانيين قال: «إن الشيخ محمود رغم مقاومته اليائسة ووضعه العسكري السيئ ظل محافظاً على حسن مسلكه معنا طوال الحرب ورغم قصفنا السليمانية». ومما قاله أيضاً: «ومرة قُتل ضابط بريطاني من الليفي الآثوري أثناء معركة مع الثوار الكورد، فبعث الشيخ محمود رسالة اعتذار إلى آمر الوحدة العقيد ماكدونالد جاء فيها أنه شديد الحزن لمقتل الضابط». وكان كلارك يضحك عندما يسرد هذا على هاملتون. ومن جملة الأمثلة التي سردها بخصوص مداراة الزعيم الكوردي وبقائه على خط الرجعة والتفاهم مع البريطانيين لمنح الأكراد حقوقهم المشروعة قوله: «لعلك أدركت أن سياسة الشيخ محمود كانت تتجه دائماً إلى التأكيد بأنه لا يضمر حقداً خاصاً لبريطانيا … إلا أن ما يكرهه هو خوفه أن يحكم وزراء بغداد شعبه».
ومن الجدير أن يُذكر هنا أيضاً أنه في أحد أيام الجمعة سنة 1937 زار عدد من الطلبة الأكراد في دار المعلمين العالية ببغداد الشيخَ محمود في حي الصليخ، حيث كان منفياً في بغداد، وكان معهم الشيخ محمد البرزنجي، الخياط في السليمانية، وكان جندياً قد رافقهم، فقال إن واحداً من الطلاب قال للشيخ محمود مع شيء من الاستحياء: «قوربان ئه گه ر توش ئيداره له گه ل ئينگليز كردبا ئيمه ش ئيستا ده وله تيكمان ده بو»، ومعناه: «فداءً لك، لو داريت الإنجليز لكانت لنا الآن دولة». فتبسّم الشيخ وقال له: يا بني، إنك طفل لا تعلم السياسة بعد؛ إن كان الإنجليز يكرهون «خوله ي شيخ سعيد» (و«خوله» بالكوردية تصغير لاسم محمود) فأسروه ونفوه إلى الهند، فلماذا لم يؤسسوا دولة كوردية ويجعلوا واحداً من أمثال حامد بك جاف رئيس عشيرة الجاف وبابكر بشدري رئيساً لها، وكان لهم على الأقل خمسمائة عميل كوردي ممن يحبونهم؟ ولكن الإنجليز لم يرغبوا في تشكيل دولة كوردية. ومن يريد التفاصيل عن الشيخ محمود وثوراته فليراجع، إلى جانب مذكرات أحمد خواجه، الكتاب الضخم الخاص بالشيخ محمود الذي ألّفه محمد رسول هاوار في جزأين يقعان في 1438 صفحة، ومن يريد خلاصة قيّمة من تاريخه فليراجع كتاب صديق صالح «حكومه تي كوردستان له سليماني».
- في 23/5/2004 بثّت قناة الجزيرة الفضائية لقاءً مع الدكتور أحمد الجلبي بمناسبة مداهمة القوات الأمريكية لمقره وداره ببغداد، قال فيه، وهو يتحدث عن جرائم حزب البعث ضد الشعب العراقي، إن حزب البعث قتل (7%) من الشعب الكوردي.
أجزاء «طموح أكراد كوردستان العراق بين الممكن والمستحيل» (5 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس (هذا الجزء)