الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
طموح أكراد كوردستان العراق بين الممكن والمستحيل (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2010
رؤيتان مختلفتان ميّزتا الصراع الفكري والسياسي إزاء القضية الكوردية في كوردستان العراق
خاض العرب والكورد، كلٌّ على انفراد وبشكل مشترك، نضالاً عنيداً وطويلاً من أجل حقوقهم القومية العادلة والمشروعة، وانتظروا تنفيذ الوعد السياسي الذي أُعطي لقيادتي الشعبين العربي والكوردي في حينه بإقامة دولتيهما المستقلتين. وتجلّى ذلك النضال في انتفاضاتهما وثوراتهما قبل قيام الدولة العراقية العربية الحديثة أو بعده، حين لم تكن ولاية الموصل (كوردستان العراق) قد أُلحقت بعدُ بالدولة العراقية العربية الملكية الحديثة التي تشكّلت في 23 آب 1921. وكانت الطموحات القومية للشعبين العربي والكوردي قد بدأت تبرز لتوّها على صعيد النضال الوطني، وتؤثر بشكل ملموس في حركة الجماهير، وكان الدور البارز في قيادة هذا النضال بيد شيوخ العشائر وعلماء الدين.
وعندما أُلحقت ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية، وبضمنها كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق) التي كانت تضم، إلى جانب مدينة الموصل العربية، المناطق والمدن الكوردية في أطراف الموصل، إضافة إلى السليمانية وأربيل وكركوك، بالدولة العراقية العربية الحديثة في عام 1925، لم يتوقف الشعب الكوردي عن النضال في سبيل الحصول على حقوقه القومية المشروعة التي أقرّتها في حينه عصبة الأمم ومعاهدة سيفر في 10 آب 1920، رغم تخلّي إنجلترا وفرنسا عن وعودهما للأكراد. إذ لم يؤخذ رأي الشعب الكوردي عملياً في إقامة دولته الكوردية المستقلة في كوردستان، أو اندماج كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل) مع بلاد ما بين النهرين (القسم العربي) وتكوين الدولة العراقية العربية الملكية الحديثة، أو إقامة الإدارة الذاتية في كوردستان الجنوبية ضمن الدولة العراقية العربية الحديثة. وكان موقف الشعب الكوردي واضحاً وصريحاً، إذ كان يريد إقامة دولته الوطنية الكوردية المستقلة على أرض كوردستان العراق، أو إقامة الحكم الذاتي فيها. ولم يكن هذا الموقف منسجماً مع أهداف بريطانيا ومصالحها، وهي الدولة المنتدبة على المنطقة والمستعمرة لها، ولا مع تصورات النخبة العراقية العربية الحاكمة الجديدة ومصالحها حينذاك، إذ كان أغلبهم من العسكريين الذين عملوا في الجيش العثماني، وكانوا ذوي نزعة قومية عربية.
ومنذ تلك الفترة تقريباً سادت في صفوف السياسيين والمثقفين والمهتمين بالشؤون العامة العراقية من العرب، وأغلبهم من خريجي المدارس العثمانية وتربيتها، رؤية قومية عربية ضيقة إزاء الكورد وحقوقهم المشروعة والعادلة في إطار الدولة العراقية العربية الحديثة، رغم أنهم كانوا من أوائل من ناضل في سبيل الحقوق القومية العادلة للعرب في العراق وضد سياسات التتريك العثمانية. ولكنهم لم يدركوا بعمق ومسؤولية مفهوم الحرية والديمقراطية وأهميتهما، لا للشعب العربي في العراق فحسب، بل لجميع الشعوب، ومنها الشعب الكوردي، التي يُفترض أن تتمتع بهما. ومنذ أن تصاعد النضال الكوردي والعربي وتعزّز وجوده في الساحة السياسية العراقية، برزت رؤية أخرى إزاء الموقف من القوميات وحقوقها في العراق الحديث، هي رؤية ديمقراطية تقدمية حملتها الأوساط اليسارية العراقية، ومنها الاتجاهات الماركسية أيضاً.
وابتداءً من ثلاثينيات القرن العشرين تبلورت لدى الأوساط السياسية العربية في العراق تدريجياً رؤيتان إزاء الحقوق القومية للشعب الكوردي، وحقوق القوميات الأخرى الثقافية والإدارية، وسبل معالجتها، والحلول التي تسعى كل من هاتين الرؤيتين إلى ممارستها (1).
ورغم مرور عشرات السنين على وجود هاتين الرؤيتين وصراعهما، ورغم كثرة المحن والكوارث والمآسي التي عاشها العراق من جراء التعامل غير الواعي وغير العقلاني وغير المنصف مع هذه المسألة الكوردية الحساسة والحيوية، فإن هاتين الرؤيتين ما تزالان تتصارعان، وكأن دروس الماضي لا قيمة لها أصلاً عند أصحاب الرؤية الأولى، وكأن العراق بحاجة إلى مزيد من المحن والكوارث والمآسي، والموت لمزيد من البشر، وكأن الشعب الكوردي لا حق له، كبقية شعوب العالم، في التطلع إلى الحرية والديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية والوحدة الوطنية القومية، والتمتع بها فعلاً.
- تبنّت الرؤية الأولى، التي سادت في العراق في مختلف المراحل المنصرمة، ومارسها الحكام العراقيون العرب بإصرار أهوج عجيب في العهدين الملكي والجمهوري، مبدأ رفض الاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكوردي في كوردستان العراق، ومنها حقه الثابت في تقرير مصيره على أرض وطنه كوردستان، وإقامة دولته الوطنية الكوردية المستقلة، أو حقه في إقامة الحكم الذاتي، أو إقامة اتحاد فيدرالي بين الإقليمين العربي والكوردستاني في إطار عراق جمهوري ديمقراطي موحد. وتبنّت هذه الرؤية منذ البدء أسلوب القوة وممارسة العنف والردع والتأديب، وزجّ الجيش في معارك شوفينية ضد الشعب الكوردي في كوردستان، لحرمانه من حقه في التمتع بتلك الحقوق ومن مطالبته الملحّة بالاستجابة لها. وتجلّى هذا الموقف حتى بعد الاعتراف بوجود شعبين، العربي والكوردي، في العراق إلى جانب قوميات أخرى، بعد إسقاط الملكية وقيام الجمهورية، عندما كرّس المشرّع العراقي ذلك في الدستور المؤقت بعد ثورة 14 تموز 1958، إذ جاء في المادة الثانية منه النص التالي: «العراق جزء من الأمة العربية» (2).
ثم نصّت المادة الثالثة من الدستور العراقي على ما يلي: «يقوم الكيان العراقي على أساس من التعاون بين المواطنين كافة باحترام حقوقهم وصيانة حرياتهم، ويعتبر العرب والكورد شركاء في هذا الوطن، ويقر الدستور العراقي حقوقهم القومية الكوردية ضمن الوحدة العراقية» (3). إن القول إن «العراق جزء من الأمة العربية» يعني مسألتين، هما:
أن الأرض العراقية جزء من الوطن العربي، وبالتالي لا مجال للحديث عن وجود كوردستان العراق.
أن الاعتراف بوجود الكورد وبحقوقهم القومية يتنافى مع القول بأن العراق جزء من الأمة العربية، إذ إن مثل هذا القول يشمل الكورد أيضاً، كما يشمل غير الكورد من القوميات الأخرى. وهو خلل صارخ لم يأتِ من عدم وعي بما كُتب، بقدر ما كان إصراراً على مخالفة الحقيقة بشأن الشعب الكوردي في كوردستان العراق.
واشتدت هذه الوجهة الفكرية والسياسية العربية بعد انقلاب الثامن من شباط/فبراير 1963 (14 رمضان)، وتبلورت في سياسات الحكومات العراقية المتعاقبة التي تشكّلت في أعقابه. فقد عُدّت القوى التي تناضل في سبيل الاعتراف بالحقوق القومية العادلة والمشروعة للشعب الكوردي، وتطالب بالحكم الذاتي لكوردستان العراق، قوى انفصالية ترتكب جريمة لا تُغتفر. وكرّس هذا المنهج سياسة العنف والحرب لفرض الحل الأوحد الذي تراه القوى القومية العربية الشوفينية، والذي تريد فرضه على الشعب الكوردي. ولم تتبنَّ هذا الموقف القوى والأحزاب السياسية العربية الحاكمة في العراق فحسب، بل تبنّته أيضاً بعض القوى والأحزاب التي كانت في المعارضة، سواء أكان ذلك في العهد الملكي أم في العهد الجمهوري. إنها كانت، وما تزال، تعبّر بذلك عن وجهة فكرية وسياسية قومية ذات طبيعة شوفينية، بغض النظر عن وجود هذه المجموعة أو تلك في السلطة السياسية أو خارجها.
ولم يكن الموقف من المسألة الكوردية في كوردستان العراق وسبل معالجتها هو المسألة الوحيدة التي تختلف الرؤية حولها، بل كانت هناك قضايا أساسية أخرى، ومنها مواقف التمييز والتعامل غير المتكافئ إزاء الكورد في كوردستان العراق من جانب الحكومات العراقية العربية المختلفة، التي تجلّت في مختلف مجالات الحياة اليومية: ابتداءً من حرمانهم من الدراسة بلغتهم الأم الكوردية، وتضييق قبول الكورد العراقيين في الجامعات والمعاهد المختلفة، وخاصة العسكرية والأمنية منها، أو في التوظيف في الوزارات العراقية المختلفة، وخاصة الخارجية والداخلية والدفاع، وغيرها. وكذلك التمييز البارز في توظيف رؤوس أموال الدولة العراقية في عمليات التنمية في كوردستان العراق، إذ كان نصيبها محدوداً بالقياس إلى مناطق معينة من العراق، وبدا هذا واضحاً وصارخاً منذ السبعينيات من القرن العشرين، تماماً كما كان نصيب بعض محافظات الوسط والجنوب التي أهملها الحكم بقيادة حزب البعث وصدام حسين. وكانت المشكلة تبرز أيضاً في مجال التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، وخاصة في المناطق الريفية من كوردستان العراق، أو في إقامة «الطرق الاقتصادية» الخاصة بنقل السلع الزراعية، وتأمين تخزينها وحفظها من التعفن، وتسويقها. وهذه أمثلة قليلة قياساً بممارسات كثيرة تعرّض لها الشعب الكوردي في كوردستان العراق من جانب النظم الحاكمة في بغداد. ولا شك أن الرؤية كانت مختلفة جداً إزاء مفهوم الديمقراطية ومضمونها، والحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحقوق الإنسان، وأهمية التمتع بها وممارستها فعلاً، لا للعرب والكورد فحسب، بل لجميع القوميات الأخرى في العراق.
- أما الرؤية الثانية، التي عبّرت عنها قوى وأحزاب وشخصيات سياسية وعلمية ومثقفة ومهتمة بالشؤون العامة، وكانت في الغالب الأعم في صفوف المعارضة العراقية بشكل عام، فكانت، وما تزال، تؤكد ما يلي:
إن الحل العلمي والعملي والواقعي والعادل والمشروع للمسألة الكوردية في كوردستان العراق يقوم أولاً وقبل كل شيء على أساس الاعتراف المبدئي والمتبادل بوجود شعبين رئيسيين في العراق، هما الشعب العربي والشعب الكوردي، إلى جانب قوميات أخرى عديدة. ويترتب على هذا الاعتراف، ثانياً، أن يتمتع الشعبان بحقّيهما في تقرير مصيريهما، واختيار الوحدة مع بعضهما في دولة واحدة، أو الانفصال وإقامة دولتين مستقلتين على أرض القسم العربي من العراق (عراق العرب) وعلى أرض كوردستان منه (عراق العجم)، كما أن وحدتهما الاختيارية يمكن أن تقوم على أساس الحكم الذاتي أو الاتحاد الفيدرالي. وهذه القضية يقررها كل شعب بمفرده، ويجري الاتفاق بينهما على الصيغة المناسبة التي يُفترض أن ينص عليها دستور البلاد الدائم. ومثل هذا الحل يتم عبر التفاوض الديمقراطي السلمي، وفي ظل حكم دستوري ديمقراطي تعددي لا مكان فيه للاستبداد والعنف والقسوة. إنه الحل العقلاني الوحيد الذي يرضي جميع الأطراف، ويستند إلى قرارات الأمم المتحدة بحق الشعوب، صغيرها وكبيرها، في تقرير مصيرها. ويُفترض أن يتضمن الدستور الديمقراطي الدائم للعراق الاعتراف الكامل بالحقوق الثقافية والإدارية للقوميات الأخرى في كوردستان العراق وفي العراق عموماً.
ومنذ ثلاثينيات القرن العشرين مارست الرؤية الأولى كل أساليب القهر والزجر والقوة والعنف والقتل الجماعي والحرب والتدمير الاقتصادي والتخريب العمراني وأدواتها، المتوفرة في أيدي الدولة العراقية، واستعانت بالغير أيضاً، لكسر شوكة الشعب الكوردي في كوردستان العراق وفرض الحل الشوفيني عليه. ومارست الحكومة العراقية كل أساليب الحقد والكراهية العنصرية وأدواتها في حملات الأنفال ومذابحها السيئة الصيت، واستخدمت لهذا الغرض الأسلحة الكيميائية على مدن وقرى كوردية في كوردستان العراق، مثل مدينة حلبجة في 16 آذار 1988، ولكنها لم تفلح في ذلك، ولن تفلح بطبيعة الحال، لأنها إرادة شعب كوردي مؤمن بحقوقه القومية.
فحكومات العهد الملكي جرّبت ومارست سياسات تميّزت بالشوفينية، ورفضت الاعتراف بحق الشعب الكوردي في كوردستان العراق في تقرير مصيره وممارسة بقية حقوقه القومية المشروعة والعادلة. وشنّت الحكومة العراقية الملكية الحملات العسكرية ضده، وخرّبت قراه ومدنه، وطاردت سكانه الكورد، وفرضت الهجرة القسرية على المناضلين الكورد من أبنائه، وأنزلت الدمار والخراب بالسكان الكورد الآمنين في فترات مختلفة. ورغم ذلك عجزت عن لَيّ رقبة هذا الشعب الكوردي في كوردستان العراق وفرض حلولها عليه، إذ واصل الكورد النضال في سبيل تلك الحقوق القومية العادلة، وكان نضالهم أحد الأسباب الأساسية والمباشرة في إضعاف الحكومة الملكية ونخرها من الداخل وسقوطها أخيراً، إضافة إلى الأسباب الأخرى، وخاصة غياب الديمقراطية والعدالة، وكبت الحريات العامة، وغياب العدالة الاجتماعية، والخضوع التام لإرادة المستعمرين ومشيئتهم.
وبعد سقوط الملكية وقيام الجمهورية العراقية في ثورة 14 تموز 1958، عمدت القوى الحاكمة العراقية في بغداد إلى ممارسة السياسات الشوفينية. فمنذ البدء أصرّت حكومة عبد الكريم قاسم على عدم تغيير نص المادة الثانية من الدستور العراقي المؤقت، ورفضت الالتزام بتنفيذ مبدأ الاعتراف بحقوق الشعب الكوردي القومية العادلة وممارستها فعلاً، فتراكمت المشكلات تدريجياً، وتفجّرت في ثورة الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 1961، التي قام بها الشعب الكوردي في كوردستان العراق بقيادة الزعيم الخالد الملا مصطفى البارزاني، بعد أن شنّ النظام الجمهوري العراقي بقيادة عبد الكريم قاسم عدواناً عسكرياً على الشعب الكوردي في كوردستان العراق، بدأ بقصف همجي لمناطق البارزانيين، وقتل الكثير من الأبرياء الكورد من النساء والأطفال والرجال. ولم يستمع عبد الكريم قاسم وحكومة بغداد إلى صوت العقل الذي نادى بالديمقراطية للعراق، والسلم في كوردستان العراق، والحكم الذاتي للشعب الكوردي، وكانت هذه واحدة من أكثر النقاط حسماً في إضعاف حكم عبد الكريم قاسم وسقوطه لاحقاً.
واستولت القوى البعثية والقومية العربية على السلطة بعد إطاحتها بحكومة عبد الكريم قاسم في انقلاب 8 شباط 1963 (14 رمضان)، ولكنها هي أيضاً لم تستفد من التجارب المنصرمة، بل صمّمت على خوض الحروب ضد الشعب الكوردي في كوردستان العراق، وعدّتها «نزهة ربيعية»، منطلقة في ذلك من ذهنيتها الشوفينية والعسكرية التي لا تعرف سوى لغة القوة واستخدام السلاح والحرب في معالجة المشكلات الداخلية، ومن الرفض الصريح لحقوق الشعب الكوردي القومية، وحقوق القوميات الأخرى في العراق أيضاً. وقادت تلك السياسات إلى مزيد من نزيف الدم، وإلى الموت والدمار والخراب، ولكنها انتهت أيضاً بسقوط ذلك النظام البعثي والنظام الذي تلاه، لأنهما مارسا عملياً السياسة العدوانية نفسها.
وأخيراً جاء نظام حزب البعث الصدامي إلى الحكم ثانية، ومنذ السابع عشر من تموز 1968 حتى سقوط النظام تحت ضربات التحالف الأمريكي–البريطاني في التاسع من نيسان 2003، عاش الشعب العراقي مأساة مريرة بلغ عمرها 35 عاماً تقريباً، وتميّزت بكونها أسوأ العهود والنظم التي عرفها العراق الحديث.
وتحت ظروف خاصة وموازين قوى معينة، أُجبر نظام حزب البعث على الاعتراف بوجود الشعب الكوردي في كوردستان العراق، وأقرّ ببعض حقوقه وفق اتفاقية الحادي عشر من آذار 1970. ولكن قيادة حزب البعث كانت تقدّر منذ البدء أن هذه الاتفاقية (بيان 11 آذار 1970) ليست سوى مرحلة عابرة وقصيرة، يُفترض التحضير في أثنائها لما يساعد على كسر شوكة الشعب الكوردي وقيادته وحركته الثائرة. فبدأت بمحاولة نسف بيان 11 آذار 1970، ابتداءً من التآمر على القيادة الكوردية بتنظيم عملية اغتيال فاشلة ضد قائد الحركة الكوردية وزعيمها الملا مصطفى البارزاني، والسعي إلى سلب المضامين الديمقراطية الأساسية لمشروع الحكم الذاتي، وجعله مجرد حكم شكلي يخضع للقيادة البعثية، إضافة إلى تقزيم منطقة الحكم الذاتي في كوردستان العراق بقطع بعض أوصالها عنها وتعريب الباقي منها. وقادت هذه السياسة إلى تعقيد الأمور، وإلى شن حرب دموية ضد الشعب الكوردي، وترويع المواطنين الكورد، والتسبب في خراب القرى وهجرة السكان الأكراد. وتسنّى لنظام الحكم العراقي الاستبدادي التعاون مع حكومة شاه إيران، بموافقة الولايات المتحدة الأمريكية وترحيب الحكومة التركية، بالتنازل عن أراضٍ عراقية وعن قسم من شط العرب لإيران، من أجل ضرب الحركة الكوردية المسلحة في عام 1975 (اتفاقية الجزائر في 6 آذار 1975).
بعد ذلك شنّ نظام حزب البعث حروباً داخلية وأخرى خارجية ليبرهن على قوته، مستجيباً لأطماعه في المنطقة، فكانت المحن والكوارث تتوالى على رأس الشعب العراقي، وحصد الموت مئات الألوف من العراقيين. ومع قرب نهاية الحرب العراقية الإيرانية نظّم النظام العراقي ونفّذ حملات الأنفال ومجازرها ضد شعبه من الأكراد، واستخدم الأسلحة الكيميائية في حلبجة في 16 آذار 1988، ضد الشعب الكوردي وضد قواه المسلحة (البيشمركة) وبقية القوى الكوردية المعارضة، بمن فيها العرب والقوميات الأخرى، في الفترة الواقعة بين شباط/فبراير وآب/أغسطس 1988، ونجمت عنها عواقب كارثية أصبحت الآن معروفة للجميع؛ إذ حصدت الرياح الصفراء القادمة من حكومة بغداد أرواح عشرات الآلاف من المواطنين الكورد، كما أصبح مصير عشرات الآلاف الأخرى من الكورد مجهولاً حتى الآن. لقد كانت أبشع مجزرة عنصرية تُرتكب بحق الشعب الكوردي في القرن العشرين، ونُفّذت بدناءة وخسّة بالغتين، وقد جرى كل ذلك باسم العروبة والقومية العربية وحماية الوحدة العراقية والعربية!
ولم تنقطع سلسلة الاعتداءات على الشعب الكوردي في كوردستان، بل تواصلت في أعقاب انتفاضته وانتفاضة الشعب العراقي كله في ربيع (آذار) 1991، التي اضطر بعدها أكثر من مليون إنسان كوردي كوردستاني، وعشرات الآلاف من العرب وغيرهم، إلى الهرب وترك العراق، وطنهم أباً عن جد، وكانت الحصيلة مرعبة. ورغم كل ذلك ظل نظام حزب البعث حتى سقوطه يعوّل على استخدام القوة والسلاح والحرب لمعالجة القضية الكوردية في كوردستان العراق، رغم خروج القسم الأعظم من إقليم كوردستان العراق (منطقة الحكم الذاتي) من دائرة حكمه وخضوعه للحماية الأمريكية، إذ لم يترك فرصة إلا استغلها لتحقيق أهدافه الشريرة.
المصادر
د. كاظم حبيب، لمحات من نضال حركة التحرر الوطني للشعب الكوردي في كوردستان العراق، ص 18.
دليل الجمهورية العراقية لسنة 1960، مجلس الوزراء، وزارة الإرشاد، بغداد، 17 كانون الأول 1960، ص 225.
المصدر السابق نفسه.
أجزاء «طموح أكراد كوردستان العراق بين الممكن والمستحيل» (5 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس