الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
طموح أكراد كوردستان العراق بين الممكن والمستحيل (الجزء الرابع)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2010
نضال الشعب الكوردي من أجل تأسيس دولة كوردية مستقلة
في الثامن من تشرين الثاني 1918 أعلنت الحكومتان البريطانية والفرنسية في بيانهما المشترك الغاية التي تهدفان إليها، وهي تشكيل حكومات وطنية في الأقطار التي كانت تحت سيطرة الدولة العثمانية. فكان الشعب الكوردي من الشعوب التي اهتزت فرحاً بهذا الهدف السامي الذي طالما ناضل الشعب الكوردي في كوردستان من أجله وقدّم التضحيات الجسام في ثوراته العديدة للوصول إليه، وهو التحرر من السيطرة العثمانية، خاصة أن الحرب العالمية الأولى قد عمّقت لدى قسم من الشعب الكوردي الوعي القومي وفكرة استقلال كوردستان.
كتب نائب الحاكم السياسي البريطاني العام في العراق ويلسن في كتابه «بلاد ما بين النهرين بين ولاءين» (ج 2، ص 228) أنه إثر احتلال البريطانيين لكركوك في 7/5/1918 عقد الوجهاء الأكراد في السليمانية اجتماعاً قرروا فيه تشكيل حكومة كوردية برئاسة الشيخ محمود الحفيد، وأن الشيخ محمود، بعد أن شكّل حكومته المؤقتة في اجتماع السليمانية، كتب إليه وإلى القائد العام البريطاني في كركوك رسالة عبّر فيها عن نفسه بعبارة: «نيابة عن الشعب الكوردي القاطن على كل من جانبي الحدود»، أي نيابة عن أكراد كوردستان إيران أيضاً (5). وأضاف أن الشيخ محمود الحفيد كتب في رسالته أنه يسلّم مقاليد الحكم في السليمانية إليهم، أو أن يجعلوه ممثلاً لهم تحت العلم البريطاني المجيد، وأن أهالي كوردستان قد سُرّوا بالنجاح الذي أصابه البريطانيون، وأنهم، وقد تحرروا من الطغيان التركي على يد قطعاتهم الباسلة، يتطلعون إلى الازدهار تحت حكمهم كما ازدهر العراق سواء بسواء. ثم ختم قوله راجياً أن يُعطى الضمان الكافي بألّا يُسمح للسلطة التركية، تحت وطأة أي ظرف، بأن تعود إلى كوردستان مرة أخرى.
وكتب ويلسن أنه أجاب الشيخ محمود الحفيد بأنهم ينسحبون من كركوك، لكنه يأمل أن يعودوا سريعاً، وقال إنه قبل اقتراح الشيخ محمود باتخاذه ممثلاً لهم في السليمانية، وكتب منشوراً عاماً بهذا الخصوص، لكن احتلال الأتراك لكركوك حال دون نشره. ثم إن الأتراك أرسلوا مفرزة قوية إلى السليمانية، وأودعوا الشيخ محمود الحفيد السجن، كما سجنوا من لم يستطع الهرب من الوجهاء الكورد، إلا أن الأتراك أظهروا ليناً سياسياً تجاه القادة الأكراد وأطلقوا سراح الشيخ محمود الحفيد.
ولما احتل البريطانيون كركوك للمرة الثانية في 27 تشرين الأول 1918، أرسل الشيخ محمود الحفيد رسالة أخرى إلى ويلسن طلب فيها إنشاء دولة كوردية في كوردستان العراق تحت الانتداب البريطاني.
وطلب الشيخ محمود الحفيد من ويلسن إرسال ممثل عنه إلى السليمانية، فلبّى ويلسن طلبه، وعيّن الميجر نوئيل حاكماً سياسياً لمنطقة كركوك وأرسله إلى السليمانية. وقد حدد ويلسن منطقة كركوك في وثيقة تعيين الميجر نوئيل بالمنطقة الممتدة من نهر ديالى إلى الحدود التركية الإيرانية في الجبهة الشمالية الشرقية، أي إلى نهاية منطقة برادوست وبارزان، وهذا يدل على أن سلطات الاحتلال البريطاني عدّت كركوك مركزاً لمعظم كوردستان الجنوبية، كما ذكرنا في موضوع «ولاية شهرزور» في الجزء الثاني من الموسوعة «الأكراد: حقائق ووقائع عبر التاريخ» (6). ووصل الميجر نوئيل إلى السليمانية في السادس عشر من تشرين الثاني 1918، وألقى خطاباً باللغة الفارسية وسط حشد كبير من شخصيات مدينة السليمانية ورؤساء العشائر الكوردية وجماهير المدينة في ساحة السراي في السابع عشر من تشرين الثاني 1918.
وأعلن الميجر نوئيل في خطابه تشكيل حكومة، أو حكمدارية، كوردية برئاسة الشيخ محمود الحفيد، من نهر ديالى حتى الزاب الكبير وإلى الحدود التركية الإيرانية، أي إلى آخر منطقة رواندز، أي حتى المثلث الحدودي الحالي. ولما نزل الميجر نوئيل عن الكرسي الذي وُضع لخطابه، أصعد الحاضرون، بأمر من الشيخ محمود، على الكرسي العالمَ المجوِّد التقي الأعمى الملا محمد «ده نگ گه وره» أستاذ الشيخ محمود، تيمّناً به، فخطب بصوته الجهوري الذي لُقّب به (7). ولما نزل صعد الشيخ محمود الحفيد الكرسي وخطب وأشاد بهذه المناسبة التاريخية العظيمة.
وباشر الميجر نوئيل التشكيلات الإدارية في السليمانية ومنطقتها، وظل حاكماً سياسياً ومستشاراً بريطانياً للشيخ محمود الحفيد الخالد. واتخذ الشيخ محمود، في اليوم الثاني عشر من حكمه، اللغة الكوردية لغة رسمية في الدوائر، وانتشر نفوذه بسرعة، حتى طلب أربعون من رؤساء العشائر الكوردية في كوردستان إيران من السلطات البريطانية ضم ذلك الجزء من كوردستان إيران أيضاً إلى حكومة الشيخ محمود الحفيد. ثم حضر ويلسن نفسه إلى السليمانية في الأول من كانون الأول.
ولكن سرعان ما ظهر أن البريطانيين غير صادقين في وعودهم؛ ففصل ويلسن الميجر نوئيل من وظيفته في السليمانية، وعيّن مكانه الميجر سون للتقليل من نفوذ الشيخ محمود الحفيد، وكان ضابطاً متعجرفاً يكره الشيخ محمود. وتطورت الأمور، بسبب سوء سياسة البريطانيين وعدم صدقهم، إلى أن أعلن الشيخ محمود الحفيد الثورة عليهم في مايس 1919، فحرر مدينة السليمانية من موظفي الإنجليز وقواتهم بمساندة محمود خان دزلي، كما أحرز انتصاراً ساحقاً في الجولة الأولى من المعارك خارج المدينة، إذ سحقت قوات الثورة الكوردية القوات البريطانية القادمة لاحتلال السليمانية، وذلك في منطقة طاسلوجه–بازيان في 25 مايس 1919، وغنمت أسلحتها وعتادها. وكان من الشهداء عارف بك رئيس عشيرة إسماعيل عوزيري (8) وعبد الله آغا البشدري، ووصلت قوات الثوار إلى قرب قره هنجير على بعد 20 كم من كركوك.
وبخصوص تشكيل الشيخ محمود الحفيد الحكومة، وسفر الحاكم السياسي ويلسن إلى السليمانية، وإعطاء الوعود للشيخ بتأييده في مؤتمر الصلح في فرساي عام 1919، ثم نقض البريطانيين وعودهم، وبخصوص معركة طاسلوجه وخسائر الإنجليز، توجد في مركز الوثائق العثمانية وثيقة تحت رقم DH.KMS/50-3/25، وهي تقرير للفرقة الخامسة عشرة في أرضروم بتاريخ 12/9/1335 رومي (1919م)، أُعطيت صورة منه إلى ولاية طرابزون وولاية وان (9)، وقد صُوّرت الوثيقة العثمانية في مركز الوثائق العثمانية.
وأرسل البريطانيون قوات كبيرة من الموصل وغيرها لسحق ثورة الشيخ محمود الحفيد الكوردية، وانتصروا في معركة مضيق بازيان (ده ربه ندي بازيان) الحاسمة في 18/6/1919، وأُسر الشيخ محمود الحفيد جريحاً، وحُكم عليه في بغداد بالإعدام، ثم نُفي إلى الهند (10). علماً أن الشيخ أحمد البارزاني كان قد أرسل قوة من البارزانيين لمساندة الشيخ محمود، كما قاد الشيخ رقيب السورجي قوة من السورجيين لمناصرته، ولكنه أُسر في معركة دربند بازيان قبل وصول القوتين إليه، فرجعت القوتان إلى بارزان وبجيل.
ومما لا شك فيه أن الشيخ محمود كان قد أرسل الرسائل إلى كثير من رؤساء الأكراد لكي يتوحدوا ويتكاتفوا لتشكيل حكومة كوردية مستقلة في كوردستان، ويكونوا يداً واحدة ضد الإنكليز، لكي يرضخ هؤلاء للمطالب الكوردية.
وفي سنة 1919 قامت حركة كوردية مسلحة ضد الإنكليز في مناطق عقرة والعمادية ودهوك وزاخو، وتكررت الإشارة إلى أربيل ورواندز أيضاً في عدد من الوثائق العثمانية، ويُحتمل أن يكون المقصود ما حدث في حرير وباتاس من قتال مع القوات البريطانية هناك في تشرين الثاني 1919. ففي منطقة عقرة قُتل الحاكم السياسي البريطاني للموصل (بيل) والحاكم السياسي البريطاني لعقرة (الكابتن سكوت) مع المترجم وتسعة وخمسين شخصاً من حمايتهما في بيرا كبرا في بارزان، حسب البرقية الصادرة من وان بتاريخ 29 تشرين الثاني سنة 1335 رومي (= 29 تشرين الثاني 1919)، الموجودة في الأرشيف العثماني في إسطنبول تحت رقم DH.KMS/50-3/25 (11).
وبخصوص حادثة بيرا كبرا في بارزان ذكر عبد المنعم الغلامي في «ثورتنا في شمالي العراق» (أي كوردستان العراق) (ص 79) أن قتل الحاكمين السياسيين البريطانيين بيل والكابتن سكوت كان في اليوم الثاني أو الرابع من تشرين الثاني 1919، وقال إنه قُتل معهما ثلاثة أشخاص، أما الباقون فانحازوا إلى الأكراد.
بعد ذلك توجهت إلى مدينة عقرة قوات بارزان بقيادة الشيخ أحمد البارزاني، وقوات الزيبار بقيادة فارس آغا الزيباري، وقوات السورجي بقيادة الشيخ رقيب السورجي، وقاتلت القوات البريطانية فحررت مدينة عقرة، واستولت على الخزينة وعلى ما في المدينة من الأسلحة والأعتدة. وقد ضربت القوات البريطانية مدينة عقرة والمقاتلين بكافة الأسلحة، ومنها الطائرات، وكان كثير من سكان المدينة قد احتموا بالكهوف الموجودة فيها، على ما ذكره كثير من شهود العيان، وقد هدمت الطائرات مجموعة من الدور (12).
وقد وردت المعلومات المتعلقة بهذه الحادثة وبتحرير عقرة في برقية لقائد الفيلق الخامس عشر للدولة العثمانية بتاريخ 3 كانون الأول 1335 رومي (= 3 كانون الأول 1919)، وهي موجودة في مركز الوثائق العثمانية تحت رقم DH.KMS/50-3/25.
وجاء في الوثيقة أيضاً أن الإنكليز يريدون تأديب سمكو آغا الشكاك، وأن طائراتهم كانت تحلّق فوق المنطقة قرب الحدود الروسية.
إن تحرير عقرة كان في 3 تشرين الثاني 1335 (= 3/11/1919)، على ما جاء في البرقية المؤرخة في 4 كانون الأول 1335، الموجودة أيضاً في مركز الوثائق العثمانية تحت رقم البرقيتين المذكورتين نفسه، علماً أنه توجد تحت هذا الرقم (101) وثيقة، وكلها مصوّرة. لكن عبد المنعم الغلامي كتب في كتابه «ثورتنا في شمالي العراق» (ص 81) أن تحرير عقرة كان في الخامس من تشرين الثاني.
أما في مدينة العمادية فقد ثار سكانها بقيادة الحاج شعبان، وبمشاركة قوات الحاج رشيد بك برواري زوري، على البريطانيين الموجودين فيها، وقتلوا في 15 أو 16 تموز 1919 الحاكم السياسي البريطاني (ويلي) والذين معه في المدينة. وقد جاء في وثيقة عثمانية بالرقم نفسه في مركز الوثائق العثمانية، بتاريخ 23 تموز 1919، ذكر حركة العمادية وقتل الحاكم السياسي البريطاني ويلي والاستيلاء على الأسلحة والأعتدة، وكانت برقية مستعجلة من والي وان حيدر إلى الصدر الأعظم، كما يُعلم من نسخة أخرى، وكان مدير مالية ناحية برواري، واسمه محمد صالح، قد أعلمه بذلك في رسالة بتاريخ 17 تموز 1919.
وقد قاد القائد البريطاني لجمن بنفسه قوة عسكرية من الموصل، وحاصر بامرني وضربها بكافة الأسلحة، وذلك في 3 آب 1919، وقبض على الشيخ بهاء الدين وأخيه الشيخ علاء الدين وسبعة آخرين وسجنهم في الموصل (13). وتمكنت القوات البريطانية من احتلال العمادية في السادس من آب 1919، وفي الثامن والتاسع من آب 1919 وقعت معركة عنيفة في «گه لي مزوركا» قبالة مدينة العمادية في سلسلة متينا، ما زالت لها شهرة في المنطقة إلى اليوم، انتصرت فيها القوات الكوردية، وكان معظمها من قوات الحاج رشيد بك رئيس عشيرة برواري زوري، وكانت أكبر معركة في المنطقة، وقد خسر البريطانيون فيها الكثير (14). وبخصوص هذه المعركة والهجوم على بامرني وإلقاء القبض على الشيخ بهاء الدين، توجد لدى الأستاذ عبد الرقيب يوسف وثيقة عثمانية رقمها DH.KMS/50-3/25 جاء فيها أن قوات الحاج رشيد كانت ألف مقاتل، وورد فيها خطأً اسم «برواري زير» أي «به رواري زيري» بدلاً من «به رواري زوري»، وهي برقية لوالي وان حيدر بتاريخ 11 آب 1335 رومي.
وما زالت لمعركة «سواره توكا» شهرة واسعة في المنطقة أيضاً، وموقعها الآن مصيف على طريق دهوك–العمادية (آميدي)، وقد شاركت فيها قوات طاهر آغا هزاني من رؤساء عشيرة دوستكي، وصادقي برو وسليمان قتي من رؤساء عشيرة گولي في زاخو، وقوات حسو دينو من عشيرة گويان، وذلك في 22 آب 1919 (15). وكانت معظم القوات البريطانية في مواجهة الحركات الكوردية في مناطق رواندز وعقرة والعمادية وزاخو تتكون من المرتزقة الهنود من السيخ والگورگه، ومن الآثوريين الذين اضطرتهم المآسي لأن يحملوا السلاح للبريطانيين.
وورد في وثيقة أخرى بالرقم نفسه (DH.KMS/50-3/25) أن بعض البريطانيين قُتلوا على يد الشيخ نور محمد البريفكاني، الذي كان يتحلى بالفكر القومي الكوردي، وكان من الموقّعين على مذكرة بخصوص الحقوق القومية الكوردية قُدّمت إلى الدولة العثمانية سنة 1908 على الأرجح، واشتهرت بمذكرة الشيخ عبد السلام البارزاني. وفي الوثيقة إشارة إلى الحركات الكوردية من قبل أكراد زاخو ودهوك وعقرة وزيبار ورواندز وگويان، ومن رؤساء گويان الشيخ صالح، وأن الإنكليز أرسلوا قوات انتقاماً لحادثة عقرة. وقد صدرت هذه الوثيقة (البرقية) من ديار بكر بتاريخ 12 كانون الأول 1335 رومي (1919م).
أما في منطقة زاخو فقد قاتل صادق برو رئيس عشيرة گولي، وسليمان قتي (قطي)، وطاهر همزاني، وحسو دينو القواتِ البريطانية التي هاجمت المنطقة، فاندحرت في المعركة، وذلك في أيلول 1919، وأسقط صادقي برو بنفسه طائرة بريطانية. وقاتل جميل آغا وعبدي آغا السندي القوات البريطانية في منطقتهما، وقتل مصطو شاهو، من رجال حسو دينو، الضابط البريطاني بيرسن في «كاني گويزك» بين قريتي مزگه وكرور. وفي سهل حرير وباتاس قاتلت عشيرتا سوران وسورجي القوات البريطانية أيضاً.
وقد أدخل رفيق حلمي في مذكراته («ياد داشت»، ج 2، ص 60) هذه الحركات المذكورة ضمن الثورات الكوردية، وقد عاصرها، وكان أحد معتمدي الشيخ محمود الحفيد وكاتب الميجر نوئيل.
ولو اتحدت هذه الحركات الكوردية ونشبت في ربيع تلك السنة، والتفّت حول قيادة الشيخ محمود الحفيد، واستمرت وشملت الثورة من خانقين حتى زاخو كثورة 11 أيلول 1961 الكوردية، لاضطر البريطانيون إلى الخضوع لمطالب الشعب الكوردي في كوردستان، إذ كانت الظروف العسكرية والسياسية أسهل بكثير من ظروف ثورة 11 أيلول 1961. وعندما تجددت ثورة الشيخ محمود الحفيد الكوردية سنة 1923 أصبحت منطقة السليمانية وحيدة في الميدان، إذ كانت حدود الثورة تنحصر بصورة عامة بين نهري سيروان والزاب الصغير، بحيث كانت قوات العدو البريطاني كافية لإخمادها.
المصادر
لم يذكر المرحوم رفيق حلمي في مذكراته أن الشيخ محمود الحفيد شكّل حكومة كوردية قبل اتصاله بالبريطانيين، وكان مقرّباً من الشيخ محمود، كما لم يذكر ذلك المرحوم الأستاذ أحمد خواجه، كاتب الشيخ محمود الحفيد، في كتابه «جيم دي»، لكن الأول ذكر فقط أن الشيخ محمود الحفيد عقد اجتماعاً سرياً مع زعماء المدينة، وقرروا إرسال رسالة إلى ويلسن وإلى القائد العام في كركوك إثر احتلال البريطانيين لكركوك. فمن المحتمل أن ما قاله ويلسن غير صحيح، ومن المحتمل أن يكون تشكيل الحكومة سرياً أيضاً، لأن قوات الترك كانت موجودة في السليمانية، وهذه نقطة جديدة قابلة للمناقشة والتعقيب. وذكر كل من رفيق حلمي وأحمد خواجه أن رسالة الشيخ محمود الحفيد الأولى هذه لم تصل إلى ويلسن، وإنما سُلّمت إلى الأتراك، وهذا غير صحيح، لأن ويلسن نفسه قال إن الرسالة وصلت إليه وأجاب عنها، ولكن يُحتمل أن تكون التي سُلّمت إلى الأتراك رسالة أخرى.
يوجد نص أمر تعيين الميجر نوئيل في كتاب «أربعة قرون من تاريخ العراق القريب» (ص 187) لمس بيل، وكان تاريخ التعيين في الأول من تشرين الثاني 1918.
ذكر المرحوم رفيق حلمي في مذكراته («يادداشت»، ج 1، ص 60) أن الميجر نوئيل أعلن في اليوم الأول من تشرين الثاني تشكيل حكمدارية الشيخ محمود، أما أحمد خواجه فقال في «جيم دي» (ج 1، ص 20) إنه وصل إلى السليمانية في الثامن عشر منه، والصحيح أن نوئيل وصل إلى السليمانية في اليوم السادس عشر وأعلن الحكمدارية في اليوم السابع عشر، على ما ثبت بالتحقيق. وقد كتب الأستاذ المؤرخ أحمد خواجه في كتابه «جيم دي» (ج 1، ص 21) مقتطفاً من خطاب الملا محمد، ولكنه لم يذكر فيه أنه خطب بعد الميجر نوئيل، وحين سُئل في 13/7/1988 أين تحدث الملا محمد، قال: خطب بعد نوئيل ثم خطب الشيخ محمود الحفيد، وكان أحمد خواجه من جموع الحاضرين. وقد سُجّلت بصوت محمد ابن الملا محمد معلومات قيّمة بخصوص حياة والده لا مجال لذكرها هنا. ولما أُسر الشيخ محمود سنة 1919 جزع عليه الملا محمد وتوفي، وقد شُخّص قبره في مقبرة «گردي فه قيان» شمال مسجد كانيسكان، وطُلب من بلدية السليمانية تشييد قبة عليه كي لا يضيع، إحياءً لذكراه. وقد أزالت دائرة الأوقاف قسماً من المقبرة، وشُخّص قبره بصعوبة مرة ثانية بسبب هدم البلدية دكاكين متجاوزة هناك وتخريب قبره.
استشهد عارف بك محمد بك رئيس عشيرة إسماعيل عوزيري عند مخفر طاسلوجه، أما عبد الله آغا علي آغا أوكورتي البشدري فاستشهد غرب المخفر. وهناك معلومات صوتية كثيرة بخصوص هذه المعركة من عدد من الأشخاص، كالمرحوم حاجي حسن كرزه يي من وجهاء إسماعيل عوزيري، وكان معمّراً، إذ تزوج سنة 1911، وكذلك من علي حسن آغا أوكورتي البشدري وغيرهما، ولذلك طُلب من بلدية السليمانية إقامة نصب تذكاري لهذه المعركة وشهدائها عند بناية المخفر الباقية حالياً. وقد كان سير معركة طاسلوجه، حسب معلومات الأخ علي آغا أوكورتي التي سمعها من عمه حه مه ئاغا (حه مه بچكول) الذي جُرح في المعركة واستشهد أخوه عبد الله آغا ودُفن جثمانه في مقبرة شيخ محيي الدين في السليمانية، على النحو الآتي: هاجمت قوات محمود خان دزلي، مع قوات السليمانية وأطرافها بقيادة الشيخ قادر أخي الشيخ محمود، وقوات بشدر، القواتِ البريطانية من الجهة الشرقية لجبل طاسلوجه الواقع غرب المدينة، بينما هاجمها كريم فتاح بك الهماوندي بقواته البالغة (500) مقاتل من الشمال الغربي إلى قرية جقز (حيث معمل سمنت طاسلوجه الحالي)، أما سيد محمد جباري فهاجمها من الجنوب الشرقي، وكان قد لفّ عباءته بذيل حصانه في المعركة، وأبدى بسالة فائقة، واستشهد من رجاله محيي الدين أمين دوغري الجباري. ومع ما اشتهر به محمود خان وكريم بك من البسالة، فقد أثنى علي آغا على ما أبداه الشيخ قادر من البسالة في المعركة على ما سمعه، وقال إن المعركة دامت حوالي ساعتين، وانتصرت فيها القوات الكوردية بسرعة.
جاء في الوثيقة أن اثنتي عشرة طائرة كانت تقصف قوات الشيخ محمود الحفيد، الذي غنم من الإنجليز في معركة طاسلوجه (150) أوتوموبيلاً (سيارة)، وأربعة آلاف بندقية، و12 رشاشاً، و500 بغل، و37 ألف «يوك» (= 18 مليوناً و500 ألف غروش)، و40 روبلة.
هناك شريط صوتي لدى الأستاذ عبد الرقيب يوسف فيه معلومات قيّمة عن عدد من المقاتلين الذين شاركوا في معركة دربندي بازيان في هذه الثورة، منهم الشيخ محمود الشيخ حسن باراوي، وحاجي حسن كرزه يي، وسيد علي البرزنجي. وقد كُتبت في تسعينيات القرن الماضي مقالات من قبل أشخاص بخصوص معركة دربندي بازيان، ويرى عبد الرقيب يوسف أن ما كتبه الدكتور كمال مظهر ونجم الدين نقشبندي كان تشويهاً لتاريخها، وقد ردّ السيد سرور سعيد، طالب الماجستير في قسم التاريخ بجامعة السليمانية، على الدكتور بمقال دقيق نُشر في حلقتين في «كوردستاني نوي» في 23 و24/11/1997.
ورد في البرقية خطأً اسم «شيخ محمد» بدلاً من «الشيخ أحمد»، كما ورد فيها من الرؤساء اسم بكر آغا (الزيباري) وخليل رئيس عشيرة شيروان، وهو خليل خوشوي.
كتب عبد الرقيب يوسف معلومات من أفواه عدد من المعمّرين من سكان عقرة بخصوص القتال مع القوات البريطانية ممن شاهدوه، وأكبرهم سناً حاجي بيرو (الملا عبد الله بن حسين بن محمد ابن الملا عبد الله قاضي عقرة سنة 1850م)، وسجّل في 4/11/1998 صوتياً بالكاسيت وبكاميرا الفيديو معلومات كثيرة من المرحوم حاجي بيرو، أثناء جولته الثانية الخاصة بآثار منطقة عقرة، التي استغرقت (48) يوماً، وقد مسح فيها المنطقة من نهر الخازر إلى الشرق من الزاب الكبير بطول 56 كم، واكتشف فرعاً من فروع الآثار لم يُكتشف سابقاً، مع مجموعة من الكتابات البهلوية القديمة. وإرسال قوة من السورجي وبارزان لمساندة الشيخ محمود شائع بين المعمّرين في عقرة وبجيل، ومما هو شائع في المنطقة أيضاً أن حسني خاني، أشهر رجال الشيخ رقيب شجاعة، هاجم مدفعاً للبريطانيين فقتل المدفعي واستولى على المدفع.
ألّف السيد مصطفى نوري بامرني كتاباً حافلاً وقيّماً في تاريخ قرية بامرني (بامه رني)، ذكر فيه (ص 162) أن الشيخ بهاء الدين كان يتحلى بالفكر القومي الكوردي، وشارك سنة 1907 في الاجتماع المنعقد بين الشيخ عبد السلام بارزاني والشيخ نور محمد البريفكاني، الذي تمخض عن تقديم مذكرة إلى الدولة العثمانية تطالب بحقوق قومية للأكراد، كما اجتمع بالشيخ عبد السلام في 22/12/1903 في دار الحاج عبد العزيز في مدينة العمادية، وذكر أسماء تسعة عشر شخصاً من سكان بامرني قُتلوا في هذه الحملة البريطانية. ومن الجدير بالذكر أن الشيخ بهاء الدين بن الشيخ محمد بن الشيخ طاهر كان متفقاً مع ثوار منطقة العمادية، وكان أكبر مرشد متصوف ديني في بهدينان آنذاك، وتوفي سنة 1952، وكان يتصف بأوصاف حميدة.
قال عبد المنعم الغلامي في «ثورتنا في شمالي العراق» (ص 50) إنه قُتل في «گه لي مزوركا» (700) من الجيش البريطاني مع عدد من الضباط، ذكر أسماء ثلاثة منهم.
ذكر عبد المنعم الغلامي في «ثورتنا في شمالي العراق» (ص 42–61) معلومات مفصلة عن أحداث العمادية وگه لي مزوركا وبيبادي وسواره توكا وبامرني ومنطقة زاخو، ولكتابه أهمية كبيرة، فلولاه لضاع معظم المعلومات عن تلك الحركات، مع كرهه الشديد للحركة الوطنية الكوردية. وقد سجّل الأستاذ عبد الرقيب يوسف صوتياً سنة 1983 ذكريات المعمّر المرحوم الحاج مصطفى كتاني، من وجهاء العمادية، بخصوص انتفاضة العمادية ومعركة گه لي مزوركا وغيرها، ولم تُنشر حتى الآن. أما حسو دينو (حسو عمر) فقد كان في شيرانش سنة 1960 أو التي قبلها ضيفاً على السيد رؤوف الملا جامي من رؤساء عشيرة سندي، وتحدث عن معاركه ضد الإنجليز وضد الترك أيضاً لعدد من السنين، إذ شارك في ثورة الشيخ سعيد بيران، ثم اعتُقل وسُجن في قونية وحُكم عليه بالإعدام، فدافعت عنه لجنة الضباط الأحرار الأتراك، وأطلعوا أتاتورك على ما قام به حسو ضد الإنكليز فعفا عنه، وتوفي سنة 1968. وقد سمع الرئيس العراقي عبد الكريم قاسم بأخباره وأُعجب ببسالته وطلب أن يزوره في بغداد، فلبّى طلبه وذهب إلى بغداد، ولكن رجال عبد الكريم لم يسمحوا له بالوصول إليه على ما يُعتقد، لكنهم احترموه وخصصوا له راتباً شهرياً. وقد كتب المرحوم الملا نور الدين حسن السندي معلومات قيّمة بخصوص حسو دينو لم تُنشر حتى الآن.
أجزاء «طموح أكراد كوردستان العراق بين الممكن والمستحيل» (5 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع (هذا الجزء)
- الجزء الخامس