الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الثورات والانتفاضات الكوردية (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

حركة إبراهيم باشا الملي

تُعدّ حياة إبراهيم باشا مثالاً نموذجياً لظهور سلالة كوردية ووصولها إلى الحكم ثم سقوطها بفعل الأحداث الدولية والإقليمية، كما تُعدّ مثالاً صارخاً على القوة التي كان الكورد يتمتعون بها في العهد الحميدي، وعلى ما آل إليه وضعهم في ظل حكم الاتحاديين.

إبراهيم باشا أحد أحفاد أيوب باشا الملي، رئيس عشيرة ملي الكبيرة. وكان موطنهم في المنطقة الممتدة من دياربكر جنوباً باتجاه الحدود السورية التركية، وكانت مدينة ويرانشهر، في جنوب دياربكر، مركز هذه القبيلة التي كانت في القرن الثامن عشر إمارة كبيرة يقودها تيمور باشا، وتخضع لها قبائل كثيرة من الكورد والعرب الرحّل في ولايات دياربكر ووان وبادية الجزيرة وحلب. وهذا ما دفع السلطان العثماني سنة 1791 إلى إرسال حملة ضده بقيادة سليمان باشا الكبير، والي بغداد، إلا أن تيمور باشا صمد في قلعته مدة، ثم دخل مع الجيش العثماني في حرب كرّ وفرّ، حتى صالحه السلطان العثماني سنة 1800 وعيّنه والياً على أورفة ثم على سيواس.

وفي أثناء حملة إبراهيم باشا، ابن محمد علي باشا، على سوريا عام 1823 تحالف تيمور باشا، حفيد أيوب باشا، مع الجيش المصري واحتل ماردين، فاستردت إمارة ملي بعض قوتها. ولكن بعد انسحاب القوات المصرية أسر عمر باشا، والي دياربكر وماردين، محمود بيك والد إبراهيم باشا، فهرب إبراهيم باشا إلى الخديوي إسماعيل والي مصر، الذي كان في إسطنبول، وطلب إليه التدخل لدى السلطان عبد العزيز (1861-1876) لإطلاق سراح أبيه، وكان عمر إبراهيم باشا آنذاك سبعة عشر عاماً فقط. إلا أن المنية عاجلت محمود بيك، فتولى إبراهيم باشا، وهو لا يزال شاباً، قيادة ملي مع زوجته خنسة خانم من عشيرة طيّ، واستطاع أن يعيد مجد الملّيين في مدة وجيزة.

وينقل الدكتور أحمد عثمان أبو بكر الوصف التالي عن مارك سايكس، الذي حلّ ضيفاً على إبراهيم باشا مدةً:

«كان إبراهيم باشا طويل القامة، نحيف البنية، ذا وجه كردي صميمي، وله عينان نافذتان ذكيتان تلمعان تحت جبين عالٍ، وفم واسع… وقد أفصح الباشا خلال الحديث عن معرفة دقيقة بشؤون أوروبا وأحداثها، ومنها علاقة إنكلترا بأيرلندا، وغيرها من المعلومات التي دلّت على أنه يتلقى الأخبار من مصادر عدة، إضافة إلى الجرائد التركية التي يحوز منها أعداداً كثيرة بطبيعة الحال. وكان الناس الذين يحيطون به ينتمون إلى العناصر والمذاهب التي تحفل بها تركيا… كان إبراهيم باشا شخصية عجيبة حقاً، فهو بلا شك قائد طبيعي للرجال، يمتاز بقدرة عظيمة على ضبط النفس، كما هي صفات أولئك الرجال الذين اختبروا الجوانب الأكثر قسوة واضطراباً في الحياة… ففيه نرى صفات الورويك الإنكليزي (البارون) من ذلك الطراز الذي لا يكاد يجد لنفسه مكاناً حتى في تركيا؛ فنرى فيه البارون الإقطاعي والمستبد الشرقي ورئيس الرحّالة. ففي معسكره بين الخيام لك أن تتخيل بعض أوجه الحياة في معسكرات تيمور وأتيلا، وفي صعوده إلى السيادة بعض ملامح نجاح العثمانيين الأوائل، وفي قوته وضعفه تكمن بعض مزايا ميرداد ومعايبه».

وبعد الحرب العثمانية الروسية (1877-1878) بدأ نجم إبراهيم باشا بالظهور واللمعان، وفي سعيه لبناء إمارته اتبع سياسة قائمة على ثلاث قواعد: مصادقة القوي، وإرضاء الضعيف، وإرهاب الأضعف حتى يخضع له. فعقد مثلاً حلفاً مع الشركس المقيمين في رأس العين، فأضاف بذلك عدة مئات من خيرة المقاتلين الشركس إلى القوة الحميدية التي كانت تحت إمرته، ثم اتبع سياسة العصا والجزرة مع القبائل الكوردية والعربية الساكنة بين دياربكر وأورفة؛ إذ قتل وشرّد البدو والعشائر العربية في البادية كعنزة وشمّر، ولكنه تزوج ابنة شيخ طيّ العربية المتنفذة، وبذلك أفسد خطط القبائل الكوردية والعربية المنافسة له، ولا سيما البرازية. كما قطع الطريق على خصومه المتربصين به من أعيان دياربكر والموصل وأورفة وحلب، لأنه كان يهدد مصالحهم الاقتصادية ويفرض على القوافل في المنطقة ضريبة الحماية التي كانت هذه العشائر ترفضها.

واستناداً إلى تقارير القناصل الروس والإنكليز في المنطقة، كان إبراهيم باشا الحاكم الأوحد في ولايات دياربكر وحلب وأورفة وماردين، وكان الموظفون والإداريون لا يُعيَّنون إلا بموافقته، ولا يجرؤون على معصيته. علماً أن إبراهيم باشا كان يقود خمسة ألوية حميدية من مجموع سبعة ألوية، وكانت تلك قوة عسكرية كبيرة، إذ كان كل لواء حميدي يتكون من 1000 إلى 1200 فارس؛ لذلك منحه السلطان العثماني عبد الحميد لقب أمير الأمراء، وكانت له علاقة خاصة بالمسؤولين في قصر يلدز (مقر السلطان) وفي دائرة المابين المهمة. أضف إلى ذلك أن إبراهيم باشا كان ثاني أغنى رجل في الدولة العثمانية بعد السلطان العثماني، فجمع بين الإرادة السياسية والقوة العسكرية والاقتصاد القوي لبناء إمارته.

وخلافاً لما يشاع عنه، لم يكن إبراهيم باشا رجلاً متعصباً، فقد كان يقرّب إليه الأرمن واليزيديين والأكراد العليّ اللّهية في درسيم، وشجّع كثيراً منهم على الاستيطان في ويرانشهر والقرى المحيطة بها التي كانت في ازدهار كبير، إذ بنى 400 قرية مزدهرة في أطراف ويرانشهر، وامتد نفوذه إلى بعض القرى المحيطة بأرزنجان.

وخلافاً لما يقال عنه من أنه قاطع طريق يفرض الضرائب على القوافل وينهبها، فإنه كان حريصاً على الأمن والاستقرار في منطقته، وهذا ما دفع كثيراً من الناس من جميع أجزاء كوردستان إلى التوجه إليه، إما للسكن والاستثمار في المنطقة الخاضعة لسيطرته، وإما لأخذ نصيحته. ويكتب الدكتور أحمد عثمان، نقلاً عن بهجت الأثري، قائلاً: «فلما انتشرت أخبار عدالته وصولته في مدائن الرها (أورفا) وماردين ودياربكر، صار أبناء المسيحيين والمسلمين يتقاطرون أفواجاً مع عيالهم إلى قضاء ويرانشهر، مركز المأسوف عليه، ويسكنون ويتاجرون فيها آمنين على أموالهم».

كانت العلاقة بين إبراهيم باشا والسلطان العثماني عبد الحميد وثيقة جداً، بلغت حدّ الارتباط المباشر بينهما؛ فقد عدّه السلطان من أقرب المقربين إليه، وكان «يسميه ابني إبراهيم باشا». وكان الموظفون الترك والأشراف في دياربكر ألدّ أعدائه، فدبّروا له المكايد العديدة للنيل منه دون جدوى. فمثلاً دفع هؤلاء الناس عام 1907 إلى التظاهر ضده واحتلال مكتب الوالي ودائرة البريد، مطالبين الحكومة بوضع حدّ لحملات النهب والسلب التي تعرضت لها القوافل التجارية بين حلب ودياربكر على يد فرسان الحميدية التابعين لإبراهيم باشا، على حدّ زعمهم. فأرسل السلطان عبد الحميد لجنة تحقيقية برّأت بعد التحقيق ذمّة أنصار إبراهيم باشا، فأكرمه السلطان بالمزيد من الهدايا والألقاب. واتضح فيما بعد أن أعضاء جمعية الاتحاد والترقي السرية في دياربكر، بقيادة ضياء كوك ألب، هم الذين كانوا يحرّضون الناس على إبراهيم باشا، بسبب الصلات الوثيقة بينه وبين السلطان عبد الحميد. ويقول القنصل البريطاني إنه بعد أن سيطر الاتحاديون على الحكم وطردوا السلطان عبد الحميد، أصبح القضاء على إبراهيم باشا، «نجم يلدز والولد المدلل للسلطان»، من أولويات سياستهم.

لم يكن إبراهيم باشا، كما يتصور بعضهم، آلة بيد السلطان عبد الحميد لممارسة الإرهاب ضد الأرمن ومناوئيه، بل كان يعمل لبناء حكومة كوردية مستقلة برئاسته تدين بالولاء للسلطان. فمثلاً خاطب السير مارك سايكس، الخبير البريطاني الذي كان يزور المنطقة عام 1908، قائلاً: «أنتم ساندتم شيخ الكويت لإعلان الاستقلال، فلماذا لا تدعمونني وأنا في الموقف نفسه؟ علماً أن الكورد مستعدون للعمل معكم، وأنا مستعد لمصاحبتكم إلى بريطانيا لشرح الموقف لملك بريطانيا». كما رفض إبراهيم باشا أن يرسل قواته الحميدية إلى اليمن لقمع حركة التمرد هناك، وهدّد بالتمرد إذا فُرض عليه ذلك. واستناداً إلى تقرير القنصل الروسي في دياربكر، كان الكرد عموماً يكنّون لإبراهيم باشا من الحب والتقدير أكثر مما يكنّونه للسلطان عبد الحميد نفسه.

ولمّا جاء الاتحاديون إلى الحكم وأعلنوا الدستور وحدّوا من صلاحيات السلطان العثماني، كان إبراهيم باشا في طريقه إلى دمشق لتأديب القبائل التي كانت تثير المشاكل حول خط سكة الحديد من سوريا إلى الحجاز. فلما سمع بالخبر شعر بالمسؤولية في الدفاع عن الشريعة الإسلامية والسلطان، فأعلن الثورة، وأراد أن يجعل سوريا قاعدة للتحرك ضد الاتحاديين، وجمع حوله نحو خمسة آلاف فارس حميدي، وأكمل المسير من حلب إلى دمشق، فاستقبله أهل المدينة بحفاوة كريمة.

وخلال أيام وقعت المنطقة الممتدة بين أرزنجان ودير الزور تحت سيطرته. ولكن الحكومة حرّضت عليه العشائر العربية، كما هاجمت قوات اتحادية كثيرة ويرانشهر، فقرر الرجوع، وأرسل إلى أولاده أن يزحفوا بقواتهم الحميدية وأسلحتهم للانضمام إليه خارج ويرانشهر. وبعد معارك كبيرة في منطقة قريبة من ويرانشهر انسحبت القوات الحكومية بعد أن تركت وراءها 300 قتيل وجريح. وحين وصلت إلى القوات المنهزمة إمدادات كبيرة من عدة ولايات، اضطر إبراهيم باشا إلى الانسحاب والتوجه إلى الجبال المحيطة بمنطقة سنجار للتحصن فيها، وكان يتوقع دعم حلفائه من الكورد اليزيديين، ولكنهم خذلوه، فاضطر إلى العودة باتجاه أورفة، واصطدمت قواته في منطقة تسمى عبد العزيز بجحافل القوات الحكومية التي كانت تلاحقه. وتوفي إبراهيم باشا إثر نوبة قلبية وفق بعض الروايات، أو نتيجة إصابته بالزحار (الديزنتري) وفق روايات أخرى، وهناك من يقول إنه قُتل في المعركة أو سُمّم في ظروف غامضة. وبعد موته استسلم خمسة آلاف فارس من قواته.

ونستميح القارئ عذراً هنا لاقتباسنا فقرات طويلة من مخطوطة الأستاذ المغفور له العلّامة بهجت الأثري، التي وردت في كتاب الدكتور أحمد عثمان أبو بكر المذكور آنفاً:

«إن المرحوم إبراهيم باشا الملّي كان ثاني رجل غني في الشرق بعد السلطان عبد الحميد، وكان ذا صولة وسطوة على جميع عشائر العرب والأكراد الملّيين فيما بين النهرين وكوردستان، وكان يرسل رجاله كل عام إلى قصر يلدز العثماني السلطاني بهدايا من سمن ودهن وتبغ وذهب ما يُثمَّن بمئتي ألف جنيه (ليرة)… أمّا النظّار (المقصود بهم حكومة الاتحاد والترقي التركية)، فكانت رغبتهم الحصول على فرصة تمكّنهم من الاستيلاء على خزينة المرحوم لكي يقتسموها فيما بينهم ويملؤوا بطونهم من الذهب الرنان، ولكن حب السلطان عبد الحميد للمشار إليه (إبراهيم باشا) جعله يسميه ابناً له في الرسميات والخصوصيات، مما كفاه شرّ أولئك السرّاق… إن الاتحاديين بعدما صدّقوا الميزانية وخصصوا لذواتهم ما سرقوه من بيت المال… تذكروا حينئذٍ أن إبراهيم باشا الملّي لم يتعرضوا، بمقتضى وظيفتهم، لاغتصاب ما بين يديه من الأموال الطائلة، فقرروا فيما بينهم إعدامه ومحو عشائره، فأوعزوا إليه بأمر عبد الحميد أن يذهب مع ثماني مئة فارس من فرسانه للمحافظة على الخط الحميدي الحجازي.

وأما سعادته (إبراهيم باشا)، فلكونه متمرساً في السياسة ولا يأمن شرّ الحكومة، دلّته فطنته على أن يأخذ بصحبته خمسة آلاف خيّال رمّاح، فاجتازوا جميعاً أراضي ويرانشهر ومدينة الرها وجرابلس. فلما دخلوا مدينة حلب استقبلهم الوالي ورجاله وأعيان البلدة استقبالاً فائق الوصف… وكان قلبه يدلّه على أن وراء الأكمة ما وراءها، ولم يمرّ على دخوله الشهباء خمسة عشر يوماً حتى تلقى رسالتين من نظارتي الحربية والداخلية تطلبان سرعة سيره إلى دمشق، وأجريت له حفلة الملاقاة كالسابق… وأما سفيرا الدولتين صاحبتي الفخامة إنكلترا وفرنسا في الأستانة، فقد أخبرا قنصليتيهما في الشام بالشفرة التلغرافية، حال اكتشافهما المكيدة التي دبرتها الجمعية لإتلاف المشار إليه، لكي يبوحا له (لإبراهيم باشا) بالسر المكنون… وفي اليوم الثاني قصد إبراهيم باشا داري القنصليتين الكريمتين، فكاشفاه ببغض الجمعية (الاتحاديين) له ونواياها الدنيئة بحقه… فأخذ يفكر في خطة الرجعة إلى وطنه وعشائره والاستعداد للحرب والدفاع في مقابل القوة التي سيجرّدها الاتحاديون، فأرسل إلى ويرانشهر شرذمة من خيّالته، وأوصاهم أن يخبروا أنجاله بنوايا الدستوريين وبالاستعداد للخلاص من شرهم، إذ كان عنده في ويرانشهر مستودع مملوء بالأسلحة والجبخانة. ومكث هو وابنه إسماعيل بك في الشام أربعة وعشرين يوماً… ولكي تطمئن الحكومة إلى أنه عازم على امتثال أمرها، أمر أربعمئة من خيّالته الأكراد بالذهاب إلى الحجاز، بعد أن أخذ لهم ولسائر رجاله بنادق (ماوزر) من الحكومة. وعند منتصف الليل أرسل إليه القنصلان المشار إليهما خبراً بأن الوالي والمشير سيدعوانه غداً مع ولده إلى دار الحكومة لشرب القهوة، وعندها سيقبضان عليهما، فعليهما إذا توجها إلى هناك أن يصطحبا الجند جميعهم مسلحين على ظهور الخيل… فخرج مع ولده وفرسانه الذين كان عددهم أربعة آلاف وخمسمئة خيّال… وبارحوا الشام جميعاً… ولما وصلوا إلى القرى الواقعة شرق حلب تعرّض لهم بدرخان بيك وجنوده القليلو العدد، وأقسم لسعادة الباشا أنه سيكون أكبر مساعد له لدى الحكومة بشرط تسليم السلاح، فلم يعبأ بكلامه، بل داوم السير حتى وصل إلى مسكنه، وعبر نهر الفرات ومرّ على الرها.

وفي الطريق تعرّضت له عشائر البرازية والجيش، ووقعت بينهم وبين معسكره معركة… فساروا في الجزيرة إلى أن وصلوا إلى عيالهم المخيّمة خارج ويرانشهر، التي كان فيها أربعة آلاف من جنود الأتراك، جاء ألفان منهم من سيواس وألفان من دياربكر، يطلبون القبض على البيكات عبد الحميد ومعمو وخليل وعبد الرحمن أبناء الباشا، وإظهار الذهب الموضوع في صناديق الحديد… فدارت رحى القتال بين الطرفين… في مناوشات طويلة دامت خمسة أيام بلياليها، أجبروهم فيها على تسليم السلاح والخروج من البلدة… فخرجوا منكّسي الرؤوس مغلوبين بخسارة أربعمئة قتيل، وبعثوا الرسائل إلى والي دياربكر يطلعونه على نتيجة حربهم. فخابر الوالي الجمعية (الاتحاد والترقي)، فأعطت أوامرها إلى القواد العسكريين الذين توجهوا بجنودهم الخمسة والثلاثين ألفاً مصطحبين معهم خمسة وثلاثين مدفعاً… فلما باشروا الهجوم كان ملتقاهم مع أنجال الباشا، المستصحبين ستين ألف مقاتل، عند نهر الجرجب الواقع بين ويرانشهر والنبي أيوب، وعندها صوّبوا عليهم المدافع الآنفة الذكر، فدارت بينهم معركة هائلة دامت النهار كله، وأسفرت عن إتلاف نفوس كثيرة من الجهتين…

وذهب الفرسان نحو الشرق، وساروا يومين متواصلين والجنود يتعقبونهم، فوصلوا إلى نهر زركان الفاصل بين قصر حسين وتل أسود على طريق جبل سنجار… وهناك اعترضهم في الطريق شمّر المحمد وشيوخه العاصي… فدحروهم، وواصلوا مسيرتهم يومين آخرين، حتى وصلوا إلى نهر صيفية الواقع بين تل أسود والحسجة، وهناك توفي الباشا… فكان طريقهم (طريق جيش إبراهيم باشا) على تل أسود والخاتونية، إذ كانوا مصممين على بلوغ جبل سنجار والتحصن فيه، ولكن عشيرة اليزيديين الكردية تصدّت لهم وقاتلتهم، فأخذوا بالتوجه شمالاً ووصلوا إليها… فالتفّ حولهم العساكر بمدافعهم وأجبروهم على التسليم».

لو فرضنا أن محتوى هذه المخطوطة صحيح، فهناك عدة أسئلة تطرح نفسها: لماذا يعود إبراهيم باشا من سوريا بهذه العجلة، ولا يجعل سوريا المهمة قاعدة لانطلاق حركته؟ ولماذا يقوم القنصلان البريطاني والفرنسي بإعلام إبراهيم باشا، قائد الحميدية المعروف بولائه للسلطان عبد الحميد، بمؤامرة الاتحاديين لاعتقاله في دمشق؟

بعد وفاة إبراهيم باشا تعرضت العشيرة الملّية لدمار كبير، فنهبت قوات الاتحاديين ممتلكات إبراهيم باشا الكثيرة من الذهب والنقود المودعة في صناديق مخبّأة تحت الأرض، كما صودر أكثر من 15000 رأس غنم ومئات من البغال والخيول، وشُرّد أهله في المنفى في مدن مناستر وسالونيك وإسطنبول. كما جرت محاكمات صورية لأبناء إبراهيم باشا، وزُجّوا في السجون، وسُمّم ابنه عبد الحميد في السجن. وانتهز الأشراف والتجار في دياربكر وحلب وماردين وأورفة، الذين تضرروا من سياسة إبراهيم باشا، هذه الفرصة للانتقام من أبنائه، فرفعوا دعاوى ضدهم.

وفي آذار عام 1909، وبإيحاء من الاتحاديين، كوّنت العشائر الكوردية كراكاجي وبرازي، والعشائر العربية صاية وشمّر وعترة وجري، قوة مقدارها 10000 شخص، وهاجموا بها قبيلة الملّي ونهبوا قراها، وأُسر أبناء إبراهيم باشا مرة أخرى، وأُخذوا إلى السجن وحوكموا أمام محكمة عرفية. ويبدي نائب القنصل البريطاني في دياربكر استياءه البالغ من هذه الاعتداءات، ويطالب المسؤولين بوضع حدّ لها، كما يدعو إلى توزيع الإعانات لتفادي المجاعة في ويرانشهر.

وبعد وفاة إبراهيم باشا ظلت زوجته خنسة خانم تقود بقايا العشيرة، وتكتب الالتماسات إلى الدوائر الرسمية والقناصل الأوروبيين تلتمس فيها إخراج أبنائها من السجن. وفي عام 1912 ظهر الابن الأكبر لإبراهيم باشا في بيره جك على رأس 4000 فارس حميدي، قائداً من القادة الكورد الأقوياء المعارضين للاتحاديين. ويصف السيد فونتانا، القنصل البريطاني في حلب، ابنَ إبراهيم باشا الملّي بأنه أكثر ثقافة وحكمة وقدرة على قيادة الكورد من أبيه. وبعد الحرب العالمية الأولى كان محمود بن إبراهيم باشا أحد أهم القادة الكورد، وكان مرشح بريطانيا لرئاسة الدولة الكوردية في حال تشكيلها. ويعتقد نائب القنصل البريطاني في دياربكر أن وفاة إبراهيم باشا واندحار حركته أعطيا السلطة الاتحادية في كوردستان دعماً معنوياً كبيراً، وأزالا تحدياً كبيراً أمام النظام الجديد في تركيا.

أما الوثيقة الثالثة التي نشرها بايشان أوغلو في كتابه «تاريخ دياربكر» المشار إليه، عن عارف أفندي برزنجي زاده، ممثل الاتحاديين في دياربكر وعضو مجلس المبعوثان عن المدينة، الذي سبق أن اشترك مع القوات الحكومية في الهجوم على إبراهيم باشا في ويرانشهر، فتؤكد صدق ما جاء في مخطوطة بهجت الأثري في كثير من الأمور، ولكنها تختلف عنها في مصير ثروة إبراهيم باشا. ويدّعي عارف أفندي أن القوات العثمانية وجدت في ويرانشهر لدى إبراهيم باشا وثائق تؤكد تورطه مع الإنكليز والإيطاليين والفرنسيين في تمرده على الحكومة. فهل هذا تأكيد غير مباشر لما ادّعاه بهجت الأثري من دعم القنصلين المشار إليهما آنفاً لإبراهيم باشا؟ ولكن حين طلبت السلطة المركزية من المسؤولين الحكوميين في ويرانشهر إرسال الوثائق المزعومة إلى إسطنبول، نفى هؤلاء وجودها، وادّعى عارف أفندي أن سبب ذلك يعود إلى تقصير الوالي سليمان باشا، الذي تجاهل إرسال تلك الوثائق إلى إسطنبول.

أقول: إن اتهام حركة إبراهيم باشا بالتآمر مع الدول الأوروبية المذكورة ضد حكم الاتحاديين ليس أمراً جديداً في تاريخ الحركة الكوردية. علماً أن عارف أفندي أدلى بشهادته هذه في مجلس المبعوثان العثماني بعد قيام الدول الأوروبية المذكورة باحتلال جزيرة كريت ومساعدة شعوب البلقان على الانفصال عن الدولة العثمانية، فكان هناك استياء عام داخل الدولة العثمانية من الدول الأوروبية، وكان عارف أفندي يريد أن يوظّف ذلك ضد خصومه الذين اتهموه بسرقة أموال كثيرة في ويرانشهر، فاتهمهم بأنهم من أنصار إبراهيم باشا. ووفق إفادة عارف أفندي كان في خزينة ويرانشهر مليونا ليرة ذهبية ومجوهرات قيمتها مليون ليرة، وقد استطاعت خنسة خانم وأولادها إخفاءها قبل وصول القوات الحكومية إليها، إلى جانب آلاف الأطنان من الحبوب والمواد الغذائية المخزونة في 150 قرية من أطراف ويرانشهر، والتي نهبتها العشائر العربية المشاركة مع القوات الحكومية التركية في الهجوم على إبراهيم باشا.

ولكن بهجت الأثري يؤكد أن كل شيء نُهب، كما أنه ليس من المتوقع أن يقوم الوالي سليمان باشا، الحاقد على إبراهيم باشا، بإخفاء وثائق مهمة تدينه. أضف إلى ذلك أن حركة إبراهيم باشا وقعت في وقت كانت فيه العلاقات بين بريطانيا وفرنسا والاتحاديين في شهر عسل، ولا يُتوقع منهما دعم إبراهيم باشا المتهم عندهما بقتل الأرمن. فضلاً عن ذلك فإن المصادر العديدة المشار إليها آنفاً، ومنها المخطوطة والوثيقة، تقدم أرقاماً متفاوتة في عدد المقاتلين من الطرفين، وكذلك في عدد القتلى والجرحى. وقد تصفّح المؤلف وغيره معظم الوثائق والمراسلات البريطانية ذات العلاقة، فلم يستطيعوا أن يحددوا بشكل قاطع طبيعة العلاقة بين الإنكليز وإبراهيم باشا.

ولو أردنا أن نقيّم إبراهيم باشا، لكان من الضروري الإشارة إلى أن حركته كانت تعبيراً عن رفض الكورد للقيم العلمانية التي كان الاتحاديون يرغبون في فرضها في كوردستان بدلاً من الشريعة الإسلامية وحكم السلطان عبد الحميد. فقد مكّن وجود الألوية الحميدية الكوردَ من مقاومة جهود الحكومة لفرض المركزية والتتريك في كوردستان؛ لذلك لم تكن هذه الألوية موجهة ضد الحركة الكوردية، بل كانت أداة مهمة لتمكين الكورد ومنحهم درجة من الحكم الذاتي. وكان إبراهيم باشا، ومن بعده معظم قادة حركة آزادي (1923-1925)، وفق ما يذهب إليه الأستاذان أولسن وفان برونسن، من رجال الألوية الحميدية التي أفادت الكورد كثيراً بأن أعطتهم قيادتهم التاريخية المعاصرة، السياسية والعسكرية.

كما أن هناك أوجه شبه كثيرة بين حركة إبراهيم باشا وحركة الملا سليم (1913) وحركة الشيخ عبد السلام البارزاني (1908-1914) وحركة الشيخ سعيد بيران (1925) وحركة الملا خليل المنكوري، فهي جميعاً حركات جمعت بين الدفاع عن الشريعة الإسلامية ورفع مظلومية الكورد، وقادها كلها علماء الإسلام وشيوخ الطرق الصوفية بطريقة ارتجالية، وارتكزت جميعها على شخص القائد، فبانتهاء القائد انتهت تلك الحركات، كما سنبين.

حركة الملا سليم الخيزاني في بدليس عام 1914م

شهد شهرا آذار ونيسان من عام 1914 في كوردستان الشمالية ثورة عارمة قادها علماء الطريقة النقشبندية في بدليس، وكان من أبرز قادتها الملا سليم والشيخ شهاب الدين والشيخ سيد علي. وامتد لهيب الثورة من خيزان إلى بدليس، وحظيت بتأييد الكرد في سائر أجزاء كوردستان، وأعلنت مراكز الطرق النقشبندية والعلماء في كوردستان تأييدها لها. وقد أقلق ذلك الحكومة الاتحادية كثيراً، فأرسلت عدة فرق عسكرية لقمع الثورة بكل سرعة حتى لا يتسع لهيبها، لأن الكرد كانوا مهيّئين، لأسباب ذاتية وإقليمية ودولية، للثورة على الاتحاديين.

ولا تزال أهداف هذه الحركة وأسبابها بحاجة إلى تسليط المزيد من الضوء، ونحاول هنا اختبار الفرضيات التالية:

  1. أن الثورة كانت حركة رد فعل محلي على اعتقال القوات الحكومية للملا سليم الخيزاني.

  2. أن الحركة كانت من تخطيط الروس لإيجاد ذريعة للتدخل في شؤون المنطقة واحتلال كوردستان الشمالية.

  3. أن ثورة الملا سليم الخيزاني كانت جزءاً من مخطط الحركة الكوردية، ممثلة بالنوادي الكوردية في إسطنبول وحركة أبناء بدرخان وشيوخ شمدينان.

لم يترك قادة الثورة في بدليس أي مذكرات، ولم تُجرَ بعدُ أي دراسة ميدانية عن الموضوع، كما لم يستطع أي باحث حتى الآن الوصول إلى الوثائق العثمانية؛ لذلك نأمل أن يكون ما نتطرق إليه في السطور الآتية مقدمة تعين الباحثين الآخرين على تناوله بتفصيل أكثر.

أما الفرضية الأولى، التي تقول بعفوية الثورة، فتؤيدها إلى حدّ ما الوثيقتان اللتان أعدهما القنصل البريطاني في كوردستان أثناء الثورة، والمنشورتان في كتاب الأستاذ علي عثمان «الحركة الكوردية المعاصرة»، ص235.


أجزاء «الثورات والانتفاضات الكوردية» (6 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس

الجزء الثاني ←