الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الثورات والانتفاضات الكوردية (الجزء الرابع)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
الانتفاضات والثورات والحركات الشعبية الكوردية
إن تاريخ الأمة الكوردية حافل بالانتفاضات الشعبية العارمة والثورات الوطنية المستمرة في وجه كل الأنظمة الإقليمية التي أغدقت على الكورد الكثير من الوعود والمواثيق عندما احتاجت إلى مساعدتهم في أوقات الشدة التي عصفت بكيانها وهددت مصالحها الذاتية. وكان طلب النجدة من الكورد يأتي مرة باسم أبناء الوطن الواحد والشركاء في المصير والحياة أمام التهديد الخارجي لكيان الدولة، ومرة باسم الأخوّة في الدين الحنيف، إذ الواجب على كل مسلم الوقوف كالبنيان المرصوص في وجه الأعادي. ومن منطلق الشرف والرجولة عند الكورد تكون التضحية بالغالي والنفيس من أجل ردّ الاعتداء عمّن احتمى بهم، وهذه هي مقاييس الفروسية والخلق النبيل للشعب الكوردي عبر تاريخه المجيد كله مع الشعوب جميعها وفي مختلف العهود.
ولكن بعد أن يضمحل غبار الحروب، وتنقشع الغيوم السوداء، وتزول الغمّة عن الأمة، وتغادر الديارَ جيوشُ الظلام، تتبخر كل الوعود، ويُتنكَّر لكل التضحيات الجسام التي قدمتها الأمة الكوردية للشريك الآخر في الوطن الواحد وللأخ في الدين والعقيدة، فتبدأ المعاناة، ويزداد الضغط بقوة على الجراح الندية لكي تنزف الأمة بشدة وتموت بسرعة. ومن هذا التصرف غير الإنساني، النابع من النفس الدنيئة المليئة بالحقد والغطرسة، المسكونة بالغدر والخديعة، تنطلق شرارة الانتفاضات الشعبية للأمة الكوردية، وينفجر بركان الثورة الهادر، وتتكرر المآسي والويلات مرة بعد أخرى. ولكن هيهات لمن لا يعرف خصال هذا الشعب الأبيّ، ومعادن رجاله الأشداء، وعظمة هذه الأمة التي تنجب الأبطال والقادة ليرفدوا ساحات النضال ودروب الكفاح دون ملل إلى يوم الدين، أو إلى اليوم الذي يشهد فيه التاريخ فجر يوم جديد يسود فيه كوردستانَ الأمنُ والاستقرار.
ونبيّن هنا باختصار بعضاً من أبرز الانتفاضات الشعبية والثورات الوطنية والأحداث التاريخية المهمة التي عصفت بحياة الشعب الكوردي في عموم كوردستان مدة تزيد على قرن من الزمن الصعب، وحسب التسلسل الزمني للأحداث:
ثورة الأمير بدرخان سنة 1842-1843م في كوردستان الشمالية (تركيا) ضد الدولتين التركية والإيرانية، وكان لرجال الدين دور بارز فيها.
ثورة هكاري وبوتان سنة 1853-1856م بقيادة القائد الأمير يزدان شير، الذي حرر منطقتي هكاري وبوتان من السلطة العثمانية، ثم قُمعت هذه الثورة بمساعدة القوات الروسية.
انتفاضة ده رسيم سنة 1877-1878م، وقد قادها عدد من رجال الدين الوطنيين.
ثورة شمزينان سنة 1880م بقيادة الشيخ عبيد الله النهري، وهي أول ثورة كوردية في وجه حكّام القاجار. وقد سُحقت الثورة بعنف، ونُفي الشيخ مع أسرته إلى مكة، حيث وافاه الأجل هناك سنة 1883م.
في عام 1908م اغتيل عميد الأسرة البرزنجية الشيخ سعيد البرزنجي، الذي فرض سيطرته على السليمانية، وعلى يده برز اسم الأسرة البرزنجية منذ عام 1886م. وخلفه في زعامة الأسرة ابنه الشيخ محمود الحفيد بعد ولديه الشيخ أحمد والشيخ قادر، ولعب الشيخ محمود الحفيد دوراً بارزاً في حياة العراق المعاصر منذ عام 1917م حتى عام 1930م.
ثورة بدليس سنة 1912م بقيادة الشيخ سليم والشيخ شهاب الدين النقشبندي، وكانت جمعية «هيفي» (الأمل)، التي تأسست عام 1910م، هي الجهة الموجّهة لتلك الحركة الثورية، التي قُمعت بقسوة بالغة بعد مدة قصيرة.
انتفاضة عام 1917م: انتفض الكورد في مدن ديار بكر وخربوط وبوتان وماردين والموصل والسليمانية للمطالبة بتوحيد مناطقهم تحت إدارة كوردية من أهالي المنطقة، وإبعاد شبح الإبادة الجماعية، والتصدي لاتفاقية سايكس بيكو عام 1916م التي قُسّمت فيها مناطق كوردستان.
في عام 1918م سُلّمت مدينة السليمانية للشيخ محمود الحفيد على أن يحكمها باسم الدولة العثمانية، وأن يبقى الفوج التركي هناك تحت إمرته وتصرفه، وذلك بعدما ترك الأتراك بغداد عام 1917م، ثم مدينة كركوك عام 1918م، أي بعد هدنة مودروس التي استسلمت فيها تركيا للحلفاء.
في تشرين الثاني عام 1918م عيّن الحاكم العسكري البريطاني الشيخ محمود الحفيد حكمداراً للسليمانية، وعيّن الميجر نوئيل مستشاراً مدنياً له، والميجر دانليس مستشاراً عسكرياً.
تأسست في عام 1918م «جمعية تعالي كوردستان»، التي عقدت اتفاقاً مع حزب «الحرية والائتلاف» حول منح الحكم الذاتي لكوردستان في إطار الإمبراطورية العثمانية.
في 15 آذار 1919م عُيّن الميجر سون حاكماً سياسياً في السليمانية، إذ أرادت بريطانيا تقليص نفوذ الشيخ محمود الحفيد، فردّ الشيخ على هذه الخطوة باعتقال الضباط البريطانيين، وتولى السيطرة المطلقة على الشؤون الإدارية، وقطع المواصلات السلكية مع كركوك، واستولى على قافلة عسكرية متجهة من كفري إلى السليمانية.
في 22 آذار 1919م قدّم شريف باشا، نيابة عن الأكراد، مذكرتين إلى مؤتمر الصلح في فرساي، طالب فيهما بالحقوق القومية للشعب الكوردي.
في 26 آذار 1919م استولى الشيخ محمود الحفيد على مدينة حلبجة الكوردية فور نزاعه مع البريطانيين.
في آذار عام 1919 استطاع الشيخ محمود الحفيد السيطرة على السليمانية، وأخذ بعض الضباط البريطانيين أسرى.
في حزيران عام 1919م استجمعت القوات البريطانية قواها، واتجهت نحو مضيق دربند بازيان الواقع بين كركوك والسليمانية، واستطاعت بعد حركة التفاف أن تأسر الشيخ محمود الحفيد مع بعض أتباعه.
في حزيران عام 1919م حُكم على الشيخ محمود بالإعدام، لكن الحكومة البريطانية بدّلت الحكم إلى السجن عشر سنوات نتيجة الاحتجاجات الصاخبة التي اجتاحت المدن الكردية، وخاصة السليمانية، ونُفي الشيخ إلى الهند.
في 10-13 تموز 1919م عقد الأتراك الكماليون مؤتمراً في أرضروم حول فكرة إنشاء دولة تركية وطنية، وأسهم في المؤتمر بعض القيادات الكوردية لعرض وجهة النظر الكوردية وطرح قضيتهم الوطنية، وكان ذلك برغبة من القادة الترك بغرض توحيد الجهود مع الشعب الكوردي، باعتبار تركيا الوطن المشترك للكورد والترك على السواء، الذي تتشكل منه الأمة، إذ كانوا بشكل عام يعدّونهم إخوة منحدرين من أب واحد وأم واحدة.
في 11 أيلول عام 1919م نظم الكماليون الأتراك مؤتمراً بمدينة سيواس، لم تأتِ فيه أي إشارة إلى حقوق الكورد، وقد جُعلت قرارات مؤتمري أرضروم وسيواس أساساً للميثاق القومي الذي اعتمده برلمان إسطنبول.
في كانون الثاني عام 1920 اعتمد البرلمان التركي في إسطنبول الميثاق الوطني للدولة التركية، ونصّ البند الأول منه على: «أن أجزاء الإمبراطورية العثمانية الواقعة على طرفي الخط المثبت في هدنة مودروس بتاريخ 30 تشرين الأول عام 1918م، والمأهولة في الغالب بالأتراك والمسلمين المرتبطين بالأواصر الدينية والثقافية، والمتطلعين إلى هدف واحد، تشكل وحدة تامة غير قابلة للتجزئة بأي ذريعة كانت، واقعية أم حقوقية».
في 10 آب عام 1920م وقّعت حكومة السلطان العثماني محمد السادس معاهدة سيفر، التي تعترف في بعض موادها بالحقوق القومية للأكراد، وجاء في بنود هذه المعاهدة:
البند (62): تأسيس الحكم الذاتي في المناطق ذات الغالبية الكوردية في إطار تركيا، وذلك على أيدي ممثلي إنجلترا وفرنسا وإيطاليا.
البند (63): وينص على «إلزام تركيا بتحقيق الحكم الذاتي للكورد خلال ثلاثة أشهر، وفق الخطة التي تزودها بها اللجنة».
البند (64): وينص على «إمكانية تقدم الأكراد إلى عصبة الأمم بطلب استقلالهم عن تركيا»، كما يمكن للمجلس الموافقة على هذا الطلب، الذي ستلتزم تركيا الاعتراف به فيما بعد، على أن يتم ذلك بموجب اتفاقية خاصة بين تركيا ودول الحلفاء الأساسيين. وتناولت الفقرة الأخيرة من هذا البند ولاية الموصل، إذ ورد فيها: «لدى تنازل تركيا عن المناطق الكوردية، فإن الدول الحليفة الرئيسة لن تعترض على الانضمام الاختياري للأكراد القاطنين في أجزاء كوردستان الداخلية ضمن ولاية الموصل إلى مثل هذه الدولة الكوردية المستقلة».
وقد امتعض الأتراك من معاهدة سيفر، وشعروا بأنها تسلّم جزءاً كبيراً من مناطقهم لاستقلال بلاد أخرى أو لسيطرة الحلفاء، ولم يبقَ لهم إلا إسطنبول وبعض أجزاء الأناضول.
في صيف عام 1920م أسس خالد بك جبرانلي لجنة سرية في أرضروم سُمّيت لجنة «آزادي» أي الاستقلال، واتصل بقيادة جمعية انبعاث كوردستان (عبد الرحمن وعبد القادر حكاري)، وقام بجمع مذكرات من الأكراد للالتماس لدى عصبة الأمم بمنح الاستقلال لكوردستان، وأُرسلت هذه المذكرات إلى عصبة الأمم عن طريق مصطفى نمرود وشريف باشا.
في تشرين الثاني عام 1920 أخذت لجنة استقلال كوردستان في تركيا تستعد للانتفاضة شرقي ده رسيم، ونظّم الأكراد اجتماعات متتالية لتوحيد صفوفهم، كان أولها في ثكنة حسين عبد الله من ناحية يليجة (قضاء كانفال)، ثم اجتماع في خوزات، مركز ده رسيم، أسفر عن توحيد الجهود في سبيل انتزاع الحقوق القومية الكوردية.
في 15 تشرين الثاني عام 1920م أرسلت القيادات الكوردية في تركيا مذكرة إلى حكومة أنقرة تطالب فيها بإيضاح موقف الحكومة من الحكم الذاتي لكوردستان.
في 25 تشرين الثاني عام 1920م أرسل الزعماء الأكراد في تركيا برقية إلى الباب العالي جاء فيها: «تقضي معاهدة سيفر عام 1920م بإنشاء كوردستان مستقلة مشتملة على ولايات دياربكر والعزيز ووان وبتليس، وعليه يجب تأسيسها، وإلا فسنكون مضطرين إلى انتزاع الحق بقوة السلاح».
في 14 آذار عام 1921م بدأ الاحتكاك العسكري بين الأكراد في تركيا والقوات التركية، إذ اعتقل الجيش التركي بعض الشخصيات الكوردية في الأومرانية، وبعدها قامت معركة بين الفصائل الكوردية والجيش التركي في الأومرانية استمرت يوماً كاملاً، وأسفرت عن تطويق الفصائل الكوردية لمنطقة الأومرانية، واستسلام الفوج التركي، وتحرير المعتقلين من السجون، ورفع علم كوردستان.
في 11 آذار عام 1921م أرسل القادة الأكراد في تركيا برقية إلى رئيس المجلس العالي في أنقرة يطالبون فيها بتشكيل ولاية كوردية مستقلة من المراكز (كوجري، وديفرغي، ورفاخية، وكورجاي، وكماخ) التي يشكل الكورد غالبية سكانها، وتعيين أحد الأكراد محافظاً لها. وبعد ازدياد لهيب الانتفاضة الكوردية تمكن الأكراد من الاستيلاء على أقضية كانفال وكوجيغار وديفرغي وزازا ورفاخية وكوروجاي وكماخ، وأحرزوا انتصارات غير متوقعة.
في 15 آذار عام 1921م رفضت حكومة أنقرة النظر في البرقية أو تلبيتها، وأرسلت وفداً إلى الولايات الشرقية برئاسة رئيس محكمة النقض، الذي وصل إلى سيواس وحاول التفاهم مع قادة الانتفاضة الكوردية وتهدئتهم.
في أيلول عام 1922م عاد الشيخ محمود الحفيد إلى السليمانية، واختاره الإنجليز رئيساً للمجلس المحلي المنتخب، ثم حاكماً عاماً، وذلك بعد أن ثار الأكراد على تتويج الأمير فيصل ملكاً على العراق، وحدثت اشتباكات بينهم وبين القوات البريطانية شمال مدينة السليمانية. وعمدت الحكومة البريطانية إلى تهدئة الأوضاع الكردية، فاتفقت مع الشيخ محمود الحفيد على العودة إلى العراق على أن يقتصر نشاطه على لواء السليمانية.
في 10 تشرين الأول عام 1922م أُعلن عن حكومة كوردية برئاسة الشيخ قادر، شقيق الشيخ محمود، ووُزّعت الحقائب الوزارية كالآتي:
الشيخ قادر الحفيد: رئيساً للوزراء.
حفيد الشيخ عبد القادر: رئيساً للأركان.
الشيخ محمد غريب: وزيراً للداخلية.
عبد الكريم علكة: وزيراً للمالية.
مصطفى باشا يامولكي: وزيراً للجمارك.
أحمد البرزنجي: قائداً للشرطة.
صالح زكي صاحبقران: وزيراً للدفاع الوطني.
حجي ملا سعيد: وزيراً للعدل.
في 18 آذار عام 1922م أعلن الشيخ محمود نفسه ملكاً على كوردستان، ورفع علم المملكة ذا اللون الأخضر، وفيه دائرة حمراء في وسطها هلال، بينما حملت طوابع البريد التي أُصدرت صورة خنجرين وعبارة «حكومة جنوب كوردستان».
في عام 1922م عقدت الحكومة التركية اتفاقاً مع زعيم الأكراد العراقيين الشيخ محمود، جاء فيه:
تعد الحكومة التركية بمنح الاستقلال لكوردستان الجنوبية، وبعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
تعترف الحكومة بالشيخ محمود الحفيد حاكماً لكوردستان في السليمانية.
يحق للحكومة التركية استخدام القوة المسلحة لكوردستان الجنوبية في حالة الحرب.
في 16 أيار عام 1922م قصفت الطائرات البريطانية مدينة السليمانية بشكل مكثف، وشكّلت لجنة إدارة مؤقتة من الأكراد المتعاونين معها.
في شباط عام 1923م أرسلت حكومة الملك فيصل العراقية والبريطانيون إنذاراً إلى الشيخ محمود الحفيد يطلبون منه الحضور إلى بغداد مع جميع أعضاء حكومته، لكن الشيخ رفض ذلك.
في 30 نيسان عام 1923م عُقد البروتوكول البريطاني العراقي، الذي جعل مدة المعاهدة البريطانية العراقية الأولى أربع سنوات اعتباراً من تاريخ الصلح مع تركيا، وتقرر فيه ضم السليمانية إلى العراق وتأسيس إدارة تضمن حقوق الأكراد القومية.
في 16 آذار عام 1923م أذاع مجلس الوزراء العراقي بياناً يشدد على ضرورة احترام الحقوق القومية للأكراد، وينص على:
إن الحكومة العراقية لا تنوي تعيين موظفين عرب في الأقضية والنواحي الكوردية، عدا الموظفين الفنيين.
لا تنوي الحكومة العراقية إجبار سكان الأقضية والنواحي على استعمال اللغة العربية في مراسلاتهم الرسمية.
إن حقوق السكان والطوائف الدينية والمدنية في الأقضية المذكورة ستُؤمَّن تأميناً صحيحاً.
في 23 حزيران 1923م عُقد مؤتمر في مدينة لوزان السويسرية، وسُمّيت المعاهدة باسمها (معاهدة لوزان). وكان مصطفى كمال أتاتورك قد رتّب الأمور بينه وبين المندوبين الأكراد في مجلس الأمة التركي قبيل المعاهدة بمدة، فأعرب مندوب أرضروم حسين بك عوني عن موقفه قائلاً: «إن هذا البلد يعود للأتراك والأكراد، ويحق لأمتين فقط أن تتكلما من هذا المنبر: الأمتين الكوردية والتركية»، وأيّده في ذلك باقي المندوبين الأكراد في المجلس. فأرسل مجلس الأمة التركي العالي برقية إلى لوزان مفادها أن الأكراد لا يرغبون في انفصال كوردستان عن تركيا، وأن الحكومة التركية تتعهد بتلبية حقوق الأكراد القومية، فأُلغيت فكرة استقلال كوردستان، وجاء في المعاهدة الموقعة فيما يخص الأكراد ما يأتي:
البند (38): تتعهد الحكومة التركية بتأمين الدفاع الكلي والناجز عن حياة المواطنين وحريتهم، بغض النظر عن الأصل والقومية واللغة والعنصر أو الدين.
البند (39): لن توضع أي قيود في وجه أي مواطن تركي بخصوص التداول الحر لأي لغة كانت في العلاقات الخاصة أو التجارية، أو في مجال الدين أو الإعلام أو مختلف المطبوعات أو الاجتماعات العامة.
في 29 تشرين الأول عام 1923م أُعلنت الجمهورية التركية، ونُصّب مصطفى كمال أتاتورك رئيساً لها، وبدأت الخطوات الأولى للصراع الكوردي مع الدولة القومية التركية.
في 19-30 تشرين الثاني 1923م سيطرت القوات العراقية على السليمانية، وأجبرت القوات البريطانية الشيخ محمود الحفيد وقواته على الفرار إلى إيران، وعُيّن الضابط السياسي «جابمن» حاكماً للسليمانية.
في شتاء عام 1924م عقد القادة الكورد اجتماعاً في «بالو» قرروا فيه تنشيط الحركة الكوردية السرية، واتفقوا على إرسال مذكرة إلى عصبة الأمم عبر سوريا.
في 29 كانون الأول عام 1924م وُضعت الحدود بين تركيا والعراق، وعُرفت باسم «خط بروكسل». وفي اليوم التالي تشكلت لجنة تحقيق، تألفت من الكونت ب. تيليكي وم. فيرسن والعقيد باوليس، للذهاب إلى المنطقة وتقديم تقرير إلى عصبة الأمم.
في تشرين الثاني عام 1924م سافر علي رضا، نجل الشيخ سعيد بيران، إلى مدينة حلب عبر دياربكر للتنسيق بصورة نهائية مع القادة الآخرين بشأن تنظيم انتفاضة، وانعقد هناك مؤتمر شارك فيه عدد كبير من الشخصيات الكوردية في تركيا والعراق وسورية.
في 15 تشرين الثاني عام 1924م التقى علي رضا بسيد عبد القادر في إسطنبول، وأطلعه على التحركات السرية الكوردية وضرورة التأهب للانتفاضة.
في كانون الأول عام 1924م ألقت الحكومة التركية القبض على خالد جبرانلي، كما اعتقلت حاجي موسى ويوسف ضياء، بعد أن شعرت بخطورة التكتيك الكوردي وبمفعول تحركات خالد جبرانلي وجمعية الاستقلال. فردّ الأكراد على ذلك باختيار الشيخ سعيد بيران رئيساً لجمعية «استقلال كوردستان»، كما حُدّد موعد بدء انتفاضة الأكراد تحت قيادة الشيخ سعيد يوم العيد القومي للأكراد «نوروز»، الموافق 21 آذار 1925م.
في 8 شباط عام 1925م بدأ الشيخ سعيد بيران التحرك الميداني، فزار الولايات الشرقية، وفي أثناء جولته التفقدية في بيران وزيارته لأخيه عبد الرحيم وصلت قوة عسكرية تركية بقيادة الملازم أول حسني أفندي للقبض على عدد من الأكراد، إلا أن أكراد بيران رفضوا تسليمهم، فوقع صدام مسلح نتج عنه قتل عدد من الجنود الأتراك وأسر بعض الضباط، ومنهم حسني أفندي.
في 11 شباط عام 1925م استولى طاهر بيران، شقيق الشيخ سعيد بيران الآخر، على البريد من ليجة إلى قرية سيردي، ووصل على رأس وحدة تضم 200 مقاتل إلى كينجو، وسلّم الشيخ سعيد الوثائق والأموال التي استولى عليها، فكانت هذه الأحداث البداية الحقيقية لحركة الشيخ سعيد بيران. وبهذا بدأت الانتفاضة قبل موعدها المحدد بنحو 41 يوماً، فضلاً عن نقص الاستعداد التكتيكي للأكراد، فأصبحت العشوائية هي التي تقود دفة الأمور، والعاطفة هي التي تسيطر على الانتفاضة.
في 14 شباط عام 1925م سيطر الأكراد في تركيا على محافظة كينجو سيطرة تامة، ووقع المحافظ والموظفون الأتراك في الأسر، وتولى فقيه حسن، رئيس عشيرة مودان، منصب المحافظ الجديد في كينجو. وصدر قانون استثنائي يحمل توقيع الشيخ سعيد يقضي بأن تكون كينجو عاصمة مؤقتة لكوردستان، وانتقلت السلطة الدينية والمدنية إلى الشيخ سعيد بيران، وأُرسلت جميع الضرائب والأسرى إلى كينجو. كما أصدر الثوار نداءً أعلنوا فيه إلغاء ضريبة العُشر الصعبة، ودعوا السكان بدلاً من ذلك إلى تقديم العون للثوار، فلاقى ذلك استحساناً واسع النطاق بين صفوف الجماهير.
في 22 شباط عام 1925م عقد مجلس الوزراء التركي جلسة طارئة امتدت من وقت متأخر من الليل حتى صباح اليوم التالي، وشارك في الاجتماع رئيس الأركان فوزي باشا، وأفضى الاجتماع إلى إعلان حالة الطوارئ في منطقة الانتفاضة ووضعها تحت الأحكام العرفية مدة شهر كامل، حتى يستطيع الجيش التركي مقاومة انتصارات الانتفاضة الكوردية.
في 25 شباط عام 1925 عدّل مجلس العموم في البرلمان التركي المادة (1) من قانون العقوبات الخاص بخيانة الوطن، الذي سُنّ في 15 نيسان عام 1923م (القانون 556)، على النص الآتي: «منع تكوين المنظمات السياسية، واعتبار الأشخاص القائمين بمثل هذه الأعمال أو المنتسبين إلى مثل هذه التنظيمات خونة».
في 28 شباط عام 1925م تقدمت الانتفاضة الكوردية بشكل سريع على الأرض، والتفّ حولها آلاف الأكراد من كل جانب، فقد استولت على ليجة وخاني، وانضمت إليها قوات صالح بك وفصائل حاجي حسن وعمر فارو وعشائر مستيان وبوتاني في جنوبي «جابكجور»، كما انضمت إلى الانتفاضة فصيلة كبيرة تابعة للشيخ شمس الدين في ضواحي دياربكر، وبلغ عدد الفصائل الكوردية زهاء 20 ألف مقاتل، مما أربك الحكومة التركية وأثار الذعر بين قياداتها.
في 2 آذار عام 1925م استقالت حكومة فتحي بك في أنقرة، وفي اليوم التالي ترأس عصمت باشا إينونو، ذو الأصل الكوردي، الحكومة الجديدة، وشدد في برنامجه الذي ألقاه في مجلس الأمة التركي الكبير على ضرورة القضاء على مثيري الاحتجاجات واستتباب الأمن في البلاد، وبمقتضى هذا البرنامج أعدّت الحكومة تدابير عسكرية لقمع انتفاضة الشيخ سعيد بيران.
انتفاضة الأميرة الفيلية الجسور «قدم خير» عام 1925م: انتقاماً لقتل الشاه رضا بهلوي شقيقَها الأمير شامراد، آخر أمراء إمارة اللر الصغرى، غيلةً وغدراً، حملت لواء الثورة والتمرد لتخليص الشعب الكوردي من هذا الحاكم المستبد الظالم.
في 4 آذار عام 1925م سنّ مجلس الأمة التركي القانون رقم 578 الخاص بالحفاظ على النظام، الذي يمنح السلطات صلاحيات واسعة لمحاربة الحركات الشعبية وأي نشاط معارض، ويسمح باستخدام جميع التدابير الخاصة بحالة الطوارئ. كما اتخذ مجلس الأمة قراراً بتشكيل محكمتين للاستقلال: واحدة لعموم تركيا مقرها الدائم أنقرة، وتتمتع بصلاحيات محدودة (إذ كان لا بد من مصادقة مجلس الأمة التركي في حالة إصدار أحكام الإعدام)، والثانية في الولايات الشرقية الكوردية، وتتمتع بصلاحيات مطلقة.
في 11 آذار عام 1925م أمر الشيخ سعيد بيران بشنّ هجوم على دياربكر من جميع الجهات، لكن القوات التركية المتفوقة عدداً وعتاداً سيطرت على الموقف، فأصدر الشيخ سعيد بيران أوامره بالانسحاب والتراجع نحو «درخاني».
في 1 نيسان عام 1925م استطاعت القوات الحكومية شنّ هجوم على منطقة الانتفاضة من الشمال والجنوب والجنوب الشرقي في آن واحد، وقاد القوات التركية الجنرال كمال الدين سامي باشا، ولم يجد الأكراد مفراً من التراجع باتجاه «بالو». وفي الوقت نفسه أصدرت القوات التركية بياناً وعدت فيه بمنح مكافأة قدرها ألف ليرة ذهبية لمن يلقي القبض على الشيخ سعيد بيران، و700 ليرة ذهبية لمن يأتي بجثته، وكان ذلك بداية تحول المعارك لمصلحة القوات التركية وبداية انهيار الانتفاضة الكوردية.
في 6 نيسان عام 1925م اضطر الشيخ سعيد بيران، يرافقه 300 فارس، إلى التراجع نحو منطقة سالهان.
في 11 نيسان عام 1925م حوصرت القوات الرئيسة للانتفاضة وحُطّمت في وادي كينجو، وأُلقي القبض على قادتها، وعلى رأسهم الشيخ سعيد بيران والشيخ علي والشيخ غالب ورشيد آغا ومحمد آغا وتيمور آغا، وبذلك قُضي عملياً على انتفاضة الشيخ سعيد بيران.
في 13 نيسان عام 1925م اعتُقل سيد عبد القادر ونجله سيد محمد وكور عبد الله سعدي وزعماء عشائر هوشينان.
في 14 أيار عام 1925م بدأت محاكمة عدد كبير من الأكراد الذين شاركوا في انتفاضة الشيخ سعيد بيران، وقد حُكم على عدد منهم بالإعدام في 27 أيار عام 1925م، وأودع الآخرون السجون التركية.
في 29 أيار عام 1925م بدأت محاكمة الشيخ سعيد بيران، التي استمرت شهراً كاملاً، وكان معه في قفص الاتهام الشيخ عبيد الله النهري والشيخ إسماعيل والشيخ عبد اللطيف والرائد قاسم إسماعيل وحاجي خالد عبد الحميد والشركسي رشيد وآخرون من قادة الانتفاضة الكوردية.
في 3 أيلول عام 1925م قدّمت اللجنة التي شكلتها عصبة الأمم في شأن الحدود بين تركيا والعراق تقريرها إلى عصبة الأمم بعد أن أجرت كل الدراسات، فعبّرت فيه عن رأيها لمصلحة انتداب عصبة الأمم مدة 25 عاماً، ووجوب أن يكون للأكراد إدارتهم ومحاكمهم وأجهزتهم التعليمية، واعترفت باللغة الكوردية لغةً رسمية.
في 29 حزيران عام 1925م صدر الحكم بالإعدام شنقاً على أبطال الانتفاضة الشيخ سعيد بيران ورفاقه، ونُفّذ الحكم في اليوم التالي.
في 15 كانون الأول عام 1925م انعقد اجتماع مجلس عصبة الأمم، فاتخذ المجلس «خط بروكسل» أساساً لخط الحدود بين تركيا والعراق، ومنح بريطانيا حق الانتداب على العراق مدة 25 عاماً.
في 16 كانون الأول عام 1925م صادقت عصبة الأمم على قرار لجنة تقصي الحدود بين العراق وتركيا، وأُلحقت المنطقة الكوردية (ولاية الموصل) بالعراق، وثُبّت «خط بروكسل» حداً فاصلاً بين الدولتين.
أجزاء «الثورات والانتفاضات الكوردية» (6 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع (هذا الجزء)
- الجزء الخامس
- الجزء السادس