الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الثورات والانتفاضات الكوردية (الجزء الثالث)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

ولكن خطة عبد الرزاق بدرخان وحسن وحسين بدرخان لم تنتقل إلى حيّز الواقع، ولم تقم الثورة الكوردية المتوقعة، ولهذا الإخفاق عدة أسباب. ويقدّم لازاريف تقييماً جيداً لخطة عبد الرزاق بدرخان، ويسجّل تحفظاته على العديد من نقاطها:

أولاً: اصطدمت الخطة بواقع التفرقة بين زعماء الكورد، وبتسخير المسؤولين الترك العديدَ من الرؤساء الكورد ضد الحركة الكردية.

ثانياً: كانت قراءة عبد الرزاق بدرخان للضعف الإيراني قراءة غير واقعية؛ فمنذ عام 1912 بدأت قوة الحكومة المركزية الإيرانية تزداد، وخفّت قوة الثورة الدستورية. وكان المسؤولون الإيرانيون قد اتفقوا مع الأتراك على مقاومة خطط سمكو آغا وعبد الرزاق بدرخان، وكانوا يقدمون الدعم المعلوماتي واللوجستي للقوات التركية التي كانت تتعقب تحركات قادة الكورد. علماً أن الروس كانوا قد عيّنوا سمكو عام 1912 حاكماً على قوتور (مدينة حدودية)، وأعطوه ميدالية حاكم تفليس، الذي كان أيضاً قائد قوات الجيش الروسي في القفقاس، وصرفوا أموالاً على الحرس الخاص الذي كان يعمل بإمرة سمكو. وكانت كل من تركيا وإيران غير راضيتين عن تعيين سمكو في هذا المنصب.

ثالثاً: لم يكن لعبد الرزاق تقييم علمي وواقعي لقوته ولإمكانيات الترك في المنطقة الحدودية. فعلى الرغم من الوضع السيئ للكرد في إيران، كانوا يميلون إلى الترك، لأن الدولة العثمانية كانت سنية المذهب مثلهم. واستخدم الترك الدعوة إلى الجامعة الإسلامية، والتخويف من خطر المحاولات الأرمنية للسيطرة على المنطقة الكوردية باسم الإصلاحات، لكسب الكورد إلى جانبهم، وعدّوا عبد الرزاق بدرخان وزملاءه أدوات بيد الروس لتمرير المخطط الأرمني. فمثلاً حين وصل عبد الرزاق بدرخان إلى أرومية عام 1911 أقدم القنصل التركي، بدعم القوات التي كانت بإمرته، على اعتقاله، ولم يستطع القنصل الروسي إطلاق سراحه إلا بعد جهد كبير. ويؤكد عبد الرزاق بدرخان هذا الحدث في ذكرياته، إذ يكتب قائلاً:

«حين وصلت إلى أرومية حاولت الذهاب إلى القنصلية، ولكن القنصل لم يكن موجوداً، وبما أن المدينة كانت فعلاً تحت سيطرة القنصل التركي، حاولت نيل ثقة القنصل التركي مؤقتاً. وبعد يومين عاد القنصل الروسي إلى أرومية، فذهبت إلى القنصلية وطلبت اللجوء هناك، ومكثت فيها أسبوعاً حاول القنصل التركي طوالَه إخراجي بكل السبل الممكنة، حتى بالتهديد بالهجوم على القنصلية…

وأخيراً جاء القنصل التركي إلى القنصلية الروسية، وقرأ لي فرمان السلطان بالعفو عني، ولكن القنصل الروسي استطاع أن يرتب هروبي، مع أن القنصل التركي كان قد وضع مفارز كثيرة في أطراف القنصلية وأطراف المدينة. وتبيّن لي أن المسؤولين الإيرانيين كانوا يقدمون كل الدعم للقنصل التركي ضدي».

رابعاً: اعتمدت خطة عبد الرزاق بدرخان خطأً على الروس، ولم يكن الروس صادقين في وعودهم له. فعبد الرزاق يقول مثلاً إن جيركوف، القنصل في خوي، كان صديقاً وفياً له وحليفاً للكورد، ولكن لازاريف ينقل عن جيركوف قوله: «إن عبد الرزاق ينوي استخدام الدعم الروسي له في إحداث بعض التغييرات لصالح الكورد… يجب استخدام الكورد والسماح لهم ببناء قاعدة انطلاق، ولكن يجب ألا نسمح بظهور دولة كردية، لأن هذه الدولة ستقع تحت تأثير دعوة الجامعة الإسلامية».

وكان مينورسكي، الذي يعدّه بعضهم من أصدقاء الكورد، يقول إن عبد الرزاق بدرخان رجل انتهازي، وإن سيد طه النهري رجل غير موثوق به، وإن من الخطأ دعم الحركة الكوردية، لأن قيام كوردستان موحدة يُحدث حالة من عدم الاستقرار في التحالف الاستراتيجي بين روسيا وبريطانيا الموقّع عام 1907. كما كانت الخارجية الروسية تؤكد منع استخدام الكورد ورقةً ضد العثمانيين، لأن الكورد يمثلون عامل عدم استقرار.

وأخيراً: كان هناك خلاف جوهري بين عبد الرزاق بدرخان وسمكو آغا حول أسلوب العمل؛ إذ كان سمكو آغا الشكاك مستاءً من استخدام عبد الرزاق أموال جمعية جهانداني في تسليح بعض أنصاره على الحدود للقيام بعمل عسكري محدود داخل الأراضي التركية في وان وأرضروم، وكان سمكو يفضّل الحركة العسكرية الشاملة.

وكان عدم الاتفاق بين الكورد في شأن الثورة الكوردية الشاملة، كما ألمحنا إليه حين أوردنا نقد لازاريف لخطة عبد الرزاق، أحد الأسباب الرئيسة أيضاً في فشل الثورة. كما كان هناك فرق كبير بين رؤية حسين وحسن بدرخان ورؤية ابن أخيهما عبد الرزاق بدرخان. فقد كان عبد الرزاق يحاول أن ينفرد بقيادة الأسرة البدرخانية، ولم يكن يولي عمّيه الاعتبار الكافي؛ فهو مثلاً لا يذكرهما في مذكراته بين الشخصيات التي التقى بها في كوردستان تركيا، وهذا يعني إما أنه لم يلتقِ بهما لوجود جفوة بينهم، وإما أنه لم يكن يعيرهما الاهتمام. علماً أن كوردستان الشمالية، ولا سيما منطقة بوتان، كانت تخضع لنفوذ حسين بيك بدرخان، ولم يكن عبد الرزاق بدرخان معروفاً هناك بالقدر الكافي.

كان هناك اختلاف جذري بين تصور عبد الرزاق بدرخان للثورة الكوردية وتصور عمّيه حسن وحسين بدرخان. ففي حين كان عبد الرزاق يفضّل التحالف مع الروس، ويؤمن بالثقافة الروسية ثقافةً رائدة، وبروسيا دولةً حليفة للكورد، ويكرر دائماً أن ثورة عبيد الله النهري تؤكد خطأ الاعتماد على الإنجليز، ويسعى إلى دولة كوردية مستقلة تحت إشراف الروس، كان حسين وحسن بدرخان يعتقدان أن بريطانيا سبق أن ساعدت آل سعود وخديوي مصر في الاستقلال عن الدولة العثمانية، وأن لها مصالح في كوردستان وفي بلاد الرافدين المحاذية لها، وأنها ستساعدهما حتماً، إما في سعيهما لاستقلال كوردستان، وإما باستغلال علاقتها الجيدة بالدولة العثمانية للحصول على الحكم الذاتي للكورد ضمن تركيا.

وكانت لحسن وحسين باشا بدرخان في كوردستان الشمالية، ولأخيهما عبد الكريم (المكتوبجي) في الموصل، علاقة وطيدة بالقناصل البريطانيين في دياربكر ووان والموصل. وسعياً من الاتحاديين إلى تعميق الخلافات بين القيادات الكوردية المتنفذة، أعلنوا العفو من جديد عن السيد عبد القادر النهري، وأعطوه جميع الصلاحيات في التحرك في المنطقة الحدودية بين تركيا وإيران، وكانت تلك خطوة لإضعاف نفوذ ابن أخيه سيد طه، المتحالف مع الروس وعبد الرزاق، بين القبائل الكوردية. وفي تشرين الثاني وكانون الأول عام 1912 كان هناك تحرك كوردي آخر بمعزل عن أبناء بدرخان، يقوده الشيخ بوصراوي في جرابلس (Jerablus)، وابن إبراهيم باشا الملّي، والمدعو مصطفى باشا في الجزيرة. وكانت هذه الحركة تعادي الاتحاديين لتسببهم في موت إبراهيم باشا وابنه الكبير، ولتحجيمهم دور الشريعة، ولتنحيتهم السلطان عبد الحميد الثاني الذي كان في تصورهم الرابط الوحيد بين الكورد والترك. وقد أقنع انهيار القوات العثمانية في حرب البلقان بوصراوي وأبناء إبراهيم باشا بأن «أيام الترك باتت معدودة». ووفق تقرير السيد فونتانا، نائب القنصل البريطاني في حلب، «فإن الشيخ بوصراوي وأبناء إبراهيم باشا الملّي ومصطفى باشا جهّزوا 20 ألف مسلح، وهم يفكرون في الهجوم على حلب قريباً. ويعتقد قادة هذه الحركة أن مصيرهم مرتبط بالعرب، وأنهم مستعدون لإعطاء البيعة لأحد أبناء شريف مكة إذا أعلن الخلافة». وهذا دليل آخر على أن الحركة الكوردية في صراعها ضد الاتحاديين كانت مشتتة من حيث المنطلق والأهداف والقيادة.

وفي محاولة لاحتواء نقمة الكورد وإفشال مخطط الثورة الشاملة، بدأت الحكومة الاتحادية باتباع سياسة اللين تجاه الكورد. ففي آذار عام 1913 وقعت انتفاضة جماهيرية في مدينتي الجزيرة ومدياد، وبما أن هذه المنطقة كانت ضمن نفوذ الأخوين حسن باشا وحسين باشا، ولدي بدرخان، طلبت الحكومة الاتحادية، عن طريق والي دياربكر، من حسن باشا التدخل لإعادة الهدوء إلى المنطقة. علماً أن شرارة الانتفاضة كانت معركة وقعت بين درويش آغا وقائمقام مدياد. فطلب حسين باشا من الحكومة أولاً إصدار العفو عنه، ثم إصدار العفو عن الكورد المتورطين في الصراع مع الحكومة في المدينتين المذكورتين، وعددهم 60 آغا، وطرد قائمقامَي الجزيرة ومدياد واثنين من مديري النواحي من المنطقة، وإعفاء الكورد من الضرائب الحكومية المستحقة عليهم. فوُوفق على هذه المطالب جميعها فوراً، وأدى ذلك إلى زيادة نفوذ حسين باشا بدرخان في المنطقة. كما بذل الاتحاديون كامل طاقاتهم للحيلولة دون انتشار لهيب الانتفاضة الكوردية إلى خارج بوتان، وزار مسؤولون عديدون المنطقة، وأبدوا للكورد حسن نوايا الحكومة في حل المشاكل جميعها في المنطقة بشكل سلمي.

ويضيف نائب القنصل البريطاني في حلب: «إن الحكومة تقوم في هذه الأيام بالكثير من الإجراءات من أجل إرضاء الكورد». وتحقق للحكومة ما أرادت من احتواء الانتفاضة قبل أن تنتشر وتصل شرارتها إلى سائر أجزاء كوردستان. وقدّر الله أن يموت حسين باشا بدرخان بعد هذه الأحداث بشهر واحد، فكان ذلك خسارة كبيرة للحركة الكوردية في أحرج أوقاتها، إذ كانت الاستعدادات للثورة الكوردية الشاملة لا تزال تجري سراً.

ولم يكن أخوه الأصغر حسن باشا بدرخان يملك المزايا القيادية التي كان يتصف بها حسين باشا؛ لذلك حين التقى به القنصل البريطاني في دياربكر كانت معنوياته منهارة تماماً، فأخبر القنصل أن الكورد لا يطالبون إلا بالحقوق الثقافية التي وعدت الحكومة العرب بها، وهي تعيين المسؤولين الإداريين في المنطقة الكوردية من الكورد أنفسهم، وتخفيض الضرائب في المنطقة، ونقل الموظفين الفاسدين من كوردستان.

والذي ساعد الاتحاديين على احتواء الثورة الكوردية وامتصاص النقمة عليهم في كوردستان هو تغييرهم الشكلي لسياستهم العدائية الصريحة تجاه الكورد، التي مارسوها في بداية حكمهم. يقول مكدول:

بعد عدة سنين من حكمهم في كوردستان، وإدراكهم لطبيعة التحديات هناك، وصل الاتحاديون رغماً عن أنوفهم إلى قناعة بأن سياسة السلطان عبد الحميد تجاه الكورد هي الصحيحة، فحاولوا مضطرين تقليدها. فأرسلوا محمد صادق النهري إلى إيران لإقناع القادة الكورد من رؤساء الحميدية السابقين بالعودة إلى تركيا، وأعادوا تأسيس الألوية الحميدية المنحلة من جديد، ولكن باسم كتائب الفرسان العشائرية الخفيفة، وأعادوا لرؤساء القبائل الكوردية امتيازاتهم السابقة، بل لم يتردد الاتحاديون العلمانيون حتى في رفع شعار الجامعة الإسلامية لكسب الكورد، والحيلولة دون قيام الوحدة بين الأرمن والكورد، أو تقرّب الكورد من الروس.

في حزيران عام 1912 وقع انقلاب عسكري في إسطنبول سيطر على إثره حزب الحرية والائتلاف على الحكم، وكان للقوميات غير التركية نفوذ في هذا الحزب. وشهدت كوردستان خلال العام الذي بقي فيه هذا الحزب في الحكم نوعاً من الانفراج. وواصل الائتلافيون سياسة الدعوة إلى الجامعة الإسلامية بين الكورد، ففي هذه المدة زار كل من الشيخ عبد القادر النهري والملا سعيد النورسي كوردستان، ودعَوا الكورد إلى اليقظة والتوحد لتحدي المؤامرات العديدة المتنوعة التي تحاك ضد الدولة العثمانية، وأكّدا مبدأ الأخوّة الإسلامية بين الشعوب الإسلامية جميعها. ومن أجل إرضاء الكورد قررت الحكومة، بدلاً من مصادرة الأراضي التي كانت في حوزتهم، أن تشتري تلك الأراضي منهم وتعطيها للأرمن مجاناً، لكي تُحسم مسألة الأراضي في كوردستان. ومع أن هذه السياسة لم تنفَّذ، فإنها تدل على أن الحكومة كانت تفكر جدياً في إرضاء الكورد مؤقتاً لكسب الوقت لصالحها.

أما في كوردستان إيران فلم يكن الوضع هو الآخر مهيأً لثورة كوردية. ويدّعي مكدول أنه لم يكن هناك قبل الحرب العالمية الأولى أثر لنمو الوعي القومي الكوردي، وفي الحقيقة كان هناك شعور بالكوردايتي في كوردستان إيران، ولكنه لم يكن منظماً، ووجدت بعض المحاولات المنفردة والمتفرقة هنا وهناك لتحقيق قدر من الحكم الذاتي.

وأهم هذه المحاولات كانت عام 1900، حين قدّم القاضي فتاح إلى الحكومة الإيرانية، نيابة عن الكورد في موكريان، مشروعاً يطالبها فيه بعدم رفع نسبة الضرائب على الأكراد وتجميدها إلى إشعار آخر، كما طالب بأن يكون الحاكم على كوردستان من أهل مهاباد. فاعتقلت الحكومة الإيرانية القاضي فتاح، ولم تطلق سراحه إلا بعد الثورة الدستورية، فعاد بعدها ليقود الجمعية الكوردية من أجل الدستور (انجومن).

وعلى الرغم من فتح فروع لـ«انجومن» في معظم مدن كوردستان إيران، ظلت الحركة الدستورية حركة نخبوية لم تهتم بها الجماهير الكوردية ولم تؤيدها، ووقف آغوات كوردستان مع السلطة المركزية ضد أنصار الدستور، كما تميز موقف الآغوات بالحياد التام من الحكومة المركزية. وفي البداية قدّم سمكو، بإيعاز من الاتحاديين في تركيا، دعمه لأنصار حركة الدستور في خوي وسلماس، ولكنه حين عزز علاقته بالروس بدأ يدعم سردار ماكو مرتضى قلي خان بقوة ضد أنصار الحركة الدستورية.

وقبل الحرب العالمية الأولى كانت الظروف الذاتية في كوردستان إيران مهيأة لثورة كوردية، ولكن عدم تبلور الوعي القومي، وغياب القيادة الموحدة القادرة على تعبئة الناس وتوجيههم نحو الثورة، حالا دون ذلك. ولم يكن وضع كوردستان إيران أفضل من وضع الكورد في الدولة العثمانية؛ إذ تتفق التقارير الروسية والبريطانية على أن وضع الكورد في هذا الجزء من كوردستان كان سيئاً جداً في تلك المدة، فكان الفساد الإداري وانفلات الوضع الأمني السمة الغالبة هنا. وقد احتل الروس عام 1909 أذربيجان (وقسماً من كوردستان) بحجة طرد الترك منها، ونصّبوا الأمير شجاع الدولة حاكماً عليها، وكان هذا ضعيف الإرادة، فامتلك الروس (القناصل والقواد العسكريون) ناصية الحكم، وإن كانت الحكومة هي الأخرى تحاول فرض إرادتها على المنطقة. وكان عامة الناس، ولا سيما الفلاحون، يخضعون لضرائب عديدة، وكانت الحكومة تسلك معهم منتهى القسوة من تعذيب وسجن وتشريد لفرض إرادتها عليهم، كما كان آغوات الكرد هم الآخرون يفرضون حكمهم التعسفي على القرويين.

وكان الوضع في المناطق الحدودية مع الدولة العثمانية أسوأ من غيرها، لأنها كانت ساحة لجولات القوات التركية وصولاتها، إذ كانت تأتي هي الأخرى فتحتل بعض المناطق وتحاول فرض إرادتها عليها. ومما زاد الوضع سوءاً هنا ازدياد حدة الحروب القبلية بين الكورد أنفسهم.

وكانت القبائل الكوردية داخل أراضي الدولة العثمانية تستغل الوضع القائم في كوردستان إيران، فتحاول غزو المنطقة، إما بسبب ثارات الدم، وإما للسلب والنهب من القرى الكوردية في الجانب الإيراني، ولا سيما في أرومية وخوي.

ويصف لازاريف هذا الوضع قائلاً: «ففي السنين الأخيرة قبل الحرب العالمية كان الوضع في المنطقة الكوردية في إيران، من بايزيد إلى كرمنشاه، سيئاً إلى درجة أن الناس تذمّروا منه وأصبحوا لا يطيقونه، فطالبوا بالحماية الروسية (أي أن يكونوا من رعايا الروس من حيث المواطنة والضرائب والحماية من بطش الإدارة)، وطالب بعض شيوخ الكورد، من أمثال سليم باشا زيلان ومامه صديق وحسين باشا حيدرانلي، بأن يكونوا تحت حماية القنصل الروسي». وهذا ما يؤكده القنصل البريطاني في حلب، الذي يضيف:

«إن شيوخ الكورد في كوردستان إيران اشتكوا من الوضع المزري في قراهم ومن كثرة الضرائب الحكومية، وإن شيوخ ديبوكري وبكزادة يتكلمون بكل صراحة عن انهيار الإدارة الحكومية. إن جنود الترك يعطون الحماية لفئات كبيرة من الكورد في إيران، حتى لا تطالهم يد استغلال الموظفين الفرس الممقوتين كثيراً هنا، وهذه الظاهرة بدأت تزداد في الآونة الأخيرة. ويقول شيوخ بكزادة وديبوكري إن عشائرهم تستطيع إعداد قوة تعدادها 20 ألف مسلح، وعندهم حالياً 15 ألف بندقية ماوزر. إن الكورد مهيّؤون للثورة، ولكن تعوزهم القيادة لتخليصهم من الإدارة الفارسية المتطفلة عليهم، والكورد مستعدون لوضع أنفسهم تحت الإدارة البريطانية».


أجزاء «الثورات والانتفاضات الكوردية» (6 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث (هذا الجزء)
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس

→ الجزء الثاني  |  الجزء الرابع ←