الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الثورات والانتفاضات الكوردية (الجزء السادس)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

الثورات الكوردية

من المناسب التطرق، ولو بشكل سريع، إلى الماضي القريب لجهاد الأكراد ووقوفهم ضد حملات الإبادة والقهر والتشريد لأكثر من قرن ونيف على يد العثمانيين والكماليين والحكومات القاجارية والبهلوية وروسيا القيصرية والستالينية والقوات البريطانية والفرنسية والحكومات العراقية المتعاقبة. وأبرز هذه الثورات والانتفاضات والأحداث المهمة هي:

  1. انتفاضة 1607: بقيادة مير علي الملقب «جان بولاط» في حلب.

  2. ثورة 1812: حركة بدرخان في الجزيرة.

  3. انتفاضة 1835: بقيادة محمد باشا الراوندوزي ضد الإمبراطورية العثمانية في عهد السلطان محمود الثاني من جهة، وضد الدولة الإيرانية من جهة أخرى.

  4. ثورة الشيخ عبيد الله النهري 1880م: وهي أول ثورة كوردية ضد حكّام القاجار، وقد حملت مطالب محددة. ونادى الشيخ عبيد الله النهري في مؤتمر موسّع بتوحيد كافة مناطق كوردستان، وكان يتمتع بنفوذ ديني ودنيوي كبير بين الأكراد. وقد سُحقت الثورة بعنف، ونُفي الشيخ عبيد الله النهري مع أسرته إلى مكة المكرمة، حيث وافاه الأجل في تشرين الأول 1883م.

  5. ثورة بدرخان (1842-1843م): طالبت الثورة بتحرير كوردستان من الدولتين العثمانية (التركية) والقاجارية (الإيرانية)، وتشكيل دولة مستقلة في المناطق الكوردية، ولعب رجال الدين المسلمون دوراً مهماً في تلك الثورة.

  6. ثورة هكاري وبوتان (1853-1856م): بقيادة القائد يزدان شير، الذي حرّر منطقتي هكاري وبوتان، وقد قُمعت تلك الثورة بمساعدة القوات الروسية القيصرية التي هيمنت على المنطقة في تلك الحقبة من الزمن.

  7. انتفاضة ديرسيم (1877-1878م) ضد العثمانيين: قاد الانتفاضة عدد من رجال الدين المسلمين الذين شعروا بالظلم والقهر الواقع على الشعب الكوردي.

  8. ثورة 1879: ثورة عثمان بك وحسين بك (حفيدي بدرخان)، الضابطين في الأركان العامة للجيش التركي، ضد الدولة العثمانية.

  9. ثورة 1889: ثورة البدرخانيين في بوتان وهكاري (مدحت بك وأمين علي بك).

  10. 1906: انتفاضة شاري جنو في بدليس.

  11. 1906: ثورة الميليين بزعامة إبراهيم باشا، رئيس عشيرة الميليين الكوردية في سوريا وتركيا.

  12. حركة بدليس 1912م: بقيادة الشيخ سليم والشيخ شهاب الدين النقشبندي، وكانت جمعية «هيفي» (الأمل)، التي أسسها في إسطنبول عام 1910م الكورد المتنورون والضباط، بمثابة الجهة الموجّهة لتلك الحركة الثورية التي قُمعت بقسوة بالغة بعد مدة قصيرة. ويُذكر أنه كان للكورد أيضاً دورهم في أحداث الثورة الدستورية الإيرانية (1905-1911م)، فقد وقفت الجماهير الكوردية في أكثريتها الساحقة إلى جانب الثورة التي استهدفت النظام القاجاري المستبد، وأُسّس عدد من «لجان الثورة» في المدن الكوردية كرمنشاه ومهاباد وسنندج وسقز وبوكان وغيرها. وبعد إخماد حركة بدليس أُعدم الثائر الشيخ عبد السلام البارزاني ورفاقه، وعدد كبير من أبناء كوردستان الذين أسهموا بحماس في تلك الحركة.

    ولعبت الصحف والمجلات («يوم الكورد»، و«هه تاوى كرد» أي شمس الكرد، و«ژين» أي الحياة) والجمعيات («جمعية آزادي كوردستان» أي جمعية تحرير كوردستان، و«جمعية جهانداني» أي جمعية معرفة العالم) دوراً فاعلاً في دعم الحركة والدفاع عن الحقوق الكوردية وتبنّي شعارات الحكم الذاتي والاستقلال. وكانت تلك الصحف والمجلات والجمعيات الاجتماعية السياسية يديرها الأكراد المتعلمون الذين أنهوا دراساتهم في معاهد باريس والقاهرة وإسطنبول وحلب وجنيف وبطرسبورغ وجامعاتها.

  13. 1914: انتفاضة بهدينان بقيادة الشيخ عبد السلام البارزاني.

  14. ثورة عام 1917: بينما كانت الحرب العالمية الأولى تطحن المنطقة، انتفض الكورد في مدن ديار بكر وخربوط والموصل وبوتان وماردين والسليمانية للمطالبة بتوحيد مناطقهم تحت إدارة كوردية من أهالي المنطقة، وإبعاد شبح الإبادة الجماعية والجوع عن مناطقهم، والتصدي لاتفاقية سايكس بيكو (1916) التي عُقدت سراً بين البريطانيين والفرنسيين وروسيا القيصرية، واتفقوا فيها على تقسيم مناطق الكورد من دون استشارتهم.

  15. ثورة السليمانية (1918-1919م): وتأسيس حكومة كوردستان في مدينة السليمانية بقيادة الشيخ محمود الحفيد البرزنجي. وقد قمعت القوات البريطانية الموجودة في المنطقة الثورةَ وحكومتها، واحتلت مدينة السليمانية عاصمة الدولة والمدن الأخرى. وبعدها شُكّل الوفد الكوردي الذي سافر إلى باريس ليمثل الشعب الكوردي في صوغ معاهدة سيفر، التي أقرّت بالحقوق القومية للأكراد في البنود 62 و63 و64 منها.

  16. ثورة الشيخ سعيد بيران (1920-1925): قادت «جمعية استقلال كوردستان» الثورة، واستقطبت المتعلمين من كافة أجزاء كوردستان إلى صفوفها.

  17. ثورة سمكو آغا الشكاك (1921-1924م): شملت منطقة واسعة من غربي بحيرة أورمية ومهاباد وسقز وبانه وشرق السليمانية وغرب أربيل وشمزينان، وأُخمدت الثورة بعد أن شنّ رضا شاه حملة عسكرية واسعة على كوردستان قُتل فيها الألوف من الكورد.

  18. ثورة الشيخ محمود الحفيد (1922-1924م): بعد رجوع الشيخ محمود الحفيد من منفاه قاد ثورة جديدة في كوردستان العراق للمطالبة بالحرية والعدالة، وذلك بعد أن تأسست «جمعية كوردستان» وصدرت صحيفة «نداء كوردستان» باللغات الكوردية والعربية والتركية والفارسية. وأعلن الشيخ محمود الحفيد تشكيل الحكومة يوم 1/1/1923م، وكانت مدينة السليمانية عاصمة لها، وانتُخب الوزراء، وسُنّ الدستور، وعُيّن الحكام والموظفون والشرطة المحلية. وجاء الإعلان بعد انتصار القوات الكوردية على القوات البريطانية في معركة 5/9/1922م المعروفة.

    ولم تمضِ مدة طويلة حتى شنّ البريطانيون حملة واسعة النطاق على كوردستان، والسليمانية بالذات، فتمكنوا من إخماد الثورة، وأُعدم وأُبعد وسُجن المئات من القادة الكورد، وحُلّت الدولة الكوردية، وأُلحقت المنطقة الكوردية (كوردستان) بالدولة العراقية الحديثة التكوين آنذاك.

  19. انتفاضة جبال أرارات (1927-1930م): بقيادة الجنرال إحسان نوري باشا، وسُمّيت أيضاً انتفاضة «آكري داغ»، وكان حزب «خويبون» (الاستقلال) بمثابة التنظيم السياسي للانتفاضة. وقد قمعتها قوات أتاتورك بعنف، وقُتل الألوف من أبناء كوردستان بتهمة مساندتهم للانتفاضة، ونُفي مئات الألوف منهم إلى مناطق خارج كوردستان.

  20. انتفاضة البارزانيين 1932م: بقيادة الشيخ أحمد البارزاني ضد الإنكليز في العراق.

  21. انتفاضة درسيم (1937م): بقيادة سيد رضا، وقد قُمعت تلك الثورة كمثيلاتها، وعُقدت معاهدة عسكرية باسم «معاهدة سعد آباد» عام 1937م بين تركيا وإيران والعراق وأفغانستان للقضاء على أية حركة شعبية تقوم في إحدى الدول الأربع الموقعة على تلك المعاهدة، وكان المقصود منها الأكراد.

  22. انتفاضة بارزان (1943-1945م): اندلعت الثورة في كوردستان العراق بقيادة المرحوم الملا مصطفى البارزاني، وأسهم حزب «هيوا» (الأمل) بكل ثقله في تلك الثورة، إضافة إلى عدد من كبار الضباط الأكراد والمثقفين.

  23. جمهورية كوردستان في مهاباد الإيرانية (1946-1947م): فتح اندحار النازية وانتهاء الحرب العالمية الثانية آفاقاً جديدة أمام النضال التحرري، حين كانت كوردستان ضمن منطقة نفوذ الاتحاد السوفيتي. فبعد تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني في 16 آب 1945م بدأ العمل من أجل التفاوض مع شاه إيران في طهران لنيل الحقوق القومية الكوردية ضمن صيغة الحكم الذاتي الموسع، ونظراً لتعنّت الشاه في تلبية مطالب الكورد أُعلن في مدينة مهاباد يوم 22 كانون الثاني 1946م تأسيس «جمهورية كوردستان الديمقراطية ذات الحكم الذاتي»، التي عُرفت باسم «جمهورية مهاباد»، وعُيّن القاضي محمد رئيساً للجمهورية، وشارك الكورد من كافة أجزاء كوردستان في بناء الجمهورية الفتية وتطويرها. وسرعان ما تحالف الشاه مع ستالين لضرب الجمهورية الكوردية وسحقها، وأُعدم قادتها صبيحة يوم 30 آذار 1947م وسط مدينة مهاباد في ساحة «جوار جرا».

  24. ثورة كوردستان العراق (1961-1975م): وهي أكبر ثورة في تاريخ الشعب الكوردي المعاصر من حيث السعة والقدرة القتالية والسياسية والتنظيم الاجتماعي والسياسي، وسُمّيت ثورة أيلول نظراً لاندلاعها في 11 أيلول 1961م. وقد رفعت شعار «الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان»، وحققت مكاسب كثيرة في مقدمتها اتفاقية 11 آذار 1970م التي أقرّت الحكم الذاتي ضمن الجمهورية العراقية، ولم تُطبَّق لأسباب وتطورات سياسية.

    وقد انتكست الثورة بعد تفاهم العراق مع شاه إيران في الجزائر يوم 6 آذار 1975م على حل الخلاف على الأرض والمياه مقابل وقف الدعم للثورة الكردية، وهو أمر أدى إلى انهيار الثورة الكوردية.

  25. الثورة الكوردية 1975م: التي اندلعت في كوردستان العراق، وانطلقت رسمياً في آب 1976م.

  26. انتفاضة 1984: انتفاضة حزب العمال الكوردستاني (PKK) في تركيا.

  27. انتفاضة 2004: في قامشلو وكوباني وعفرين في سوريا.

  28. وهناك انتفاضة عبد الرحمن باشا الباباني في منطقة السليمانية ضد العثمانيين.

  29. وحركة محمد باشا الراوندوزي في السليمانية ضد العثمانيين.

ويبدو مما تقدم أن حكام إيران وتركيا وسوريا لم يعوا بعدُ العصر الذي هم فيه، عصر الانعتاق والتحرر والاشتراكية، عصر القضاء على الاستغلال والاضطهاد القومي. إنه عصر تحرر القوميات، عصر النضال المسلح الذي آمنت به الشعوب من أجل استرجاع حقوقها من مغتصبيها. هذا هو طريق الشعوب المستعبدة والمستغلة الذي سلكه شعب فيتنام البطل، وسارت عليه طلائع الثورة الفلسطينية المظفرة، وإنها لا محالة ستنتصر. فإذا لم يرتدع مضطهِدو الشعب الكوردي، ولم يكفّوا عن سياسة الاضطهاد والصهر والدمج القومي ضده، فإن طريق الشعوب هذا سيمتد عبر كل شبر من أرجاء كوردستان.

إذاً نلاحظ عدم استقرار المنطقة الكوردية، إذ حدثت فيها غزوات كثيرة؛ ففي القرن الحادي عشر استولى السلاجقة على المنطقة، ثم اضطر الأكراد إلى النضال ضد المغول في القرن الثالث عشر، ضد هولاكو خان، ثم ضد تيمورلنك نحو سنة 1400م. وأخيراً ظهر في القرن السادس عشر غزاة آخرون من الغرب هم الأتراك العثمانيون، ومنذ سنة 1514م أصبح مصير الأكراد وكوردستان مرتبطاً بالعثمانيين. وقد أناط السلطان سليم إدارة كوردستان بعد احتلالها بالمؤرخ الحكيم إدريس المقرّب منه، وهو من أبناء تبليس. وبحسب الشرفنامه كانت الضفة اليسرى الغربية من نهر الفرات وجميع مناطق الضفة الشرقية من مرادسو تقريباً تحت حكم الإمارات الكوردية، وكانت إمارة تبليس أكبر هذه الإمارات، وأميرها هو مؤلف كتاب الشرفنامه.

ونلاحظ عدم تمكن السلاطين من السيطرة على الإمارات الكوردية، ولكن هذه الحالة انتهت في القرن التاسع عشر عندما رفض المصلح التركي الكبير السلطان محمود الثاني قرار السلطان سليم بشأن الأكراد، أي أراد احتلال كوردستان، وقد تم ذلك سنة 1834م حين قاد الحملة محمد رشيد باشا، وأصبح الأكراد فيما بعد مواطنين في المملكة العثمانية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

الانتفاضات الكوردية والتدخل البريطاني لإلحاق كوردستان الجنوبية بالعراق العربي

قاد الزعيم الكوردي الشيخ محمود الحفيد انتفاضته الأولى عام 1919، التي أُخمدت بقوة السلاح الإنكليزي، ولكنه ما لبث أن قاد انتفاضته الثانية المشهورة عام 1922، وأجبر المستعمرين الإنكليز على استدعائه لتشكيل حكومة كوردية مستقلة ذات علاقة بالدول المجاورة. وقد اعترفت الحكومتان العراقية والبريطانية بحكومة الحفيد التي كانت عاصمتها السليمانية، ونصّب الشيخ محمود الحفيد نفسه ملكاً عليها، ورفع العلم الكوردي.

ومن جانب آخر كانت بريطانيا تخطط لضرب الحركة التحررية الكوردية، فاتفقت مع الحكومة العراقية على صياغة بيانات تقرّب الكورد من الحكومة والإنكليز. ففي 22 كانون الأول عام 1922 صدر بيان موقّع من الحكومتين البريطانية والعراقية يقول: «تعترف حكومة صاحب الجلالة والحكومة العراقية بحق الأكراد القاطنين ضمن هذه الحدود، وهما تأملان أن تصل العناصر الكوردية المختلفة إلى اتفاق فيما بينها حول الشكل المرغوب للحكومة وحدودها، وأن يرسل الأكراد مندوبين عنهم لمناقشة علاقاتهم الاقتصادية مع حكومة صاحب الجلالة والحكومة العراقية».

وفي 19 تموز (يوليو) عام 1924 احتلت القوات البريطانية مدينة السليمانية، عاصمة حكومة الشيخ محمود الحفيد، وألحقت كوردستان الجنوبية بالعراق العربي. لكن الشيخ محمود الحفيد قاد انتفاضة أخرى عام 1930 بعد «اليوم الأسود»، وهو اليوم الذي أطلقت فيه الشرطة النار على المتظاهرين من أهالي السليمانية، في 6 أيلول 1930، أمام سراي الحكومة بالسليمانية، إثر مظاهرة اشترك فيها العمال والفلاحون والكسبة الكورد ضد سلطات الاحتلال البريطاني. فأقسم القائد الكوردي الشيخ محمود الحفيد أن يأخذ بثأر الشهداء، لكن القوات البريطانية والعراقية سحقت الانتفاضة، ونُفي الشيخ محمود الحفيد إلى الهند.

الكورد في الصراع الروسي العثماني (1828-1880)

أدّى الكورد دوراً مهماً في الصراع الذي كان دائراً بين الدولة العثمانية وروسيا في القرن التاسع عشر، وفهمُ طبيعة هذا الدور مهم لفهم مكانة الكورد ودورهم في الصراعات الإقليمية اليوم، ولذا نحاول هنا بيان مميزات هذا الدور والعوامل المؤثرة فيه.

ويبدو أن كلاً من الدولة العثمانية وروسيا القيصرية حاولتا ضمّ الكورد إلى جانبهما طوال مدة الصراع، كما حاول الكورد استغلال الصراع الدائر بين هاتين الإمبراطوريتين لاستعادة استقلال الإمارات الكوردية، الذي أنهاه السلطان العثماني محمود الثاني في النصف الأول من القرن التاسع عشر.

ولفهم دور الكورد في الصراع سنحاول إعطاء فكرة موجزة عن العوامل الفاعلة في المجتمع الكوردي في القرن الماضي. وقد كان لبريطانيا، بوصفها قوة عالمية ثالثة، دور بارز في الصراع العثماني الروسي، لذلك كان من المفيد كذلك شرح الأسباب المؤثرة في الموقف البريطاني المؤيد للدولة العثمانية في الصراع الأخير مع روسيا، وفي جهود العثمانيين لقمع الانتفاضة الكوردية، ثم نعرّج على ذكر دور الكورد في الحروب الروسية العثمانية، ولا سيما حروب الأعوام 1827-1828، وحرب القرم 1853، وحرب 1877-1878.

الكورد في الصراع الروسي البريطاني داخل الدولة العثمانية

مع بداية القرن التاسع عشر اشتد الصراع الروسي البريطاني في الشرق الأوسط، ووصل إلى مرحلة دقيقة، فالمكاسب التي حققتها روسيا القيصرية في حروبها مع كل من إيران والدولة العثمانية أثارت حفيظة بريطانيا، التي كانت تنظر بعين الشك إلى الأطماع الروسية التقليدية في الوصول إلى المياه الدافئة في الخليج العربي.

وقد عدّت بريطانيا هذا التوسع الروسي باتجاه الجنوب تهديداً لمصالحها في الخليج، وتصوّر الإنكليز أن الهدف الأخير للروس ليس الخليج ذاته وحده، بل السيطرة على هذا الممر المائي الاستراتيجي المؤدي إلى المستعمرة المهمة في شبه القارة الهندية. ومن الجدير بالذكر أن إيران كانت قد مُنيت بهزيمة ساحقة أمام روسيا، واضطرت في «اتفاقية كلستان» عام 1813 إلى التخلي عن مناطق دربند وقرباغ وشيروان وباكو وداغستان وأبخازيا، كما عززت «اتفاقية تركمنجاي»، الموقعة عام 1828 بعد الحرب الروسية الإيرانية، المكاسبَ الروسية في مناطق القفقاس، وأضافت إليها منطقتي يريفان ونخجوان.

ولم تكن المكاسب الروسية داخل الدولة العثمانية أقل أهمية من تلك التي حققتها في المناطق الإيرانية؛ فبعد الهزيمة الكبيرة للقوات العثمانية أمام قوات محمد علي باشا في مصر (1805-1848)، التي أدت إلى سقوط معظم الولايات الشرقية في الأناضول بيد قوات محمد علي باشا، شعر السلطان العثماني بأن عرشه مهدد في إسطنبول، فأُجبر على توقيع «اتفاقية أنكيار أسكلسي» عام 1833، وأصبحت الدولة العثمانية بموجبها بمثابة «محمية روسية». وكان لهذه الاتفاقية تأثير كبير في تأجيج الصراع البريطاني الروسي من أجل النفوذ داخل الدولة العثمانية، لذلك تحوّل كل من بالمرستون، رئيس الوزراء البريطاني، وستراتفورد كانينغ، السفير الإنجليزي المتنفذ لدى الدولة العثمانية، إلى ألدّ خصوم الروس.

كما تجدر الإشارة هنا إلى أن الصراع الروسي الإنجليزي في الشرق الأوسط إبان هذه المدة كان مرتبطاً بمعادلة توازن القوى في المسرح الأوروبي، إذ شعرت بريطانيا بأن حصول الروس على مناطق نفوذ ومستعمرات خارج أوروبا سيقوي نفوذهم في المسرح الأوروبي، ويُخلّ بمعادلة توازن القوى التي أرادت بريطانيا أن تكون راعية لها، وأن تحتفظ بقوتها المتمثلة بالمستعمرات، وتردع الآخرين عن الإخلال بهذه المعادلة؛ لذا أصبح الحفاظ على الدولة العثمانية، ومنع الروس من الزحف جنوباً باتجاه المياه الدافئة (الخليج العربي والمحيط الأطلسي)، من أولويات السياسة البريطانية طوال القرن التاسع عشر.


أجزاء «الثورات والانتفاضات الكوردية» (6 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس (هذا الجزء)

→ الجزء الخامس