الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الثورات والانتفاضات الكوردية (الجزء الثاني)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

الثورة الكوردية الشاملة: عبد الرزاق بدرخان وسمكو آغا الشكاك وسيد طه النهري

شهدت الأعوام 1910-1914 نشاطاً ملحوظاً في التخطيط لثورة كوردية شاملة يقودها أبناء بدرخان، ولا سيما عبد الرزاق بدرخان وحسن بدرخان، ولكن ظروفاً دولية وإقليمية، وعوامل ذاتية تخص الحركة الكوردية نفسها، حالت دون قيام هذه الثورة الشاملة التي لو وقعت لكان من الممكن جداً أن تتمخض عن إنشاء كيان كوردي مستقل، كما أثمرت جهود عدة شعوب عثمانية في البلقان عن نيل استقلالها. علماً أنه كانت هناك، في تصورنا، فرصة حقيقية دولياً وإقليمياً لقيام هذه الدولة الكوردية وقبولها أمراً واقعاً من قبل الأطراف الإقليمية والدولية.

وقبل أن نقيّم حركة عبد الرزاق بدرخان وزملائه، من المهم أن نذكّر القارئ الكريم بإيجاز بالإطار الإقليمي والدولي لتحركهم، الذي سبقت الإشارة إليه. ففي عام 1910 كانت المعارضة لحكم الاتحاديين في نمو مستمر، واستطاع حزب الحرية والائتلاف المعارض في حزيران عام 1912 أن يقود انقلاباً عسكرياً ويزيح الاتحاديين عن الحكم حتى منتصف عام 1913، حين عاد الاتحاديون بانقلاب مضاد، وبدأ عهد ثالوث الاستبداد: طلعت باشا وأنور باشا وجمال باشا.

كما قامت عدة ثورات في الممالك العثمانية في أوروبا الشرقية، وهذا ما شجّع الأرمن، بدعم من الدول الأوروبية ولا سيما الروس والإنكليز والفرنسيين، وتحت ستار الإصلاحات في الأناضول الشرقية، على محاولة تأسيس كيان أرمني في بعض الولايات الأرمنية وفي القسم الأكبر من كوردستان الشمالية. ومع أن الروس لم يكونوا متلهفين كثيراً للمسألة الأرمنية، فإنهم كانوا يتوقعون احتلال الأناضول الشرقية حيث تعيش الأقلية الأرمنية العثمانية، وأرادوا استخدام الأرمن، كما يقال، قميصَ عثمان (رضي الله عنه). فمنذ عام 1911 بدأ الروس يطرحون الملف الأرمني في الدولة العثمانية، ويدعمون بالمال والسلاح حرب العصابات التي كانت تشنها العصابات الأرمنية المعروفة بـ«فدائيي» الطاشناق، التي كانت تتسلل من الأراضي الأرمنية الخاضعة للإدارة الروسية إلى داخل الدولة العثمانية.

وفي عام 1914 وافقت الدولة العثمانية على مشروع روسي مدعوم من فرنسا وبريطانيا لما يسمى بالإصلاحات الأرمنية. وكانت هذه الإصلاحات تنص على تنصيب حاكم أرمني أو نصراني يكون تحت إشراف ممثلي القوى الأوروبية، وأن تُفرض اللغة الأرمنية في الإدارة والتعليم، وتُشكَّل محاكم مدنية للنظر في القضايا التي يكون أحد أطرافها نصرانياً، ويوضع ما أسموه حداً للاعتداءات الكوردية على الأرمن. ولم تتطرق هذه المشاريع الإصلاحية إلى الحقوق الكوردية، مع أن الكرد كانوا يمثلون الأغلبية الساحقة من سكان المنطقة. وهذا ما حصل لمقدونيا والبوسنة والهرسك وألبانيا وصربيا وقبرص: التدخل تحت ستار الإصلاحات خطوةً أولى، ثم فصل تلك الأجزاء عن الدولة العثمانية. ولو أتيحت الفرصة لتنفيذ الإصلاحات الأرمنية في الأناضول، لما اختلف أثرها في الكرد كثيراً عن أثر وعد بلفور في الفلسطينيين.

وإضافة إلى الأرمن، حاول الروس استخدام الآثوريين أداةً لفرض هيمنتهم على كوردستان الشمالية الشرقية على حساب المصالح الكوردية. فالتاريخ الدبلوماسي للقناصل الروس في كوردستان، ونشاطات سفرائهم في إسطنبول، مليئان بالتهويل والمبالغة في «معاناة الآثوريين» على يد من أسموهم «المتعصبين المسلمين الكورد». ويقرّ بهذا الدور الروسي المعادي للكورد نائب القنصل البريطاني في الموصل، ونقتبس هنا جزءاً من رسالة الأسقف في قدشيانيس (جولة مرك) التي بعثها إلى القنصل، يقول فيها: «إن القزم التعيس أوليفري، القنصل الروسي في وان، هو المسؤول عن إثارة الآثوريين ضد الكورد».

وإقليمياً، اندلعت الثورة الدستورية في إيران عام 1907، فسببت حالة من الفوضى والضعف لم تنته كلياً إلا قبل سنوات قليلة من الحرب العالمية الأولى، وأحدثت تلك الفوضى فراغاً سياسياً وإدارياً في أذربيجان الإيرانية وعلى الحدود الإيرانية التركية. وكانت الدولة العثمانية تحاول استغلال حالة عدم الاستقرار على الحدود التركية الإيرانية لبسط سيطرتها على أذربيجان وكوردستان الشرقية. واعتقد الروس أن الإنكليز هم الذين يدفعون الدولة العثمانية إلى التوغل داخل الأراضي الإيرانية لبسط نفوذهم هناك على حساب المصالح الإيرانية، وطلب الروس غير مرة من الاتحاديين الانسحاب من الأراضي الإيرانية، ولكن دون جدوى.

وفي الحقيقة لم يكن التوسع التركي داخل إيران يسرّ الإنكليز، بل كانوا حريصين جداً على الحفاظ على الاستقرار على الحدود التركية الإيرانية. وقام الروس عام 1909 بإرسال 10 آلاف جندي لاحتلال أذربيجان، كما احتلوا خوي وأرومية وسلماس وماكو، ليتمكنوا من بناء العلاقات مع رؤساء الكورد ومنع التسلل التركي إلى المنطقة. كما أن النمو المتزايد للنفوذ الألماني داخل الدولة العثمانية دفع الروس والإنكليز إلى إقناع الدولة العثمانية وإيران بتشكيل لجنة لترسيم الحدود عام 1911، حتى لا يستطيع الألمان استغلال المشاكل الحدودية لصالحهم. ولكن أزمة الحدود العثمانية الإيرانية، التي كانت في الحقيقة جانباً من المسألة الكوردية، ظلت دون حل حتى عام 1914. وباختصار، كان الوضع داخل الدولة العثمانية في أزمة، والظروف الدولية والإقليمية غير مستقرة.

وبما أن عبد الرزاق بدرخان وسمكو آغا الشكاك وسيد طه النهري اعتمدوا اعتماداً رئيسياً على الدعم الروسي في تخطيطهم للثورة الكوردية الشاملة، فمن الضروري أن نفهم معالم السياسة الروسية تجاه الكورد في هذه المدة. وكل المؤشرات تدل على أنه لم تكن عند الروس آنذاك سياسة واضحة المعالم تجاه الكورد، بل كانت هناك نزعة روسية عنصرية عامة إلى عدم الاعتماد على الكورد، والاعتماد على الأرمن والآثوريين لتحقيق المصالح الروسية داخل الدولة العثمانية، وحالة من عدم الثقة بالكورد.

ولكن على الرغم من ذلك نرى أن ظلم الاتحاديين في المدة 1910-1914 دفع كثيراً من رؤساء العشائر والقادة الكورد، رغماً عنهم، إلى أحضان الروس. ويقول لازاريف إنه كان هناك تعارض بين توجهات القناصل الروس العاملين في منطقة قيادة القفقاس وعاصمتها الإقليمية تفليس، الداعية إلى إقامة صلات وثيقة بالكورد ودعمهم ضد الدولة العثمانية، وتوجهات سفراء روسيا في طهران وإسطنبول والمسؤولين في الخارجية الروسية في بطرسبورغ، المعارضة لأي التزام بدعم الحقوق القومية للكورد أو توظيفهم قوةً ضد الدولة العثمانية. وكانت الخارجية الروسية تلتزم بهذه السياسة لأنها كانت حريصة على الوفاء بتعهداتها تجاه بريطانيا كما وردت في اتفاقية التحالف والتفاهم لعام 1907.

وينقل الأستاذ وادي جويدة عن نيكيتين، الذي كان قنصلاً روسياً في أرومية وخبيراً في الشؤون الكوردية، قوله: «في الواقع لم تكن عند روسيا القيصرية سياسة كوردية واضحة المعالم، ولم يكن عند قواتنا في القفقاس مثلاً حتى الخرائط الدقيقة أو من يجيد اللغة الكوردية…».

كان عبد الرزاق بدرخان شخصية مهمة وطموحة، إذ أراد أن يكون أميراً على كوردستان كلها تحت رعاية روسية. وكانت أهم معالم خطته للتحرك نحو تحقيق إمارة كوردستان المستقلة:

  1. إقناع الروس والإيرانيين بأنه يعمل لتحقيق مصالحهم القومية.

  2. بناء قاعدة في كوردستان إيران تكون منطلقاً لتحرير كوردستان كلها.

  3. اعتقاده الراسخ أن الحركات الكردية المنفصلة هنا وهناك لن تحقق الأماني الكوردية.

  4. عدّ الثورة الثقافية بين الكورد من المقومات الأساسية لتحرير كوردستان.

  5. أن الروس، لا الإنكليز، هم الحلفاء الحقيقيون للكورد.

وقبل أن نناقش نقاط القوة والضعف في خطة عبد الرزاق بدرخان، أجد من المهم أن نعرف شيئاً عن حياة هذا السياسي الكوردي المخضرم والمحنك. والمرء أعرف بنفسه من غيره، لذا سنذكر هنا الوثيقة التي كتبها عن نفسه عام 1910 إلى تشاريكوف، السفير الروسي في إسطنبول، حين طلب منه السماح له بالهجرة إلى روسيا للعيش في تفليس:

«أنا عبد الرزاق بدرخان بن نجيب باشا بن بدرخان، عمري 46 سنة. أردت الذهاب إلى باريس بعد أن تعلمت الفرنسية في إسطنبول، ولكن السلطان عبد الحميد منعني من ذلك، لأنه لم يرد أن يذهب أحد أحفاد بدرخان إلى أوروبا ويلمع نجمه. ولكنه عيّنني في الخارجية التركية، ووعدني بإرسالي إلى الخارج في المستقبل. وبعد ثلاث سنوات من الخدمة في الخارجية أُرسلت إلى بطرسبورغ للعمل هناك سكرتيراً ثالثاً في السفارة العثمانية.

وبعد سنة من الخدمة عُيّنت سكرتيراً ثانياً في السفارة العثمانية في طهران، ولكن بعد مدة، وأنا في طريقي إلى عملي في طهران، اختُلقت تهمة ضدي، وأُعدت من سامسون إلى إسطنبول بأمر السلطان. وبعد ذلك حاولت أن أعيش في تفليس لأكون قريباً من يريفان وكوردستان، وبعيداً عن نقمة السلطان. ولكوني شخصية يعرفها معظم الدبلوماسيين الروس في إسطنبول، استقبلني المسؤولون ووجهاء المدينة حال وصولي إلى تفليس بحفاوة وتكريم بالغين. فأثار ذلك نقمة السلطان، فوضع، بما عُرف عنه من المكر والخداع كسائر المسؤولين الترك، ضغوطاً كثيرة على الحكومة الروسية، وأبلغني أحد المسؤولين الروس أنه ليس لي حق البقاء لا في إيران ولا في روسيا ولا في تركيا. فأخذتني الشرطة إلى باطوم، ومن هناك ذهبت إلى إنكلترا، ولكن السلطان أقنع أبي بالوعود المعسولة بإرجاعي إلى إسطنبول، وعُيّنت رئيساً لدائرة التشريفات حيث خدمت 14 سنة.

ونلت العديد من النياشين والميداليات، ومنها وسام الدرجة الأولى العثماني، ووصلت إلى رتبة بالا، كما حققت سمعة جيدة في الأوساط الرسمية في أوروبا، ومُنحت وسام ستانسلافي. وبعد مدة اغتيل رضوان بيك مدير الشرطة، فاتُّهمت أنا وعائلتي بالمسألة، وصبّ السلطان جام غضبه علينا، فاعتُقل نحو ألف من أفراد عائلة بدرخان، وسيقوا إلى السجن والنفي إلى طرابلس الغرب، وكان السلطان يخاف من سيطرة آل بدرخان على العرش… وبعد 18 شهراً عانينا فيها الأمرّين في السجن جاء الاتحاديون إلى الحكم، ولكنهم لم يختلفوا كثيراً عن السلطان في ظلمهم إيانا؛ فأصدروا العفو العام الذي شمل كل المساجين الأرمن والبلغار والترك، ولكنهم عاملونا كمجرمين، فبقيت في السجن شهراً بعد الثورة الدستورية، ثم أصدروا عفواً عاماً خاصاً بنا. أنا على قناعة بأن تركيا لن تصلح لي ولأمراء الكورد من أمثالي وطناً… لذلك أطلب من سعادتكم قبولي أحدَ أفراد الرعية الروسية، علماً أن السفارة الروسية تعرفني خير معرفة، وسأخدم وطني روسيا بكل إخلاص… ورجاءً اسمحوا لي بالسكن في تفليس…».

يتبين من هذه السيرة الذاتية لعبد الرزاق بدرخان، ولا سيما خدمته 14 سنة في ديوان التشريفات، في هذا المركز الحساس والرفيع، أنه كان موضع ثقة السلطان عبد الحميد ومخلصاً له، وإلا فكيف استطاع أن يخدم هذه المدة الطويلة مع سلطان عُرف عنه إفراطه في الاهتمام بالقضايا الأرمنية؟ ثم لماذا لم يتحرك عبد الرزاق بدرخان طوال هذه المدة، ويطالب بالحقوق الكوردية أو يدعم المعارضة، قبل أن تُضرب مصالح عائلة بدرخان؟ لذلك من حقنا أن نسأل: هل لجأ عبد الرزاق بدرخان، الإداري الطموح الذي لم تشفِ المناصب الحكومية غليله، إلى الأساليب الثورية لتحقيق ما فشل في تحقيقه في المسلك الحكومي؟

في عام 1909 كتب باسيل نيكيتين إلى جريدة مانشستر غارديان رسالة يقول فيها إن عبد الرزاق بدرخان جاء إلى بطرسبورغ يحمل مشروعاً للدولة الكوردية، ولم يقبل الروس مشروعه.

واستناداً إلى الفقرة المقتبسة آنفاً من مذكرات عبد الرزاق بدرخان، فقد كان في السجن عام 1909، لذلك من الممكن أن يكون هناك خطأ في ذكر السنة. ولكن لازاريف يقول إن عبد الرزاق بدرخان قدّم في تشرين الثاني عام 1910 طلباً ليصبح مواطناً روسياً ويسكن في يريفان، لأن الاتحاديين كانوا يضيّقون عليه، فرُفض طلبه في البداية، ثم قُبل، فجاء واستقر مدة في يريفان.

واستطاع عبد الرزاق بدرخان عام 1911 أن يقوم بزيارة إلى المدن والقرى الكوردية في الجانبين الإيراني والتركي، فحثّ الكورد في إيران على طرد القوات التركية وعدم التعاون معها ضد السلطة الإيرانية، وناقش مع الكرد داخل الأراضي العثمانية مسألة الإعداد لثورة كوردية شاملة. وأنذر عبد الرزاق بدرخان الكورد في الدولة العثمانية بأنهم إن لم يوحّدوا قواهم فإن الأرمن، الذين يحظون بدعم العديد من الدول الأوروبية، سيؤسسون دولة أرمنية على أرض الكورد. وكانت موافقة رؤساء الكرد على مشروع عبد الرزاق بدرخان مشروطة بالدعم الروسي.

ويقول عبد الرزاق بدرخان عن سفرته هذه: «اتصلت برؤساء الكورد من ماكو إلى ولاية الموصل، وناقشنا مسألة إنهاء الظلم التركي علينا». ويذكر عبد الرزاق بيك القادة الكرد الذين كان على اتصال بهم، ومنهم سمكو آغا الشكاك، الذي يصفه بأنه أحد «أتباعه»، وسيد علي في خيزان، ورؤساء الكورد في هكاري، كما اجتمع علماء دهوك وشيوخها لدراسة مشروع الثورة الذي كان عبد الرزاق بصدده. ثم يتطرق إلى لقائه بسيد طه النهري، وبسردار ماكو (مرتضى قلي خان) الذي يعتقد أنه لم يكن مخلصاً للمصالح القومية، وبكرد بيك، ثم إلى اتصالاته بشيخ بارزان، وبالجنرال شريف باشا الذي كان في باريس.

وفي نهاية عام 1912 يصف تقرير لنائب القنصل البريطاني في حلب الحركة المعادية للترك في كردستان الشمالية بأنها قد بلغت مرحلة تشكّل فيها خطراً حقيقياً على النظام التركي؛ فقد كانت هناك استعدادات مكثفة لدى أبناء بدرخان، حسين باشا وعبد الكريم باشا، وكانت مدن الجزيرة وسعرت ومدياد والموصل مراكز لتحركاتهم. وكان الكورد في هذا الجزء من كوردستان أكثر استياءً من حكم الاتحاديين من المناطق الأخرى، وعندهم استعداد كبير لتحدي الدولة، لأن سياسة الاتحاديين هنا اتصفت بالفساد المستشري وبعدم مراعاة حاجات المنطقة ومشاعر الكورد القومية، وكان للسلطان عبد الحميد هنا عطف كبير.

وفي عام 1912، وفي محاولة لتعبئة الكورد للمساهمة في المجهود الحربي في البلقان، عقدت الحكومة في دياربكر مؤتمراً لشيوخ كوردستان وعلمائها وقادة الألوية الحميدية (التي أعيد تشكيلها باسم كتائب الفرسان القبلية الخفيفة)، وانتهى المؤتمر دون أن يقدّم الكورد أي دعم ملموس… أضف إلى ذلك أن الحركة الأرمنية كانت هنا قوية ومنظمة، وهذا ما دفع الكورد إلى المطالبة بالحقوق نفسها التي كان الأرمن يطالبون بها. وفي عام 1912م فقدت الدولة المركزية هيبتها، لأن اندحار الجيش العثماني في حرب البلقان، واستقلال العديد من الولايات العثمانية الأوروبية، كانا يحفّزان الكورد على الثورة.

ويقول تقرير لنائب القنصل البريطاني في حلب إن كثيراً من الكرد كانوا يعتقدون أن الإنكليز سيدعمون حتماً الحركة الاستقلالية الكوردية، مثلما دعموا الحركات الاستقلالية في البلقان، وأن ولاية دياربكر والجزيرة وسعرت ستُلحق ببلاد الرافدين المرشحة آنذاك للسقوط تحت حكم البريطانيين. كما احتفظ أبناء بدرخان هنا بعلاقات وطيدة مع الإنكليز. وقام حسين باشا بإعلام جميع رؤساء القبائل والشيوخ الأكراد بالإعداد لثورة شاملة تبدأ في شهر نيسان عام 1913 بعد ذوبان الثلج، وكانت هناك شائعات بأن الروس سيبعثون بالسلاح والعتاد اللازمين لتسليح أكثر من 200.000 مسلح ضد الاتحاديين.

وحاول عبد الرزاق بدرخان أيضاً كسب شيوخ كوردستان الجنوبية؛ فاستناداً إلى تقرير لنائب القنصل البريطاني في وان، عُقد عام 1913م مؤتمر لشيوخ الإسلام وعلمائه في كوردستان لمناقشة دعم ثورته. واستطاع كسب ودّ شيوخ اليزيديين ودعمهم، وكذلك المار شمعون رئيس الطائفة الآثورية، واتصل برؤساء الطاشناق ووجهاء الأرمن، إلا أن هؤلاء تحفظوا في إعطائه الدعم. وفي عام 1913 كان عبد الرزاق بدرخان وزملاؤه من القادة الكورد يقولون إنه سيكون عندهم أكثر من 100.000 مسلح في حال إعلان الثورة الكوردية الشاملة.

وفي عام 1913 انتهى عبد الرزاق بدرخان من وضع خطة الثورة، وهي عمليات عسكرية تنطلق من الحدود التركية الإيرانية. ووفق هذه الخطة يهاجم سعيد بيك، أحد رؤساء العشائر المتنفذين في المنطقة الحدودية، منطقة أرجاغ لطرد القوات العثمانية منها، ويقود عبد الرزاق بدرخان قوة عسكرية لتحرير بوتان، ويقود سيد طه النهري قواته باتجاه باشقلا، ويهاجم سمكو آغا في الوقت نفسه منطقة سراي الحدودية. وينقل لازاريف عن عبد الرزاق قوله للقنصل الروسي في خوي:

«نحن جهّزنا كل شيء. انتظر، سيقوم الوطني موسى بيك بزيارة إلى وان وإلى إيران لوضع الترتيبات النهائية. أستطيع أن أحتل وان، وهناك كثير من الجنود العثمانيين الكورد المتعاطفين معنا في هذا المشروع، ولكنني لا أعدّ ذلك سياسة صحيحة، لأننا لسنا قادرين على مواجهة القوات التركية إذا هاجمتنا، ولسنا سذّجاً إلى درجة أن نعتمد على الدعم الروسي لنا في هذه الظروف. سأذهب إلى إيران فوراً، وسأطالب الحكومة الإيرانية بتعييني حاكماً على كوردستان، وسأعطيهم عهداً بإخراج الترك من الأراضي الإيرانية في كوردستان.

أعرف نصر الملوك (حاكم أذربيجان)، ولي صداقة قديمة معه. وإذا رُفض طلبي هذا فسأحتل سلماس أو أرومية بالقوة، وسأرسل برقية إلى الشاه أبيّن فيها إخلاصي له، وأبدي استعدادي لطرد الترك من الأراضي الإيرانية، وأعمل بمشورة القناصل الروس. إن تحرير كوردستان بحاجة إلى قاعدة للانطلاق، وكوردستان إيران مهيّأة لأن تكون هذه القاعدة، وفي كوردستان الشمالية كل شيء جاهز، وهم بحاجة إلى إشارة للانطلاق. ولكن الكرد يُجمعون على أن نجاحنا مرهون بالدعم الروسي».


أجزاء «الثورات والانتفاضات الكوردية» (6 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني (هذا الجزء)
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس

→ الجزء الأول  |  الجزء الثالث ←