الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الحكم الذاتي للأكراد في إطار فيدرالية إقليمية (الجزء الأول)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
تناولنا فيما سبق ظاهرة الدولة القومية، وكيف تحققت للشعب الكوردي مقومات الدولة وتوافرت له عناصرها من شعب وإقليم وسلطة سياسية. ورغم ذلك تداخلت عوامل إقليمية ودولية للحيلولة دون ظهور الدولة الكوردية المستقلة إلى حيز الواقع الدولي أسوةً بغيره من شعوب المنطقة. بيد أن ذلك لا ينفي عن الشعب الكوردي حقه في تقرير المصير، الذي ينبني على أساسين قانونيين، هما: أولاً حق الشعب في تقرير المصير، وثانياً الشرعية الدولية.
وقد نشأت المشكلة الكوردية أثراً للأطماع الاستعمارية ولتقسيم كوردستان بين الدول المجاورة، وهو التقسيم الذي تم لأول مرة بموجب معاهدة تقسيم الحدود عام 1639م (قصر شيرين/زهاب) بين الإمبراطوريتين الفارسية والعثمانية، حتى أصبح الشعب الكوردي موزعاً بين أربع دول هي تركيا والعراق وإيران وسوريا: في الجزء الشمالي الغربي من إيران، والجزء الجنوبي الشرقي من تركيا، والجزء الشمالي الشرقي من العراق (كوردستان العراق)، والجزء الشمالي الشرقي من سوريا. وتُظهر الخرائط الحديثة أن معظم أكراد إيران يعيشون ضمن مثلث غير منتظم ومقلوب، يمتد من شمال غرب البلاد عند نقطة تلاقي الحدود الروسية التركية، وعلى طول سلسلة جبال زاغروس، حتى المنطقة الموازية تقريباً لبغداد. أما في تركيا فيتمركز الأكراد في جنوب شرق البلاد، ضمن المنطقة الممتدة على طول الحدود الإيرانية والروسية حتى غرب نهر الفرات، ويشكلون كتلة ضخمة تتراجع كثافتها عند الطرفين الغربي والشمالي. ويعيش أكراد العراق داخل قوس يمتد على طول الحدود مع إيران وتركيا وصولاً إلى سوريا، حيث يقطنون في أقصى زاويتها الشمالية الشرقية وعلى طول الحدود السورية التركية المشتركة.
ورغم ما سعت إليه الدول الأربع (تركيا والعراق وإيران وسوريا)، وما بذلته من محاولات في سبيل طمس الحركات والثورات الكوردية والقضاء على مطالب الشعب الكوردي وآماله، بلغت حدَّ القتل والقمع والتهجير القسري والإبادة الجماعية والعدوان بكل صوره وأشكاله، فإن الجهاد القومي للشعب الكوردي ظل قائماً معبّراً عن آماله وأمانيه، وإن اختلفت وسائل التعبير عنه وطرقه: من الطرق السلمية إلى الكفاح المسلح، ومن المطالبة بالاستقلال إلى الحكم الذاتي في إطار فيدرالية إقليمية على مستوى الدول الأربع.
وقد تناولنا فيما سبق المراحل التي مر بها كفاح الشعب الكوردي، والعوامل الإقليمية والدولية التي أثرت في أيديولوجيته، باعتباره جزءاً من المنظومة الإقليمية التي تدخل ضمن المنظومة الدولية وتتأثر بما يطرأ عليها من تغييرات، كان أهمها بروز الولايات المتحدة الأمريكية لبسط الهيمنة الأحادية على العالم بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي.
ومفهوم الحكم الذاتي أحد المفاهيم التي ارتبطت في نطاق القانون الدولي ببدء مرحلة تصفية الاستعمار (1)، خصوصاً في النصف الثاني من الأربعينيات والنصف الأول من الخمسينيات من القرن الماضي. فضلاً عن أنه مفهوم يصعب ضبطه نظرياً، إذ غلب على وجوده في إطار القانون الدولي الطابع الانتقالي والإشكالي، وتختلف دلالاته من سياق لآخر وفق الظروف والملابسات والأهداف وعلاقات القوى التي يُطرح لصياغتها (2).
ويختلف الحكم الذاتي الدولي عن الحكم الذاتي الداخلي؛ فالحكم الذاتي الدولي يحتفظ للأقاليم بسلطة داخلية دون رقابة عليها كتلك التي نلاحظها في النظم اللامركزية، ومبناه «كيان قانوني سياسي، يقوم على أساس وجود إقليم منفصل، وشعب مميز، وحكومة ذاتية»، ولذلك يكون أكثر ارتباطاً بمجال القانون الدولي. في حين أن الحكم الذاتي الداخلي مبناه «نظام قانوني داخلي يرتكز أساساً على قواعد القانون الدستوري»، ولذلك يكون أكثر ارتباطاً بمجال القانون الدستوري والإداري (3).
ولما كانت توجهات الحركة الكوردية، بما طرأ عليها من متغيرات، تتبلور في تقرير المصير للشعب الكوردي من خلال الحكم الذاتي في إطار فيدرالية إقليمية، فإن هذا الحكم الذاتي ذو وجهين: وجه دولي محمول على الحق في تقرير المصير، ووجه داخلي لكونه نظاماً يرتكز على العلاقة بين السلطة المركزية والإقليم. ومع أن الوجه الأخير يدخل في نطاق الدراسات الدستورية والإدارية، فإنه لا يتجافى كلياً مع هذه الدراسة التي تقع ضمن نطاق القانون الدولي؛ آية ذلك أن من مظاهر نظام الحكم الذاتي الداخلي فكرة القومية والتكامل الوطني، باعتباره حلاً متقدماً للمسألة القومية، لا سيما أنه يقوم على ثلاث دعامات أساسية تتمثل في عناصره: فكرة الإقليم، والاستقلال الذاتي، والرقابة المركزية. ومن ثم نرى تقسيم هذا الموضوع إلى قسمين: أولهما الحكم الذاتي في القانون الدولي العام، والثاني الحكم الذاتي في القانون الداخلي.
ولما كانت مطالب الشعب الكوردي هي الحكم الذاتي في إطار فيدرالية إقليمية، وكان مفهوم الحكم الذاتي يشترك مع مفهوم الفيدرالية في أن كليهما يُطرح حلاً لمشكلات مختلفة ومتنوعة، ويعتمدان في تقديم هذه الحلول على عدة قواعد مشتركة، من بينها سيادة الدولة، وقاعدة الأغلبية الديمقراطية، واللامركزية في إدارة الشؤون العامة، واحترام حقوق الأقليات (4)، فإننا نرى شرح موضوعنا على النحو الآتي:
- تعريف الحكم الذاتي والدولة الفيدرالية.
- الحكم الذاتي في ظل قواعد القانون الدولي العام.
- الحكم الذاتي في ظل قواعد القانون الداخلي.
1. التعريف بالحكم الذاتي والدولة الفيدرالية
يشترك مفهوم الحكم الذاتي مع مفهوم الفيدرالية في أن كليهما يُطرح حلاً لمشكلات مختلفة ومتنوعة، ويعتمدان في تقديم هذه الحلول على عدة قواعد مشتركة بينهما: سيادة الدولة، وقاعدة الأغلبية الديمقراطية، واللامركزية في إدارة الشؤون العامة، واحترام حقوق الأقليات والخصوصيات المحلية والإقليمية.
ورغم استناد هذين المفهومين إلى هذه العناصر المشتركة عند طرحهما حلولاً للمشكلات القائمة، فإن لكل منهما خصائص تميزه عن الآخر على الصعيدين النظري والعملي، ولكل منهما مجال يخص تطبيقه، وفلسفة يصدر عنها.
أ- التعريف بالحكم الذاتي وتحديد أوصافه
مفهوم الحكم الذاتي بمعناه العلمي، أساساً لحل مسألة القوميات وعدم التكامل داخل الدولة المتعددة القوميات أو ذات الجماعات العرقية المختلفة، مفهوم حديث لم تتناوله الدراسات إلا في بداية القرن الماضي. ويُعد الاتحاد السوفييتي في مقدمة الدول التي اهتمت بدراسة مفهوم الحكم الذاتي، «إذ علّق لينين، ومن بعده قادة السوفييت، على الحكم الذاتي أهمية بالغة أساساً لحل مسألة القوميات داخل الدولة السوفييتية. ومع هذا يمكن إرجاع جذوره في الفكر السياسي المتعلق بالعلاقات الدولية إلى زمن أقدم من ذلك بقرن، وأما في الفكر الفلسفي والقانوني فيرجع تاريخه إلى عهود بعيدة» (5).
والمصطلح العربي «الحكم الذاتي» ترجمة للفظة الإغريقية (Αὐτονομία) (6)، التي تقابلها بالإنجليزية (Self-Law) أي القانون الذاتي (7)، أو (Self-Government) بمعنى الاستقلال الذاتي أو القدرة على الحكم الذاتي (8). وجاء في الموسوعة الإيطالية (Enciclopedia Treccani) أن لفظ (Autonomia) إغريقي الأصل، مركب من (Auto) بمعنى الذات، و(Nomia) بمعنى القانون، ومعناه العام «القدرة على سن القوانين للذات»، أي أن يحكم الإنسان نفسه بنفسه. لذلك تحدد هذه الموسوعة الحكم الذاتي بأنه «تشريع ذاتي، يُقصد به قدرة ذاتية تعتمد على سلطة حقيقية لوضع قواعد منظِّمة، ويعني ممارسة صاحب هذه السلطة لسلطته» (9).
ويذهب الفقيه السوفييتي دينيسوف (Denisov) إلى أن الحكم الذاتي الإقليمي هو التسوية المناسبة لتنظيم الدولة على أساس رغبة الجماهير، حتى في حالة عدم تعبيرها عن رغبتها في الانفصال، أو عدم قدرتها على التعبير عن تشكيل دولة مستقلة (10). ويرى لودو فان فاوفه (Ludo Van Wauwe) أن نظام الحكم الذاتي (Autonomia) يعني «استقلالاً يصل مداه إلى هيئات الدولة العليا، مع التمتع بالسيادة، بمعنى أن يكون لها الحكم الذاتي، وهذا الاستقلال له سلطة تشريعية وسلطة تنفيذية» (11).
أما الفقيه الإيطالي كارلو لافانيا (Carlo Lavagna) فيرى أن مصطلح (Autonomia)، سواء في اللغة العادية أو اللغة القانونية، يدل على وضع معين من الاستقلال؛ غير أن هذه اللفظة، وإن كانت تدل في اللغة العادية على أنواع عديدة من الاستقلال، فإن لها في اللغة القانونية معنى أقل اتساعاً وأكثر تحديداً، إذ تعني «توجيهاً ذاتياً لنشاط خاص». وقد تأتي لفظة (Autonomia) في اللغة العادية بمعنى الاكتفاء الذاتي، مثل الاكتفاء الذاتي في الطيران، أو بمعنى عدم التبعية، مثل «الآلات التي تعمل ذاتياً أو آلياً» (Meccanismi autonomi) (12).
وقد وضع الفقيه غي هيرو (Guy Héraud)، في محاولته تعريف الحكم الذاتي، عدة شروط، هي:
أولاً- أن يكون لكل قومية الحق في أن تعلن عن وجودها، وبمجرد إعلانها تنال حق التمتع بالحكم الذاتي، ولا يُترك هذا الخيار للدولة أو للاتحاد الفيدرالي، وهذا ما سماه «حق إعلان الذات» (Auto-affirmation).
ثانياً- أن يكون لكل قومية الحق في «تحديد الذات» (Auto-définition)، ولا سيما تحديد مساحة الأرض التي تعيش عليها أو رقعتها، دون أن يُترك حق تحديد منطقة الحكم الذاتي للسلطة المركزية في الدولة.
ثالثاً- حق «تنظيم الذات» (Auto-organisation)، وبموجبه تضع القومية بنفسها نظامها القانوني الإقليمي، وذلك عن طريق انتخابات حرة تنتخب فيها مجلساً تأسيسياً يضع دستورها الإقليمي، ولكن مع التقيد بالدستور المركزي ووحدة الدولة.
رابعاً- والشرط الرابع للحكم الذاتي هو الممارسة الفعلية واليومية لقانونه (Autogestion) (13).
ويرى الدكتور عبد الحميد متولي أن مبدأ الحكم الذاتي يتلخص في «مباشرة جمهور الشعب لسلطته في مختلف الميادين» (14). أما الدكتور محمد طلعت الغنيمي فهو، بعد أن يفرّق بين الاستقلال والحكم الذاتي، يبيّن أن «الحكم الذاتي هو النظام الديمقراطي للحكم الذي يتولى فيه الشعب حكم نفسه» (15).
وتشير المذكرة الإيضاحية للحكومة السودانية المرفقة بقانون الحكم الذاتي، في شرح المادة 30 من القانون، إلى أن الحكم الذاتي معناه «حق الشعب أو الأمة في انتخاب الحكومة التي تمثلها، وهو يعني أيضاً أن الحكومة تكون مسؤولة أمام الشعب» (16).
ويرى الدكتور إبراهيم العناني، في بحث تعريف الحكم الذاتي، أنه من الخطأ والخطورة ترجمة الاصطلاح الإنجليزي (Autonomy) بالحكم الذاتي، الذي يقابله في الإنجليزية اصطلاح (Self-Governing)، إذ إن لكل من المصطلحين مفهوماً ومعنى يخالف الآخر تماماً. فالمعنى الاصطلاحي للحكم الذاتي (Self-Governing) في القانون الدولي، الذي يتفق عليه «فقهاء القانون العام عموماً»، هو «أن يمارس شعب الإقليم سلطاته الداخلية بنفسه، خاصة فيما يتعلق بالشؤون التشريعية والتنفيذية والقضائية». أما المعنى الاصطلاحي للاستقلال الذاتي (Autonomy) فهو «المظهر الرئيسي للسيادة بوجهيها الداخلي والخارجي؛ فالاستقلال الذاتي لوحدة معينة يعني أن تكون لها السلطة في تسيير شؤونها داخلياً وخارجياً دون خضوع أو تبعية لأي دولة أخرى» (17).
وقد خالف عصام الدين حواس ما يراه الدكتور إبراهيم العناني بقوله إن اتفاقية كامب ديفيد استخدمت في نصها الإنجليزي العبارتين (Self-Government) و(Autonomy) في موضعين مختلفين، في حين استخدم النص العربي كلمة «حكم ذاتي» في الحالتين. وعدُّ ذلك خطأً في الترجمة العربية، بحجة أن اصطلاح «أوتونومي» يعني الاستقلال الكامل، لا يتفق مع رأيه؛ إذ يرى أن اصطلاح (Autonomy) ينصبّ أكثر على الحق نفسه في الحكم الذاتي، ولذلك استخدمت اتفاقية كامب ديفيد الاصطلاحين كلاً في موضعه المناسب، حيث ذكرت في الموضعين الأول والثاني على التوالي:
- In order to provide full autonomy to the inhabitants.
- The powers and responsibilities of the self-governing authority to be exercised in the West Bank and Gaza.
ففي الموضع الأول يتحدث النص عن الحق في الاستقلال الذاتي، وفي الثاني يتكلم عن سلطة الحكم الذاتي؛ فالاصطلاحان وجهان لعملة واحدة، أحدهما يعبر عن الحق والآخر يعبر عن الحكم نفسه (18).
ونحن نرى خلاف ذلك؛ فبالنسبة إلى ما أورده الدكتور العناني من أنه من الخطأ والخطورة ترجمة الاصطلاح الإنجليزي (Autonomy) بالحكم الذاتي الذي يقابله في الإنجليزية اصطلاح (Self-Governing)، نرى أنه من الصحيح ترجمة لفظ (Autonomy) بالحكم الذاتي، لأن هذا المصطلح ليس إنجليزياً في الأصل، بل هو مفهوم لاتيني قديم، وقد استُخدم في اللغة العربية، لغة القانون والسياسة، للإشارة إلى الحكم الذاتي. فضلاً عن أن المصطلحات الإنجليزية:
Self-government, Local government, Local self-government
تشير جميعها في اللغة العربية إلى الحكم المحلي، والحكومة المحلية، والإدارة المحلية أو اللامركزية الإقليمية، وبالتالي ينحصر نطاق استخدامها في مجال القانون الإداري أو علم الإدارة العامة. أما مصطلح الحكم الذاتي فينحصر نطاقه أساساً في القانون الدستوري والإداري إذا كان حكماً ذاتياً داخلياً، أو في القانون الدولي العام إذا كان حكماً ذاتياً دولياً. وأما ما يراه عصام الدين حواس من أن «الاصطلاحين وجهان لعملة واحدة» فلا نتفق معه، لأن (Full Autonomy) لا يعني إلا الحكم الذاتي الكامل، أما (Self-Governing) فلا يعني إلا الحكم المحلي أو الحكومة المحلية.
والحكم الذاتي، مصطلحاً فلسفياً وسياسياً وقانونياً، ليس له تعريف جامع مانع يمكن اللجوء إليه والتعويل عليه مرجعيةً ثابتة، سواء في نطاق القانون الدولي العام أو في ظل قواعد القانون العام الداخلي. ومن هنا أورد الفكران السياسي والقانوني أبعاداً مختلفة للحكم الذاتي، يعبر كل منهما عن اتجاه خاص. فالفكر السياسي ينطلق في تعريفه للحكم الذاتي من مضمون التصور السياسي (Conception politique)، لذلك يُطلق على الحكم الذاتي في نطاق هذا الفكر (Autonomie politique). أما الفكر القانوني فينطلق في تعريفه للحكم الذاتي من وجهة نظر التصور القانوني، إذ يرى أن الحكم الذاتي «حق» (Right) (19) من الحقوق المشروعة للقوميات والجماعات المتباينة ضمن الدولة الواحدة. وبيان ذلك:
الحكم الذاتي من وجهة نظر التصور السياسي: يقتصر على ترك سكان الأقاليم التابعة للدول الاستعمارية يحكمون أنفسهم بأنفسهم في شؤونهم الداخلية، فهو استقلال سياسي بالمعنى الصحيح، ولكنه محدود في نطاق الاختصاصات الداخلية (20). ومن هذا المضمون يتبين الطابع السياسي للحكم الذاتي أداةً لتحديد العلاقة بين الأقاليم المستعمَرة والدول المستعمِرة.
الحكم الذاتي من وجهة نظر القانون الداخلي: ورد في المادة 143 من الدستور الإسباني لسنة 1978 أنه «في ممارسة الحق (Right) في الحكم الذاتي المعترف به في المادة الثانية من الدستور، يجوز للمقاطعات المتجاورة ذات التاريخ المشترك والخصائص المميزة، الثقافية والاقتصادية، وللجزر والمقاطعات ذات التراث التاريخي، أن تشكل جماعات مستقلة استقلالاً ذاتياً، تكون لها حكوماتها بما يتفق ونصوص هذا الفصل».
ومن هنا نرى أن تعريف الحكم الذاتي أمر ينطوي على صعوبات بالغة، لأن هذا المفهوم في ذاته يصعب تحديده لابتنائه على فكرة نسبية تتغير باختلاف الزمان والمكان والنظام القانوني الذي يطبقه. وقد حاول كثير من الفقهاء والباحثين السياسيين، أمام صعوبة تعريف الحكم الذاتي، أن يقدموا عدداً من الصور لأوصافه: أولاهما الحكم الذاتي أو «الشعبي» في الميدان الاقتصادي (L’auto-administration des producteurs)، وثانيتهما الحكم الذاتي أو الشعبي في الميدان السياسي (21).
ويرى جانب آخر من الفقه أن هناك صوراً متعددة وتطبيقات مختلفة لفكرة الحكم الذاتي، على النحو الآتي:
الشكل الأول: الحكم الذاتي في إطار الدولة الواحدة، ومثال ذلك منح الأكراد في العراق الحكم الذاتي نوعاً من التهدئة للإرادة الكوردية التي ظلت تطالب بهذا الحق على مدى سنوات طويلة.
الشكل الثاني: الولايات في الدولة الفيدرالية، وفي هذه الصورة تكوّن مجموعة من الولايات اتحاداً فيدرالياً، بحيث تصبح دولة واحدة، وإن تمتعت كل ولاية داخل نطاق الدولة باستقلال ذاتي كبير.
الشكل الثالث: الحكم الذاتي فكرةً انتقالية، وفي هذه الحالة يكون منح الحكم الذاتي لإقليم معين، يكون عادة تحت نوع من الخضوع أو التبعية، بمثابة فترة انتقالية تمهيداً لممارسة الشعب حقه الطبيعي والقانوني في تقرير المصير بحرية كاملة (22).
ومن ثم يمكن القول بوصفين آخرين للحكم الذاتي، هما الحكم الذاتي الدولي (Autonomie internationale) والحكم الذاتي الداخلي (Autonomie interne). ولإدراك المقصود بهذين الوصفين، الدولي والداخلي، يتعين بدايةً تحديد العلاقة بين كل منهما وبين الحكم الذاتي.
فالحكم الذاتي الدولي ينشأ بوثيقة دولية، سواء أكانت معاهدة دولية تُعقد بين دولتين بشأن إقليم خاضع لسيطرتهما، ومثال ذلك تطبيق نظام الحكم الذاتي في السودان عام 1953 تنفيذاً للمعاهدة البريطانية المصرية عام 1953م (23)، أم اتفاقيات تبرمها منظمة الأمم المتحدة (24)، وقبلها عصبة الأمم، مع الدول الأعضاء القائمة بإدارة الأقاليم الخاضعة لها. ولما لهذه العلاقات من طابع دولي فإنها توصف تبعاً لنوع العلاقة الدولية، وتخضع من حيث وصفها لقواعد القانون العام.
أما الحكم الذاتي الداخلي فلا ينطوي بحكم طبيعته على علاقات دولية، كما أنه لا يستمد سنده القانوني من معاهدة أو اتفاقية دولية كما هو الشأن في الحكم الذاتي الدولي، وإنما المعوَّل عليه في نشأته وبيان أحكامه دستور الدولة، الذي يتكفل بتنظيم العلاقة بين الحكومة المركزية وهيئات الحكم الذاتي. وعلى هذا الأساس يختلف الحكم الذاتي الدولي عن الحكم الذاتي الداخلي؛ إذ يحتفظ الحكم الذاتي الدولي للأقاليم بسلطات داخلية دون رقابة عليها كتلك التي نلاحظها في النظم اللامركزية، ويكون مبناه «كيان قانوني وسياسي يقوم على أساس وجود إقليم منفصل وشعب مميز وحكومة ذاتية» (25)، ولهذا يكون أكثر ارتباطاً بمجال القانون الدولي العام. أما الحكم الذاتي الداخلي فمبناه «نظام قانوني داخلي، يرتكز فيه الحكم الذاتي أساساً على قواعد القانون الدستوري» (26)، فهو أكثر ارتباطاً بمجال القانون الدستوري والإداري.
أجزاء «الحكم الذاتي للأكراد في إطار فيدرالية إقليمية» (6 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس