الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الحكم الذاتي للأكراد في إطار فيدرالية إقليمية (الجزء الثاني)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
ب- الدولة الفيدرالية
لم يتفق فقه القانون العام العربي على مصطلح موحد يقابل المصطلح الإنجليزي (Federal State) أو الفرنسي (État fédéral)، فهناك من يطلق عليها «الدولة الاتحادية» أو «الاتحاد المركزي» أو «الدولة الفيدرالية» أو «الاتحاد الفيدرالي» أو «الاتحاد الدستوري» أو «الدولة التعاهدية» (27).
وفكرة الفيدرالية، باعتبارها أساساً للحكم عن طريق اتحاد عدد من الولايات أو الأقاليم أو الدول تتعايش معاً دون انفصال ودون وحدة، فكرة قديمة تعود إلى العهد الإغريقي القديم، حيث ظهرت عدة دول تجسدت فيها هذه الفكرة بوضوح، منها ائتلاف الولايات الإغريقية بإشراف «مجلس الأمفكتيونيين»، والعصبة الآخية التي كانت مجموعة من المدن الإغريقية المؤتلفة (28). ومن حيث التطبيق العملي لفكرة الفيدرالية فقد عرفها التاريخ الإسلامي أيضاً، إذ لم يكن نظام الحكم الإسلامي بعيداً عنها (29).
غير أن النظام الفيدرالي بشكله القانوني الحالي مفهوم حديث، لا يتعدى تاريخه التطبيقي نظام الحكم الفيدرالي للولايات المتحدة الأمريكية، الذي ظهر إلى الوجود عقب مؤتمر فيلادلفيا عام 1787م (30).
تعريف الدولة الفيدرالية (31)
الدولة الفيدرالية دولة مركبة بالمعنى الدقيق لهذا الاصطلاح، تتكون من عدة وحدات إقليمية شبيهة بالدول، تتميز كل منها باستئثارها بجانب من اختصاصات السيادة الداخلية لا يشاركها فيه سواها، مع تمتع الدولة المركبة وحدها بالشخصية الدولية، وانفرادها، كأصل عام، بممارسة اختصاصات السيادة الخارجية، فضلاً عن اختصاصات السيادة الداخلية غير الواقعة في نطاق الاختصاص الذاتي لأي من الدويلات المكونة للاتحاد (32).
وهي بهذا الوصف «دولة واحدة تتضمن كيانات دستورية متعددة، لكل منها نظامه القانوني الخاص واستقلاله الذاتي، وتخضع في مجموعها للدستور الفيدرالي باعتباره المنشئ لها والمنظم لبنائها القانوني والسياسي»، ومؤدى ذلك أنها نظام دستوري وسياسي مركب (33).
أما أنها نظام دستوري فلأن مصدر هذا النظام هو الدستور، أياً كانت الوسيلة التي اتُّبعت في إنشائها، إذ إنها لم تنشأ عن طريق وثيقة دولية (معاهدة أو تحالف دولي) كما هو الحال في الاتحادات الدولية، فهي إذن نتاج عمل قانوني داخلي هو الأساس القانوني لهذا النظام، وهو القانون الأعلى للدولة (La loi suprême du pays) الذي تتقيد به جميع التشريعات الأخرى، سواء المركزية منها أو الإقليمية (34).
وهذا ما نصت عليه الدساتير الفيدرالية، ومنها دستور الاتحاد السوفييتي سنة 1977، الذي نص على أن له قوة القانون الأعلى، وأن جميع القوانين الأخرى يجب أن تصدر على أساسه ووفقاً له (35).
وكذلك الحال بالنسبة إلى الدستور الفيدرالي للولايات المتحدة الأمريكية سنة 1787م، الذي تُعد بموجبه تشريعات هيئات الدولة المركزية والإقليمية باطلة إذا تعارضت مع أحكامه (36). ويرجع هذا الأمر إلى اتسام الدستور الفيدرالي بالسمو والعلو من الناحيتين الموضوعية والشكلية.
فالدستور الفيدرالي يستمد سموه الموضوعي من كونه تعبيراً عن إرادة مواطني الدولة الفيدرالية، ومن تضمنه القواعد العامة التي تحدد المبادئ الأساسية للتشريع وما يتعلق بالبناء السياسي للدولة، ونصوصاً لتوزيع الاختصاصات بين الهيئات الفيدرالية والهيئات الإقليمية للولايات (37).
أما سموه الشكلي فيستند إلى طبيعة الإجراءات اللازمة لتعديله، لأن تعديله يستوجب اتخاذ إجراءات معقدة، ويتضح ذلك في أغلب الدساتير الفيدرالية؛ إذ يقتضي دستور الولايات المتحدة الأمريكية موافقة ثلثي أعضاء الكونغرس على التعديل إذا كان الكونغرس هو الذي اقترحه، أما إذا كانت الهيئات التشريعية للولايات الأعضاء هي التي اقترحت التعديل فيجب أن توافق عليه ثلاثة أرباع الولايات (38).
وأما أن الدولة الفيدرالية نظام سياسي مركب فيتضح من ظاهرة تعدد السلطة السياسية والمؤسسات الدستورية فيها، حيث تتوزع السلطات في الدولة بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات. فالحكومة الفيدرالية هي التي تتولى الشؤون العامة للدولة، ولها سلطة مباشرة اختصاصاتها في إقليم الدولة بأسره دون أن تعتمد في ذلك على موافقة حكومات الولايات (39). ومن جانب آخر تتمتع كل ولاية من هذه الولايات باستقلال ذاتي إقليمي، ومن مظاهر هذا الاستقلال وجود السلطة التأسيسية التي تقرر دستور الولاية دون تدخل من الحكومة الفيدرالية، ووجود حكومة ذاتية مستقلة تباشر سلطاتها على مواطني الولاية عن طريق هيئاتها الدستورية (التشريعية والتنفيذية والقضائية) (40). وبتعبير آخر فإن كل ولاية تتمتع باستقلال دستوري وتنظيم ذاتي (Auto-organisation) (41).
نشأة الدولة الفيدرالية (42)
يثير موضوع الدولة الفيدرالية، باعتبارها دولة اتحادية، مسألة كيفية نشأتها. ويتبين من الدراسة المقارنة أن الدولة الفيدرالية يمكن أن تنشأ بإحدى طريقتين:
الأولى: تفكك دولة بسيطة موحدة إلى عدة وحدات ذات كيانات دستورية مستقلة، ثم توحيد هذه الولايات ثانية، بناءً على الدستور الفيدرالي، على أساس آخر هو الدولة الفيدرالية. ويُعد كل من الاتحاد السوفييتي سنة 1922، والبرازيل سنة 1891، والأرجنتين سنة 1860، والمكسيك وفق دستور سنة 1857 المعدل سنة 1917، وتشيكوسلوفاكيا سنة 1969، من الدول الفيدرالية التي نشأت بهذه الطريقة. ويشير قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، الصادر في 8 آذار/مارس 2004، إلى أن العراق سيُفكك ويعاد تشكيله وحداتٍ تكوّن الدولة الفيدرالية.
الثانية: انضمام عدة ولايات أو دول مستقلة، يتنازل كل منها عن بعض سلطاته الداخلية وعن سيادته الخارجية، ثم تتوحد لتكوّن الدولة الفيدرالية على أساس الدستور الفيدرالي، ومن أمثلتها الولايات المتحدة الأمريكية عام 1787م، وجمهورية ألمانيا الاتحادية عام 1949م، والاتحاد السويسري عام 1874م، واتحاد الإمارات العربية عام 1971م.
وإذا نظرنا إلى فكرة الفيدرالية في ذاتها وجدناها تقوم على عنصرين متناقضين هما «الاستقلال الذاتي» و«الاتحاد»، وأن الترابط بين هذين العنصرين، بعلاقتهما المتبادلة والمتعارضة، يشكّل وحدة التفاهم الحقيقي للدولة الفيدرالية، التي هي نتاج التوفيق بين رغبتين متعارضتين: تكوين دولة واحدة من ناحية، والمحافظة على أكبر قدر من الاستقلال الذاتي للولايات الأعضاء من ناحية أخرى. غير أن المضمون السياسي لفكرة الفيدرالية هو الذي يؤدي دوراً أساسياً في إنشاء الدولة الفيدرالية ووجودها، بحيث تكون القواعد التشريعية المنظمة لها إطاراً قانونياً لهذا المضمون السياسي، الذي يعطي فكرة الفيدرالية أهميتها ومدلولها العملي ويُعد أساس وجودها الفعلي (43).
ويتبين من هذا أن الدولة الفيدرالية محصلة الجمع بين المحتوى السياسي لفكرة الفيدرالية والإطار القانوني لهذه الفكرة، ويبرز هذا المضمون السياسي بوضوح في عنصري الدولة الفيدرالية: «الاتحاد» و«الاستقلال الذاتي».
أولاً: عنصر الاتحاد: يبرز الطابع السياسي لعنصر الاتحاد في حالة نشأة الدولة الفيدرالية عن طريق «الانضمام»؛ فهناك عدد من الولايات والدول التي لا تتمتع بمفردها بقوة ذاتية كافية لحماية نفسها من المخاطر الخارجية، وتكون غير قادرة على تحقيق مصالحها الاقتصادية والاجتماعية، فتنضم هذه الوحدات بعضها إلى بعض، ويكون اتحادها ضرورة ملحة لا بد منها لاستقرارها سياسياً واقتصادياً. ومن الأمثلة على ذلك أن سويسرا كانت تتكون في بداية نشأتها من اتحادات ثلاثة هي: مقاطعات شوابيا (Swabia) والألب وشمال إيطاليا، وكانت تلك الاتحادات قد نشأت للدفاع عن استقلالها ضد أسرة هابسبورغ في إسبانيا (Spanish Habsburg)، ومنها أيضاً اتحاد أوترخت (Utrecht) سنة 1579م.
ويمكن القول إن أساس تكوّن الدولة الفيدرالية يرجع إلى ضرورة وجود مصالح مشتركة بين الولايات المكونة لها، وهذه المصالح قد تكون اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية؛ فالمصلحة الاقتصادية التي أدت إلى قيام اتحاد الزولفراين (Zollverein) كانت البداية لتوحيد ألمانيا في عهد بسمارك، والمصلحة السياسية والاجتماعية واضحة في قيام الولايات المتحدة الأمريكية (44) واتحاد الإمارات العربية.
ثانياً: عنصر الاستقلال: ويتجسد المضمون السياسي لهذا العنصر بوضوح في حالة تكوّن الدولة الفيدرالية عن طريق تفكك دولة موحدة بسيطة، ولا سيما في الدول التي تتميز بواقع التعدد، إذا وصلت قومياتها المتباينة إلى مرحلة من الوعي السياسي والنضج الاجتماعي تقتنع فيها بأن الأخذ بالنظام الفيدرالي هو الأساس السليم لحل المسألة القومية، لأنه يتيح الفرصة للتعبير عن مشاعر مواطني الأقاليم المتميزة.
هذا وإن كان العنصران، «الميول الاتحادية» و«نزعة الاستقلال»، متلازمين ولا بد من توافرهما لقيام الدولة الفيدرالية وبقائها، فإن العنصر الأول أكثر قوة وتفوقاً على العنصر الثاني لما يتميز به من قوة دافعة إلى بناء الدولة الفيدرالية، ومن ثم يكون أكثر ضماناً لبقائها (45).
2. الحكم الذاتي في ظل قواعد القانون الدولي العام
تناولنا فيما سبق كيف بدأ مفهوم الحكم الذاتي في الظهور عندما هجرت الدول الاستعمارية سياسة المركزية في إدارة شؤون مستعمراتها، ولجأت إلى تطبيق الحكم الذاتي بهدف تحويل الرابطة الاستعمارية بينها وبين مستعمراتها إلى علاقة اشتراك (46)، أو بمعنى آخر إبقاء المستعمرات في حالة التبعية ولكن في إطار جديد هو الحكم الذاتي.
ومن هنا كانت الرابطة بين الدول المستعمِرة والأقاليم التابعة لها علاقة داخلية بحتة، ولهذا كان من الصعب تحديد العلاقة بين الطرفين على أساس مبادئ القانون الدولي العام. ولكن نظراً للتغيرات التي طرأت على الظروف الدولية بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918م)، وظهور عصبة الأمم وتبنيها نظام حماية الأقليات ونظام الانتداب، بدأ تطور أساسي في مفهوم الحكم الذاتي؛ فقد تمكنت الدول الاستعمارية من إيجاد صيغة قانونية لاستمرار سيطرتها الاستعمارية، وذلك عن طريق تطبيقها نظام الحكم الذاتي في مستعمراتها. وبهذا التطور خرج مفهوم الحكم الذاتي من نطاقه الضيق علاقةً داخلية إلى نظام دولي، واتخذ وضعاً قانونياً دولياً، ونُص عليه بعد ذلك في ميثاق الأمم المتحدة.
ولما كان تناولنا للحكم الذاتي ينصبّ على جانبه القانوني، للوقوف على مدى ملاءمته لحل المشكلة الكوردية في نطاق الأقاليم التي تتنازع كوردستان، فإننا نرى استعراض مفهوم الحكم الذاتي في الوثائق الدولية، مع التطرق إلى نطاقه ومسألة السيادة في أقاليم الحكم الذاتي، على النحو الآتي:
أ- نطاق الحكم الذاتي في القانون الدولي العام.
ب- السيادة في إقليم الحكم الذاتي.
ج- تقدير الحكم الذاتي في القانون الدولي العام.
د- الحكم الذاتي للأكراد في عهد عصبة الأمم.
هـ- الحكم الذاتي للأكراد في ميثاق الأمم المتحدة.
أ- نطاق الحكم الذاتي في القانون الدولي العام
لما كان ميثاق الأمم المتحدة قد نص في المادة 73 على أن «يقر أعضاء الأمم المتحدة … بإدارة أقاليم لم تنل شعوبها قسطاً كاملاً من الحكم الذاتي»، فإن هذا القول يدل على أن الوحدة المخاطَبة بهذا النص وغيره هي الشعب والإقليم معاً.
غير أن هناك من يرى تقييد الحكم الذاتي بحيث ينطبق على السكان دون الأرض، فقد يُسمح لسكان منطقة معينة، داخل إقليم الدولة أو المناطق التابعة لها، بجزء من الاختصاصات في الوظيفتين التشريعية والإدارية، دون أن يرتبط هذا الإجراء بمنطقة جغرافية متميزة (47).
ويمثل الكيان الصهيوني هذا الاتجاه بكامل أبعاده؛ إذ قدمت حكومته مفهوماً سياسياً وقانونياً قائماً على نفي الشعب الفلسطيني وإنكار الشخصية الفلسطينية لأرض فلسطين. فهي تنكر أن يتصل بالأرضِ الحكمُ الذاتي الذي تضمنته اتفاقيات كامب ديفيد 1978 للضفة الغربية وقطاع غزة (ومساحتهما أقل من خُمس أرض فلسطين)؛ فالأرض في زعمها هي «يهودا والسامرة»، وهي «أرض محررة» وجزء من «أرض إسرائيل الكاملة»، وإنما يتقرر الحكم الذاتي للسكان، «عرب أرض إسرائيل»، فقط. ومن ثم تفسر نصوص اتفاقيات كامب ديفيد 1978، ومنها نص «من أجل توفير حكم ذاتي كامل» (In order to provide full autonomy)، بأن الحكم الذاتي المقصود إنما هو للسكان في المناطق وحدهم، وليس حكماً ذاتياً كاملاً للسكان والمناطق معاً، فالسيادة على هذه المناطق تستمر لها (48). هذا على الرغم من أن المطلب العادل للشعب الفلسطيني هو الاستقلال وحق تقرير مصيره على أرضه، وليس الحكم الذاتي ضمن دولة أخرى كما ترمي إلى ذلك اتفاقيات كامب ديفيد وغيرها.
وهو اتجاه يستعصي على الملاءمة لأنه يفرغ الحكم الذاتي من محتواه الحقيقي، فضلاً عن أنه يتعارض مع نصوص ميثاق الأمم المتحدة والتطبيقات الدولية لمفهوم الحكم الذاتي.
أما بالنسبة إلى نصوص الميثاق، فقد جاء في مقدمة المادة 73: «يقر أعضاء الأمم المتحدة، الذين يضطلعون في الحال أو في الاستقبال بتبعات عن إدارة أقاليم لم تنل شعوبها قسطاً كاملاً من الحكم الذاتي، بالمبدأ القاضي بأن مصالح أهل هذه الأقاليم لها المقام الأول …». كما تنص المادة 76 على «… العمل على ترقية أهالي الأقاليم المشمولة بالوصاية …». ويتبين من هذه النصوص أن نطاق تطبيق الحكم الذاتي يمتد ليشمل الأرض والسكان معاً دون انفصام بينهما، ويسري ذلك على كل الأقاليم التي مُنحت الحكم الذاتي عن طريق «التصريح الخاص بالأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي» أو «بناءً على نظام الوصاية الدولي». كما أن جميع التطبيقات الدولية تؤكد عدم الفصل بين الأرض والسكان، سواء في عهد العصبة أو في عهد الأمم المتحدة؛ فمن بين الأقاليم التي كانت تتمتع بالحكم الذاتي في عهد العصبة العراق وسوريا ولبنان وغيرها، أما الأقاليم التي طُبق عليها نظام الحكم الذاتي وفقاً لميثاق الأمم المتحدة فمنها السنغال ومالي وساحل العاج والغابون ومدغشقر. وفي الحالتين نجد تفاعلاً بين السكان والإقليم الذي تمارَس عليه الإدارة.
فضلاً عن أن ممارسة الحكم الذاتي ترتبط بحيز إقليمي معين؛ فإذا كان من المسلَّم به أن لكل «سلطة» مدى إقليمياً محدداً تمارس ضمنه اختصاصاتها، فإن المطالبة بالحكم الذاتي، التي تستهدف الاعتراف بسلطة شعب ما على إقليم معين، لا بد أن تستند هي الأخرى إلى إقليم معين محدد. ومما يؤكد ما نذهب إليه أن الحكم الذاتي، وإن كان لا يعبر عن حق تقرير المصير، فهو تمهيد له، لأن الحكم الذاتي ما هو إلا مرحلة مؤقتة وممهدة للحصول على حق تقرير المصير، الذي يؤدي غالباً إلى الاستقلال.
ولما كان مبدأ تقرير المصير تعبيراً عن إرادة الشعب، فمن الطبيعي أن يمارس السكان هذه الإرادة على حيز معين من الأرض التي يسكنونها، أي لا بد أن تتم ممارسة الشعب لإرادته في إطار إقليم معين (49).
من يحق له المطالبة بالحكم الذاتي: الحكم الذاتي «حق» و«واجب»
ينطوي الحكم الذاتي في حقيقته على مفهومين: أولهما أنه حق للشعوب المستضعفة الخاضعة للدول التي تتولى إدارتها عن طريق الحماية أو التبعية أو الاستعمار، وثانيهما أنه واجب، بمعنى أنه يتعين على هذه الدول القائمة بالإدارة أن تعمل على تحقيق الحكم الذاتي لهذه الشعوب؛ ذلك أن الحكم الذاتي يُعد من مبادئ منظمة الأمم المتحدة، فقد نُص عليه صراحة في مواضع عديدة من الميثاق باعتباره من الحقوق المشروعة لشعوب الأقاليم التابعة للدول التي تتولى إدارتها. ويبقى التساؤل هنا عن حدود هذا الواجب أو «الالتزام»: هل يجب على هذه الدول أن تؤديه من تلقاء نفسها وإن لم تطالب به الشعوب صاحبة الحق الأصيل فيه؟
وللإجابة عن ذلك نقول: إنه على الرغم من كون «الشعب والإقليم» معاً هما المستهدفين بالنص لتطبيق الحكم الذاتي، فإنه لا يُمنح عملياً إلا للشعوب التي تطالب به. وقد أثبتت التجارب العملية أن هذه المطالبة لا بد أن تستند إلى وضع تمهيدي ينشأ عندما تصل رغبة الشعوب في الحكم الذاتي إلى درجة متقدمة من الوعي الوطني والنضج السياسي. أما دور الدول القائمة على إدارة تلك الأقاليم فهو تقييم مدى تطورها وتقدمها الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، ومن ثم تقدير إمكاناتها لبلوغ الحكم الذاتي.
وعند النظر إلى نصوص المواد 73 و77 و87 من الميثاق نجد أنها لم تُلزم الدول القائمة على إدارة تلك الأقاليم بتقييم الظروف السياسية لشعوبها (50)، مع أن هذا التقييم هو بغير شك العامل الأساسي لنيل الحكم الذاتي؛ ولهذا كانت تلك الدول تتذرع بعدم نضج هذه الشعوب سياسياً وتحرمها من حقها في الحكم الذاتي (51). وهو الأمر الذي تنبهت إليه منظمة الأمم المتحدة، فعالجته الجمعية العامة بقرارها الصادر عام 1948، الذي جاء فيه: «تُحاط الأمم المتحدة علماً بكل تغيير في المركز الدستوري لأي إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي».
مع الأخذ في الاعتبار أن هناك فرقاً بين نظام الوصاية الدولية (المادتان 74 و75) و«التصريح الخاص بالأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي» (المادة 73)؛ فهذا الأخير يُعد مبدأً عاماً يشمل نطاق تطبيقه جميع شعوب الأقاليم التي لم تنل استقلالها والتابعة لإحدى الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة. وبمعنى آخر يمكن تطبيق نص المادة 73 من الميثاق على أي جماعة قومية تشكل وجوداً خاصاً مميزاً على إقليم معين، وترتبط بعلاقة تبعية مع إحدى الدول الأعضاء في المنظمة، دون اتباع أي من الإجراءات التي نصت عليها المادة 76.
أما نظام الوصاية فيقتصر نطاق تطبيقه على الأقاليم التي تُبرم بشأنها اتفاقيات خاصة تخضع بمقتضاها لنظام الوصاية الدولي بإشراف الأمم المتحدة (52).
ولكننا لو نظرنا، في تطبيق نظام الحكم الذاتي، إلى الواقع السياسي لمنظمة الأمم المتحدة، لوجدناها قد أخفقت في كل من فلسطين وإريتريا، مع وجود عدد من الأقاليم التي لا تتمتع بالحكم الذاتي يصل إلى عشرين إقليماً كما حددتها الجمعية العامة في 1/10/1980، فضلاً عن إقليم الوصاية المتبقي، وهو إقليم جزر المحيط الهادئ المشمول بإدارة الولايات المتحدة (53).
أجزاء «الحكم الذاتي للأكراد في إطار فيدرالية إقليمية» (6 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس