الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الحكم الذاتي للأكراد في إطار فيدرالية إقليمية (الجزء الثالث)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
ب- السيادة في إقليم الحكم الذاتي
يتعين عند دراسة الحكم الذاتي في القانون الدولي العام أن نتطرق إلى مسألة السيادة (54) في أقاليم الحكم الذاتي، باعتبارها من الموضوعات المهمة التي تثيرها هذه الدراسة. وسنحاول هنا توضيح معناها، ثم بيان من له حق السيادة في إقليم الحكم الذاتي: أهم سكان الإقليم أم الدولة القائمة على إدارته؟
السيادة (Sovereignty) مشتقة من كلمة (Superanus) التي تعني السمو أو الرئاسة أو السلطة العليا. ومع أن كلمة «سيادة» حديثة الاستعمال، فإن جذورها ترجع إلى عصر أرسطو الذي أشار إليها بعبارة (Supreme Power)، أي السلطة السامية للدولة.
وقد كانت الفكرة معروفة أيضاً لدى فقهاء الرومان والمدنيين خلال العصور الوسطى، فقد ذكر جينكس (Jenks) أن رؤساء كليات كامبريدج كانوا يُسمَّون «السامين» (Sovereigns) في التقارير القانونية، وذلك في القرن الخامس عشر.
أما الفقهاء الفرنسيون فقد استعملوا لأول مرة كلمتي «سائد» (Souverain) و«سيادة» (Souveraineté) في القرن الخامس عشر، ولهذا قال بومانوار (Beaumanoir): إن الملك هو سيد الجميع، ونحن نسميه صاحب السمو عندما نتحدث عن السيادة التي يوصف بها:
“The King is sovereign above all, and we name him when we speak of the sovereignty which belongs to him.”
أما الفقيه دوغي (Duguit) فيقول: إذا لم تكن كلمة السيادة معروفة عند الرومان، فقد كانت لديهم، قبل غيرهم، الفكرة التي تعبر عنها هذه الكلمة، وهي فكرة «السلطة العليا»، وإن كلمة (Imperium)، التي كانت تُستخدم لتعيين سلطة بعض الحكام أثناء الجمهورية الرومانية ثم سلطة الإمبراطور، تعبر عن جميع عناصر السيادة بالمفهوم الذي انتهى إليه القرن السابع عشر. وجدير بالذكر أن المفكر الفرنسي جان بودان (Jean Bodin) (1530-1596)، الذي أخرج سنة 1576 مؤلَّفاً عنوانه «الكتب الستة للجمهورية» (Les Six Livres de la République)، هو أول من طرح فكرة السيادة نظريةً مستقلة.
ويورد الفقهاء والكتاب عدة تعاريف للسيادة (Sovereignty)، نذكر منها تعريف غروسيوس (Grotius) الذي يعرّف السيادة بأنها «السلطة السياسية العليا التي لا تخضع لأية سلطة أخرى غيرها ولا يجوز مناقشتها». أما الفقيه دوغي (Duguit) فعرّفها بأنها «السلطة الآمرة في الدولة، فهي إرادة الأمة التي تنظمها الدولة». ويرى الفقيه راسل (Russel) أن السيادة هي «أكبر قوة داخل الدولة، حيث لا يحدها قانون ولا شيء آخر، لأنها لو خضعت لغيرها لما أصبحت هي الأقوى والأسمى». أما الفقيه السوفييتي دينيسوف (Denisov) فيؤكد أن «السيادة تعني استقلال سلطة الدولة عن أي دولة أخرى». وعرّفها يلينك (Jellinek) بأنها من الخصائص المميزة للدولة، بسبب أنها لا تلتزم قانوناً إلا بإرادتها، ولا يُحَدّ من سلطتها إلا بمعرفتها (55). وفي تحديد معناها يمكن القول:
إن «السلطة»، وهي أحد عناصر الدولة، تتصف بطابع خاص وصفات ذاتية تجعل من الدولة وحدة متميزة عن غيرها من الوحدات الإقليمية الإدارية والتنظيمات الاجتماعية الأخرى، وهذه الصفات هي التي أُطلق عليها «السيادة» (56). فالسيادة صفة تعود إلى السلطة السياسية في الدولة، أو صفة للدولة ذاتها، ولكنها لا تماثل السلطة السياسية ذاتها (57)، فيمكن تصوّر سلطة سياسية دون سيادة (58). ووجود صفة السيادة في السلطة السياسية يجعل منها:
أولاً: سلطة أصيلة مطلقة غير مشروطة، بمعنى أنها غير مستمدة من سلطة أخرى في الدولة؛ فالدولة لها الحق في أن تأمر الجميع ولا تتلقى الأوامر من أحد (59).
ثانياً: سلطة آمرة، وإرادة مستقلة عن كل إرادة أخرى، لها حق الأمر والنهي، وأن تنظم نفسها بنفسها، ولا تتقيد إلا برضاها (60).
ثالثاً: تجعل السيادة من سلطة الدولة وحدة غير قابلة للتجزئة والتقسيم (61)، كما لا يمكن التصرف فيها بالنقل أو التحويل؛ إذ يقول الكاتب الأمريكي ليبر (Liber): «إن السيادة لا يمكن التصرف فيها، كما لا يمكن للشجرة أن تنقل حياتها دون أن تهلك» (62).
على أن فكرة السيادة، وفقاً لمفهومها التقليدي، تتناقض مع كثير من الوقائع السياسية المعاصرة، وذلك من ناحيتين:
الأولى: أن السيادة في معناها التقليدي تعني التفوق والعلو، واستبعاد أي احتمال للخضوع لسلطة أخرى، ولو كانت سلطة العدل أو القانون، سواء في المجال الدولي أو الداخلي. ولكن فكرة السيادة على هذا الإطلاق تتعارض مع مبدأ مسؤولية الدولة ومبدأ حقوق الأفراد وحرياتهم؛ لذلك يشير الأستاذ رايت إلى أن «القانون الدولي الذي يحمي سيادة الدول لتعذب وتضطهد وتقتل وتميز بين المواطنين يصبح قانوناً تسلطياً وليس بالقانون الديمقراطي، وما لم يهتم القانون الدولي بالشعوب فلن يحظى بتأييد الرأي العام المستنير، وبدون هذا الرأي العام لن تُكتب له الحياة» (63). هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنها لا تتفق مع فكرة أي تنظيم قانوني للجماعة الدولية، الذي يقوم أساساً على مبدأ المساواة والمشاركة (64)، الأمر الذي أدى إلى فرض قيود عديدة عليها؛ ففي نطاق القانون الداخلي لدينا مبدأ سيادة القانون الطبيعي، ومبدأ الفصل بين السلطات، ومبدأ سيادة القانون (65).
وفي نطاق القانون الدولي العام أخذت مبادئ الاستقلال والمساواة والإجماع تفرض نفسها في ميدان العلاقات الدولية، بالإضافة إلى ما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة من التزامات على الدول الأعضاء؛ فقد منح الميثاق مجلس الأمن سلطات تنفيذية، وألزم الدول الأعضاء بقبول قراراته وتنفيذها (66).
الثانية: أن فكرة «وحدة السيادة» التي لا تقبل التجزئة قد أصابها بدورها وهن شديد، نتيجة تراجعها أمام أبرز المظاهر السياسية الحديثة، وذلك لتناقضها مع فكرة الدولة الفيدرالية ومفهوم الحكم الذاتي. وتبعاً لذلك فقدت السيادة معناها المطلق وبعضاً من أسسها التقليدية، مما حدا بالفقيه دوغي إلى القول إن «السيادة غير موجودة، وإن الموجود هو الاعتقاد بالسيادة» (67).
وهو ما لا نسلّم به على إطلاقه، لأن السيادة من الأسس التي تقوم عليها فكرة التنظيم الدولي، وهي في الوقت نفسه من مبادئ الأمم المتحدة ومقاصدها، وقد وردت في نصوص المواد (21، 55، 76) من الميثاق. فضلاً عن ضرورتها لبناء الدولة القانونية باعتبارها المعيار المميز للتفرقة بين سلطة الدولة والوحدات الإقليمية والتنظيمات الاجتماعية الأخرى فيها، وهذا ما يؤكده الفقيهان هايزر وستيفنسون: «إن السيادة في النظرية الحديثة تعني أن تكون للدولة السلطة العليا، وهذه سمة مميزة للدولة أكثر من مجرد تملكها الأرض أو حكمها لشعب، لأن هذا يميزها عن الهيئات والمنظمات الأخرى» (68).
من له السيادة في إقليم الحكم الذاتي
تؤكد السياسة الاستعمارية أن السيادة في الإقليم المستعمَر، قبل تطبيق نظام الحكم الذاتي الدولي، تكون للدولة المستعمِرة تباشرها بنفسها، على أساس أن الإقليم جزء من أرضها.
أما في ظل نظام الحكم الذاتي فيتمتع الإقليم بكيان قانوني وسياسي خاص به، ولا يُعد جزءاً متمماً ولا مكملاً للدولة المستعمِرة، ولا يُعد مواطنوه من رعاياها ولا يتجنسون بجنسيتها.
وهذا ما يؤكده الأستاذ الدكتور علي صادق أبو هيف إذ يقول إن «مجرد تمتع هذه البلاد بقسط من الحكم الذاتي لم يكن ليكسبها الشخصية الدولية ما دامت لا تتمتع بكيان قانوني مستقل، ومن ثم بالسيادة. على أنه منذ الحرب العالمية الأولى بدأت الأقاليم المحررة تمارس بعض مظاهر السيادة، فمُثلت تمثيلاً مستقلاً عن بريطانيا في مؤتمر الصلح سنة 1919، ودخلت أعضاء في عصبة الأمم، وقام بعضها منفرداً بإبرام معاهدات تتعلق بمصالح خاصة به، كمعاهدة مصايد الأسماك بين كندا والولايات المتحدة الأمريكية سنة 1923، وأرسلت أيرلندا سنة 1924 وكندا سنة 1926 وزراء مفوضين عنها في واشنطن، وبذلك أصبحت تلك الأقاليم تشغل مركزاً فعلياً في الجماعة الدولية، وأصبح لا مفر من الاعتراف لها بشخصية دولية مستقلة عن شخصية بريطانيا» (69).
لا سيما أن الإقليم في مجال القانون الداخلي يتصف بصفة الدولة، استناداً إلى ما له من المقومات الأساسية، وهي «الشعب والإقليم والسلطة السياسية»، على أساس ما جاء في المادة 11 من صك الانتداب على العراق سنة 1920، التي تنص على أن «للحكومة العراقية الحق، بعد استشارة المنتدب، أن تفرض الضرائب والرسوم الجمركية، وأن تتخذ أحسن الوسائل لاستثمار موارد البلاد الطبيعية وتأمين منافع الأهالي».
والسؤال الذي قد يُثار هو: إذا كان شعب الإقليم هو صاحب السلطة السياسية، فمن يتمتع بالسيادة ويمارسها على الإقليم: أهم سكان الإقليم أم الدولة المستعمِرة؟
وللإجابة عن هذا السؤال نقول:
تعترف بعض اتفاقيات إنهاء نظام الوصاية الدولية بحق السيادة لشعوب هذه الأقاليم، ومنها على سبيل المثال ميثاق لاهاي عام 1949 في شأن المسألة الإندونيسية، فقد جاء في مادته الأولى: «أن تقوم المملكة الهولندية بنقل سيادتها على إندونيسيا إلى جمهورية إندونيسيا بلا قيد ولا شرط».
وبمقتضى بروتوكول 1956 اعترفت فرنسا بأن ما وصلت إليه تونس من تقدم يسمح لها بالحصول على السيادة الكاملة بوصفها دولة مستقلة (70). ولكن الواقع السياسي يعكس غير ما ورد في هذه الاتفاقيات؛ ففي الحقيقة أن الدولة القائمة على إدارة إقليم الحكم الذاتي تستأثر بالحكم والإدارة، وتعمل على تركيز السلطة في يدها، وتنفرد بالسيادة الخارجية بأكملها (71) وبالسيادة الداخلية في معظمها. والدليل على ذلك تجربة تونس في الحكم الذاتي؛ فعلى الرغم من وجود حكومة ذاتية تونسية ظل المندوب الفرنسي مسؤولاً عن الأمن حتى حزيران/يونيو 1957. وكذلك الحال في العراق والسودان وغيرهما من الأقاليم، إذ جاء في نص المادة (4) من صك الانتداب على العراق 1920: «يفوَّض المنتدب بإدارة العلاقات الخارجية، وبالحق في إصدار التفويض للقناصل الذين تعينهم الدول الأجنبية فيه، وكذلك يكون له الحق في فرض الحماية السياسية والقنصلية على رعايا العراق في البلدان الأجنبية». كما نصت المادة (12) من قانون الحكم الذاتي للسودان سنة 1953 على أن «يكون للحاكم العام السلطة الدستورية العليا في السودان».
وقد يُثار تساؤل آخر حول كيفية التوفيق بين الاعتراف الصريح بحق السيادة لشعوب هذه الأقاليم، وبين مباشرة الدولة التي كانت قائمة على إدارتها السيادةَ والتحكمَ فيها. وللإجابة عن هذا التساؤل يمكن افتراض ثلاثة مواقف على الوجه الآتي:
أولاً: التفرقة بين السيادة ذاتها والسلطة السياسية في الدولة
فقد تبين أن السيادة ليست هي السلطة السياسية ذاتها، بل هي الصفة أو الخاصية التي تتصف بها، فلا غرابة إذن أن نجد دولة بكامل عناصرها دون أن تتمتع بالسيادة. وبمقتضى هذا التفسير يمكن القول إن إقليم الحكم الذاتي دولة، إلا أنها لا تملك السيادة.
ولا نجد لهذا التفسير قبولاً، لأنه يخالف التنظيم الدولي للحكم الذاتي، ولأننا نجد في تنظيمات الحكم الذاتي أن السلطة السياسية في الإقليم تتمتع ببعض مظاهر السيادة، ولا سيما في المجال الداخلي، فلها أن تعطي الأوامر المطلقة بإرادتها، وأن تحدد الميدان الذي تمارس فيه سلطاتها. ولذا يمكن القول إن عدّ الإقليم غير مالك للسيادة بشكل مطلق يتعارض مع الواقع العملي لمفهوم الحكم الذاتي. ومن التطبيقات التي تؤكد وجهة نظرنا المادة (19) من قانون الحكم الذاتي للسودان سنة 1953، فقد نصت على أن «رئيس الوزراء والوزراء الآخرين يكوّنون معاً مجلس الوزراء، ويكون هذا المجلس مسؤولاً أمام البرلمان عن أعمال الحكومة التنفيذية والإدارية»، والمادة (9) التي تنص على أن الهيئة القضائية مستقلة، وليس لأي سلطة حكومية، تنفيذية كانت أو تشريعية، حق التدخل في أعمالها أو الرقابة عليها.
ثانياً: التمييز بين حق السيادة وممارستها
السيادة تكون في الأصل لشعب الإقليم، «صاحب الحق الأصيل فيها»، ولكنه لا يباشرها بنفسه، لكونها موقوفة أو تحتفظ بها الدولة التي تدير الإقليم لفترة مؤقتة، حتى البت في تقرير مصير الإقليم (72).
غير أن هذا التفسير لا يتفق مطلقاً مع المبادئ التي وردت في عهد عصبة الأمم، ويتجافى مع ما جاءت به نصوص ميثاق الأمم المتحدة.
ففي عهد عصبة الأمم يتعارض هذا التفسير مع الحقائق الآتية:
أكدت لجنة الانتدابات، في قرارها بشأن الحقوق التي تملكها الدولة المنتدبة على الأموال العامة في الإقليم الخاضع للانتداب، أن الدولة المنتدبة لا تملك، بمقتضى المادتين (120) و(237 فقرة 2) من معاهدة فرساي، أي جزء من الإقليم الخاضع للانتداب، ولا أي حق آخر، إلا الحقوق المستمدة من المهمة الملقاة على عاتقها لإدارة الإقليم؛ ونتيجة لهذا فإن سلطات الدولة المنتدبة لا تحمل سمات سلطات السيادة ومزاياها (73).
يوضح مفهوم المادة (22) من العهد أن نظام الانتداب ما وُضع إلا لصالح الشعوب، من أجل تحقيق رفاهيتها ورقيها، أي أن نظام الانتداب قد استهدف في الأصل تمهيد الطريق أمام الشعب الخاضع له ليستطيع أن يمارس سيادته دون عائق؛ ولذلك قررت هذه المادة صراحة أن «الشعوب التي سُلخت عن الدولة العثمانية هي شعوب مستقلة». ولما كان الاستقلال مظهراً من مظاهر السيادة ونتيجة لها، فإن الاعتراف بالاستقلال يستتبع حتماً الاعتراف بالسيادة ابتداءً (74).
أما ميثاق الأمم المتحدة فيؤكد أيضاً إنماء الحكم الذاتي وتقدير الأماني السياسية للشعوب المستعمَرة، وهذا يعني أن وصول الإقليم إلى مرحلة الحكم الذاتي تعبير عن بلوغه درجة من الوعي والنضج السياسي تؤهله لحكم نفسه بنفسه، وأن يتمتع شعبه بكامل سيادته.
ثالثاً: رغبة الدولة الاستعمارية في استمرار بسط سيطرتها
إن تمسك الدولة التي تدير الإقليم بممارسة السيادة بعد منح الحكم الذاتي ليس ظاهرة قانونية، وإنما هو ممارسة واقعية وسياسية بحتة يصعب تكييفها قانونياً، ولا يمكن تبريرها إلا بأسباب سياسية. لذلك يرى الدكتور ساير أنه «اختلفت آراء فقهاء القانون الدولي بشأن السيادة في إقليم الحكم الذاتي، ولم تفصل فيها عصبة الأمم ولا الأمم المتحدة ولا الاتفاقات المبرمة بين الدول المعنية، وهناك عدة نظريات في هذا الشأن، منها:
- أن تكون السيادة لعصبة الأمم، وتستند هذه النظرية إلى مقدمة عهد عصبة الأمم.
- أن تكون للدول الحليفة الرئيسية بموجب المادة 119 من معاهدة فرساي سنة 1919.
- أن تكون السيادة لسلطات الانتداب، وهذه النظرية الأخيرة أكثر النظريات الثلاث إثارة للجدل، حتى تكاد الآراء تُجمع على نفيها» (75).
ونعتقد أن الدولة القائمة بإدارة أقاليم الحكم الذاتي تعتمد في ممارستها للسيادة أساساً على فكرة السياسة الاستعمارية، التي تُعد «مرحلة الحكم الذاتي» أحد اتجاهاتها الأساسية. ولذلك يمكن القول إن السيادة حق ثابت لشعب إقليم الحكم الذاتي بلا ريب، وما يمنعه من التمتع بهذا الحق كاملاً هو أن الدولة المستعمِرة قد سلبته إياه بناءً على اتفاقيات غير متكافئة، لأن «الراجح في فقه القانون الدولي أن كل إقليم تعيش فيه جماعة من البشر لا بد أن يخضع لسيادة ما، أياً كان الوضع الحضاري لتلك الجماعة، وما دامت السيادة على الإقليم مرتبطة بوجود جماعة على الإقليم، وليس بدرجة رقي هذه الجماعة، فبديهي أن السيادة إنما هي أصلاً للجماعة المذكورة» (76).
ج- تقدير نظام الحكم الذاتي في القانون الدولي العام
تناولنا فيما سبق أن الحكم الذاتي قد مر منذ نشأته بمراحل عديدة؛ إذ كان في بداية بروزه أداة سياسية لجأت إليها الدول الاستعمارية صيغةً قانونية لتحديد العلاقة بينها وبين الأقاليم التابعة لها، وذلك بعد فشل سياسة الإخضاع والمركزية المباشرة (77). ثم انتقل هذا المفهوم من نطاقه الضيق، باعتباره مسألة داخلية تُنظم بقانون صادر عن الهيئة التشريعية للدولة الاستعمارية، إلى نطاق القانون الدولي العام، حيث أصبح مسؤولية دولية من مسؤوليات المجتمع الدولي، ممثلاً في الدول الاستعمارية التي تدير هذه الأقاليم، وفي المنظمات الدولية (عصبة الأمم والأمم المتحدة) التي تتلقى التقارير السنوية عن أوضاع هذه الأقاليم وتراقب مدى تطورها وتقدمها نحو الاستقلال. وبهذا التطور خرج الحكم الذاتي، في ظل السيادة الدولية، من كونه علاقة داخلية ثنائية بين الدول المستعمِرة والأقاليم المستعمَرة إلى نطاق الشرعية الدولية (78)، وترتب على ذلك أن عُدّ كل انتهاك للمبادئ والقواعد التي تقررت بشأن هذا المفهوم انتهاكاً للميثاق نفسه، وكل مخالفة للالتزامات المحددة التي يفرضها الميثاق على الدول الاستعمارية القائمة بإدارة هذه الأقاليم مخالفةً لأحكامه تستتبع تطبيق ما يرتبه من جزاءات وفق قواعد القانون الدولي العام.
ولكن الواقع السياسي يؤكد أن مفهوم الحكم الذاتي، على الرغم من الأفكار الجديدة والتشريعات العديدة والتطبيقات المتباينة، لم يتخلص من آثار الأفكار التقليدية التي تنظر إليه على أنه وسيلة استعمارية لبسط سيطرة الدول الاستعمارية على مستعمراتها.
ومن هنا نرى توضيح المركز القانوني لنظام الحكم الذاتي في السياسة الدولية من خلال ما يلي:
أولاً- تؤكد الوقائع التاريخية والتطبيقات المعاصرة أن فكرة الحكم الذاتي والأهمية المتزايدة لها مسألة سياسية، وأن الحكم الذاتي في ظل السياسة الدولية لم يتقرر برغبة شعوب الأقاليم المستعمَرة، وأن السياسة الاستعمارية وأسلوب تبعية الأقاليم لمستعمريها لم يتغيرا عند تطبيق الحكم الذاتي؛ لأنه مهما كانت طبيعة الدستور الممنوح لهذه الأقاليم، وأياً كانت سلطات هيئاته الدستورية والسياسية، فإن الدول المستعمِرة تحتفظ لنفسها بالرقابة على العلاقات الخارجية والدولية، وتنفرد أيضاً بتحديد السياسة الداخلية لهذه الأقاليم. ويظهر هذا الأمر بوضوح في تجربة تطبيق نظام الحكم الذاتي الدولي في السودان، إذ «مُنح الحاكم العام (البريطاني) سلطات واسعة بموجب قانون الحكم الذاتي، فهو القائد الأعلى لقوة دفاع السودان، وهو السلطة الدستورية العليا في البلاد» (79).
وذلك للحفاظ على بقاء هذه المستعمرات تحت سيطرتها، لإدراكها أنه بمجرد سحب سلطتها على مجتمعات هذه الأقاليم يتوقف الاستعمار أو ينتهي (80).
ثانياً- إذا دققنا النظر في الشروط التي حُددت لمنح الحكم الذاتي للأقاليم التابعة للدول الاستعمارية، سواء في عهد عصبة الأمم (81) أو في ظل ميثاق الأمم المتحدة، وجدناها تتلخص في:
- أن تكون لسكان الإقليم حكومة وإدارة مستقرة.
- التأكد من كفاءتهم للدفاع عن أنفسهم، وقدرتهم على حماية وحدة بلدهم واستقلاله.
- أن تتوافر للإقليم مصادر مالية كافية.
وواضح أن هذه الشروط كافية لنيل الاستقلال الوطني وبناء دولة مستقلة ذات سيادة إذا ما أرادت الدول الاستعمارية رفع سيطرتها عن هذه الأقاليم، ولكن مرحلة الحكم الذاتي لم تصل بجميع هذه الأقاليم المستعمَرة إلى الاستقلال، لأن الدول الاستعمارية اتخذت مرحلة الحكم الذاتي وسيلة لحرمان كثير من الشعوب من استقلالها. والمثال على ذلك عدم نيل الشعب الفلسطيني استقلاله على الرغم من حصوله على الحكم الذاتي بمقتضى صك الانتداب الصادر عن عصبة الأمم سنة 1922. كما كانت مرحلة الحكم الذاتي السبب في تعقيد مشكلتي ناميبيا وإريتريا وتشابكهما. أضف إلى ذلك أن هناك عدداً من الأقاليم ما زالت تحت سيطرة الدول التي تقوم بإدارتها بحجة تطبيق الحكم الذاتي (82).
وتأسيساً على ما تقدم يمكن القول إن نظام الحكم الذاتي وُجد في ظل القانون الدولي حلاً وسطاً بين السياسة الاستعمارية التقليدية ووعود الدول الاستعمارية أثناء الحرب العالمية الأولى (1914-1918) وعقبها، تحت ضغط مبادئ مونرو وويلسن ومبدأ القومية في الاستقلال الوطني. وقد نشرت جريدة «العرب» العراقية، الصادرة في عهد الاحتلال البريطاني، في عددها 141 بتاريخ 16/11/1918، مقالاً عن الحكم الذاتي الذي وعد به الإنكليز العراقيين جاء فيه: «ولا ريب أن الطرق المثلى التي يخطو فيها الأهالي أول خطوة تكون باشتراكهم فعلياً في إدارة أمورهم المحلية الخاصة، ومنها يرتقون مع الزمان إلى أمور أوسع نطاقاً، وطبقاً لهذه الخطة تقرر أن يُنشأ من أول شهر كانون الثاني/يناير المقبل (أي يناير 1919م) مجلس بلدي للنظر في أمور البلدية».
ويعلق عبد الرزاق الحسني على هذا التصور الاستعماري للحكم الذاتي بقوله: «حقاً إنها لمهزلة، وأي مهزلة أعظم من اعتبار العناية بالمتنزهات وتنظيف الطرق نوعاً من الحكم الذاتي والاستقلال السياسي؟ ومتى كانت المجالس البلدية والعناية بالشؤون المحلية مظاهر للسيادة الشعبية والاستقلال الوطني، ينعم بها الإنكليز على العراقيين وفاءً بالعهد الذي قطعوه مع الفرنسيين في البلاغ الإنجليزي الفرنسي الصادر في 7 نوفمبر 1918؟» (83). وهذا يتجافى مع المضمون القانوني للحكم الذاتي في المجال الدولي، وهو «منح الإقليم المستعمَر سلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية، مع ممارسة الدولة المستعمِرة السيادة على الإقليم» (84).
ومما سبق يتكشف أن الحكم الذاتي، من حيث هو مفهوم سياسي وقانوني، ارتبط في نطاق القانون الدولي العام بالعديد من المفاهيم والمبادئ السامية، أبرزها حق تقرير المصير والاستقلال. ولكننا نلاحظ أنه استُخدم في الواقع فكرةً سياسية وصيغةً للحكم لا لصالح الشعوب التي تقرر من أجلها، إذ اتخذته الدول الاستعمارية وسيلة لتحديد العلاقة بينها وبين مستعمراتها. كما نلاحظ أن المبادئ التي جاء بها ميثاق الأمم المتحدة، ومن قبله عهد عصبة الأمم، لم تستطع أن تفصل مفهوم الحكم الذاتي عن السياسة الاستعمارية، ولم تُسفر جهود هذه المنظمات الدولية عن وضع إطار قانوني لمفهوم الحكم الذاتي. وهذا ما يؤكده الأستاذ فرازاو (Frazão) إذ يقول: «حتى التفسير اللغوي والتاريخي للفصل الحادي عشر (المادتان 73 و74) يشير بوضوح إلى أن المفهوم الذي ساد إبان صياغة ميثاق الأمم المتحدة في مؤتمر سان فرانسيسكو كان يخضع لفكرة أن الاستعمار ما هو إلا (وظيفة دولية)، أي أن الاستعمار يُعد (خدمة عامة دولية)، وهكذا عزز الميثاق في الواقع الاستعمار عن طريق إزالة العقبات القانونية التي كانت تحول دون ربطه بالقانون الدولي. ومع أن من صاغوا ميثاق الأمم المتحدة لم يكن في وسعهم، إبان مؤتمر سان فرانسيسكو، أن يتولوا إدارة الأراضي التي تتمتع بنظام الحكم الذاتي، فإنهم اضطروا إلى مراعاة سياسات الدول الاستعمارية التي كانت تتولى إدارة الأراضي التي لم تكن تحت نظام الوصاية» (85).
الأمر الذي نرى معه ما يلي:
عند تطبيق الحكم الذاتي على إقليم ما وفقاً لقواعد القانون الدولي العام يبرز الطابع الدولي للإقليم، ولهذا تكون السلطات التي تمارسها هيئات الحكم الذاتي ذات طابع سياسي، تشمل اختصاصات تشريعية وتنفيذية وقضائية، مما يؤدي إلى القول إن الحكم الذاتي في القانون الدولي صيغة للحكم قبل أن يكون أسلوباً من أساليب التنظيم الإداري.
الأصل في سياسة الحكم الذاتي، تطبيقاً دولياً، أن يكون للإقليم برلمان خاص به (86) يمثل السلطة التشريعية فيه، وعلى هذا الأساس يكون لمواطني الإقليم حق الاشتراك في هيئاتهم التشريعية دون الاشتراك في برلمان الدولة المرتبطة بها. وتنص المادة (29) من قانون الحكم الذاتي للسودان سنة 1953 على أن «يتكون برلمان للسودان من مجلسين: مجلس شيوخ ومجلس نواب».
أن الحكم الذاتي في القانون الدولي العام حق أصيل وثابت للإقليم، لا تمنحه إياه الدولة القائمة بإدارته، بل هو حق يستمده من وجوده الواقعي أرضاً وشعباً، لا من الدولة المرتبط بها. وهذا ثابت من النصوص الصريحة لميثاق الأمم المتحدة؛ فنصوص الميثاق مبدأ قانوني ملزم باعتبارها تدخل ضمن المبادئ العامة للأمم المتحدة، وبالتالي ترتبت التزامات قانونية على عاتق الدول القائمة على إدارة هذه الأقاليم.
الحكم الذاتي، مفهوماً دولياً، إذا ما أُحسن تطبيقه، ليس إلا وسيلة للاستقلال الوطني وأساساً لبناء دولة مستقلة.
أجزاء «الحكم الذاتي للأكراد في إطار فيدرالية إقليمية» (6 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس