الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الحكم الذاتي للأكراد في إطار فيدرالية إقليمية (الجزء الخامس)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

هـ- الحكم الذاتي للأكراد في ميثاق الأمم المتحدة

إذا كان مفهوم الحكم الذاتي قد استُنتج ضمناً من عهد عصبة الأمم، فإن هذا المفهوم لقي اهتماماً واضحاً من واضعي ميثاق الأمم المتحدة؛ فقد جاء التصريح بالحكم الذاتي في أكثر من موضع من الميثاق، ولكنه لم يتضمن تفسيراً محدداً لمدلوله، الأمر الذي أثار كثيراً من الجدل والتساؤل حول المقصود منه: هل هو الاستقلال بمعناه السياسي، أي إنشاء دولة مستقلة ذات سيادة كاملة لمجموعة قومية متميزة على إقليمها، أم هو شيء غير الاستقلال الوطني؟

معنى الحكم الذاتي في ميثاق الأمم المتحدة

نص ميثاق الأمم المتحدة على الحكم الذاتي في موضعين:

أولهما: في مقدمة المادة 73 من الفصل الحادي عشر، إذ جاء فيها بصدد الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي: «يقر أعضاء الأمم المتحدة، الذين يضطلعون في الحال أو في الاستقبال بتبعات عن إدارة أقاليم لم تنل شعوبها قسطاً كاملاً من الحكم الذاتي، بالمبدأ القاضي بأن مصالح أهل هذه الأقاليم لها المقام الأول، ويقبلون أمانة مقدسة في عنقهم الالتزام بالعمل على تنمية الحكم الذاتي، ويقدّرون الأماني السياسية لهذه الشعوب حق قدرها، ويعاونونها على إنماء نظمها السياسية الحرة نمواً مطرداً».

ثانيهما: في المادة 76 من الفصل الثاني عشر، إذ بيّنت أن الغرض من نظام الوصاية الدولية تحقيق الأهداف والمقاصد التي تسعى إليها الأمم المتحدة، ومن بين أهدافه الأساسية العمل على ترقية أهالي الأقاليم المشمولة بالوصاية في أمور السياسة والاجتماع والاقتصاد والتعليم، واطّراد تقدمها نحو الحكم الذاتي أو الاستقلال (106).

وعلى الرغم من أن الميثاق أوجب على الدول القائمة بإدارة هذه الأقاليم التزاماً بتحقيق الحكم الذاتي إزاء هيئة الأمم المتحدة (107)، فإنه لم يتضمن تعريفاً محدداً له، مما أثار جدلاً سواء بين ممثلي الدول المشتركة في مؤتمر سان فرانسيسكو في 5 أيار/مايو 1945، أو في لجان الأمم المتحدة أثناء المناقشات التي دارت حول تطبيق نظام الوصاية الدولية (108).

ففي مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945 دار جدل طويل حول مدلول الحكم الذاتي؛ فقد رأت بعض الوفود ممن ليست لهم مصالح استعمارية (وفود الاتحاد السوفييتي والصين ومصر والعراق والفلبين) أن حل مشاكل الأقاليم المستعمَرة أن تحصل بلا إبطاء على استقلالها الكامل وليس على الحكم الذاتي، وكان في أذهان هذه الوفود أن مشكلة الشعوب المستضعفة والمغلوبة على أمرها بالانتداب أو الاستعمار لا يمكن حلها إلا بمنحها الاستقلال (109)، ذلك لأن «كلمة الحكم الذاتي كلمة مرنة تتذرع بها الدول الاستعمارية للإحجام عن منح البلاد التي تم نضجها ما تطمح إليه من الاستقلال» (110).

وأكدت حكومة مصر أن نظام الوصاية، الذي من بين أهدافه الحكم الذاتي، لا يمكن أن تكون له صفة الدوام، ويجب أن ينتهي إذا ما تحققت شروط الهدف العام لهذا النظام وهو الاستقلال. وبناءً على ذلك قامت مصر من جانبها بمحاولة طالبت فيها بأن ينص الميثاق على حق الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة في أمرين، هما:

(أ) النص على حق الجمعية العامة في وضع حد للوصاية إذا ما أصبح الإقليم المشمول بها أهلاً للاستقلال بشؤونه.

(ب) النص على حق الجمعية العامة في تغيير الدولة القائمة بالإدارة إذا بدرت منها مخالفات خطيرة لشؤون الوصاية (111).

كما أبدى الوفد السوفييتي تحفظه على أن يكون «الحكم الذاتي» محققاً لمعنى «الاستقلال»، لذلك قدم اقتراحاً أثناء مناقشة المشروع الأمريكي حول نظام الوصاية جاء فيه: «… يُدرج في الميثاق أن الهدف من الوصاية هو النهوض بالأقاليم المشمولة بالوصاية، ليس فقط في سبيل الحكم الذاتي، وإنما أيضاً في سبيل أن تقرر بملء حريتها حقها في الحصول بأسرع ما يمكن على استقلال وطني تام». وهذا الموقف للاتحاد السوفييتي يشيد به الفقيه تشيس (Chase) بقوله: كان الاتحاد السوفييتي يصر على إنهاء نظام المستعمرات، لذلك قُدمت مقترحات من خلاله لإدماج المستعمرات الفرنسية والهولندية فيما يسمى فرنسا العظمى أو هولندا العظمى، ليرتقي سكان الأقاليم المستعمَرة إلى درجة بلوغ المواطنة (112).

وكانت هناك مجموعة أخرى من الوفود (وفود إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا ونيوزيلندا) ترى أن المشكلات الحقيقية للشعوب المستضعفة وأقاليمها تتعدى الأوضاع السياسية، وأن الحلول الصائبة تأتي من خلال التطور البطيء. وكان من رأيها أن منح الاستقلال للشعوب التي ينقصها التدريب على حكم نفسها، أو تفتقد التعليم الضروري اللازم لانتظام مهام الحكم، إضافة إلى نقص الموارد الاقتصادية والمالية الضرورية للاستقلال السياسي، من شأنه أن يفاقم المشكلات الدولية أكثر مما يحلها (113).

بيد أنه أثناء مناقشة الفصل الخاص بالوصاية الدولية في ميثاق الأمم المتحدة (114) ذهب فريق من هذه المجموعة، من بينهم ممثلو الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، إلى أن الحكم الذاتي هو الهدف الذي يمكن أن تصل إليه هذه الشعوب، بمعنى أنه يتضمن معنى الاستقلال السياسي؛ لذلك كانت المقترحات البريطانية تنصب بصفة خاصة على تحسين الأحوال الاقتصادية والاجتماعية، وتطوير أشكال الحكم الذاتي لتتناسب مع ظروف كل إقليم (115).

وعلى هذا الأساس أعلن المندوب البريطاني أن كلمة الحكم الذاتي «لا تفيد أي معنى آخر خلاف الاستقلال، وأن دولته في سياستها الخارجية كانت تجعل الحكم الذاتي، أي الاستقلال، هو الهدف الذي ترمي إليه»، وقرر مندوب الولايات المتحدة الأمريكية أنه أراد بعبارة الحكم الذاتي «معنى أبعد من معاني الاستقلال السياسي» (116).

وقد أوضحت الولايات المتحدة الأمريكية هذا الاتجاه في المناقشات التي دارت في اللجنة الرابعة خلال انعقاد الدورة الثانية للجمعية العامة على الوجه الآتي: «الحكم الذاتي يجوز أن يأخذ شكل الاستقلال، ويجوز أن يأخذ شكل استقلال ذاتي محلي في إطار اتحاد أكبر، بفرض أن شعب المنطقة المعنية قد بلغ درجة من الاستقلال السياسي، وبلغ مرحلة من النضج السياسي تؤهله للاختيار الحر» (117).

ولكن هذه المناقشات والتفسيرات، التي تعطي مفهوم الحكم الذاتي معنى الاستقلال، لا تمنعنا من القول إنها بعيدة عن أن تكون التفسير الصحيح لمفهوم الحكم الذاتي، بدليل تعارضها مع ما سبق بيانه، فضلاً عن تناقضها مع تطبيقات السياسة الخارجية للدول الاستعمارية، ومع نصوص الميثاق، وقرارات الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة، والتطبيقات الدولية التي جرت تحت إشراف المنظمات الدولية. وسنتناول هذه الموضوعات فيما يلي:

أ. السياسة الاستعمارية

اتفقت أفكار الدول الاستعمارية على أن الاستقلال التام للأقاليم الخاضعة لها أمر غير عملي، لذلك اعترضت على مفهوم الاستقلال، وفي الوقت ذاته، ونظراً للتطورات السياسية الدولية، رفضت فكرة سياسة الإمبراطوريات الاستعمارية التقليدية. ومما يؤكد ذلك:

أولاً- صدر تصريحان حول المشكلة الاستعمارية: أحدهما في 9 آذار/مارس 1942، وكان يتعلق بتشكيل مجلس أنجلو-أمريكي لإدارة منطقة الكاريبي، وثانيهما اتفاق أستراليا ونيوزيلندا حول تشكيل لجنة إقليمية للبحار الجنوبية طبقاً لميثاق كانبرا في 9 كانون الثاني/يناير 1944. وقد تضمن هذان التصريحان ثلاثة حلول للمشكلة الاستعمارية ليس من بينها الاستقلال، وهذه الحلول هي (118):

  • وضع مبادئ دولية تلتزم بها الدول الاستعمارية في إدارة المستعمرات.
  • الأخذ بنظام الوصاية.
  • إنشاء لجنة استشارية إقليمية (119).

ويتضح من هذا أنه لم يكن في نية الدول الاستعمارية وضع حد للسياسة الاستعمارية عن طريق الاعتراف باستقلال الشعوب المستضعفة وأقاليمها المستعمَرة.

ثانياً- قامت محاولات عديدة في مؤتمر سان فرانسيسكو لتكون صياغة المادة 76 في شأن الوصاية الدولية معبّرة عن معنى الاستقلال، ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل بفعل نفوذ الدول الاستعمارية. وبُذلت جهود مماثلة في مجلس الأمن إبان مناقشة اتفاقية الوصاية على جزر المحيط الهادئ لتعديل الاقتراح الأمريكي الذي لم يتضمن سوى خيار الحكم الذاتي، وكان مندوب الولايات المتحدة قد وافق، بناءً على طلب المندوب السوفييتي، على إضافة عبارة «أو الاستقلال» إلى الفقرة (ب) من المادة 76 من الميثاق، وأعلن مع ذلك «أن الولايات المتحدة بالنسبة إلى هذه المسألة تشعر أنها يجب أن تسجل معارضتها، لا لمبدأ الاستقلال، ولكن لتحديد أجل له في المستقبل القريب» (120).

ثالثاً- طلبت الجمعية العامة للأمم المتحدة من المملكة المتحدة، باعتبارها الدولة القائمة على إدارة روديسيا الجنوبية، إلغاء دستور 1961 والدعوة إلى عقد مؤتمر دستوري ذي صفة تمثيلية كاملة لصياغة دستور جديد يؤدي إلى منح الاستقلال، ولكن بريطانيا أعربت عن أنها، نظراً لأن روديسيا الجنوبية مستعمرة تتمتع بالحكم الذاتي منذ عام 1923، ليس في وسعها التدخل في شؤونها الداخلية دون موافقة حكومتها، وأبلغت عام 1964 اللجنة الخاصة بتصفية الاستعمار أن «مجرد إعلان الاستقلال من قبل حكومة روديسيا الجنوبية لن يكون له أثر دستوري، وأنه سيكون بمثابة عمل سافر من أعمال التحدي والتمرد» (121).

رابعاً- جاء في مؤلَّف «المشكلة الاستعمارية» (The Colonial Problem) أن منح درجة من الحكم الذاتي لا يؤدي حتماً إلى الانفصال بمعنى الاستقلال، لكن المركز الذي بلغته المستعمرات البريطانية والهولندية يوضح مع ذلك أنه لا مفر من منحها الاستقلال عن طريق إعطائها قدراً من الحكم الذاتي (122). وهذا مما يؤكد أيضاً أن المملكة المتحدة ذاتها لم تكن مقتنعة بوجود تماثل بين المعنيين، الاستقلال والحكم الذاتي. والدليل على ذلك أنه عندما انعقدت الدورة الاعتيادية الخامسة للجنة السياسية التابعة للأمم المتحدة في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 1950 طُرحت خمسة مشاريع فيما يخص إريتريا: قدم كلٌّ من الاتحاد السوفييتي والعراق وبولندا وباكستان مشروعاً، وجميع هذه البلدان أيدت استقلال إريتريا، وقدمت الولايات المتحدة مشروعاً يوصي بأن تصبح إريتريا وحدة تتمتع بالحكم الذاتي ومتحدة مع إثيوبيا، أيدته خمس عشرة دولة، إلا أن بريطانيا رفضت منح الحكم الذاتي لإريتريا بحجة أنها «مقسمة جغرافياً، وتتألف من قوميات وجماعات سياسية مختلفة، وأنها فقيرة جداً» (123).

ب. ميثاق الأمم المتحدة

وأما نصوص الميثاق فإن تعارضها مع هذا الاتجاه يتضح من مضمون المادتين 73 و76 اللتين أشرنا إليهما؛ فالميثاق لم يقرر الحكم الذاتي هدفاً عاماً في حد ذاته، وإنما وسيلةً تؤدي إلى الهدف العام وهو الاستقلال الوطني. ولذلك يذهب أغلب الفقهاء (124) إلى أن الميثاق في المادة 73 يُلزم الدولة المسؤولة عن تلك الأقاليم بتنمية الحكم الذاتي دون أن يجعل منه على وجه التحديد هدفاً مقرراً. كما أن نص المادة 76 الخاصة بنظام الوصاية الدولية قد جعل هدف هذا النظام «اطّراد التقدم نحو الحكم الذاتي أو الاستقلال»، بمعنى أن الدولة المسؤولة عن الأقاليم المشمولة بالوصاية ملزمة بأن تبلغ بهذه الأقاليم إما الحكم الذاتي وإما الاستقلال. ثم إن الميثاق استعمل لفظة «الاستقلال» بجانب الحكم الذاتي، وهذا دليل قاطع على أن الميثاق يقصد بالحكم الذاتي شيئاً آخر غير الاستقلال السياسي. ويذكر الفقيه تشيس (Chase) أن التصريح الخاص بالأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي (المادة 73 من الميثاق) أشار إلى الحكم الذاتي هدفاً تسعى إليه الشعوب المستضعفة، ويلاحظ عليه أنه لم يُشر إلى «الحكم الذاتي أو الاستقلال» معاً، مقارنةً بأهداف نظام الوصاية (المادة 76)، وذلك لسبب بسيط هو أن الدول الاستعمارية، وعلى رأسها المملكة المتحدة، رفضت إقرار التصريح إذا وردت فيه لفظة «الاستقلال» ولو هدفاً محتملاً (125).

ج. موقف الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة

أما الجمعية العامة فقد تبنت في دورتها الخامسة عشرة، بقرارها رقم 1514 في 14/12/1960، إعلان منح البلدان والشعوب المستعمَرة استقلالها، وذهبت إلى أن الاستقلال هو الهدف الحقيقي الذي تسعى المنظمة الدولية إلى تحقيقه، وليس الحكم الذاتي، ونصت في الفقرة الخامسة منه على وجوب «اتخاذ التدابير الفورية اللازمة، في الأقاليم المشمولة بالوصاية أو الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي أو جميع الأقاليم الأخرى التي لم تنل بعد استقلالها، لنقل جميع السلطات إلى شعوبها، وذلك لتمكينها من التمتع بالاستقلال والحرية» (126). ويتبين بوضوح من هذا النص أن تطور الشعوب والأقاليم التي لم تنل بعد استقلالها يجب أن يتجه نحو استقلال هذه الشعوب في أقاليمها وممارستها السيادة عليها بدلاً من الحكم الذاتي، إذ إن القرار المشار إليه لم ينص على الحكم الذاتي هدفاً، وإنما نص على الاستقلال صراحة.


أجزاء «الحكم الذاتي للأكراد في إطار فيدرالية إقليمية» (6 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس (هذا الجزء)
  6. الجزء السادس

→ الجزء الرابع  |  الجزء السادس ←