بسم الله الرحمن الرحيم
الإخوة الحضور، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فإن ما يمكن أن أقدمه لكم هو هذه المحاضرة التي تتكلم عن القضية الكوردية في ماضيها وحاضرها، والتأثيرات الدولية عليها، وخاصة تأثيرات دول الجوار. وبالمناسبة، أجد أن ما كُتب عن القضية الكوردية على مدى قرن من الزمن قد تناولته أيادي المستشرقين الملوّنة سياسياً من جوانبه السلبية، كما يتناولون دين الإسلام ورموزه الأفذاذ من الخلفاء الراشدين، والنبيَّ العظيم محمداً (ص).
وأودّ أن أقول للحضور الكريم إن المستشرقين الذين كتبوا عن القضية الكوردية هم من الإخوة العرب والمسلمين الذين وضعهم الحاكم القومي العربي، أو المستعمر الحاكم فيما بعد. وكلّ واحد منهم يرى أن هذه القضية الكوردية باتت مثيرة للجدل ومقلقة للبال، وأن همّ الكورد الجبليين هو العصيان والتمرد على سلطة القانون. ولكن سلطة القانون التي مارستها الحكومات الإسلامية في كوردستان تركيا (العثمانية) وكوردستان إيران (الفارسية)، والحكومات العربية في كوردستان العراق وكوردستان سورية لاحقاً، هل أزاحت كل المعوّقات التي تعترض حياة الشعوب في حقوقهم وحريتهم وكرامتهم في العيش، ولم يبقَ إلا الشعب الكوردي متمرداً لا يقبل بالمدنيّة التي وصل إليها الناس في دول الجوار؟
وما يحضرني في هذه المناسبة، وأنا أتكلم عن القضية الكوردية والكورد الذين يقدّسون دين الله (الإسلام)، أن أحد علماء المسلمين أراد بعد الانتهاء من صلاة العصر أن يجذب أذهان الشباب إلى الإيمان، بعد أن شاهد جمعاً كبيراً يقفون خلفه للصلاة على جنازة شاب قُتل غدراً، دون معرفة القاتل، في مدينة جلولاء عام 2005. فبدأ بالقول: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ (فصلت: 30-31). وما إن وصل إلى قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت: 34-35)، حتى شاهد جمعاً من هؤلاء الشباب يُقبلون على الصلاة مرة أخرى، لا على الضحية التي أخذت طريقها إلى القبر، وإنما جذبتهم الكلمات الثلاث الأخيرة: «ذو حظ عظيم». ففرح عالم الدين، وسألهم عن سرّ هذا التجديد للإيمان، فأخبروه: نريد أن نصبر على بلاء الله سبحانه وتعالى لكي ننال الحظ العظيم.
وقال أحدهم: يا شيخنا، إن الشباب قديماً وحديثاً يحتاجون إلى التذكير بكلمات الله، وكلمات الله هي الدروس التي تأخذ بها الحركات الثورية للوصول إلى غايتها السامية. ومن هنا فإن الإيمان بالله أولاً، وجهود الأبناء المؤمنين ثانياً، وتفهّم الحاكم العادل بين شعبه ثالثاً، هي التي تقود القلة الضعيفة المهدورة الحقوق إلى حكم المدنيّة والقانون والعدل.
فعاد عالم الدين مسترسلاً معهم، يطلب منهم التحلّي بالصبر، فالصبر مفرّج الكروب ومفتاح الفرج، وتلا قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139). فردّ عليه أحد الشباب، ويظهر أن له قرابة عائلية بالمغدور: وهل يرضيك يا شيخ أن يُقتل ابن عمي لأنه رفع قبضة يده إلى الأعلى وصرخ قائلاً: عاشت جمهورية مهاباد الكوردية، سنعيدها في أورمية والسليمانية وأربيل وديرسيم؟ فأعاد عليه الشيخ عالم الدين ما يجعله يطمئن تماماً لقدر الله، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً﴾ (الإسراء: 33). فاطمأن الشاب تماماً إلى أن القاتل سيلقى مصيره مهما طال الزمن، وقد يكون ابن عمه، شقيق المغدور الذي لا يتجاوز أربع سنين، هو من يأخذ بنصر الله.
وهذه ليست مجرد أمثلة، وإن كانت في غايتها سياسية؛ فالقاتل المتعصب لا يتحمّل أن يرى الكورد في دولة كوردية مستقلة (كوردستان)، ولا أن يرى أمة كوردية بين الأمم الأخرى، ولا شعباً كوردياً مسلماً يعتز بدينه الإسلامي يحيا بين الشعوب الإيرانية والتركية والعربية. والقاتل ربما قرأ في المدرسة أو الجامعة قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13).
الإخوة الحضور الكرام،
أنا لا أريد الخوض في المزيد من الحالات التي طهّرت قلوب الأوّلين من الكورد، وهم على ثقافتهم الأولية الفقيرة، لكن إيمانهم قوي بقوة الله وقدرته على أن ينصر عبده يوماً ما. ولكي أدخل في الموضوع أقول: إن هناك أربع دول لعبت بالقضية الكوردية وفق غاياتها القومية، لكي تسود على أمة الكورد، أو تستعمر الكورد لمصالحها الدنيوية، أو تستثمر القضية الكوردية لتقسيم أهل الإسلام ودياره. وهذه الدول هي: بلاد فارس الصفوية، وتركيا العثمانية، وبريطانيا الإمبراطورية الاستعمارية، والولايات المتحدة الأمريكية اليوم.
ولكن لا بد لمن فاتته دروس الماضي المتشظّية عن القضية الكوردية أن يعرف أولاً أصل الكورد.
أصل الكورد
أشارت التنقيبات الأثرية الحديثة في منتصف القرن التاسع عشر إلى وجود قبائل كوردية سكنت المنطقة الشمالية الكوردية (كوردستان العراق). فالملك الآشوري «توكولتي-ننورتا» ترك خلفه ألواحاً كُتب عليها «كوتي»، وأخرى «كورتي»، ويعود تاريخها إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد.
وهذه القبائل الكوردية المتداخلة في عيشها نزحت من جبال زاكروس الكبرى (موطن الكورد) أثناء العهد السومري. وإن الملك السومري «لوكال» الكوردي هو الذي حكم أوروك (الوركاء) جنوب العراق، والملك «آنو بانيني» حكم منطقة قصر شيرين وكرمنشاه على حدود العراق الشمالية الشرقية (كوردستان).
ويرى بعض المستشرقين أن هناك كلمات مترادفة؛ ففي الأزمان البعيدة، مثل زمن حكم السومريين، ظهرت كلمات (كوتي، جوتي، جودي)، وفي زمن الآشوريين كلمات (كورتي، كارتي، كاردو، كاردان، كاردك)، وفي زمن حكم دول بلاد فارس كلمات (كورتيوي، سيرتي، كوردراها)، وفي زمن اليونانيين والرومان (كاردوسوي، كاردوخي، كاردوك، كردوكي). وفي عام 401 ق.م قدّم لنا القائد اليوناني «أكزينوفون» أثناء حملته على بلاد فارس شهادة مفادها أن قوته التي اجتازت مناطق البحر الأسود وجبال راوندوز وجبال ديرسيم في منطقة كوردستان شاهدت أقواماً يتمتعون بصحة الأجسام يُطلق عليهم «كاردوخي». وسجّل عالم الاجتماع الأمريكي «مار» أن الكورد شعب صعب المراس، وأنهم السكان الأصليون لجبال آسيا الصغرى. وفي عام 226م تمكن الشاه الفارسي «أردشير» من القضاء على نفوذ الأرمن، واستولى على كوردستان، وأجبر الكورد على اعتناق الديانة الزرادشتية (عبادة النار) السائدة آنذاك.
ولما كان الكورد على امتزاج بالأقوام الأخرى، وخاصة بالقبائل الفارسية، فقد تمسكوا بعيد النوروز عيداً قومياً لهم في 21 آذار من كل سنة، ويُعدّ عيد النوروز عند الكورد رأس السنة الكوردية.
وعندما اعتنق الكورد دين الإسلام على يد العرب المحرّرين والفاتحين في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في القرن السابع الميلادي (640م)، بعد سقوط الإمبراطورية الساسانية على يد الفتح الإسلامي العربي، وجدوا فيه البهجة والمتعة؛ لأن فيه توحيد الله بعد الديانات الفارسية البالية التي اعتنقوها أولاً، ولأن العدالة في الدين الإسلامي تنصف المرء بغضّ النظر عن لونه وطوله وملبسه ثانياً. ودفع ذلك المشايخ وأهل المعرفة من الكورد إلى الهجرة إلى بلاد العرب (من أهل وادي النيل وبلاد الشام وبلاد ما بين النهرين) للتعرف على أصول تطبيق الشريعة الإسلامية بشكلها الصحيح، فشكّلوا بذلك زخم القاعدة والقيادة لإثبات الذات الكوردية في مناطق سكناهم. وأشعر الكورد الخلفاءَ العباسيين، في مرحلتَي قوتهم وضعفهم، أنهم لم يكونوا السبب في إضعاف سلطة الخليفة العباسي. وتعامل العباسيون مع الدويلات الكوردية التي استقلت عن مقر الخلافة العباسية في بغداد، مثل الطاهرية (820) والصفارية (903) والسامانية (874)، على أنها مع سلطة الخليفة العباسي ما دام يحتكم إلى العدل الموجود في قرآن المسلمين في معاملة الرعية بالحق.
صلاح الدين الأيوبي
أما أبرز القادة الكورد في القرون الوسطى فهو القائد المسلم الكوردي صلاح الدين الأيوبي، الذي دافع عن الأمة الإسلامية ضد الصليبيين لاسترداد بيت المقدس. فهو الذي أقام الدولة الأيوبية (1171-1190) في بلاد مصر والشام والجزيرة العربية، واتخذ من دمشق مقراً لتنظيم قواته. وهو القائل: عندما يصلني المقاتلون من بلاد النيل وبلاد الشام وبلاد ما بين النهرين ومن الكورد، فلن أخسر معركة مع الصليبيين. وعُدّ النصر الكبير الذي حققه القائد المسلم الكوردي صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين عام 1187م ضد القوات الصليبية الحدثَ الأبرز في تاريخ القبائل الكوردية المسلمة (الحكارية والهرنية والسهرانية والسورانية والحميدية والزارية)، التي كانت أساس جيش صلاح الدين الأيوبي، وخاصة في معركة حطين، في أنهم يدافعون عن دين الإسلام. وكان قولهم: إن الدين عند الله الإسلام، وإن الله جعل الناس شعوباً وقبائل ليتعارفوا، وأحسنهم من يتقي الله، لا لأن خالد بن الوليد عربي وصلاح الدين كوردي. وبالتأكيد فإن صلاح الدين خدم الكورد من خلال الإسلام.
واليوم يا إخواني هناك إثارة لموضوع صلاح الدين الأيوبي بين الكورد، ويقول بعضهم: ولماذا لم يشكّل صلاح الدين الأيوبي دولة كوردية؟ وفي الواقع إن مثل هذه الطروحات ليست إلا إفرازاً للواقع المرّ الذي يعيشه المسلمون في فرقتهم وتناحرهم، أما سيرة صلاح الدين فقد عبّرت عن نقاء السريرة وعمق الإيمان، في ألا يخون المسلم أخاه المسلم في ظل سياسة مصدرها الأجنبي لتدمير دين الإسلام.
وتساءل الكورد في ظل حكم الدولة العثمانية التي ظهرت إلى الوجود عام 1299، وهم مسلمون لم يتأخروا كثيراً في الدخول في دين الإسلام كما هو حال الفرس.
واعتبروا أن الذات الكوردية مصونة ومحترمة («لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى») ما دام العثمانيون يعدّون أنفسهم خلفاء للخلفاء الراشدين، وسلاطينهم يرسلون «المحمل» سنوياً لكسوة الكعبة، ويهتمون بإرسال «الصُّرَر» إلى شيوخ العشائر البدوية لضمان سلامة الحجاج إلى الديار المقدسة.
وأمام هذه الرعاية لدين الإسلام اعتقد أبناء القومية الكوردية أنهم أولى بالرعاية لتحسين معيشة الفلاح الكوردي وتخليصه من الضرائب التي يفرضها البيك والآغا عليه، أو من أعمال السخرة التي يفرضها الآغا. وحقيقة الواقع أنها حياة للإقطاعيين يدفع ضريبتها البسطاء من الكورد. وفي ظل هذه المعاناة الحياتية في الإمبراطورية العثمانية المسلمة جاءت الصدمة الطائفية على يد الشاه إسماعيل الصفوي عام 1507 في بلدة «خوي» الكوردية التي وصلها الجيش الفارسي؛ إذ زجّ إسماعيل الصفوي يومها أحد عشر أميراً كوردياً في السجن، وعيّن بدلهم ولاة من عشيرة القزلباش الآذريين الأتراك من الطائفة الشيعية. وكان من بينهم الأمير الكوردي خليل حاكم ولاية «حصنكيف» الكوردية، وهو زوج أخت الشاه إسماعيل الصفوي. وكان هذا العمل تأليباً لبقية الكورد على أرض الإمبراطورية العثمانية للثأر من إسماعيل الصفوي.
معركة جالديران 1514م
كانت معركة «جالديران» عام 1514 بين الجيشين الفارسي والعثماني معركة فاصلة، انتصر فيها العثمانيون بقيادة السلطان سليم الأول. ولأجل مكافأة الكورد الذين شاركوا في الجيش العثماني في النصر على الصفويين الفرس قرّر:
- إبقاء الأمراء الكورد حكاماً على مناطقهم في كوردستان.
- أن يقدّم الكورد جيوشاً لنصرة الدولة العثمانية عند الطلب.
- أن يدفع الأمراء الكورد مبلغاً من المال لخزينة الدولة العثمانية.
والواقع أن السلطان العثماني سليم الأول توقف في حربه عند منطقة «تبريز» عاصمة إسماعيل الصفوي للأسباب التالية:
- شكوى أهل مصر من حكم المماليك وزعيمهم «قانصوه الغوري»، مما جذب السلطان سليم الأول إلى قتالهم، فكانت معركة مرج دابق في بلاد الشام عام 1516، ثم معركة أخرى في مصر عام 1517.
- خوف السلطان سليم الأول من وصول الأسطول البرتغالي إلى منطقة مضيق هرمز، والمعلومات عن تقرّب البرتغاليين من مكة المكرمة والمدينة المنورة.
وفي التاريخ أن القائد البرتغالي «البوكيرك» كان يريد معاونة الشاه إسماعيل الصفوي ضد السلطان العثماني المسلم سليم الأول، وقد رحّب الشاه إسماعيل الصفوي بحفاوة بالغازي الجديد، القائد البرتغالي البوكيرك، لإضعاف سلطة السلطان سليم الأول، ومن بعده ابنه سليمان القانوني.
وفي عام 1523 أصبحت بغداد تحت حكم الدولة العثمانية بعد قتل حاكمها الفارسي على يد أمير ولاية «الكلهر» الكوردية.
ولم تعجب تلك الإدارة الذاتية للكورد في عهد السلطان سليم الأول ابنَه سليمان القانوني، فعمد إلى تبديل الأمراء الكورد بولاة عثمانيين، فأحدث شرخاً في العلاقة بين الكورد والولاة العثمانيين الجدد. وبات الوضع خلال تبدّل السلاطين العثمانيين بين عامي 1514 و1850 أن أصبح أمير العشيرة الكوردية يميل إلى الدولة الفارسية إذا اصطدم بالعثمانيين، ويميل إلى الدولة العثمانية إذا اصطدم بالفرس. وبعد قرن من الصراع بين الفرس الصفويين والعثمانيين جاءت معاهدة قصر شيرين (زهاب) عام 1639 بين الدولتين، وكانت كافية، باتفاق الطرفين الفارسي والعثماني، لإحباط قيام أي حكومة أو إمارة كوردية في المنطقة الكوردية (كوردستان).
الثورات الكوردية
ظهرت الثورات الكوردية ردَّ فعلٍ على معاهدة زهاب (قصر شيرين) عام 1639، ومنها:
أ- ثورة بدرخان باشا 1842
كانت ثورة بدرخان باشا تهدف إلى نيل الاستقلال الكوردي عن الدولة العثمانية، وقد جاءت هذه الثورة الكوردية بعد هزيمة الجيش العثماني بقيادة رشيد باشا أمام الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا، والي مصر الكوردي الأصل، عام 1833. وكانت قوة الأمير الكوردي بدرخان في منطقة الجزيرة وبوتان الكوردية في كوردستان تركيا العثمانية، ولكن بخيانة أبناء عم الأمير بدرخان، ومنهم يزدان شير، وبتدخل روسي وإنجليزي، أُخذ الأمير الكوردي بدرخان أسيراً إلى إسطنبول عام 1847.
وربما يسأل سائل: ولماذا تدخّل الروس والإنجليز لصالح الدولة العثمانية؟ والجواب هو الخشية من إعلان الدولة الكوردية مستقلة من خلال الجهاد الإسلامي، وما يعنيه ذلك من أن الأقليات غير المسلمة، مثل الدروز والمسيحيين واليهود، عليها أن ترحل من كوردستان أو من الدولة العثمانية إلى أوروبا، وأوروبا كانت قد ضاقت ذرعاً باليهود سابقاً.
ب- ثورة العالم الديني الكوردي الشيخ عبيد الله النهري 1880
وصف الشيخ عبيد الله النهري العثمانيين الأتراك بالظالمين الكفار الضالين الذين شوّهوا الدين الإسلامي. وقد جمع وفوداً من مناطق كوردستان العراق وتركيا، مثل السليمانية والعمادية وهورامان وبوتان وسيرت وموش، ووفداً من كوردستان إيران، في ولاية شمزينان، وكان الهدف إعلان ثورة كوردية كبيرة على الدولتين (بلاد فارس والعثمانيين) تجذب إليها الكورد جميعاً. وكان بين هذا الجمع الكوردي المؤمن عميلٌ دخيل على الكورد هو الشيخ «فهيم» الذي حضر مؤتمر شمزينان، وكان يطلق لسانه بالقول إن البداية هي التخلص من الأرمن، وهدفه صرف الكورد عن ثورة الشيخ عبيد الله النهري. ومع تحرك قوات الثورة الكوردية تدخّل الإنجليز والروس لإقناع الشيخ عبيد الله النهري بالتداول معه في إسطنبول، فسُجن عام 1881.
وكانت الدولة العثمانية تعتقد أن وجود الكورد في كوردستان فارس، وفي ولاياتها هي في كوردستان (سورية والعراق) آنذاك، إنما هو وعاء على شكل مستطيل، قراه الكوردية متقاربة جغرافياً، فإذا ثار أمير أو شيخ كوردي في أي منطقة من كوردستان فهناك احتمال للانفصال بكوردستان، ولا سيما أن المناطق الكوردية من كوردستان الخاضعة لحكم ملوك فارس هي الأقرب إلى نظيرتيها في تركيا والعراق. وما دام العراق وسورية تحت حكم الترك، فإن مساحة الأمة الكوردية تنيف على مساحة سورية الحالية، وهي مصدر جذب للأمراء الكورد إذا ما امتدت ثورتهم إلى كل البقعة الجغرافية الكوردية من كوردستان.
تلك هي ما اعتبره السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وهو من أواخر سلاطين الدولة العثمانية (1876-1909)، نزعات قومية كوردية للانفصال في دولة كوردية مستقلة في كوردستان. وهيّأ له مستشاره الكوردي الشيخ البدليسي العلاج، في أن يعمل على الفتنة بين الكورد والأرمن، خصوصاً أن الأرمن زادوا من نشاطهم تحت تأثير ضعف الدولة العثمانية وخلوّ ميزانيتها من الأموال، وكانت هناك مساعدة روسية لهم لإنشاء دولة أرمنية منفصلة عن الدولة العثمانية. وذلك ما أوغر صدور السلاطين العثمانيين، ومنهم السلطان عبد الحميد الثاني، فضلاً عن أن ستة عقود من الثورات الكوردية (1821-1881) قد أربكت الجيش العثماني كثيراً. كما أربكت السياسة الخارجية للعثمانيين أمام أوروبا، إذ دفع إفلاسُ الخزينة العثمانية وتدنّي مستوى معيشة الجاليات غير المسلمة، وخاصة اليهودية منها، هذه الجاليات إلى أن تهاجر إلى فلسطين للعمل التجاري، وفلسطين ولاية من ولايات الدولة العثمانية شأنها في ذلك شأن ولاية مراكش.
السرايا الحميدية الكوردية
السرايا الحميدية، أي سرايا الكورد المقاتلة، هي ما توصّل إليه السلطان عبد الحميد الثاني عام 1891 من تشكيلات للكورد بهدف مقاتلة الأرمن. وكانت حجته أن خسارة الدولة العثمانية في حربها مع روسيا في القوقاز عام 1878 هي التي أعطت الدافع الكبير لنهوض الحركة القومية الأرمنية، وأنه إذا ما حصل أي استقلال للأرمن فإن روسيا هي التي تقف خلفه، خصوصاً أن دول أوروبا الاستعمارية (بريطانيا وفرنسا وروسيا) هي التي ألزمت الحكومة العثمانية بإبلاغ الدول الكبرى عن الإصلاحات في الولايات الأرمنية وديار بكر وشمال بحيرة «وان» وفق المادة (61) من معاهدة برلين.
إن حصول مذبحة بين الكورد والأرمن (1894-1896) كان أمراً لا بد منه بالنسبة لروسيا وبريطانيا وفرنسا، لكي تتحمّل الدولة العثمانية، ومن بعدها دول أوروبا، المسؤولية الجنائية والتاريخية والإنسانية، وربما يأتي في قادم الزمن من يلعب بورقة الكورد والأرمن، ويجد المبرّر لمحاربة دولة الخلافة الإسلامية (الدولة العثمانية) التي وقفت على أسوار فيينا المسيحية عام 1529، والتلويح للدولة العثمانية بحقوق الكورد والأرمن الإنسانية في دولتين مستقلتين في قادم الزمن. ولكي يكون القنصل الروسي في ولاية أرضروم متوازناً في طرحه عن الأرمن، قال إن أفراد السرايا الحميدية الكوردية كانوا يدخلون قرى الأرمن ويأخذون بقوة السلاح الماشية والمحاصيل الموجودة في الحقول والمال، علماً بأن الضحايا لم يكونوا من الأرمن فقط، بل من المسيحيين والمسلمين والكورد أيضاً. وهي طريقة لتأليب لا العرب المسلمين وحدهم، الذين باتوا عرضة للتعسف والاستبداد التركي العثماني، بل كل الرعايا المسلمين (العرب والكورد) وغير المسلمين من المسيحيين (الأرمن)، لكي لا يتعارضوا مع أي قوة أوروبية قادمة.
أجزاء «القضية الكوردية والتأثيرات الدولية عليها» (6 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس