سورية

أما في سورية، فلم يكن الرئيس السوري شكري القوتلي على خلاف مع السوفيت، بل يمكن القول إن علاقة السوفيت بسورية كانت الأقوى بين الدول العربية كلها، بما فيها مصر، رغم أن أثمان الأسلحة السوفيتية الموردة إلى سورية لم تُدفع نقداً.

وربما يعلل بعضهم تلك العلاقة بأن الحكم في سورية أعطى زعيم الحزب الشيوعي خالد بكداش حرية في العمل والتصريح وإبداء الرأي أكثر مما أُعطي أي حزب شيوعي عربي آخر. ونجد أن جهاز المخابرات السوري مدين للسوفيت في تدريب عناصره وإعدادهم، وقد أوصلوهم إلى خلايا الإخوان المسلمين في مدن حمص وحماة وحلب السورية. ولا يخفى على كثير من الحضور كشف عميل الموساد «كامل أمين ثابت» الذي استأجر شقة مطلة على رئاسة الأركان السورية عام 1965، وهو الذي تعرف تفصيلاً على الدفاعات السورية في هضبة الجولان بصحبة ابن أخ رئيس أركان الجيش السوري عبد الكريم النحلاوي. وقد أوحى إلقاء القبض عليه وإعدامه، وهروب الطيار العراقي النقيب منير روفا بطائرة ميغ-21 إلى إسرائيل، لأي حاكم سوري ألا يُغضب السوفيت، الحليف الصديق، مهما كانت النعوت التي ألصقتها أجهزة الدعاية الغربية الأمريكية بحكام سورية. فإذا ما ساءت العلاقات بين موسكو ودمشق، فلن تجد دولة كبرى يمكن أن تقيم علاقة رصينة مع حزب البعث الحاكم في سورية، الذي كثيراً ما أثار المشكلات مع إسرائيل وأحرج الأصدقاء.

بدأ الموقف الدولي والإقليمي والعربي يستشعر أن في الأفق ما يشير إلى حرب قادمة. وأصحاب القرار السياسي الذين يتداولون للتشاور والمشاركة فيه هم واشنطن ولندن وإسرائيل، ومعهم إيران بصفة لاعب محلي يحركه الموساد باتجاه العرب، وخاصة جمال عبد الناصر. ولأجل وضع إستراتيجية الشاه تجاه العرب، التي أباح بها الجنرال نعمة الله نصيري لنظيره الإسرائيلي، موضع التنفيذ، فقد طُلب من السافاك أواخر عام 1966 تمرير معلومات إلى جهاز المخابرات السوفيتي مفادها أن إسرائيل تعد العدة للهجوم على سورية. وعندما حلّ شهر نيسان 1967 تمكنت الطائرات الإسرائيلية في معركة جوية من إسقاط ست طائرات ميغ-21 سورية، وكانت هذه الطائرات هي العمود الفقري لسلاح الجو المصري والعراقي.

هرع السوريون على الفور إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر ليقف مع سورية في صراعها ضد إسرائيل، ووفروا له معلومات صادرة عن جهاز المخابرات السوفيتي بأن إسرائيل ستهاجم سورية، دون أن يعلم الوفد السوري أن مصدر المعلومات هو جهاز السافاك الإيراني. وبالغ السوريون في البكاء والتودد إلى الرئيس جمال عبد الناصر، بناءً على اتفاق مع الضباط السوريين الأربعة، مؤكدين أن إسرائيل تحشد دباباتها في مرتفعات الجليل. ثم وصل مبعوث سوفيتي إلى القاهرة في 13 أيار/مايو 1967 ليؤكد الحشود الإسرائيلية، وقال إن إسرائيل حشدت 11 لواءً في الجليل، بينما لم يكن هناك في الواقع إلا 12 سرية مشاة.

وانزلق جمال عبد الناصر إلى الحرب وهو غير مستعد لها، عندما طلب من الأمين العام للأمم المتحدة يو ثانت سحب قوات الطوارئ من غزة في 18 أيار 1967، وأغلق مضائق تيران. ودُهش الملك الحسين بن طلال، ملك المملكة الأردنية الهاشمية، من القرار المصري، وأدرك أن الحرب مع إسرائيل أصبحت حتمية.

وصارت العواطف القومية التي روجتها صحف مصر وإذاعة صوت العرب هي التي تقرر الذهاب إلى الحرب، لا تقدير الموقف العسكري والسياسي والاقتصادي وعواقبه على العرب.

الأردن

كانت القوات الأردنية جزءاً من القيادة العربية المشتركة بقيادة الفريق علي علي عامر، لكن الاتصالات بين قادة البلدين لم تكن ودية، وانعكس ذلك على العلاقات العسكرية بينهما. ولحراجة موقف الأردن، الذي يعاني من قلة الموارد الاقتصادية، من أي حرب قادمة على مستقبل البلاد، أرسل الملك الأردني الفريق عامر خماش، رئيس أركان الجيش الأردني، إلى القاهرة للتشاور مع الفريق علي علي عامر، فلم يتمكن من مقابلة الرئيس المصري جمال عبد الناصر. وذكر في تقرير كتبه للملك حسين بن طلال أنه لا دور ولا خطط معدة للحرب. كما عرف الفريق عامر خماش أن السوريين لا رغبة لديهم في التعاون مع الأردن؛ وقد قُطعت العلاقات بين عمان ودمشق في 21 أيار 1967 على أثر انفجار سيارة مفخخة في منطقة الرمثا الأردنية، وأعيدت العلاقات بينهما في 4 حزيران 1967، قبل يوم من بدء الحرب.

أمريكا

ريتشارد ميرفي، الدبلوماسي الأمريكي في سفارة بلاده في عمان، الذي أصبح فيما بعد أحد مساعدي وزير الخارجية الأمريكي، هو من عمل، بتوجيه من الرئيس الأمريكي ليندون جونسون، على حث السياسيين الأردنيين سليمان النابلسي وعبد المنعم الرفاعي وعاكف الفايز وحازم نسيبة على إقناع الملك الأردني حسين بن طلال بالتحالف مع مصر في الحرب.

بريطانيا

خرج الوزير البريطاني أنتوني ناتنج من لقائه بالرئيس المصري جمال عبد الناصر بقناعة أن عبد الناصر يستطيع تجاوز العاصفة إذا ما توقفت مصر عن استفزاز إسرائيل، وأن إسرائيل تحتاج إلى ثمانية أشهر على الأقل لشن هجوم على مصر، وأن مصر قادرة بسلاحها الجوي (250 طائرة مقاتلة) وفرق المشاة السبع المتمركزة في سيناء على صد أي قوة إسرائيلية من جهة الشرق. وكان الضغط الشعبي الفلسطيني لصالح خوض الحرب قوياً إلى درجة أن الملك الأردني حسين بن طلال أدرك بحسه وخبرته أن عدم اشتراك الأردن قد يؤدي إلى نشوب حرب أهلية فيه.

الأردن

وافق الملك الأردني على دخول قوات من مصر والعراق وسورية والسعودية إلى الأردن من أجل تقوية الجبهة الأردنية، على أثر توقيع معاهدة الدفاع الأردنية المصرية في 30 أيار/مايو 1967.

العراق

وصل اللواء الثامن الآلي العراقي من الفرقة المدرعة الثالثة إلى قاعدة H3 على الحدود العراقية الأردنية في الثاني من حزيران 1967، ووصلت طلائعه إلى المفرق يوم 5 حزيران 1967، حيث أُمرت بالتوجه إلى مثلث المصري في وادي الأردن، ثم إلى أريحا. وتوجه فوجان من اللواء الثامن الآلي من الفرقة المدرعة الثالثة العراقية إلى مدينة البيرة في منطقة رام الله فجر يوم 6 حزيران 1967، وتعرضا لخسائر في الأرواح والآليات من جراء قصف طائرات الميراج الإسرائيلية خلال التنقل.

مصر

خسر المصريون من جراء الضربة الجوية الإسرائيلية صباح الخامس من حزيران 1967 مئة وتسعين طائرة. وكانت ضربة مباغتة، طارت فيها الطائرات الإسرائيلية فوق البحر المتوسط وهاجمت المطارات المصرية من جهة الغرب، بينما كان المصريون ينتظرونها من جهة الشرق. وفي الوقت الذي كان فيه الأردن والعراق يجهلان ما حلّ بسلاح الجو المصري، كان الروس قد أعلموا القيادة السورية بذلك، ولذلك لم يكن الجيش السوري متحمساً للاشتراك في الحرب. وتبين أن خسائر العراق، وهو دولة عمق، كانت أكبر من خسائر السوريين في الحرب.

هذا الكلام الذي توسعنا فيه عن حرب 5 حزيران 1967 إنما أردنا به أن نُشعر الآخرين بأن علاقة الكورد بإسرائيل وإيران لم يكن لها وزن، لا في القرارات العربية ولا في القرارات الدولية. ولكن كثيراً ما زُيّفت الحقائق عن دور كوردي في حرب 5 حزيران 1967، ونُسب إليه الفضل في نكسة العرب، وهذا غير صحيح.

الكورد وحزب البعث عام 1968

رفع حزب البعث شعار «الوطن أو الموت» لضمان ديمومة الحكم. ومع ما يحمله هذا الشعار من استخدام السيف لمقارعة الخصوم في الداخل والخارج، فإن رموزه، وخاصة الرئيس العراقي أحمد حسن البكر ومعه حردان التكريتي وصالح مهدي عماش، كانوا على قدر من رجاحة العقل والاتزان بعد خمس سنوات من تجربة عام 1963، حين كان أحمد حسن البكر رئيساً للوزراء ثم نائباً لرئيس الجمهورية في بداية حكم عبد السلام محمد عارف قبل إعفائه عام 1964.

هواجس الكورد في كوردستان العراق من دستور عام 1968

كانت هواجس الكورد مع النظام الجديد تكمن فيما حدده الدستور العراقي، إذ تقول المادة السابعة: الوطن العربي هو الجزء من المعمورة الذي تسكنه الأمة العربية، والذي يمتد من جبال طوروس وجبال بشتكوه إلى خليج البصرة وبحر العرب. وهو ما اعترض عليه الكورد، باعتبارهم القومية الثانية بعد العرب في العراق، إذ لم تَرِد أي إشارة إلى وجود الشعب الكوردي على أرض كوردستان العراق، وهذا حق مشروع.

كوردستان الكبرى

ردت صحف الغرب، وخاصة البريطانية، على سلوك القوميين العرب الحاكمين في بغداد، وذكّرت أحمد حسن البكر بأن الزعيم الكوردي الإيراني الدكتور عبد الرحمن قاسملو يتفق مع الزعيم والقائد الكوردي العراقي الملا مصطفى البارزاني على أن «كوردستان الكبرى» هي ما تدعو إليه كل المجموعات الكوردية المثقفة في كوردستان إيران وكوردستان العراق، وأنها الغاية النهائية للحركة الكوردية التي كابدت الاحتلالات العثمانية والفارسية والبريطانية، ثم حكم عبد الكريم قاسم وحكم الأخوين عبد السلام وعبد الرحمن عارف، الذين استخدموا القوة العسكرية سبيلاً لإخماد الحركة الكوردية والثائرين الكورد (البيشمركة).

وحددت الصحف البريطانية الصادرة في نهاية عام 1968، في استفزاز لحكام العراق البعثيين الجدد، حدود المنطقة الكوردية (كوردستان) بأنها «تبدأ بخط مستقيم عند قمة أرارات (أرمينيا) في الشمال الشرقي، ثم ينحدر جنوباً إلى جنوب جبال زاكروس وبشتكوه (غرب إيران، كوردستان إيران)، ومنها يُرسم خط مستقيم نحو الغرب (الموصل في كوردستان العراق)، ومن الموصل إلى لواء الإسكندرونة، ومنه نحو الشمال الشرقي حتى أرضروم (في تركيا، كوردستان تركيا)، ومنها إلى جبل أرارات جنوب يريفان عاصمة أرمينيا».

أما المساحة التي تقوم عليها الدولة الكوردية الموحدة ضمن هذه الحدود فقد بلغت 409.650 كم²، منها 149.400 كم² في كوردستان تركيا، و124.950 كم² في كوردستان إيران، و72.000 كم² في كوردستان العراق، و18.000 كم² في كوردستان سورية. وهي بالإجمال، إذا ما أُخذت طولاً، تمتد من الشمال إلى الجنوب مسافة 1000 كم، وعرضها في الجنوب بحدود 200 كم، ثم يزداد كلما اتجهنا شمالاً ليصل إلى 750 كم.

وأشارت الصحف إلى أن برسي كوكس، المندوب السامي البريطاني في بغداد إبان ظهور الدولة العراقية العربية الجديدة في 23 آب 1921، قد اقترح ضمن مقترحاته أن يكون أهل كوردستان الجنوبية/كوردستان العراق (ولاية الموصل) ذات الأغلبية الكوردية ضمن العراق العربي الجديد، وتشمل المحافظات الكوردية التالية: أجزاء كبيرة من نينوى/الموصل، وكركوك، وأربيل، والسليمانية، ودهوك لاحقاً، وأجزاء من ديالى، وذلك لمعادلة نسبة الشيعة والسنة، باعتبار الكورد من المذهب السني. وفي حقيقة الأمر كان مقترح برسي كوكس يريد إبقاء ولاية الموصل/كوردستان العراق (الموصل والسليمانية وأربيل وكركوك وأجزاء من ديالى) ضمن الدولة العراقية العربية الجديدة بعد اكتشاف النفط فيها (بابا كركر في كركوك)، وبسببها عُدلت اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916 بين فرنسا وبريطانيا. ولعل من المقترحات البريطانية الأبعد نظراً إلى المستقبل أن تكون كوردستان كلها، عدا كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق)، دولة مستقلة تشكل حاجزاً بين المصالح البريطانية في الشرق الأوسط ومصالح الروس الذين قاتلوا الدولة العثمانية نصف قرن (1854-1914). وبعد قيام الدولة البلشفية في روسيا عام 1917 أرادت بريطانيا أن تلعب بالورقة الكوردية العراقية لاختراق تنظيمات الكورد في كوردستان إيران وتركيا.

كان الخط المستقيم لحكومة حزب البعث الثانية (17-30 تموز 1968) هو تحجيم إيران الشاه ووضعها في موقعها بحيث لا تتدخل في شؤون العراق الداخلية (الشيعة في الجنوب والكورد في الشمال، كوردستان العراق). غير أن الخط المستقيم الذي وضعه نائب الرئيس العراقي صدام حسين، الذي تكفل بالملف الكوردي (لجنة شؤون الشمال)، كان يصطدم بطرف إقليمي يقدم المعونة العسكرية للكورد، وقد أسهم ذلك في تدهور الحياة السياسية والاقتصادية في العراق، وخاصة بعد تفجير خط أنابيب النفط في مدينة كركوك عام 1969، وإلغاء شاه إيران من جانب واحد معاهدة 1937 (سعد آباد) الخاصة بشط العرب.

ملف القضية الكوردية (كوردستان العراق) بيد صدام حسين

الأسلحة المتطورة (الطائرات والدبابات والصواريخ) هي وحدها التي تجعل شاه إيران يتوقف عن تدخله في شؤون كوردستان العراق، ومصدر هذه الأسلحة هو الاتحاد السوفيتي لا غيره. وثمن ذلك، كما قلنا، أن يكون للحزب الشيوعي دور في رسم سياسة البلاد (العراق)، وأن يكون لموسكو هامش من المشاركة في القرار السياسي. وكان على بغداد أن تلعب بمهارة سياسية عالية بعد أن تداخلت السياسة الدولية بالسياسات الإقليمية. وذلك ما جعل صدام حسين يحزم حقائبه ويتوجه إلى موسكو بداية عام 1970 وبيده ملف القضية الكوردية.

وبالمقابل وجدت موسكو أن عليها مراجعة ملف الجنرال بافيل سودوبلاتوف، ضابط المخابرات السوفيتي المكلف بالإشراف على نشاط الزعيم والقائد الكوردي الملا مصطفى البارزاني للفترة 1946-1958، وملف الصحفي (رجل المخابرات السوفيتي) يفغيني بريماكوف، الذي زار كوردستان والتقى بالملا مصطفى البارزاني قبل إعلان بيان 11 آذار 1970، وقبل أن تعرض موسكو وساطتها بين بغداد والكورد.


أجزاء «القضية الكوردية والتأثيرات الدولية عليها» (6 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع (هذا الجزء)
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس

→ الجزء الثالث  |  الجزء الخامس ←