ثلاثون سنة من تعثّر السياسة الكوردية (1946-1976)

كانت الجيوش البريطانية لا تزال على أرض العراق وفلسطين وشرق الأردن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945م، ولكن بريطانيا لم تعد القوة الاقتصادية والعسكرية الأولى، وقد اعتمدت على الولايات المتحدة الأمريكية، القائدة الجديدة للعالم، في إصلاح اقتصادها واقتصادات الدول الأوروبية المتضرّرة من الحرب العالمية الثانية. وفي الوقت الذي كانت فيه لندن تتوسّل إلى واشنطن لإسعاف اليونان وتركيا اقتصادياً عام 1947، كانت بريطانيا تخشى على الدولتين (اليونان وتركيا) من انضمامهما إلى الشيوعية، وهما أهم بكثير من صرف الوقت على القضية الكوردية والشعب الكوردي.

وفي تصنيف لندن وواشنطن وبقية دول العالم الحر، أن إفرازات دولة جمهورية مهاباد الكوردية أظهرت أن بعض الرموز الكوردية لها خيوط مع الشيوعية، إن لم تكن خلايا ومجموعات شيوعية منظمة تعمل على إيصال الحزب الشيوعي إلى سدة الحكم في بلدان الشرق الأوسط، وخاصة النفطية منها. وعلّلت وصفها هذا للكورد بأن الزعيم والقائد الكوردي الملا مصطفى البارزاني مُنح رتبة جنرال وهو على الأرض السوفيتية، ومثل هذه الجائزة لا تُعطى إلا لمن يقدّم خدمة ومجهوداً كبيراً للدولة السوفيتية. وتعزّز هذا التصوّر لدى واشنطن ولندن بوصول الزعيم الركن عبد الكريم قاسم إلى سدة السلطة في العراق في ثورة 14 تموز عام 1958، فهو، قبل أن يقرّب العناصر الشيوعية في مراكز السلطة، وجّه دعوة إلى الزعيم والقائد الكوردي الملا مصطفى البارزاني للعودة إلى العراق والمشاركة في السلطة السياسية. وتبع ذلك إهمال أصحاب القرار في لندن وواشنطن للقضية الكوردية مدة ست عشرة سنة (1946-1962)، وكانت الأخيرة (أمريكا) غير راغبة في تعضيد علاقاتها مع الملا مصطفى البارزاني، ربما إرضاءً لعيون الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي الذي تجهّزه واشنطن بالأسلحة المتطورة، وهو حارس لمصالحها، والذي كان يقول إن الزعيم الكوردي الملا مصطفى البارزاني محكوم بالإعدام، وإنه شيوعي لا يُتعامل معه. ولم يكن البارزاني شيوعياً، ولا كان عبد الكريم قاسم شيوعياً.

تنصّل الزعيم الركن عبد الكريم قاسم من الحقوق الدستورية للكورد وفق دستور عام 1958 الذي نصّ على «أن العرب والكورد شركاء في الوطن»، وزادت شكوك الملا مصطفى البارزاني بمرور الوقت في أن الزعيم عبد الكريم قاسم يريد منه تصفية العشائر الكوردية التي لا تناصر سياسته المتلوّنة، مرةً مع القوميين العرب وأخرى مع الشيوعيين، كما حدث في مهرجان أنصار السلام في مدينة الموصل في آذار 1959، وفي حركة العقيد الركن عبد الوهاب الشواف، آمر موقع الموصل، ضد عبد الكريم قاسم في الشهر ذاته (آذار 1959). وكان من نتائج فشل حركة العقيد الركن عبد الوهاب الشواف إعدام (21) ضابطاً من اللواء الخامس من أهل الموصل، وكان ذلك بمثابة ضربة للقومية العربية وقائدها جمال عبد الناصر الذي كثيراً ما اختلف مع نيكيتا خروشوف، الرئيس السوفيتي، حول دور الأحزاب الشيوعية وصراعها مع القوميين العرب. ثم جاءت الأخطاء التي ارتكبها عبد الكريم قاسم في فتنة الكورد والتركمان في كركوك، وهروب الشيخ رشيد لولان، زعيم عشيرة برادوست، وأتباعه إلى كوردستان إيران. وكانت تركيا غاضبة من البطش الذي أصاب التركمان في أحداث كركوك عام 1959، فأعطى ذلك لبريطانيا والولايات المتحدة المبرّر لدعوة الدول الموقّعة على حلف بغداد عام 1955 (تركيا وإيران وباكستان)، دون العراق الذي انسحب منه عام 1959، لدراسة الموقف العراقي وتقييمه بعد التشقق الذي أصاب المجتمع العراقي.

وزادت شكوك الزعيم عبد الكريم قاسم بالكورد عندما اجتمع السفير البريطاني بالملا مصطفى البارزاني في بغداد في بداية عام 1960، فاعتبر ذلك تآمراً على سلطته ووجوده. ومع الغضب الذي أبداه الملا مصطفى البارزاني من تصرّف عبد الكريم قاسم، فإن وصف قاسم للكورد بـ«المحاربين الشجعان»، وهو الوصف الذي أخذه الكورد لقباً لهم، إنما كان لقباً فارسياً، ووجدت فيه إيران فرصة لاعتبار الكورد من أصول فارسية. وكان ذلك قبل أن يتوجّه الملا مصطفى البارزاني إلى موسكو عام 1960 طلباً للضغط على الزعيم عبد الكريم قاسم، وهو ما رفضه نيكيتا خروشوف، الرئيس السوفيتي.

الحركة الكوردية

وكأي حركة ثورية، باتت الحركة الكوردية محاصرة من تركيا وإيران والعراق، وكان على الزعيم الكوردي الملا مصطفى البارزاني، وهو القائد والزعيم التاريخي للشعب الكوردي، أن يتصرّف هو وأعضاء الحزب الديمقراطي الكوردستاني، قبل أن يصله المحامي عمر مصطفى، الملقّب بعمر دبابة، ليقول له إن طهران مستعدة للتعاون معه ضد الزعيم عبد الكريم قاسم بصورة سرية. وقد فتحت إيران له منفذاً على العالم الخارجي، رغم العلاقات بين طهران وتل أبيب التي بدأت وتطورت منذ عام 1950. وبدت إيران، ومعها إسرائيل، في سرور تام وهما تراقبان المعارك الدائرة بين قوات البيشمركة الكوردية وقوات الجيش العراقي عام 1961، وقد شملت كل بقعة من أرض كوردستان البالغة مساحتها (72.000) كم² من مدينة خانقين على الحدود العراقية - الإيرانية حتى مدينة زاخو على الحدود العراقية مع تركيا. ويعني ذلك أن الملا مصطفى البارزاني وقواته من البيشمركة سيحتاجون عاجلاً أم آجلاً إلى معونة إيران، وربما إسرائيل في قادم الزمن، وذلك قبل أن يتلقّى شاه إيران محمد رضا بهلوي توجيه واشنطن بمعاونة الملا مصطفى البارزاني ضد عبد الكريم قاسم.

وقد تأكدت أمريكا أن الملا مصطفى البارزاني ليس شيوعياً، بل هو زعيم قومي كوردي يريد لقوميته الكوردية حقوقاً في القرار السياسي العراقي، وهي حقوق لم يفهمها الحكام السابقون في الدولة العثمانية والدولة الفارسية ولدى العرب، رغم أن هناك (25) مليون كوردي في كوردستان تركيا، و(12) مليوناً في كوردستان إيران، و(6) ملايين في كوردستان العراق، وما يقارب مليوناً ونصف المليون كوردي في كوردستان سورية. والجميع يعيشون على حوض جغرافي (منطقة كوردية / كوردستان) غير مجزّأ، ويتكلمون لغة كوردية أصلية ليست فارسية ولا تركية ولا عربية. وبريطانيا أوجدت بعد الحرب حدوداً لدول صغيرة لا تقارن مساحتها بربع مساحة أيٍّ من كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق) أو الشمالية (كوردستان تركيا) أو الشرقية (كوردستان إيران). ومع كل هذا فلا نجد حرجاً في الحديث عن حق الشعوب في تقرير مصيرها كما أعلنه الرئيس الأمريكي ويلسون عام 1919.

ذلك هو الحديث الذي أثار جدلاً في أوساط حكومة عبد الكريم قاسم، وكان وزير خارجيته هاشم جواد يريد من السفير البريطاني معرفة ما دار بينه وبين الملا مصطفى البارزاني، وذلك قبل أن يصل حزب البعث إلى السلطة في الانقلاب على عبد الكريم قاسم في 8 شباط عام 1963، لأول مرة في تاريخه منذ تأسيسه عام 1947. وشعر الناس جميعاً، وخاصة في العاصمة بغداد، أن رموز السلطة الجديدة (البعث)، ومنهم القيادي البعثي علي صالح السعدي، الكوردي الأصل، يتسابقون على تولّي كراسي الحكم في العراق. وعندما طُرد علي صالح السعدي إلى خارج العراق قال: «إنهم وصلوا إلى السلطة في العراق على عربة قطار أمريكي».

واستثمر ذلك الرئيس القومي العقيد الركن عبد السلام محمد عارف لتعويض خسارته ومكانته في ثورة 14 تموز 1958، وهو الذي كان من المنفذين الرئيسيين للثورة مع الزعيم الركن عبد الكريم قاسم (الأقدم منه عسكرياً). وكان في عقل الرئيس القومي العربي عبد السلام عارف، الذي يجد في جمال عبد الناصر عنواناً لعزة العرب، أن يجد حلاً للقضية الكوردية بعيداً عن الأصابع الأجنبية. وعقد أول اجتماع جدّي مع الوفد الكوردي الذي ترأّسه جلال الطالباني، عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني، في العاشر من شباط 1964. ومع توقّف نزيف الدم الكوردي - العربي لفترة من الزمن، اعترض جلال الطالباني ومعه صهره إبراهيم أحمد على الاتفاق مع حكومة عبد السلام عارف، لكونه لم يُشر صراحة إلى الحكم الذاتي لكوردستان العراق. ولم يكن العسكري عبد السلام عارف، ولا غيره من الوزراء، يستطيع أن يجهر بالحكم الذاتي لكوردستان العراق خشية أن تُلصق بهم كلمة «الخيانة» وتهمة تقسيم العراق على يد الرئيس عبد السلام عارف، الذي كابد السجن ثلاث سنوات في زمن عبد الكريم قاسم وهو يردّد شعار وحدة العرب لا التقسيم. ولو أُريد للمباحثات أن تستمر بين الطرفين دون تدخل خارجي، لأثمرت في قادم الزمن حلولاً ليس فيها انفصال على الأقل، وهو ما يكرهه القوميون العرب كلهم، وليس عبد السلام عارف وحده.

وربما كان هذا ما ينسجم مع تطلعات القوميتين التركية والإيرانية (الفارسية) اللتين تجدان أن أي صيغة من الحكم الذاتي في كوردستان العراق تهديد لأمن بلديهما. وهي نقطة مركزية حاول عبد السلام عارف أن يطرحها مع الرئيس جمال عبد الناصر التوّاق إلى حل للقضية الكوردية دون مزيد من إراقة الدماء بين المسلمين. وكان الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بلة (المؤيد للقضية الكوردية) على غير إدراك للمخاطر، وكذلك الرئيس الليبي السابق العقيد معمر القذافي، وربما كانت الشهرة والشعبية بين شعوب العرب هي التي سيطرت على عقول القادة والزعماء العرب، ليقولوا فيما بعد إن القضية الكوردية مدينة لهم بالولاء.

السعودية

أثار عرب الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية، الموضوع مع الرئيس عبد السلام عارف، وأشاروا عليه من طرف خفي متسائلين: هل جمال عبد الناصر، الذي أرسل (50.000) جندي إلى اليمن عام 1962 لمقاتلة الإمام البدر حاكم اليمن في حينها، متيقّن من أنه لا يريد تقسيم اليمن إلى شمالي وجنوبي؟ وقد فهمنا، والقول للسعودية، أنه يريد، لأسباب تتعلق بريادة العالم العربي، أن يقسّم العراق إلى كوردي وعربي.

إيران

أما إيران فأثارت موضوعاً بالغ الحساسية بين أعضاء الحزب الديمقراطي الكوردستاني، مفاده أن القومية العربية بوعائها الكبير يمكن أن تصهر القومية الكوردية في أي اتفاق تتنازل فيه البيشمركة عن السلاح. ولم يكن الكلام صحيحاً ولا مخلصاً إلا بالقدر الذي يتيح لإيران الشاه محمد رضا بهلوي استخدام الكورد وسلاحهم ورقة ضغط على حكومة بغداد لتحقيق مكاسب حدودية، وخاصة في شط العرب. وقد أفصح مدير المخابرات الإيرانية الجنرال نعمة الله نصيري لنظيره الإسرائيلي أن استراتيجية الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي هي «أن تنشب حروب متواصلة بين إسرائيل والعرب بصورة تجعل الجيوش العربية منشغلة ومستنزفة، ولا تدع مجالاً للالتفات إليها أو العمل ضدها لجهة احتلال خوزستان، أي المحمّرة العربية (مناطق النفط الإيرانية)، رغم أن الإيرانيين كانوا على استعداد لمواجهة جميع الاحتمالات بما فيها احتمال الحرب مع العراق».

وسنجد، عندما نأتي على حرب الخامس من حزيران عام 1967 بين العرب وإسرائيل، كيف أسهمت إيران بدور خفي في توريط العرب في حرب لم يكونوا مستعدين لها.

وهنا سيُثار سؤال حول دور الموساد الإسرائيلي، وزيارة ديفيد كمحي، مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية، إلى كوردستان العراق ولقائه بالملا مصطفى البارزاني في منطقة بارزان، وتتابُع زيارات أخرى متبادلة بين الطرفين (1964-1975)، وهي الفترة التي انفصل فيها جلال الطالباني عن الملا مصطفى البارزاني سياسياً. والجواب هو أن العلاقة بين بغداد والملا مصطفى البارزاني لم تكن واضحة، وليس فيها ما يوحي بتنازل بغداد عن كركوك (المدينة النفطية الكوردية) لتكون ضمن إقليم كوردستان. واعتقد الملا مصطفى البارزاني أن وجود النفط لديه سيجذب واشنطن ولندن لممارسة الضغط على الأطراف الإقليمية، إيران وتركيا، والأخيرة عضو في حلف شمال الأطلسي منذ عام 1952، من أجل إنشاء دولة كوردية مستقلة تحت قيادته. كما أن النفط سيتيح له الإنفاق على الشعب الكوردي بما يؤمّن حاجاته المعيشية ورفاهية الكورد.

ولكن لمّا كان هو وشعبه الكوردي محاصرين دون اتفاق مع تركيا والعراق، ومنفذهم الوحيد إيران، فقد أنشأ علاقة مع إسرائيل، وهي علاقة المضطر، أشبه ما تكون بالفتوى التي تبيح للإنسان «أكل الميتة والدم ولحم الخنزير» لأنه بدونها يموت. وباعتقادي المتواضع أن سبب هذا التعاون يعود إلى سوء تصرّف حكومات المركز (بغداد) المتعاقبة مع شعبها الكوردي. وقد استثمر شاه إيران تلك العلاقة، وغذّتها إسرائيل، لإنجاز هدفين: الأول، استنزاف قدرات الجيش العراقي ومنعه من تقديم دعم عسكري لسورية والأردن في أي حرب قادمة ضد إسرائيل، أو تحجيمه إلى الحد الذي لا يمكّنه من ذلك. والثاني، إحباط الكورد في أي مشروع للحكم الذاتي يمكن أن يجذب أكراد كوردستان إيران إلى الثورة من أجله.

أما إسرائيل، فلكي تفكّ العزلة العربية والإسلامية عنها، فإن ما يُضعف العراق ويصرفه عن معاونة سورية أو الأردن في أي حرب مقبلة مع إسرائيل، واحتلال أراضٍ عربية أخرى، سيجعل مشروع بن غوريون، رئيس وزراء إسرائيل، لعام 1954 قابلاً للتطور. وهو ما عملت عليه بريطانيا التي وجدت أن أي تقارب بين مصر والعراق مشروع لجذب الآخرين من العرب لإنجاز وحدة يكون فيها القرار السياسي والعسكري موحداً، وهذا ما لا تقبل به لندن وواشنطن وطهران وتل أبيب وأنقرة، وخاصة شاه إيران محمد رضا بهلوي (البهائي) الذي تتلمذ منذ صباه في سويسرا على يد البريطاني «براون»، الذي لم يتركه وحيداً في اتخاذ القرارات السياسية في بلاده إيران.

الدكتور عبد الرحمن البزاز رئيساً لوزراء العراق عام 1965

وجاءت فرصة العمر للكورد العراقيين لبلوغ مرحلة الحكم الذاتي حين كلّف الرئيس عبد السلام عارف الدكتور عبد الرحمن البزاز، المدني، بتشكيل حكومة عراقية هدفها إنهاء نزيف الدم بين العرب والكورد في كوردستان العراق. ولإشعار الكورد بالمهمة الموكلة إليه، مهّد الدكتور عبد الرحمن البزاز عام 1965 لحل المجلس الوطني لقيادة الثورة في العراق، وإعادة الترخيص للأحزاب السياسية، وإجراء الانتخابات، ليكون شعب العراق بعربه وكورده على خط واحد. كما وعد بوضع حد لعمليات الاعتقال، وإطلاق سراح المسجونين الكورد.

بيان 29 حزيران 1966

ثم أعلن الدكتور عبد الرحمن البزاز، رئيس وزراء العراق، لشعب العراق بيان 29 حزيران 1966 المؤلف من اثنتي عشرة نقطة، وفيه مسحة قانونية وإنسانية، ومفاده أن الكورد، وهم القومية الثانية في البلاد، يتمتعون بحقوق قومية في اللغة والملبس والدراسة والتعمير والإدارة في المناطق الكوردية (كوردستان العراق) دون منغّصات من حكومة المركز (بغداد).

ولعل ما ذهب إليه الدكتور عبد الرحمن البزاز في مشروعه لإنهاء القتال في كوردستان العراق هو عدم مشاركة الضباط في الحياة السياسية، وهي نقطة مثيرة للجدل ما دام الحال قد بقي لهم منذ ثورة 14 تموز عام 1958. وكان تبريره، عندما سُئل عن الضباط الذين يحيطون بالرئيس عبد السلام عارف، أن واجب الجيش والأجهزة الأمنية دور مهني، كحماية حدود البلاد وضبط الأمن في الداخل. وفي هذه النقطة أراد أن يخصّص الميزانية المصروفة لوزارة الدفاع لبناء مشاريع صناعية وتطوير الزراعة دون الاعتماد على عائدات النفط، مع الأخذ بنظر الاعتبار صرفيات القوات العراقية المرابطة على الحدود العراقية - الأردنية، وعمليات التأميم التي طالت المصارف، والتي أوقفها بعد هروب رأس المال العراقي إلى خارج العراق.

وتذكّر الدكتور عبد الرحمن البزاز، وكان سفيراً للعراق في بريطانيا قبل أن يصبح رئيساً للوزراء، أن جلال الطالباني كثيراً ما ردّد على شاشة BBC عبارة الدكتاتورية العسكرية، أو الحكم العشائري، في إشارة إلى عشيرة الجميلات التي ينتمي إليها الرئيس عبد السلام عارف. وكان في عقل عبد الرحمن البزاز أن الحجة لاستمرار القتال في كوردستان العراق هي عدم الاعتراف بالحقوق القومية للكورد. فإذا كان للكورد زعامة تريد الحياة الحرة الكريمة للشعب الكوردي، فليس من الجيران من يعطيهم ثلاث نقاط، لا اثنتي عشرة نقطة تؤسّس لحكم ذاتي، دون تدخل يد أجنبية في شرعية هذه الحقوق وإنسانيتها.

اعتقد شاه إيران أن الرئيس القومي عبد السلام عارف مثّل أحد أوجه التحدي لشخصه، وهو ملك الملوك (شاهنشاه). فعبد السلام عارف هو من مجّد في خطبه الدكتور محمد مصدق، رئيس وزراء إيران، عام 1953 بعد تأميم النفط الإيراني، وهو من طرد السفير الإيراني أثناء تقديمه أوراق اعتماده في القصر الجمهوري في بغداد. وكان تطبيق الحكم الذاتي لكورد العراق يعني، في نظر الشاه، أن عبد السلام عارف يريد إشعال ثورة كوردية ضده في كوردستان إيران. وتتبّع جهاز السافاك الإيراني الرئيس عبد السلام عارف وهو يتنقّل بطائرة هليكوبتر حطّت عدة مرات قبل الوصول إلى محافظة البصرة، وسقط الرئيس العراقي عبد السلام عارف صريعاً في الثالث عشر من نيسان 1966.

وبدل ذهاب الكورد إلى بغداد للتشبث بما أعلنه الدكتور عبد الرحمن البزاز، لأنه طريق يفضي إلى السلام، ويهيّئ القاعدة للانطلاق بمطالب كوردية متمّمة، كان الطرفان الإيراني والإسرائيلي يقنعان رموز الحزب الديمقراطي الكوردستاني بأن مقتل الرئيس عبد السلام عارف يوحي بصراعات داخلية، وبأن الدكتور عبد الرحمن البزاز لا يُنتظر منه أن يخالف الضباط المتسارعين إلى سدة الحكم، ومنهم وزير الدفاع اللواء الركن عبد العزيز العقيلي الذي قاد الحملة ضدكم (أيها الكورد) عام 1964. وفي لحظة ضعف الملا مصطفى البارزاني، من جراء شحّ الغذاء والدواء لمقاتليه البيشمركة حول حوض راوندوز في نيسان 1966، قال ممثل السافاك الإيراني في كوردستان العراق، وهو بصحبة أحد ممثلي بعثة الموساد الإسرائيلي، إن الاتفاق مع الكورد هو «لقتال العرب، وليس لكي تصنعوا سلاماً معهم». وكثيراً ما استُخدمت ورقة الضغط ضد الزعيم والقائد الكوردي الملا مصطفى البارزاني بعدم استقبال الجرحى الكورد في المستشفيات الإيرانية، وبأن لإيران الحق في غلق الحدود إذا استمر الزعيم والقائد الكوردي الملا مصطفى البارزاني في الإصغاء إلى الحكومة العراقية والرئيس العراقي الجديد عبد الرحمن محمد عارف، شقيق المغدور عبد السلام عارف، دون استشارتها.

عبد الرحمن عارف رئيساً للجمهورية العراقية

الرئيس عبد الرحمن عارف (هادئ الطبع، طيب القلب)، وخلال زيارة له لفرنسا عام 1967 (قبل حرب 5 حزيران 1967) لطلب السلاح، عرّج أثناء العودة على إيران. وخلال لقائه بالشاه الإيراني محمد رضا بهلوي، ملك الملوك (شاهنشاه)، شكا له الرئيس عبد الرحمن عارف من الأوضاع الداخلية في العراق، وتسابق الضباط على كراسي الحكم، ومحنة المصاريف الباهظة التي يتحملها العراق من جراء القتال في كوردستان. وكان في عقل الرئيس العراقي أن ملك الملوك (الشاه) الإيراني مسلم يقدّر الجيرة، وأنه سيسأله عن حاجات بلده ليعاونه على تذليلها. ولكن الشاه محمد رضا بهلوي سرعان ما قابل السفير الأمريكي في طهران ليُشعره بأن الرئيس الجديد للعراق عبد الرحمن عارف قد باح له بما يعانيه، وأن انقلاباً عسكرياً سهلٌ لخلق اضطرابات جديدة تمنع أي توجه كوردي إلى بغداد. كما نقل مثل هذه المعلومات إلى الملحق العسكري الإسرائيلي في طهران يعقوب نمرودي، الذي أسّس علاقة شخصية متينة مع الشاه محمد رضا بهلوي مدة ثلاث عشرة سنة.

أما قصة نكسة العرب في حرب الخامس من حزيران عام 1967، وقد وعدناكم بالكلام عنها، فهي المؤامرة التي صاغتها دول القرار الكبرى، مستعينة باللاعب الإيراني محمد رضا بهلوي، لكي تفوز إسرائيل في هذه الحرب، ولجعل العرب يتسكّعون على أبواب الأمم المتحدة لإرضاء الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.

من يورّد السلاح يشارك في القرار السياسي

بعد ضياع فلسطين عام 1948، والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وجد العرب في الأردن وسورية والعراق ومصر أنهم أمام مسؤولية تاريخية لاستعادة حقوق الشعب الفلسطيني. وكانت مصر على وجه الخصوص، باعتبارها أكبر دولة عربية يقودها الرئيس القومي جمال عبد الناصر، ترى أن الحصول على السلاح المتطور من السوفييت سيجعله في مقدمة الزعماء التاريخيين في منافسة الإسرائيليين وكبح جماحهم في التوسع. واقتنعت كلٌّ من سورية والعراق بمسعى جمال عبد الناصر، حتى وإن كان الثمن فيه كبحاً لرجال الدين الذين لا يريدون للشيوعية الملحدة أن تنمو وتزدهر في ديارهم ثمناً للسلاح المورَّد. فعلماء الدين شهدوا ضياع فلسطين تحت وطأة الهزيمة المرّة لسبعة جيوش عربية، فهل يريدون ضياع أراضٍ عربية أخرى؟ وصار الحديث القومي العربي أن السوفييت، كأصدقاء للعرب، ليس لديهم ذلك التاريخ في التآمر على وحدة العرب، رغم الحروب الروسية القيصرية ضد الدولة العثمانية المسلمة التي استمرت منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى الحرب العالمية الأولى.

وتبعاً للسلاح المورَّد إلى الدول العربية ومصدره سوفيتي، والسلاح المورَّد إلى إسرائيل وإيران ومصدره أمريكي وبريطاني وفرنسي، فإن استخدامه في أي حرب قادمة يوجب على الأطراف المستفيدة أن تستنير برأي الدول المصنّعة للسلاح عندما يكون القرار السياسي ضرورياً.

وتجد دول مصر وسورية والعراق، التي استقبلت الأحزاب الشيوعية على أراضيها، أنها مجبرة على إتاحة حرية الحركة لجهاز المخابرات السوفيتي على كامل حدود الدولة الجغرافية، وأنها جزء من الحرب الباردة التي يخوضها السوفيت ضد الإمبريالية الأمريكية، وإذا ما أصبحت هذه الحرب ساخنة ضد إسرائيل أو إيران فهي تخوضها بالنيابة عنهم، دون ذهاب واشنطن وموسكو إلى السلاح النووي المدمّر.

مصر

مصر، الدولة العربية الكبيرة التي يعوّل عليها العرب في أي حرب مقبلة، مدينة للسوفيت الذين كسروا الحظر على توريد السلاح إليها عام 1957، كما هي مدينة لهم بالضغط الذي مارسه نيكيتا خروشوف، الرئيس السوفيتي، على بريطانيا وفرنسا وإسرائيل لسحب قواتهم من شرق قناة السويس عام 1956. وكان جمال عبد الناصر ممتنّاً لجعل السفير السوفيتي في القاهرة على اطلاع مباشر مع ممثل الضباط الأحرار في العراق محمد صديق شنشل، الذي وصل القاهرة بداية عام 1958 لمناقشة سبل نجاح ثورة في العراق ضد النظام الملكي الموالي لبريطانيا، وتركيا وإيران لا تزالان في حلف بغداد.

وإيران وإسرائيل، اللتان أقامتا علاقات تعاون أمني منذ عام 1950، معنيّتان بدرجة مختلفة بما يدور من نشاط (شيوعي - مخابراتي) في جوارهما. وتجد الولايات المتحدة وبريطانيا أن أمن إسرائيل فوق كل اعتبار لعلاقتهما مع إيران أو دول الخليج، ومنها المملكة العربية السعودية. ويرى الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي أنه مدين لواشنطن ولندن بدورهما وضغطهما المتواصل على الزعيم السوفيتي ستالين لسحب القوات الروسية من شمال إيران عام 1946، وإليهما يعود السبب في طرد حزب توده وإحباط دولة (جمهورية) مهاباد الكوردية عام 1946، كما هو مدين للدولتين بإحباط انقلاب محمد مصدق، رئيس الوزراء الإيراني، عام 1953.

وعلى صعيد الأمن الداخلي، كان الشاه الإيراني شاكراً جداً لجهاز الموساد الإسرائيلي الذي درّب جهاز السافاك الإيراني، وهو مصدر قوة الشاه في مواجهة المناوئين له، وسبب بقائه على عرش إيران منذ عام 1941. وربما تذكّر جهاز الموساد أن مشروع تهجير اليهود من العراق عبر كوردستان ما كان له أن ينجح لولا تدخل السافاك الإيراني فيه.


أجزاء «القضية الكوردية والتأثيرات الدولية عليها» (6 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث (هذا الجزء)
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس

→ الجزء الثاني  |  الجزء الرابع ←