أول جريدة كوردية (كوردستان)
ومع ما كشفته صحف أوروبا الحيّة، وخاصة في لندن وباريس وبطرسبورغ، عن تجاوزات الدولة العثمانية ضد رعاياها، فطن المثقفون الكورد إلى تأسيس أول جريدة كوردية بعنوان «كوردستان» في القاهرة عام 1898، وكانت على يد مدحت بك ابن بدرخان. ثم تأسست جمعية «تعالي وترقي كوردستان» عام 1908 على يد الأمير «أمين عالي بدرخان» وعبد القادر ابن الشيخ عبيد الله النهري. فكانوا أبناءً بررة لأمتهم الكوردية، حملوا مشعل حرية الفكر لتنوير الشعب الكوردي بحقوقه القومية في وجه ممارسات السلطات العثمانية القمعية ضده. وعندما سُئلوا عن الهدف قالوا: نطالب بالحقوق القومية لشعبنا الكوردي وبالحرية له، وإن حرية الكورد وحقوقهم لا تعني الانفصال القومي عن الإمبراطورية العثمانية. ولكن ما إن ظهر حزب «هيفي» أو «هيوا» ومعناه (الأمل) في الأستانة عام 1910، وأصدر مجلة «روز كورد» (شمس الكورد)، حتى صارت التوعية الثقافية تشير إلى الدولة الكوردية المستقلة في كوردستان.
وبات الحديث عن القومية الكوردية واستقلال كوردستان مسموعاً بعد حرب البلقان (1912-1913)، حين صارت الجيوش البلغارية المنتصرة على أبواب إسطنبول. وفي خطوة كوردية وطنية لاحقة تنمّ عن تفهّم رموز كوردية لتطورات الميدان ولما أظهرته الدولة العثمانية من ضعف عسكري، توجه «خير الدين بك» إلى بطرسبورغ للحديث عن ثورة للكورد في مدن كوردية مثل وان وديار بكر وأورفة وأرضروم وبدليس وبايزيد، فيما توجه «حسن بك» للقاء الإنجليز في لندن عام 1913 لمعرفة رأيهم في الثورة الكوردية. وكان الجنرال والدبلوماسي الكوردي «شريف باشا» السليماني هو الآخر على موعد للقاء موظف في وزارة الخارجية الفرنسية، للبحث لا في ثورة كوردية جديدة، بل في ظهور دولة كوردية مستقلة في كوردستان إذا ما نشبت الحرب العالمية الأولى. ولكن أيّاً من الأطراف الثلاثة (لندن وباريس وبطرسبورغ) لم يعطِ الكورد جواباً مقنعاً، لا في قيام ثورة كوردية في كوردستان، ولا في ظهور دولة كوردية مستقلة فيها. ويظهر أن في عقل كل واحدة من الدول الثلاث (بريطانيا وفرنسا وروسيا) أهدافاً تريد تحقيقها والحصول عليها بعد الحرب العالمية الأولى. وكانت هناك خشية لدى الدول الثلاث من إعلان الجهاد الإسلامي في الدولة العثمانية، ومن دخول ألمانيا القوية، التي تخشاها بريطانيا وفرنسا، والتأثير في مجريات الحرب العالمية الأولى المجهولة وعوراتها.
فرنسا شريكة بريطانيا في الحرب العالمية الأولى
كانت فرنسا شريكة بريطانيا في الحرب العالمية الأولى، ولديها نفوذ في بلاد المغرب العربي (تونس والجزائر)، وكانت هناك إمكانية لجذب بعض علماء الدين المسلمين لإصدار فتوى تحرّم الجهاد الإسلامي ضدها بحجة ظلم الأتراك العثمانيين واستبدادهم بالقوميات الأخرى. وكانت بريطانيا دولة محتلة لمصر منذ عام 1882، وللسودان وميناء عدن، ولها نفوذ على عوائل مسلمة متنفذة في الهند، مثل عائلة القادياني، الذي أصدر فتوى بعدم جواز الجهاد الإسلامي ضد القوات البريطانية التي أتت إلى جنوب العراق (الفاو والبصرة) ما دام الإمام الثاني عشر للشيعة المهدي بن الحسن العسكري لم يخرج من غيبته الكبرى.
ولما كانت مادة النفط حيوية للغاية للصناعة وللأسطول البحري القوي، وقد اكتُشف النفط في مسجد سليمان عام 1908 في منطقة عربستان (إيران)، وفي ولاية الموصل (كوردستان العراق) عام 1909، فإن حلف بريطانيا مع فرنسا كان ضرورياً لكسب الحرب ضد ألمانيا. وكانت خشية بريطانيا ألا تتمكن من الاحتفاظ بنفوذها في عربستان النفطية والبصرة والكويت وسواحل الإمارات الغربية وميناء عدن، إذا ما تحوّل الجيش البري الألماني (ثلاثة ملايين مقاتل) من أوروبا الوسطى إلى مسرح عمليات الشرق الأوسط خلال الحرب العالمية الأولى التي بدأت عام 1914. وكان ميناء الفاو هو القاعدة في تلك الحرب، وفي الحرب المعادة عام 2003 لاحتلال العراق أيضاً.
معركة الكوت 1916
كانت عورة معركة الكوت عام 1916 بالغة التأثير على ساسة بريطانيا؛ فقد خسرت بريطانيا أمام الجيش السادس التركي بقيادة المشير الألماني «فون دير غولتز» (13.300) ضابط وجندي من الجيش البريطاني، سيقوا مشياً على الأقدام إلى تركيا. ودعت بريطانيا حليفتيها في الحرب، فرنسا وروسيا القيصرية، إلى عقد معاهدة سايكس-بيكو-سازونوف عام 1916، لتكون غنائم الحرب من حصتهم وحدهم. كما دعت بريطانيا شريف مكة الحسين بن علي إلى فتح جبهة حرب وفق مراسلات (الحسين-مكماهون) التي بدأت عام 1915، لحماية ميسرة الجيش البريطاني المتقدم إلى بغداد. وكان إعلان الثورة العربية الكبرى بعد نحو ثلاثة أسابيع من توقيع سايكس-بيكو عام 1916.
نفط ولاية الموصل (كوردستان العراق)
كان نفط ولاية الموصل (كوردستان العراق)، التي تتألف من المحافظات (الألوية) التالية: الموصل والسليمانية وأربيل وكركوك، وأجزاء من ديالى ودهوك لاحقاً، وكذلك فلسطين التي وُضعت تحت الوصاية الدولية لوجود الديانات السماوية الثلاث فيها، إضافة إلى العراق، محورَ المناقشات بين بريطانيا وفرنسا بعد انسحاب روسيا من اتفاقية سايكس-بيكو بفعل ثورتها البلشفية في تشرين الأول (أكتوبر) 1917. وقد علّل رئيس الوزراء البريطاني «لويد جورج» لنظيره الفرنسي «كليمنصو» عام 1919 أن سورية غرب دمشق (أي الساحل) ولبنان وولاية الموصل (كوردستان العراق) من حصة فرنسا. ولكن، وكما تعلمون، فإن الجيش البريطاني هو الذي دخل مدينة الموصل عام 1918، وكانت بريطانيا ترى أنها بحاجة إلى ولاية الموصل (كوردستان العراق)، كما أن فلسطين مهمة لها وفق وعد بلفور لليهود عام 1917.
وفي مداخلة للرئيس الأمريكي ويلسون، الذي حضر اجتماع لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا وكليمنصو رئيس وزراء فرنسا قبل جلسات مؤتمر فرساي للسلام في باريس عام 1919، كان الرئيس الأمريكي ويلسون يستمع إلى المشادّة الحادة بين الطرفين (بريطانيا وفرنسا) حول مصير أرض العرب، وسمع كليمنصو يقول: ما دمتُ قد وافقت على إعطائك ولاية الموصل (كوردستان العراق)، فمن الحق أن تكون دمشق (المخصصة للعرب) من حصة فرنسا.
بيعت سورية بنفط ولاية الموصل (كوردستان العراق) بعد أن طُرد منها الملك فيصل بن الحسين في تموز عام 1920م، وبيعت القضية الكوردية بنفط ولاية الموصل (كوردستان العراق) أيضاً، وباتت ورقة للمساومة تديرها بريطانيا متى ما أرادت استثمار بندقيتها لتقويض الحاكم الذي لا يساير سياستها في تركيا وإيران والعراق.
عودة الكورد إلى الثورات (ثورة الشيخ محمود الحفيد 1919 في السليمانية)
عاد الكورد في ولاية الموصل (كوردستان العراق)، ومن السليمانية تحديداً، إلى إعلان الثورة الكوردية عام 1919، وهي عودة إلى المربع الأول الذي بدأه بدرخان عام 1842 ضد العثمانيين، والآن بقيادة الشيخ محمود الحفيد من السليمانية، ولكن هذه المرة ضد المستعمر البريطاني غير المسلم. وكان الجيش الروسي (البلشفي)، عندما غادر الإنجليز مدينة السليمانية، قد سلّم مفاتيح المدينة للشيخ «محمود الحفيد البرزنجي» باعتباره الشخصية الكوردية العشائرية والدينية المرموقة، وطلبوا منه النضال والكفاح لنيل استقلال كوردستان.
واعتبر الشيخ محمود الحفيد البرزنجي أن أمر تعيينه حاكماً على السليمانية وتوابعها من قبل بريطانيا يعني أن السليمانية ستكون عاصمة لنواة دولة كوردية مستقلة جديدة في كوردستان، ما دام ساسة لندن قد فهموا أن أغلبية السكان هم من الكورد. ونقلاً عن الكاتب لوران شابري في كتابه «سياسة وأقليات في الشرق الأدنى»، فإن الشيخ محمود الحفيد البرزنجي، وتحت حماس الشباب الكوردي الذين كانوا يهتفون «كوردستان للكورد»، وسّع رقعة الأرض التي يقف عليها أتباعه في السليمانية إلى مدينة كركوك وضواحيها حتى الحدود الشرقية مع كوردستان إيران. وكان ذلك هو الخط الأحمر الذي لا ينبغي لأحد كائناً من كان أن يتجاوزه، حتى لو كان فرنسا.
وفي نظر بريطانيا، كانت المماحكات مع رئيس وزراء فرنسا كليمنصو والرئيس الأمريكي ويلسون، الذي حرمته بريطانيا من سياسة الباب المفتوح بذريعة قانونية، كلها من أجل النفط. وكانت تخشى أن تمتد ثورة الشيخ محمود الحفيد الكوردية في كوردستان العراق (السليمانية) عام 1919، وهي أول ثورة كوردية بعد الحرب، لتصل إلى كوردستان الإيرانية، وشاه إيران أحمد شاه حليف لبريطانيا، وأن ينقلب الكورد في كوردستان تركيا المنهزمة في الحرب على بريطانيا بتحريك من علماء الدين الكورد، ومن الجنرال مصطفى كمال أتاتورك الذي استجار بالكورد في حربه مع اليونانيين، وانتصر فيها بتأثير الكورد في صمود ما تبقى من الدولة التركية.
وكانت ردة الفعل البريطانية على استمرار الشيخ محمود الحفيد البرزنجي في تثوير الشباب والشيوخ والعلماء الكورد ضد القوات البريطانية أن استخدمت بريطانيا القوة العسكرية، وأسرت الشيخ محمود الحفيد في مضيق «بازيان» الواقع بين كركوك والسليمانية في حزيران 1919، وأرسلته منفياً إلى الهند. فخمدت حركة الشبان الكورد في السليمانية وعقرة والعمادية وراوندوز وبهدينان. وضاعف البريطانيون من تدبيرهم بتعيين أحد الأعيان الكورد والياً على ديار بكر الكوردية، وبتشكيل هيئة وزارية برئاسة الشيخ الجليل إبراهيم الحيدري لمناقشة مسألة الحكم الذاتي للكورد في جنوب تركيا (كوردستان تركيا)، وهو مغاير لما رسمته لندن. وبات الشعب الكوردي عرضة لاحتيال مكشوف من بريطانيا، قبل أن تندلع ثورة عراقية (عربية وكوردية) أخرى في الفرات الأوسط عام 1920 تدعو إلى استقلال العراق. وهاتان الثورتان، ثورة 1920 في الفرات الأوسط وثورة الشيخ محمود الحفيد 1919 في السليمانية، هما اللتان أسهمتا في تحديد السياسة البريطانية تجاه حكم العراق وفلسطين وشرق الأردن بعد انفصاله عن ولاية الشام عام 1920.
ليس هناك من شك في أن بريطانيا، التي وجدت النفط في «مسجد سليمان» (في عبادان إيران) المتاخمة للبصرة ومينائها (الفاو) في أقصى جنوب العراق، ووجدت النفط في ولاية الموصل (كوردستان العراق) في أقصى شمال العراق، وبالتحديد قرب كركوك في بابا كركر، لم تكن لتعطي امتيازاً لإنشاء دولة كوردية مستقلة مسلمة بين الموصل والبصرة، تكون باباً للتعاون مع الكورد الأتراك في كوردستان تركيا، وآخر مع الكورد الإيرانيين في كوردستان إيران، مع احتمال أن تستعيد الخلافة الإسلامية العثمانية دورها من جديد في قادم الزمن. واقترحت، لتفريغ أي ثورة كوردية قادمة من محتواها القومي الكوردي، أن تكون الدولة الكوردية على تراب الدولة التركية المهزومة، ولذلك عمدت مع الحلفاء (فرنسا وإيطاليا) الموجودين في إسطنبول إلى إقرار معاهدة «سيفر» في 10 آب 1920، وفيها أن دولة كوردية مستقلة يمكن أن تقوم في المناطق الكوردية من كوردستان تركيا التي يسود فيها العنصر الكوردي (المحصورة بين شرق نهر الفرات والحدود الجنوبية لأرمينيا).
ووفق المادة (64) من معاهدة سيفر (10 آب 1920) لا يحق للسلطان العثماني (محمد السادس) الاعتراض عليها، وهي سارية لمدة سنة. ولأجل إفشال معاهدة سيفر التي وقّعت عليها بريطانيا، شجّعت بريطانيا اليونان على احتلال منطقة إزمير التركية. ومهما تكن النتيجة من المعاهدة والإنزال اليوناني، فإن ما يخرج منهما هو تمزيق التراب التركي. وإذا ما شارك الكورد في دعوة مصطفى كمال أتاتورك للدفاع عن التراب التركي ضد الغزو اليوناني، فإن مصطفى كمال أتاتورك، بشخصيته القومية التركية، لن يقبل أن تكون للكورد دولة كوردية مستقلة في كوردستان تركيا، مهما كانت قيمة المساندة والتضحية الكوردية للأتراك لإخراج اليونانيين من البلاد، وهو ما حدث فعلاً. بل تجاسر مصطفى كمال أتاتورك على إنهاء الخلافة الإسلامية عام 1924 وسط ترحيب أوروبي كبير، بعد أن اتفق مع فرنسا على سحب قواتها بموجب معاهدة (فرانكلين-بويون) أواخر تشرين الأول 1921، وهو ما اعترضت عليه بريطانيا لأنه جرى دون استشارتها، ووجدت فيه احتمال أن يتقرب مصطفى كمال أتاتورك من روسيا الشيوعية. وهو الذي جعل عبد المجيد خليفة للمسلمين ودوره محصور في الشؤون الدينية فقط. ومهّدت إجراءات مصطفى كمال أتاتورك، الذي لا يريد عداء الحلفاء ولا السوفييت، لعقد معاهدة لوزان في 24 تموز 1923، التي ألغت الحديث عن معاهدة سيفر (10 آب 1920)، واستعادت تركيا بموجبها كامل سيادتها على الأرض التركية (الأستانة والأناضول) مقابل حرية الملاحة في المضائق. ولم يعد هناك حديث للكورد عن إنشاء دولة كوردية مستقلة أو حكم ذاتي كوردي في جنوب تركيا (كوردستان تركيا) أو ضمن حدود جغرافية ولاية الموصل (كوردستان العراق)، فيما كان الحكم في إيران مستقراً طيلة سنوات الحرب العالمية الأولى (1914-1918).
يقول السياسي التركي عصمت إينونو (الكوردي الأصل)، الساعد الأيمن لمصطفى كمال أتاتورك والذي خلفه في رئاسة الجمهورية التركية: «لا يحق لغير الأمة التركية أن تطالب بأي حقوق إثنية أو قومية في هذه البلاد (تركيا)، فما من أمة أخرى أو عنصر عرقي يملك مثل هذا الحق». ويقيناً ما كان يقصد إلا الكورد بصفة أساسية. والدستور التركي في (المادة 88) يقول إن جميع سكان تركيا، بغضّ النظر عن ديانتهم وقومياتهم، هم أتراك. وفسّرت الصحافة التركية المادة (88) بعبارة صريحة: إنه يجب على غير الأتراك إما أن يندمجوا في المجتمع التركي أو يرحلوا عن تركيا، دون أن تذكر الصحف التركية أن الكورد موجودون في ديارهم ومنطقتهم الجغرافية (كوردستان العراق) قبل أن تؤسس عائلة آل عثمان الدولة العثمانية عام 1299، ومن بعدها الدولة التركية.
الحاكم الفاقد للعدالة هو الضعيف دوماً، وفقدان العدالة هو الذي يقوده إلى استخدام القوة المفرطة ضد خصومه لأتفه الأسباب. والكورد الأتراك (كورد كوردستان تركيا) الذين استخدمهم مصطفى كمال أتاتورك باسم الدين ضد اليونانيين لطردهم من البلاد (تركيا الحديثة) عام 1922، هم أنفسهم الذين وجدوا أنفسهم أمام قانون تركي يقرّه المجلس الوطني التركي يسوّغ تهمة الخيانة العظمى لكل من يستخدم الدين الإسلامي لإثارة الشعور الشعبي، سواء بالكلام أو بالنشر. وذهب الكوردي المقنّع «عصمت إينونو» إلى إعلان الجهاد ضد الحركة الثورية الكوردية في كوردستان تركيا، مدّعياً أنها تهدد كيان الدولة التركية وتدفعها إلى التفكك.
واحتار الكورد في الطريقة التي يسلكونها لإرضاء السلطة التركية؛ فمن جهة لا يحق لهم التكلم باللغة الكوردية، ولا ارتداء زيّهم القومي الكوردي، ولا بناء قرى كوردية جديدة أو ترميم القرى القديمة لأطفالهم وكبار السن، أو ترميم بيوتهم المدمرة، ولا ممارسة حرفة معينة للعيش، بحجة تكتلهم في منطقة كوردية (كوردستان تركيا). كما لا يحق لهم الاستعانة بدين الإسلام، ولا الصلاة في الجوامع مجتمعين. فما هو الحل؟
الطريق إلى الثورات الكوردية
وقد سأل الكورد عن ذلك علماءهم ورجال الدين، فأعادوا عليهم قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر: 29-30)، وأشاروا عليهم بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (التغابن: 13)، و﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ (الإسراء: 81)، و﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة: 45)، مما أدى إلى نشوب ثورات كوردية، منها:
أ- ثورة الشيخ سعيد بيران 1925
اتخذ هذا الرجل الشيخ الجليل «سعيد بيران» من مدينة «كينجو» الكوردية عاصمة لثورته الكوردية، قبل أن تمتد لتشمل مدناً كوردية أخرى مثل ديار بكر وبدليس وديرسيم وأرضروم. وبلغت قوته (10.000) من المتطوعين الكورد (البيشمركة)، فيما بلغت القوة التركية بإمرة «كمال الدين سامي باشا» (70.000). وأسفرت الاشتباكات عن مقتل (150) كوردياً من البيشمركة، وعن قتل عدد من الجنود الأتراك وأسرهم. ورُصدت مكافأة قدرها ألف ليرة ذهبية لمن يلقي القبض على الشيخ سعيد بيران. وبسبب البطش والقوة المفرطة التي مارسها القائد التركي كمال الدين سامي باشا هربت أعداد من المواطنين الكورد إلى المناطق الكوردية في كوردستان إيران، التي كان فيها الزعيم الكوردي إسماعيل آغا الشكاك (الملقب سمكو)، الذي قاد هو الآخر ثورة كوردية في كوردستان إيران ضد حكومة رضا خان الإيرانية عام 1924. وادّعت إيران يومها أن سمكو آغا الشكاك كان يخطط لإزاحة الشاه الإيراني رضا خان عن عرشه الذي وهبه الله له. فشكّل الحدثان الكورديان درساً لبريطانيا في ألا تسمح للكورد بالتدخل أو بالتحالف مرة أخرى مع الحكومة التركية للإخلال بوضع ولاية الموصل الكوردية (كوردستان العراق) النفطية، التي ظلت تركيا تطالب بها حتى عام 1926. كما دفعت بريطانيا بجهدها نحو محاكمة الكورد المتمردين في محاكم الاستقلال التركية التي أنشأها مصطفى كمال أتاتورك في نيسان 1925، والتي قضت بإعدام (91) من الثوار الكورد (البيشمركة) أمام المسجد الكبير في ديار بكر (جنوب تركيا/كوردستان تركيا) في 27 أيار/مايو 1925.
وكان مما قاله المجاهد الشيخ عبد القادر النهري، وهو أحد الذين نُفّذ بهم حكم الإعدام: «إن على كل كوردي شريف أن يناضل في سبيل تحرير بلاده كوردستان المغتصبة من ظلم الأتراك». فيما تمكن ثلاثة إخوة شباب من الهروب من السجن، هم أولاد «بدرخان» (جلادت وثريا وكاميران)، وراحوا يروون قصص اعتقالهم لوسائل الإعلام الأجنبية ولأبناء جلدتهم، مؤكدين أن محاكم الاستقلال التركية نسخة أخرى من محاكم التفتيش الإسبانية في القرن الخامس عشر لمحاكمة المشعوذين في الدين. ولكن الكورد لم يكونوا كذلك إلا في نظر الشاه الفارسي الإيراني «رضا خان»، ومصطفى كمال أتاتورك التركي، ومن بعده «عصمت إينونو» الكوردي الأصل، الذين تعاونوا على القتل والقتل المضاد أينما وضع الثوار الكورد أقدامهم على أرض الدولتين، إيران وتركيا (كوردستان).
ب- ثورة الجنرال الكوردي إحسان نوري باشا في أرارات 1930
في هذه الثورة الكوردية في جبال أرارات ناشد الجنرال الكوردي «إحسان نوري باشا» عصبة الأمم التدخل لإيقاف المجازر التركية التي ارتُكبت بحق الكورد. ولأجل أن يطوّر الجنرال إحسان نوري باشا ثورته الكوردية في جبال أرارات، دعا الكورد في كوردستان العراق وسورية إلى التجمع في جبل أرارات لنيل الاستقلال للكورد في كوردستان، بعد أن تمكنت قوة كوردية من اغتنام (60) بندقية و(24) عجلة، وإسقاط طائرتين، وأسر أعداد من الجنود الأتراك.
وعدّت بريطانيا (صاحبة القرار السياسي) ونظيرتها الولايات المتحدة الثورة الكوردية في جبال أرارات عملاً من أعمال التمرد والخروج على القانون يجب معاقبته والتحالف ضده. وسمحت إيران للقوات التركية بمطاردة الثوار الكورد على أراضيها في كوردستان إيران. وعندما أراد «الشيخ أحمد البارزاني» في كوردستان العراق معاونة الجنرال إحسان نوري باشا عام 1932، استخدمت بريطانيا الطائرات المقاتلة ضده، ودعت القوات التركية والعراقية إلى إجهاض ثورة الشيخ أحمد البارزاني في كوردستان العراق.
ج- ثورة سيد رضا في ديرسيم بكوردستان تركيا عام 1937 «ثورة ديرسيم»
قال وزير الداخلية التركي «جلال بك» عن هذه الثورة الكوردية في ديرسيم بكوردستان تركيا: «إن الأشقياء الكورد جرى تلقيحهم بلقاح الحضارة عن طريق القوة». وهو يشير بذلك إلى ميثاق «سعد آباد» الذي أُبرم في قصر سعد آباد في طهران في تموز عام 1937، وضم تركيا وإيران والعراق وأفغانستان تحت رعاية بريطانية، وكان هدفه مكافحة الكورد والأفكار الشيوعية التي وُصم بها الكورد، أو على الأقل مجموعات كوردية ثائرة منهم، بعد خروج الروس من السليمانية عام 1919. وكان في ظن السلطات التركية أن أي تمرد آخر للكورد لا يمكن أن يستمر (48) ساعة، وأربع دول قد وضعت قواتها في حالة تأهب واستعداد وتعاون لسحق الثورات الكوردية، تحت رحمة مستشارين بريطانيين يتمتعون بأفق سياسي واسع وقرار ناضج.
وقبل الانتهاء من حقبة الأتراك المتعصبين لقوميتهم الطورانية (التركية) والدور الخبيث للسياسة البريطانية تجاه الكورد، سيظهر من يسأل عن انقلاب الفريق الركن بكر صدقي الكوردي عام 1936 في العراق وأثره على مجمل السياسة البريطانية، وعن علاقته بملك العراق غازي الأول، وعن توقيع رئيس وزرائه «حكمت سليمان» على اتفاقية شط العرب عام 1937، التي قادت فيما بعد، هي وأمور دينية، إلى حرب الثماني سنوات مع إيران (1980-1988). وربما يُبدي بعض الحاضرين آراءهم بخصوص أول انقلاب عسكري يحدث في البلاد العربية، والجواب:
كلنا يعترف بأن الملك غازي الأول رمز الملوك بامتياز في المسائل الوطنية والقومية، وخاصة في القضية الفلسطينية والكويت، وفي الدعوة إلى التحريض على المستعمرين البريطاني والفرنسي في سورية والعراق، حتى وإن كان ذلك بصورة غير مباشرة.
كانت أمام الملك غازي نقطتان مركزيتان يتعامل معهما: الأولى علاقته بضباط الجيش العراقي والتقرب إليهم وتلبية احتياجاتهم، لأنه عسكري، ولاعتبارات رمز السيادة والقوة لحماية التاج الهاشمي. والثانية اهتمامه بالعشائر، وخاصة عشائر الفرات الأوسط، لأسباب تتعلق بعدم إسناد مناصب إدارية لهم، وبوزنهم ونفوذهم (الذي لا تجده بريطانيا مناسباً) بعد ثورة 1920، وبقانون الانتخابات والبرلمان الموجود لاختيار الأصلح لتمثيل الشعب.
لكن رئيس الوزراء العراقي «ياسين الهاشمي» العربي القومي أراد أن يجرّد الملك غازي من النقطتين، وذلك ما أزعج الملك غازي تماماً، خصوصاً مع وجود شقيق رئيس الوزراء «طه الهاشمي» في منصب رئيس أركان الجيش. وكانت علاقة الفريق الركن بكر صدقي بالملك غازي قوية جداً بسبب كفاءته العسكرية وشجاعته ووطنيته وإخلاصه للعراق، خاصة بعد أن كلّفه سابقاً بمحاربة حركة الآثوريين في شمال الموصل وإنهائها عام 1933، كما كلّفه الملك غازي بإحباط ثورات الفرات الأوسط وإنهائها عام 1935. وكان من الطبيعي أن يكلّف الملك غازي الفريق الركن بكر صدقي بالتخلص من رئيس الوزراء ياسين الهاشمي العربي القومي، لأنه كان يحاول تجريد الملك غازي من بعض صلاحياته.
أما اتفاقية شط العرب بين العراق وإيران عام 1937، فإذا كانت سياسة بريطانيا الخبيثة راغبة في مناصفة شط العرب لإرضاء شاه إيران «رضا خان»، لسبب جوهري هو أن إيران على حدود الاتحاد السوفيتي، وبريطانيا لا تريد للشيوعية أن تطوف بالشرق الأوسط وتطوّقه، فلا يمكن لساسة العراق منع بريطانيا من ذلك، سواء بوجود الفريق الركن بكر صدقي أو غيره، وهي التي أجبرت نوري السعيد (الباشا) رئيس الوزراء على توقيع معاهدة عام 1930 البالغة الخطورة على وضع العراق السياسي والأمني.
وينبغي ألا تغيب عنكم الرؤية بأن مصلحة بريطانيا فوق كل اعتبار، خصوصاً وهي تتلقى التقارير عن سباق تسلح يجري في أوروبا لحرب عالمية جديدة. وعندما يتطلب الموقف التضحية برموز فإنها تضحّي؛ فقد ضحّت ببكر صدقي عام 1937، وبعده بملك البلاد غازي الأول عام 1939، وبزوجة ولي العهد البريطاني تشارلز الأميرة ديانا عام 1997، وبابن «غلوب باشا» الذي اعتنق الإسلام، في الكويت عام 2004. أوَكلّها حوادث سيارات؟
لم يبقَ لدينا من الثورات الكوردية التي بدأت عام 1919 إلا ثورة مهاباد عام 1946، وهي الأولى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وقد جاءت على خلفية تقسيم إيران أثناء الحرب العالمية الثانية بين بريطانيا والاتحاد السوفيتي عام 1941، وبقاء الجيوش السوفيتية في مناطق شمال إيران خلافاً للاتفاق على سحبها بعد الحرب العالمية الثانية، مما قاد إلى ظهور حزب «توده» الشيوعي الإيراني محرّكاً لإحداث «دولة كوردية» واستحداثها، هي جمهورية مهاباد، بدعم سوفيتي. ولكن زوالها بعد أحد عشر شهراً، وإعدام قادتها ومنهم «قاضي محمد»، هيّأ للزعيم الكوردي والقائد الخالد للشعب الكوردي الملا مصطفى البارزاني أن يبادر إلى تشكيل الحزب الديمقراطي الكوردستاني، الذي لم يشهد ولادته تماماً عام 1946، وهو على أرض السوفييت لاجئاً من بطش السلطات العراقية والإيرانية بتوجيه من بريطانيا.
أجزاء «القضية الكوردية والتأثيرات الدولية عليها» (6 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس