الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الكورد والحركة الكمالية (الجزء الأول)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

مميزات حكم الاتحاديين في كوردستان

قام الاتحاديون الترك بإلغاء السياسة المرنة التي كان يتبعها السلطان العثماني عبد الحميد الثاني مع الكورد، فألغوا مثلاً الألوية الحميدية الكوردية. وفي أيام السلطان عبد الحميد عُيّن الجنرال زكي باشا، المقرّب من السلطان، وسيطاً بين الكورد والحكومة. وكان زكي باشا، حسب رأي القناصل البريطانيين في كوردستان، يحظى بثقة الكورد، لأنه كان يدافع دوماً عن مصالحهم، ويقف بوجه الأجهزة الإدارية الفاسدة التي تحاول استغلالهم.

وكان زكي باشا يحول دون قيام الأرمن والآثوريين، بدعم القناصل الأوروبيين، بفرض هيمنتهم على المنطقة. ومع مجيء الاتحاديين إلى الحكم بدأ الأرمن، بدعم من الحكومات البريطانية والروسية والفرنسية، بالمطالبة بالإصلاحات الإدارية في شرق الأناضول. وكان ذلك يعني إعداد قوائم كبيرة بأسماء المئات من رؤساء الكورد بوصفهم مجرمي حرب ضد الأرمن، وإعطاء المئات من القرى الكوردية وحقولها الزراعية للأرمن بحجة أنها أراضٍ كانت تابعة لهم، وأخيراً إعطاء الأرمن قدراً من السلطة الإدارية ونسبة من التمثيل النيابي في المنطقة الكوردية لا تتناسب مع حجمهم السكاني، بحجة تصحيح الغبن الذي وقع عليهم.

وبضغط من الحكومة البريطانية بدأت الأجهزة الإدارية الاتحادية التركية بتطبيق قسم من المطالب الأرمنية، وساد في كوردستان نظام الحديد والنار الذي طبّقته السلطات التركية (الاتحاد والترقي)، إذ اقتيد العشرات من رؤساء الكورد إلى المحاكمات الصورية وصودرت أموالهم. كما سمحت هذه السلطات للعصابات الأرمنية (الفدائيين الأرمن المدرَّبين في روسيا) بإرهاب الكورد وتصفية الحسابات معهم. وفي تقرير للقنصل البريطاني في وان معلومات دقيقة عن كيفية قيام لجنة الاتحاد والترقي بتدبير فوز فراميان بابازيان، رئيس إحدى العصابات الأرمنية في الولاية، بمقعد في مجلس المبعوثان على حساب المرشح الكوردي.

وفرضت الحكومة زيادات غير معقولة في الضرائب على المحاصيل الزراعية والمواشي في الولايات الكوردية، فبدأت تطبّق حرفياً على المناطق الكوردية قانون ضريبة الأراضي الذي أصدره مدحت باشا في عام 1908 في الدولة العثمانية، علماً أن القانون المذكور سبق أن طُبّق بنجاح في الولايات العثمانية الأوروبية، ولم يكن صالحاً للولايات الآسيوية، ولكوردستان بالتحديد. ومن النتائج السيئة لهذا القانون تدمير نسيج العلاقات الاجتماعية القبلية التقليدية، وتحوّل القرويين من أفراد متساوين بالأمس داخل القبيلة إلى عبيد وأُجَراء لرئيس القبيلة، الذي تحوّل بدوره من رئيس عشيرة إلى مالك مستغِلّ أو إقطاعي مستبد.

وما زاد الأمر سوءاً أن الحكومة أصبحت في أيام الاتحاديين قوية إلى درجة تستطيع معها جمع الضرائب الحكومية، ولكنها لم تكن قوية إلى الحد الذي يمنع الإقطاعي من فرض ضرائبه أيضاً، وهكذا أصبح القرويون يدفعون ضريبتين في آن واحد. وأدى ذلك إلى إحياء ممارسة خاطئة ومدمّرة في نظام الضرائب سادت في العصر العباسي الأخير، هي اللجوء والالتزام. أما مفهوم اللجوء فهو أن يضطر الفلاح، لتفادي دفع الضرائب، إما إلى ترك قريته مهجورة، وإما إلى تسجيل أرضه باسم أحد الإقطاعيين أو أحد المتنفذين والعمل عنده أجيراً، فيساعد الإقطاعيُّ الفلاحَ بإعطائه الأمان وإعفائه من دفع الضريبة.

ونتج عن ذلك تركيز أكبر لملكية الأراضي في يد الطبقة الإقطاعية. وفرض الاتحاديون أيضاً زيادات على نسبة الضرائب المفروضة على المحاصيل الزراعية والمواشي، فازدادت النسبة حتى تجاوزت العُشر في أراضي الملك، وتجاوزت الثلث في الأراضي الخراجية (ملك الدولة) المسجلة باسم الفلاحين وفق قانون الطابو. ففي ولايتي ديار بكر والموصل مثلاً رفعت الحكومة الاتحادية ضريبة الكودة (ضريبة على رأس كل حيوان) إلى خمسة بياسترات (عملة عثمانية أقل من الليرة)، وكانت تلك نسبة قياسية أجبرت الفلاحين على بيع الحيوانات وترك الحقول الزراعية. ولم تقف الحكومة عند هذا الحد، بل حاولت أن تجمع منهم قسراً إتاوات إضافية، بحجة أن الإدارة الحميدية لم تستطع أن تجمع قدراً كافياً من الضرائب، أو أن عليهم ضرائب مستحقة يجب دفعها فوراً.

أما الالتزام فهو ممارسة كانت الحكومة تؤجّر بموجبها ضرائب منطقة جغرافية محددة، ولفترة محددة، إلى شخص قادر على جمعها من القرويين يسمى «الملتزم»، فيفرض الملتزم على الفلاحين من سكان المنطقة أقصى ما يمكن فرضه من الضرائب الثقيلة، ليدفع حصة الحكومة ويكون ما تبقّى من الأموال له. وكان ذلك وسيلة للإثراء السريع ولعصر الفلاحين عصراً.

وكانت هذه السياسة تعتمد أحياناً على التخمين المسبق والاعتباطي للناتج الزراعي، وكان التخمين في كثير من الأحيان غير موضوعي ومبالغاً فيه. وقبل انتهاء الحصاد يحضر المستجير (الملتزم) ومعه مجموعة من الضبطية (الشرطة)، ويطالب بالضريبة كما خُمّنت قبل فترة، وإذا رفض الفلاح إعطاءهم ما يريدون عُذّب وضُرب وصودرت أمواله.

ومحاولةً من النظام لفرض التتريك والعلمانية على المنطقة الكوردية جرى تعيين موظفين أتراك في الدوائر الحكومية والإدارية وفي الشرطة العسكرية (الجندرمة) والضبطية سيئة الصيت. أما الضبطية فكانوا يتطفلون على المزارعين، ويتصرفون مع الناس كما تتصرف الحيوانات المفترسة مع فريستها. وفي السنين الأخيرة من حكم الاتحاديين كانت رواتبهم قليلة، وأحياناً لم تُدفع لهم لعدة أشهر، ولم يكن حال الموظفين أحسن من حال الجندرمة والضبطية.

أما الموظفون الكبار، كالوالي والدفتردار (مسؤول الخزينة في الولاية) ومدير الطابو ومدير المال وطابور آغاسي (مدير الشرطة)، فكان معظمهم غير أكفاء وفاسدين، وكان يسود بينهم البقشيش، أي الرشوة. وقد حازوا تلك المناصب إما لكونهم من أنصار الاتحاد والترقي، وإما بالشراء في المزايدات العلنية لبيع المناصب الحكومية، المعروفة بنظام الالتزام الإداري. ووفق هذه الممارسة يشتري الموظف المنصب بمبلغ من المال، غالباً ما يُقرضه إياه أحد التجار في إستنبول، وفي أثناء فترة تعيينه في الوظيفة، وغالباً ما تكون محددة بسنة أو سنوات قليلة، يفرض أقصى ما يستطيع فرضه من الضرائب على أهل الحرف والفلاحين والتجار، حتى يستطيع دفع جزء منها للحكومة، وجزء للتاجر الذي أقرضه المال لشراء المنصب، ويضع قسماً آخر في جيبه للإثراء السريع، لأنه ليس هناك ضمان بأنه سيبقى في منصبه فترة طويلة.

إن هذه السياسة الإدارية المجحفة أثقلت كاهل الفلاحين الذين كانوا في كثير من الأحيان يُعذَّبون، مما دفعهم إلى ترك حقولهم، وانتشر الخراب والجوع بينهم، وساءت حالتهم الاقتصادية. كما ولّدت الفوضى الإدارية الجوع وفقدان الأمن والاستقرار في عموم المنطقة، وأثار ذلك موجة من الاستياء، فأصبحت الطريقة الصوفية، نتيجة ذلك، هي القاعدة، وأصبح منهج الإسلام الصوفي المبسّط، كعقيدة، الملاذ الوحيد لعامة الناس في هذه الظروف القاهرة السائدة في كوردستان.

ومن الطبيعي والحتمي أن يظهر الحنين إلى العهد الحميدي (عهد السلطان عبد الحميد)، وليس من المستغرب إذاً أن يلتفّ الكورد حول الانتفاضات المعادية للاتحاديين التي قادها الشيخ سعيد، والد الشيخ محمود الحفيد، وإبراهيم باشا الملّي، والملا سليم الخيزاني، والشيخ عبد السلام البارزاني. وكان الجامع بين هذه الحركات، التي سنتطرق إليها بالتفصيل في فصل الحركات في الجزأين (3 و7)، هو الدعوة إلى قدر من اللامركزية في حكم كوردستان، وإلى إعادة حكم السلطان عبد الحميد بدلاً من الحكم الاتحادي، وإلى تحكيم الشريعة الإسلامية بدلاً من القوانين المدنية التي لم تلائم الواقع الكوردستاني المسلم، والتمرّد على الواقع الصعب الذي أفرزته السياسة الاقتصادية والإدارية الخاطئة والفاسدة المتّبعة في كوردستان. وباختصار، ولّدت هذه الممارسات الخاطئة الأرضية لظهور «كوردايه تي» (القومية الكوردية) إطاراً ذا محتوى إسلامي.

ولكن النخبة الكوردية، بصورة عامة، في خارج كوردستان، وبعض الأفراد داخل المدن الكوردية، كان لها تصوّر آخر للإصلاح، امتاز بكونه لا دينياً وليبرالياً ومتأثراً بالفكر الغربي حتى الثمالة، مثل خصمها التركي داخل الاتحاد والترقي.

ففي عام 1910 قام الطلبة الكورد في إستنبول بتشكيل منظمة «هيفي» (هيوا) القومية، التي أصدرت أولاً مجلة «روزي كرد» (يوم الكورد)، ومن ثم «هه تاوي كرد» (شمس الكورد)، وأصبحت المجلة والمنظمة ملتقى الكورد من مختلف المهن والأعمار. وكان أبرز أعضاء المنظمة خليل خيالي وجميل قدري باشا وممدوح سليم وعبد الله جودت. وتكتب مجلة «روزي كرد» في افتتاحيتها: «لا بد من الاعتراف بأن الكورد مقطوعون منذ زمن عن الحضارة، وأنهم حتى الآن بعيدون عن العلم والثقافة، ومحرومون من العلم والمعرفة، وأن المجلة ستعمل على نشر الفكر والحضارة الأوروبيين، وتعمل من أجل بعث التراث القومي الكوردي». ويكتب خليل خيالي في مقال آخر ما يلي: «فالشعب الكوردي منذ عهود ما قبل الإسلام كان يملك أدباً غنياً، ولكن بعد دخوله في الإسلام، وبالأخص في فترة حكم السلاطين العثمانيين، ونتيجة التعلّق الشديد بمبادئ الإسلام والانقياد وراء الخلافة الإسلامية، نسي هذا الشعب الكثير من ذاتيته وأدبياته الكوردية».

وفي مقال آخر في المجلة نفسها يدعو عبد الله جودت إلى كتابة اللغة الكوردية بالأبجدية اللاتينية، لأن أصوات الحروف العربية، بزعمه، غير ملائمة. ولكن إسماعيل حقي بابان زاده يردّ عليه في العدد الثالث قائلاً إن الدعوة إلى تغيير الأبجدية الكوردية إلى حروف إفرنجية (لاتينية) في كتابة اللغة الكوردية غير ضرورية أساساً، لأن الحروف العربية، بعد إحداث تغييرات بسيطة في وضع الحركات والعلامات عليها، يمكن أن تخدم الكورد كما خدمت الفارسية، وإن تغيير الحروف العربية سيؤدي إلى قطع الكورد عن الحضارة الإسلامية، التي هي ملك الجميع، وعن قراءة القرآن، ولا يمكن قبول هذه الجناية، أي الجريمة، ضد الشرع.

وفي مقال آخر بعنوان «زمن أجدادنا وزماننا وزمانك أنت» يدعو الكاتب صراحة إلى التخلي عن الإسلام، لأنه، حسب رأيه، أدّى إلى تقسيم الكورد: «عندما ظهر المسيح عليه السلام كان الكورد والمسيحيون شعباً واحداً، ولكن بعد أن ظهر دين محمد صلى الله عليه وسلم في الدولة الآشورية اعتنقه بعض الآشوريين المسيحيين الكورد وذهبوا إلى الجبال، وتشكّلت لغتهم، وسُمّوا بالكورمانجيين، أما الذين بقوا في السهول فسُمّوا بالمسيحيين».

وفي عام 1912 انقطعت مجلة «روزي كرد» (يوم الكورد)، واستمرت تحت اسم آخر هو «هه تاوي كرد» (شمس الكورد)، وكانت محتوياتها تدور حول المواضيع نفسها التي كانت تُنشر في «روزي كرد».

وكان عبد الرزاق بدرخان قد درس الأدب الفرنسي، وانبهر بأفكار الثورة الفرنسية وبالإصلاحات التي تمّت في القرن التاسع عشر في روسيا، والتي أدت إلى الثورة في عام 1905، وكان يعتقد أن بإمكان الكورد أخذ هذه الإصلاحات وتطبيقها على الواقع الكوردستاني. لذلك أسس في عام 1913 جمعية كوردية باسم «جهانداني» في مدينة خوي، وصرّح بأن من أهداف جمعيته إرسال الشباب الكوردي إلى روسيا للتعلّم، ونشر اللغة الكوردية بالحروف اللاتينية «ليتسنى للكورد الاطلاع على الثقافة الروسية الطليعية». وانضم المنصِّر (المسيحي) والمستشرق الفرنسي المعروف في المنطقة «مسيو كاريت» إلى المدرسة التي أسسها عبد الرزاق بدرخان، وكان على التلاميذ أن يتعلموا الأبجدية السيريلية الروسية، وأن يرتدوا الزي الإفرنجي.

وفي البداية ساعده سمكو آغا مساعدة مالية ومعنوية، كما ساعده علماء الكورد بجمع تبرعات الزكاة من الكورد وتخصيصها لشؤون الجمعية والمدرسة. مع العلم أن عبد الرزاق بدرخان كان يعمل في هذه الفترة مع السلطات الروسية، التي سبق أن احتلت أذربيجان وكوردستان منذ قيام الثورة الدستورية في إيران عام 1907، على أمل تأسيس حكومة كوردية تحت إشراف الروس. وكان عبد الرزاق بدرخان يعرف جيداً أن الروس يطمحون إلى ضم أذربيجان وكوردستان، فأوصاهم بأن خير وسيلة لتحقيق ذلك هي التغريب وفرض الثقافة الروسية على أهلها، لذلك دعم الروس جهوده مالياً، وطلبوا من القبائل الكوردية الموالية لهم التعاون معه. وكان عبد الرزاق بدرخان ينوي فتح مدارس أخرى على طراز مدرسة خوي على طول حدود الدولة العثمانية مع إيران وروسيا، ولكن علماء الكورد المسلمين عدّوا ذلك خطوة نحو التنصير ونشر الأفكار اللادينية في المنطقة الكوردية، فثاروا عليه، واضطر عبد الرزاق بدرخان إلى مغادرة المنطقة الكوردية.

ويقول الأستاذ محمد رسول هاوار، صاحب سيرة سمكو آغا، إن إغلاق المدرسة في خوي يعود إلى خلاف بين سمكو آغا وعبد الرزاق بدرخان، إذ كان الأخير يريد أن يصرف أموال الجمعية، التي جُمعت أساساً للمدرسة من أموال الزكاة، على شراء الأسلحة لمحاربة الدولة العثمانية، فاعترض سمكو على ذلك قائلاً إن أموال الزكاة أمانة، ويجب أن تُصرف على المدرسة فقط. ويبدو أنه كان هناك أيضاً بعض الخلاف بين سمكو آغا وعبد الرزاق بدرخان حول طبيعة العلاقة مع الروس.

إن نظرة سريعة على أهم محتويات مجلتي «روزي كرد» و«هه تاوي كرد»، اللتين ذكرناهما سالفاً، واللتين كان يكتب فيهما روّاد الفكر القومي الكوردي، توضّح لنا عدة حقائق:

أولاً: إن الفكر القومي الكوردي ينظر إلى الأوروبيين والحضارة الأوروبية كالمثل الذي يجب أن يُقتدى به. والقوميون الكورد، كغيرهم من القوميين من أبناء الشعوب التي استعمرها الغرب، ينظرون إلى ذاتهم نظرة دونية، لذلك يصفون أنفسهم بالمتخلفين، ويصفون أسيادهم الأوروبيين بالمتحضرين. وفي هذه النظرة إلغاء قسري لكل ما قدّمه الشعراء والكتّاب الكورد من مساهمة في الحضارة الإسلامية بصورة عامة، وفي التاريخ والتراث الكوردي بصورة خاصة.

ثانياً: أسوة بالفكر القومي العربي والتركي، نرى في الفكر القومي الكوردي حنيناً، بل تلهّفاً، إلى إحياء كل شيء جاهلي وتفضيله على كل شيء إسلامي. أما ادعاء بعضهم أن الأبجدية العربية غير ملائمة لكتابة اللغة الكوردية فهو موضع خلاف ونقاش حتى بين المختصين اللغويين من التيار العلماني، علماً أن الحجة نفسها وردت من قبلُ على لسان المستشرقين اليهود والقوميين الترك، وعلى لسان بعض المستشرقين والكتّاب اللادينيين الذين كانوا حول مصطفى كمال أتاتورك ورضا شاه، وكذلك على لسان دعاة اللادينية في الدول الإسلامية الإفريقية كالصومال مثلاً، والملك أمان الله الأفغاني الموالي للإنكليز. فالمسألة سياسية وحضارية، تهدف إلى تجهيل الشعوب المسلمة بإهمالها تاريخها وحضارتها وشخصيتها، حتى تصبح دمى وهياكل فاقدة للوعي والتاريخ والهوية، ليسهل تغييرها وانقيادها، ولتتحول إلى تابع ذليل للغرب.

الحركات الكوردية ضد الاتحاديين 1909–1914

شهدت كوردستان في الفترة 1909–1914 أشدّ المواجهات الدموية بين الكورد والاتحاديين الأتراك، ولكن لا يمكن فهم أسباب حدوث هذه الحركات وفشلها في تحقيق أهدافها إلا إذا وضعناها في إطار العلاقات العثمانية الإيرانية، والصراع الروسي البريطاني الألماني حول الهيمنة والنفوذ داخل الدولتين العثمانية والإيرانية. والحقيقة أن موقع كوردستان الجغرافي مكّنها من التأثير في هذه الصراعات والتأثر بها إلى درجة غير قليلة. وإن كتاب لازاريف «المسألة الكوردية» يغطي هذا الموضوع تغطية جيدة، ولكن لا بأس أن نذكّر القارئ بإيجاز ببعض معالم هذه التفاعلات الدولية.

كان النظام العالمي في القرن التاسع عشر، وإلى بداية الحرب الكونية الأولى، نظاماً مبنياً على توازن القوى في أوروبا بين القوى الأوروبية الكبرى، وكان للإمبراطورية البريطانية دور مركزي في حفظ هذا النظام والحيلولة دون ظهور قوة عالمية تنفرد بالعالم. ومنذ القرن التاسع عشر أرادت الإمبراطورية الروسية التوسّع على حساب الدولة العثمانية، أولاً في البلقان ومن ثم في الأناضول، كما كانت للروس رغبة عارمة في الوصول إلى مياه الخليج العربي، وكان ذلك يقتضي احتلال إيران وأرمينيا وكوردستان، وعدّت بريطانيا هذه السياسة الروسية تهديداً لإمبراطورية الهند البريطانية.

كما كانت بريطانيا تعدّ التوسع والهيمنة الروسية في إيران والدولة العثمانية إخلالاً بتوازن القوى في أوروبا. وفي بداية القرن العشرين ظهرت ألمانيا قوةً منافسة للروس والإنكليز على المسرح الأوروبي وفي الشرق الأوسط، وهذا ما دفع بريطانيا وروسيا إلى التحالف الثنائي في عام 1907، الذي حسم الكثير من القضايا الدولية، وحدّد مناطق النفوذ داخل إيران، كما اتفق الطرفان على عدم الإخلال بوحدة الأراضي العثمانية. وفي عام 1909 انضمت فرنسا إلى التحالف الثنائي، ومنذ ذلك الحين دأبت القوى الأوروبية الثلاث المذكورة على التعاون في تقسيم النفوذ داخل الدولة العثمانية وتجنّب الصراعات.

وأدرك السلطان عبد الحميد أن الروس والإنكليز يخططون لتقسيم الممتلكات العثمانية تقسيماً منظماً وعلى مراحل؛ فبريطانيا كانت تحتل مصر وقبرص، وروسيا تشجّع الانفصالية في الممتلكات العثمانية في أوروبا الشرقية، وفرنسا تحتل أجزاء من شمال إفريقيا. لذلك حاول السلطان العثماني عبد الحميد إدخال ألمانيا، غير الطامعة في الأراضي العثمانية، منافساً على النفوذ داخل الدولة العثمانية. وتمخّضت جهود السلطان عبد الحميد عن توقيع العديد من الاتفاقيات بين الدولة العثمانية وألمانيا، وكان امتياز خط السكك الحديدية بين بغداد وبرلين أهم المؤشرات على مدى تقرّب الألمان من العثمانيين.

وكانت الحكومة البريطانية تنظر إلى التحالف العثماني الألماني بقلق شديد، لأن توسّع النفوذ الألماني في الأناضول الشرقية والعراق كان يهدد المصالح البريطانية الاقتصادية والأمنية في العراق والخليج، علماً أن خط بغداد–خانقين التجاري كان يحمل سنوياً ما قيمته 3,250,000 جنيه إسترليني. ففي عام 1913 صرّح اللورد كرزن، نائب الملك السابق في الهند، وأحد أبرز الدعاة إلى التوسع والهيمنة البريطانية في المستعمرات، في مجلس اللوردات البريطاني: «إن 90% تقريباً من التجارة الذاهبة إلى بغداد إما تجارة بريطانية وإما تجارة تأتي من الإدارة البريطانية في الهند، ولنا في بغداد حضور تجاري منذ أكثر من 100 عام، ولن نقبل من أحد تهديد هذه المصالح».

وعدّ الروس التقارب العثماني الألماني خطراً على مصالحهم أيضاً. فمنذ عام 1905 حاول السلطان العثماني عبد الحميد، بدعم ألماني، التوسّع باسم الجامعة الإسلامية في أذربيجان وكوردستان، وعدّ الروس أي توسع عثماني في إيران وأرمينيا وأذربيجان خطوة لتحقيق حلم السلطان عبد الحميد في إثارة الشعوب الإسلامية في آسيا الوسطى ضد الروس باسم الجامعة الإسلامية. ولهذا السبب حاولت روسيا الوقوف، وبكل قوة، ضد أي توسع عثماني إسلامي في إيران، واقتضت هذه السياسة تكليف السلطات الروسية في القفقاس برصد التحركات العثمانية على الحدود الإيرانية التركية.

وفي عام 1905 احتلت القوات العثمانية معظم أراضي كوردستان إيران وأجزاء من أذربيجان، ولما وصل الاتحاديون الترك إلى الحكم واصلوا السياسة التوسعية داخل إيران. وفي الفترة 1907–1911 كانت السلطة الإيرانية مزعزعة في عموم إيران، وفي أذربيجان وكوردستان بالتحديد، بسبب الثورة الدستورية في تركيا، فاستغل الاتحاديون ذلك وبدؤوا يخططون للتوسّع أكثر داخل إيران. ولعب الضباط الألمان دوراً مهماً في تسهيل إلحاق كوردستان إيران بالدولة العثمانية. وبدأت الدولة العثمانية في عام 1906 تدعم سالار الدولة (ولي العهد الإيراني) المعادي للشاه، والموجود بين القبائل الكوردية، لإطاحة الشاه وفرض حكومة إيرانية موالية للألمان في طهران.

ولم يكن الروس ولا الإنكليز راضين عن التوسع العثماني في إيران، الذي عُدّ توسعاً لصالح الألمان، لذلك حاولت الدولتان الحفاظ على السلام والاستقرار في كوردستان بوصفها منطقة حدودية مهمة، وشجّعتا كلاً من إيران وتركيا على عدم السماح للكورد بإثارة المشاكل بين الدولتين، كما أقدمت روسيا على احتلال أذربيجان عسكرياً، وبهذا أصبح للروس دور فعّال في المنطقة الحدودية.

ولكن على الرغم من وجود الاتفاق الثنائي بين روسيا وبريطانيا على المحافظة على الاستقرار في الحدود العثمانية الإيرانية، فقد كانت هناك حالة من عدم الثقة وصراع خفي بين الدولتين، خاصة بين المسؤولين أو القناصل العاملين في المنطقة الحدودية، لكسب ودّ رؤساء الكورد واستخدامهم أداةً لتحقيق مكاسبهم السياسية وتوطيد نفوذهم في المنطقة. لذلك ينقل لازاريف عن القنصل الفرنسي قوله: «إذا زار القنصل الروسي آغا كوردياً في المنطقة الحدودية بين إيران والدولة العثمانية، فإن القنصل البريطاني يزور الآغا نفسه على الفور».

وامتاز موقف القبائل الكوردية ورؤسائها بتأييد الطرف القوي في الصراع، فنرى مثلاً سمكو آغا يغيّر ولاءه عدة مرات بين إيران والدولة العثمانية والروس. وتميزت العلاقات بين الروس والكورد، بصورة عامة، بعدم الثقة بين الطرفين، وكان ذلك يعود إلى درجة كبيرة إلى السياسة الروسية التقليدية القائمة على عدم الثقة بالكورد، والاعتماد على الأرمن والآثوريين لتحقيق المصالح الروسية في المنطقة، ولم تتغير هذه السياسة حتى عام 1907.


أجزاء «الكورد والحركة الكمالية» (6 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس
  6. الجزء السادس

الجزء الثاني ←