الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الكورد والحركة الكمالية (الجزء الثالث)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
الجمهورية الجديدة (تركيا الحديثة) وفترة الحزب الواحد
لو توقّع الكورد المساواة في إدارة الدولة الجديدة لأُصيبوا بالإحباط إلى حد بعيد؛ فقد تبنّى النظام الجديد كل ما اعتقده عصرياً، من الإدارة المركزية إلى النهج العلماني، وكان ذلك متماشياً مع القيم المعاصرة لعملية بناء الدولة في تلك الفترة. وافترضت الدولة كذلك خصائص تركية خلال عملية ابتكار النظام الكمالي للإثنية «التركية». وقد لخّص عصمت إينونو، الكوردي الأصل، أمين أسرار مصطفى كمال أتاتورك وخليفته، الموقف الرسمي بإيجاز في عام 1925 بقوله: «بصراحة، إننا قوميون… والقومية هي عاملنا الوحيد للتماسك… وفي وجه الأغلبية التركية لا تمتلك العناصر الأخرى أي نوع من التأثير. يجب تتريك سكان دولتنا بأي ثمن، وسوف نبيد أولئك الذين يعارضون الأتراك أو القومية التركية».
وفي دستور 1924 جرت مساواة مصطلحي «المواطنة» و«المواطن» بالقومية التركية، وبناءً على ذلك نصّت الوثيقة على أنه يجب على المرء أن يكون تركياً ليصبح عضواً في البرلمان، وما شابه ذلك. وبالتأكيد أمكن مساواة الأكراد بـ«الأتراك»، ولكن على حساب إنكار هويتهم الإثنية الخاصة بهم. ومن هنا فصاعداً نبتت بذور عدم الرضا الكوردي النهائي: ففي دولة عُرّفت حديثاً ورسمياً بـ«تركيّتها» لم يكن الأكراد أتراكاً، ولا يمكن أن يُعاملوا كأتراك إلا بالتخلي عن هويتهم.
ومن الواضح أن زعماء النظام الكمالي (الأتاتوركي) نظروا إلى الأكراد غير المندمجين (غير المتتركين) كعناصر متخلفة، وكتهديد كامن لسلامة الدولة الحديثة التي كانوا ينوون إقامتها ووحدتها. ومما زاد المشكلة تعقيداً حقيقةُ نهوض الشيوخ والطرق الإسلامية في القرن التاسع عشر، إذ كان الإسلام هو الذي تولّى دوراً رئيسياً في جمع الكورد والأتراك جنباً إلى جنب. لكن مع قرار النظام الجديد التخلي عن الدين بوصفه إحدى السمات الموحِّدة، ومع إلغاء الخلافة في عام 1924، بدأت رابطة أخرى كانت توحّد المجتمعين كليهما تتمزق. وقد أمّن هذا أيضاً للشيوخ الأكراد في الشرق، كالشيخ سعيد بالو، المسوّغ للثورة على أنقرة.
ومع عملية تبادل السكان مع اليونان، التي أعقبت تأسيس الجمهورية في عام 1923، أصبح الأكراد، بحكم الأمر الواقع، الأقلية الكبرى الوحيدة غير المعترف بها، والتي يُحتمل أن تهدد الدولة. وفي الواقع، بدأت مقاومة الأكراد لعملية توسّع دور أنقرة السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وفي أوقات العنف أصبحت هذه المقاومة مستمرة، وبقيت مصدر إنهاك رئيسي للحكومات المتعاقبة في أنقرة.
كانت ثورة الشيخ سعيد بيران الأولى، وقد بدأت قبل أوانها، قبل أن يمتلك الثوار الوقت الكافي ليجمعوا كل مصادر قوتهم، فقمعتها أنقرة في النهاية بجرعة كبيرة من القوة والعنف. وحُكم على زعيمها وآخرين، بإدانة سريعة، بالإعدام بحكم من محكمة خاصة أُنشئت حديثاً دُعيت «محكمة الاستقلال»، وقد أصبحت هذه المحكمة إحدى الأدوات الرئيسية للقمع في المنطقة الكوردية خلال سنوات التمرد. وكانت لهذه الانتفاضة خصائص قومية ودينية؛ فبقدر ما كانت ثورة ضد العلمانية والنزعة المعادية للإسلام لدى النظام الجديد، كانت من الحركات القومية الكوردية الأولى، وإن كانت محدودة مناطقياً. وحتى هذا اليوم بقي أحفاد الشيخ سعيد بيران ورفاقه ناشطين سياسياً ضمن المجتمع الكوردي وفي البرلمان التركي.
وكان من ضحايا الثورة أيضاً رئيس الوزراء ذو الفكر التحرري فتحي أوكيار، الذي أُجبر على الاستقالة من قِبل المتشددين بقيادة عصمت إينونو، الكوردي الأصل، وبدعم من مصطفى كمال أتاتورك، المدافع بقوة ضد القضية الكوردية. وقدّمت الحكومة الجديدة، برئاسة عصمت إينونو، «قانون حماية النظام»، الذي استُعمل لقمع المجموعات الأخرى ولتكميم الإعلام.
تمثّل ثورة الشيخ سعيد بيران نقطة تحوّل رئيسية؛ فهي، بالنسبة إلى بعضهم، تدل على تغيّر في فكر النظام من سياسة سابقة للاحتواء إلى سياسة العنف، أما برأي برنارد لويس فإن ثورة الشيخ سعيد أعطت دوافع قوية لجهود كمال أتاتورك في العلمنة وقمع الطرق الدينية. ومن المثير للاهتمام أن ثورة الشيخ سعيد بيران، التي فسّرتها حكومة أنقرة في البداية بوضوح وبشكل صحيح ردَّ فعل قومياً كوردياً ودينياً، فقدت خصائصها الكوردية في التفاسير الرسمية الحديثة، إذ صنّفتها الدولة رسمياً حركةً رجعية.
أما فيما يتعلق بثورة آكري عام 1930 وثورة ديرسم 1937–1938، فلا يكاد يكون هناك التباس على أية حال؛ فكلتاهما كانتا محدودتين جغرافياً، بحيث لم تستطيعا الاستفادة من مشاركة واسعة في المنطقة بأسرها، لكنهما كانتا كورديتين في الطموح والطبيعة. وتقريباً منذ البداية عقدت الحكومة في أنقرة العزم على التذويب الكامل النهائي للأكراد، بالقوة إذا استدعى الأمر، أينما وحيثما واجهت مقاومة قومية قوية.
ومن منظور ذلك الزمن، من الممكن أن النظام لم يكن واقعياً في محاولة دمج الأكراد بتذويبهم؛ إذ لم تكن هناك قيادة كوردية متماسكة تمثّل ضغطاً مؤثراً، ناهيك بقيادة يمكن أن تُحشد ضد أنقرة فتربكها كتهديد فوري. وبكلمات أخرى، لم يتوقع مصطفى كمال أتاتورك وأصدقاؤه أن يواجهوا مقاومة ذات شأن لمشروعهم على المدى الطويل. وفي سعيهم لبناء دولة حديثة قرّر الكماليون، دون مبالغة، أن يحاكوا «تجانس» الدول في الغرب، وكانوا مهتمين ببناء المركز على حساب الهامش.
وبالنتيجة أُنزل الكورد إلى مرتبة أدنى بوصفهم أتراكاً بدواً أو سلالات من العشائر التركية، وقُمع التعبير عن الفكر القومي الكوردي، إضافة إلى اللغة والثقافة، بصرامة. واستغرق ذلك وقتاً طويلاً، وبينما كان يُشار إلى الكورد غالباً بوصفهم أطرافاً تعادي الدولة الجديدة، توقّف الإعلام الجديد عن الإشارة إليهم ككورد. ومرّرت الحكومة قوانين عديدة مكّنتها من إقصاء الكورد من مناطقهم التقليدية إلى أجزاء أخرى من البلد حيث يكونون أقليات.
وفي الوقت نفسه، على أية حال، تمتّع المواطنون الكورد الذين قبلوا «الهوية التركية الجديدة» بحقوق المواطنة الكاملة إلى حد بعيد. وفي الحقيقة، لمع العديد من الأكراد الذين ذابوا واستُوعبوا في مراتب السياسة والاقتصاد، وحتى في المؤسسة العسكرية، ليشغلوا مناصب مهمة في المجتمع التركي، من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء إلى رئيس أركان القوات المسلحة، وكانوا مقبولين كأتراك صادقي النوايا، لا يشكك أحد أبداً في ولائهم و«تركيّتهم».
وسيخضع موقف النظام الجديد تجاه الكورد لتغيّر خفي بما يتلاءم مع مقاسات الهوية التركية التي كان النظام يبنيها. فمنذ بداية الجمهورية الحديثة نُظر إلى الأكراد كتهديد لوحدة الأراضي المتبقية من الإمبراطورية العثمانية، وفي الوقت نفسه كان هذا التعريف يتبدّل مع تعريف الكماليين أنفسهم للهوية التركية والقومية التركية. وكما يوضّح طه بارلا، خضع مفهوم القومية التركية عند أتاتورك لتغيّر تدريجي ولكنه مهم: فقد بدأت القومية عنده فكراً معادياً للإمبريالية في روحه، حريصاً ومسالماً في توجّهه، لكنها بمرور الوقت اتخذت أولاً طابعاً ثقافياً، ثم طابعاً عرقياً.
ومع ذلك فإن لهذا التصوّر للقومية العديد من التناقضات الكامنة؛ فهي لم تعمل فقط على الاهتمام بمصالح «الأتراك» وحياتهم في أجزاء أخرى من العالم، وبشكل أساسي في آسيا الوسطى، بل شجّعت أيضاً على فهم ثنائي للهوية والقومية التركية. فكانت فكرة القومية التركية الناتجة مدنية وثقافية، وإثنية في الأصل في الوقت نفسه. وقد فسحت خاصيتها المدنية المجال لصعود الأكراد المذابين، بينما شكّلت سمتها الإثنية الثقافية أساساً للتذويب القسري وقمع أولئك الأكراد الذين رفضوا أن يقبلوا «الهوية التركية» العليا.
لكن هذه «الثورة من الأعلى» بدأت عملية تغيير بعيدة المدى جداً ومعقدة ومعطِّلة، لا يمكن التنبؤ بنهايتها ونتيجتها بدقة. وكان التذويب ناجحاً جزئياً فقط، وربما كان طموحاً أكثر من اللازم، إذ كان المطلوب أن يتخلى الأكراد ليس فقط عن هويتهم السياسية، ولكن أيضاً عن جميع أشكال الروابط الثقافية واللغة التي ترتبط بهم. فقُمعت اللغة، ولم تتوافر الكتب والمواد الأخرى بالكوردية، وحُرّم استعمال مصادر اللغة، بحيث أصبحت التركية بمرور الزمن اللغة الأساسية للكثيرين، وبخاصة لأولئك الذين تركوا مناطقهم التقليدية إما لأسباب اقتصادية، وإما لأن الحكومة المركزية نفتهم قسراً.
وكانت للاستيعاب حدوده، وهي حدود فرضتها الجغرافية (بُعد المنطقة)، أو الاقتصاد (إذ أتاح التخلف النسبي للمنطقة الإفلات بسهولة من التذويب الاقتصادي)، أو نقص الموارد (إذ برهنت محدودية موارد الحكومة التركية على عدم كفايتها للقيام بالمهمة الكبيرة التي تواجهها في تثقيف سكان المناطق الكوردية وإدماجهم). واليوم لا يزال شرق تركيا وجنوب شرقها يغصّ بأسر غير قادرة على التحدث بأي لغة باستثناء الكوردية. ومع ذلك كان لسياسات التذويب التي تبنّتها الدولة تأثير عكسي، إذ أفسحت المجال، ولو بشكل بطيء، لعملية بناء الأحاسيس بهوية قومية كوردية جديدة.
ومع اختفاء مصطفى كمال أتاتورك من المشهد عام 1938 اتخذ النظام طابعاً أكثر تشدداً بشأن هذه المسألة، وسعى ورثته إلى إضفاء الشرعية على أنفسهم في ظله، وأصبحت إعادة صياغة بعض المعتقدات الأساسية للإصلاحات الكمالية أو مساءلتها مساويةً للخيانة السياسية. وحافظ الجمهوريون تحت قيادة عصمت إينونو، الكوردي الأصل، والذين لم يكونوا ميّالين إلى تغيير السياسة، على خطى أتاتورك، وبحماس أكبر طبعاً.
وسيبقى أحد أحداث هذه الفترة ماثلاً في الفولكلور القومي الكوردي، وهو إعدام 33 قروياً كوردياً أعزل بدم بارد قرب الحدود الإيرانية في 28 تموز 1943. وحاول الجنرال المسؤول في المنطقة، مصطفى موغلالي، الذي أمر بالقتل دون رحمة، أن يغطي على فعلته على مرأى ومسمع من النظام. ثم طرح الحزب الديمقراطي المنشأ حديثاً هذا الموضوع في البرلمان بعد خمس سنوات من الصمت الرسمي، بنية إحراج الجمهوريين الحاكمين والتودد إلى سكان المنطقة، فحُكم على مصطفى موغلالي، تحت وطأة الأدلة الساحقة، بالسجن عشرين سنة.
أجزاء «الكورد والحركة الكمالية» (6 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث (هذا الجزء)
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس