الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الكورد والحركة الكمالية (الجزء الخامس)

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

بريطانيا وموقف الشيخ محمود الحفيد من الكماليين

أدّى التوتر السياسي في العقد الأول من القرن العشرين إلى زعزعة الثقة بين الدول الكبرى، ومهّد الطريق إلى نشوب الحرب العالمية الأولى، التي كان من نتائجها سقوط الدولة العثمانية عسكرياً وسياسياً. وعلى الرغم من أن ظلم العثمانيين والتخلّف حالا دون ظهور معالم انعدام الثقة في مساحة واسعة من الأوساط الشعبية، فإن مقدماته وبواكيره نشأت منذ ذلك الحين، وترسّخت أكثر من ذي قبل بعد انتهاء الحرب، وعلى وجه الخصوص في كوردستان العراق. وما حركات الشيخ محمود الحفيد ومساعيه الكثيرة في أوائل العشرينيات للتعاون مع الكماليين إلا نماذج جلية لذلك. وقد انعكس ذلك في كوردستان العراق بسرعة، لأنها وقعت تحت السيطرة المباشرة لإحدى تلك الدول الكبرى، وهي بريطانيا.

ومن الناحية الجغرافية السياسية أدّت الحرب إلى إعادة تقسيم كوردستان إلى ثلاثة أجزاء: ظلّ الجزء الشرقي منها داخل الأراضي الفارسية (إيران) التي لم تدخل الحرب بصورة رسمية، أما القسم الشمالي فقد ظلّ ضمن إطار الدولة العثمانية (تركيا)، وكان الجزء الجنوبي ضمن ما انتزعته بريطانيا من الدولة العثمانية في أجزائها الجنوبية، وهو ولاية الموصل التي أصبحت ضمن العراق. ولم تخلُ مهمة الميجر نوئيل منذ وقت مبكر من توجهات معاكسة للحركة الكمالية، التي بدأ البريطانيون يخشونها لكونها أصبحت تشكّل، إلى جانب الحركة الكوردية المذكورة، مصدراً من مصادر التهديد الخطرة لخططهم المتعلقة بالكورد. وليس عبثاً أن أثارت نشاطات الميجر نوئيل مخاوف كبيرة لدى الكماليين، فأولاها مصطفى كمال أتاتورك اهتماماً كبيراً للغاية، وناقش شأنها مع أوسع مستوى من المسؤولين في حركته.

ولا بد من القول إن السياسة التي اتبعتها بريطانيا في المنطقة، وفرضها معاهدة سيفر عام 1920م على الدولة العثمانية، قد عجّلت بدفع الكثيرين إلى الخندق المعادي لها، وزادت من عطف الوطنيين في العراق على الحركة الكمالية، فجعلت بريطانيا في وضع غير مستقر.

ويعتقد بعض الضباط السياسيين البريطانيين الذين عملوا في العراق في أوقات متفاوتة أن للحركة الكمالية دوراً في ثورة العشرين (1920) في العراق، لأنها إسلامية الانتماء، وأكدوا المشاعر الوطنية التي دفعت العراقيين إلى الثورة، وأنها حظيت بدعم كبير من العديد من المعادين لبريطانيا من الكماليين أو القوميين في سوريا. وما يمكن قوله في هذا الجانب هو أن العداء بين بريطانيا والكماليين جعل بقاء بريطانيا في المنطقة محفوفاً بمخاطر جسيمة، تلك المخاطر التي ألمحت إليها المس بيل حين أشارت إلى أن هناك من يحرّض العديد من القبائل والأشخاص ضد السياسة البريطانية، وأنهم ميّالون فعلاً إلى الترك.

ولا بد أن تكون هناك أسباب موضوعية جعلت للنفوذ الكمالي في كوردستان العراق أثراً واضحاً في الخارطة السياسية حينذاك، وفي مقدمة تلك الأسباب الجانب الجغرافي. فضلاً عن ذلك، فإن تزايد خطر الكماليين وتحالفاتهم الدولية، واضطراب الوضع السياسي في العراق، وضعف مقدرة القوات البريطانية على مواجهة القوات التركية في كوردستان العراق، أدّت إلى أن يتحول الموقف البريطاني نحو طور جديد تجاه الحركة الكمالية؛ إذ نقل وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل في 1 تشرين الثاني 1922 السيطرة العسكرية في العراق من وزارة الحرب إلى وزارة الطيران، وهو الإجراء الذي تقرّر مبدئياً في مؤتمر القاهرة في 12 آذار 1921، لكن تنفيذه أُرجئ لحين التوصل إلى تسوية مع تركيا والبتّ في مسألة الحدود الشمالية للعراق. وعلى هذا الأساس عُيّن مارشال الجو السير جون سالموند (J. Salmond) قائداً عاماً للقوات الجوية والبرية في العراق.

وإزاء موقف بريطانيا هذا سعى الكماليون إلى تبنّي سياسة مناوئة لها في المناطق التي كانت تهيمن عليها، لا سيما المجاورة منها لتركيا، ومنها العراق، ودعوا سكانها إلى إبداء كل مساعدة ممكنة لمجابهة «الحملة الصليبية الجديدة» التي تُشنّ ضد الإسلام والعقيدة والخلافة. وطالب مصطفى كمال أتاتورك أحدَ وكلاء الحركة الكمالية في بغداد، علي نصوحي بك، بالتحريض لإبعاد البريطانيين عن العراق، وإعاقة عملياتهم العسكرية وتقدّم قواتهم، وحمل السلاح ضدهم، واستخدام أساليب القوة والتهديد مع الذين يتعاملون معهم.

في ظل تلك الظروف الإقليمية والدولية ظهر الشيخ محمود الحفيد يقود حركته وثورته الكوردية، فكان من الطبيعي جداً أن يكون له موقف من ذلك الصراع البريطاني الكمالي، وأن يكون له موقف من الحركة الكمالية.

دفعت بريطانيا بعدد من الضباط السياسيين إلى العراق بعد احتلاله، وزجّت ببعضهم في منطقة كوردستان، من أمثال الميجر نوئيل والميجر سون والكابتن هي. واستطاع أولئك الضباط السياسيون التغلغل في المنطقة الكوردية، وكان من بين أوجه المواجهة التي قامت بين البريطانيين والكماليين استغلالُ أولئك الضباط المنافساتِ والمنازعاتِ القائمة بين زعماء القبائل الكوردية. وانعكست حالة الصراع تلك على التنافس الذي كان قائماً منذ عام 1919 بين الشيخ طه الشمزيني والشيخ محمود الحفيد، إذ سعى البريطانيون إلى دعم الشمزيني (حليفهم) ضد نفوذ الشيخ محمود الحفيد في السليمانية.

وفي إطار الصراع نفسه سعت بريطانيا إلى السيطرة على القبائل الكوردية، أو على الأقل إلى كسبها. وعلى الرغم من أن الضباط السياسيين المشار إليهم حققوا نجاحات ملحوظة في هذا الاتجاه، فإن العديد من القبائل والزعماء الكورد لم يدينوا لتلك الهيمنة، واستطاعوا الخروج من دائرة الصراع هذه، وخير مثال على ذلك الشيخ محمود الحفيد حين ثار على البريطانيين في 23 أيار 1919 ردّاً على محاولتهم تحديد سلطته في المنطقة. وإذا ما نظرنا إلى تلك الحركة الكوردية في إطار ذلك الصراع، نجد أن الشيخ محمود الحفيد قد وجّه ضربة موجعة للبريطانيين، وصفها الكابتن هي بأنها ضربة خطيرة للبريطانيين في طول كوردستان وعرضها.

ومما تجدر الإشارة إليه أن الحركة الكمالية لم تتوقف عن دعم الحركات الكوردية التي وقفت ضد البريطانيين، ومن بين هذه الومضات من ذلك الصراع الإيعاز الذي وجّهه قادتها إلى وكيلهم المعتمد في بغداد، علي نصوحي بك، بضرورة التحالف مع القوات الموالية للشيخ محمود الحفيد في السليمانية.

وخلال مدة نفي الشيخ محمود الحفيد (1919–1922) شهدت كوردستان العراق نشاطاً ملحوظاً ومستمراً للحركة الكمالية. وكان من تلك الأنشطة استمرار العسكريين الترك والمغامرين منذ تموز 1921 في أعمال التعرّض على حدود العراق الشمالية والشمالية الشرقية، مستخدمين مجاميع صغيرة من القوات النظامية، كما أخذت المفارز العسكرية الكمالية في راوندوز تعمل على إثارة القبائل الكوردية ضد الحكومة العراقية والبريطانيين، فضلاً عن جمع بعض المقتنيات والأموال بطريقة الضرائب. الأمر الذي جعل حاكم السليمانية البريطاني الميجر سون يطلب من قيادته السماح له بالتعاون مع سمكو آغا الشكاك، الزعيم الكوردي في حدود إيران، الذي أبدى استعداده للتقرب من البريطانيين والتعاون معهم. وكان اقتراح الميجر سون يقضي بالاتفاق مع سمكو آغا الشكاك لمواجهة الترك في تلك المناطق، وجعله عائقاً مؤثراً يفصل بين المناطق التي يسيطر عليها الكماليون والمناطق الحدودية العراقية.

ولم تكن الحكومة العراقية في غفلة من أمرها إزاء تفاقم خطر الكماليين في منطقة كوردستان العراق؛ فقد حذّر وزير الدفاع العراقي جعفر العسكري، الكوردي الأصل، الملكَ فيصل الأول من مغبّة توسّع تلك الأعمال التي تقوم بها المفارز التركية هناك، مشيراً إلى التباس الموقف السياسي، ومؤكداً وجود تعاون وثيق بين المفارز الكمالية وبعض الأشخاص هناك. وأبدى وجهة نظره في الموقف المتأزم في تلك التخوم، إذ أكد أن دفع المخاطر عن البلاد لن يتحقق إلا بإيجاد حلول جذرية للمسألة الكوردية، وبزوال تلك المشكلة ستزول الكثير من الصعاب عن كاهل الجيش العراقي والعراق. ولم يكن أمر الاضطراب بسبب التعاون بين الترك وبعض الزعماء الكورد جديداً على تلك المنطقة، إذ سبق أن قام محمود خان دزلي منذ عام 1921 بالتعاون مع الترك، وبسلسلة غارات ضد الوجود البريطاني في حلبجة، مما اضطر البريطانيين إلى استرضائه في أيار 1922.

وأصبح الترك أمام ضرورة تغيير منهجهم في مواجهة البريطانيين، فارتأى المسؤولون في أنقرة في شباط 1922 أن يعتمدوا على مفارز عسكرية متخصصة للقيام بأعمال عسكرية مؤثرة في دفاعات البريطانيين، فوقع اختيارهم على العقيد علي شفيق، الملقّب «أوزدمير» (أي الحديد النقي أو الخالص)، واختيرت منطقة راوندوز لتكون منطلقاً لتلك المفارز.

وحاول الكماليون تعزيز موقفهم في راوندوز قبل وصول العقيد علي شفيق (أوزدمير) إليها، فكلّفوا أحد المتعاونين معهم، رمزي بك، في 17 آذار 1922 بالعمل لصالحهم هناك، وكان الترك قد أصدروا أوامرهم في ذلك التاريخ بتعيين رمزي بك قائممقاماً لهم في راوندوز. ووصل رمزي بك إلى راوندوز في نهاية أيار 1922، وكانت مهمته الرئيسة كسب القبائل الكوردية القاطنة هناك لصالح الترك، وطمأنة السكان إلى أن قوات كمالية في طريقها لاحتلال السليمانية وكركوك وأربيل.

ولا بد من الإشارة إلى أن المصادر البريطانية تؤكد أن الترك، مع تكريس جهودهم لخلق موطئ قدم لهم في راوندوز، لم يهملوا أمر تواصلهم مع القبائل الكوردية في مناطق كوردستان العراق الأخرى.

واستمر رمزي بك في تنشيط حملة دعائية ضد البريطانيين، وكانت إحدى النشرات التي أصدرتها الجهات الموالية للترك تحذّر الكورد من البريطانيين قائلة: «… فعن قريب سوف يصمّ آذانكم قرع الناقوس، ولن تسمعوا صوت المؤذن، وسوف يعاملكم الموظفون النصارى كما عاملكم الروس من قبل».

وأثمرت التحريضات الكمالية بسرعة، فقبل نهاية شهر أيار 1919 قامت بعض القبائل الكوردية بأعمال ضد الوجود البريطاني ومناصريه؛ إذ هاجم سيد محمد، رئيس عشيرة الجباري، مدير ناحية جمجمال وأصابه بجراح، ثم قام كريم فتاح بك، زعيم الهماوند، باغتيال الضابط السياسي الكابتن بوند (Bond) والكابتن ماكنت (Makant) في 18 حزيران من العام نفسه 1919. وفي رانية تمرّد عباس آغا محمود، من زعماء البشدر، معلناً عصياناً مسلحاً ضد السلطة البريطانية.

وكان انسحاب القوات البريطانية من راوندوز منذ عام 1919، وتزايد الحملة الدعائية الكمالية، أمرين أدّيا إلى أن يتكتل زعماء القبائل الكوردية الموالون للكماليين في مجلس محلي أُطلق عليه اسم «مه جلسى ميللى» (المجلس الوطني)، وقام هذا المجلس بأعمال عسكرية ضد الوجود البريطاني في حرير وباتاس وعقرة ورانية ودربند وغيرها من المناطق، غير أن البريطانيين شعروا بخطورة الموقف، فشنّوا هجوماً على أماكن وجود مسلحي تلك القبائل الكوردية، وكبّدوها خسائر جسيمة، وسيطروا على الموقف هناك.

وحدّدت الجهات التركية المختصة مهمة أوزدمير بشقّين: أولهما القيام بأعمال عسكرية ضد الوجود البريطاني في كوردستان العراق، وثانيهما ينطوي على جانب دعائي لإفهام الناس أن البريطانيين يسعون إلى تجزئة وحدة الإسلام، وأن الملك فيصل يتحرك طبقاً لرغباتهم الاستعمارية. وزُوّد أوزدمير بمعلومات كافية عن الوضع السياسي في كوردستان والعراق عموماً، وعن حجم القوات العراقية والبريطانية في ولاية الموصل، وأتمّت تلك المفرزة وجودها في راوندوز في 22 حزيران 1922.

واستطاع أوزدمير (العقيد علي شفيق) كسب ثقة الكورد وتعاطفهم، وأصبح مقرّه في راوندوز محطّ لقاء وفود القبائل الكوردية التي تبدي ولاءها للترك، معبّرة عن رغبتها في مقاومة النفوذ البريطاني هناك. وكان البريطانيون يتابعون تطورات الموقف هناك بشكل تفصيلي، إذ يشير إدموندز إلى أن المصادر الاستخبارية البريطانية في راوندوز رصدت كل تحركات الكماليين «… بحيث استطاعت إرسال تقرير في كل قضية حال وصولها إلى راوندوز، فأنبأت أولاً بوصول رمزي بك، ثم بقدوم مجموعة من الضباط مع مدافع جبلية، وكمية كبيرة من العتاد والأسلحة الخفيفة لتوزيعها على القبائل الكوردية…»، فضلاً عن رسائل صادرة من القائد التركي لجبهة الجزيرة إلى أعيان المنطقة وشخصياتها البارزة، يوضح فيها أن ولاية الموصل الكوردية ما هي إلا جزء من تركيا، ويدعوهم إلى الجهاد. وتعترف المصادر البريطانية بأن أوزدمير أدّى دوراً رئيساً في إثارة الخواطر على الحدود، وكان «… يشيع بين الأهالي أن واجبه استعادة كل ولاية الموصل بالقوة».

وفي أواخر تموز 1922 امتدت تأثيرات الكماليين إلى مناطق أبعد من مناطق تمركزهم، إذ اقتنع كريم فتاح بك الهماوندي بضرورة أن يلجأ مع مقاتليه إلى القوات التركية في راوندوز، مما منح تلك القوات دعماً تعبوياً مضافاً، وهو الأمر الذي تحدثت عنه صحافة الشيخ الحفيد بصورة حيادية. ومن جانب آخر دفع الترك عناصرهم لمهاجمة بابكر آغا البشدري الموالي للبريطانيين، مستغلين انشغاله بقمع تمرّد قام به عليه قسم من قبيلته، مما دعاه إلى الاستعانة بقوات الليفي التي نجحت في إعادة التوازن إلى المنطقة.

وتقرّر في اجتماع عقده أوزدمير مع عدد من زعماء الكورد مهاجمة دربند، وتحقق النجاح لهذا الهجوم الذي كان ذا تأثير كبير في الدفاعات البريطانية، التي اضطرت إلى الانسحاب في 5 أيلول 1922، متخذة من كفري وكركوك وأربيل خطاً دفاعياً. وتمكّن أوزدمير من احتلال كويسنجق وتعيين قائممقام تركي فيها، وأصبح موقفه العسكري فاعلاً إلى درجة أنه أرسل عباس محمود آغا من بشدر على رأس قوة عشائرية مسلحة، بمساندة جنود ترك نظاميين، لتهديد السليمانية، إلا أن عباس آغا محمود لم ينفّذ خطته بعد أن أقنعه أحد وجوه المدينة بالتوقف في سورداش انتظاراً لمقدم الشيخ محمود الحفيد.

وعلى الرغم من أن احتلال مدينة كويسنجق لم يؤدِّ غرضه كاملاً بعد امتناع عباس آغا محمود عن دخول السليمانية، فإن الوضع في كوردستان العراق لم يعد في صالح القوات البريطانية. ويبدو أن واقع الحال هذا كان متوقعاً في وقت مبكر، إذ تخلّى البريطانيون مؤقتاً عن الأساليب العسكرية ولجؤوا إلى الحلول السياسية، متخذين من عودة الشيخ محمود الحفيد نقطة انطلاق جديدة لاستراتيجيتهم في المنطقة، أو على الأقل لتكون تلك مناورة سياسية تمنح قطعاتهم استراحة لبعض الوقت، ريثما تعيد القيادة البريطانية حساباتها بشكل أدق. وأصبح الترك في الوقت نفسه أكثر تفاؤلاً بحسم الأمور لصالحهم بعد النجاحات التي حققوها في راوندوز وكويسنجق.

ومن الأمور المهمة التي سبقت الإشارة إليها أن الشيخ محمود الحفيد، حين عاد من منفاه عام 1922، أُحيط برجال من مختلف التيارات السياسية السائدة آنذاك، وكان من بين الذين أحاطوا بالشيخ محمود وتقرّبوا منه مجموعة تنتمي إلى التيار الكمالي، معظمهم من الموظفين السابقين في الجهاز الإداري العثماني، أو من الضباط السابقين في الجيش العثماني المنحل، وأصبح بعضهم يشغل مناصب مهمة في حكومة الشيخ محمود الحفيد، إذ أصبح طه أمين أفندي من أقرب معتمديه ومستشاريه، وكان له دور في تقريب الشيخ محمود الحفيد من الكماليين وممثلهم أوزدمير، وفي الوقت نفسه في إبعاده عن البريطانيين، انطلاقاً من أن الترك مسلمون والبريطانيين كفار. وكان لفوزي بك دور مماثل في هذا الاتجاه. وحصل الشيخ محمود على تخويل خاص من بعض رؤساء العشائر الكوردية يعطيه حق إجراء المفاوضات مع المسؤولين الترك، وذلك لتحديد أسس التعاون بين الطرفين في المجالات كافة.

واستطاع أوزدمير إقناع الشيخ محمود الحفيد بأن الطبيعة السياسية العامة لحكومة مصطفى كمال أتاتورك تختلف في فهمها لمسألة القوميات وتطلعاتها عن الحكومات العثمانية السابقة، كما أوضح للشيخ محمود الحفيد أن حكومته (تركيا) تنظر بجدية إلى إقامة كيان كوردي مستقل. ويذكر رفيق حلمي أن أوزدمير بعث بعشرات الموفدين إلى الشيخ محمود الحفيد، وساعدته في ذلك جمعية سرية تعمل في كركوك لصالح الترك تُطلق على نفسها «جمعية الدفاع عن حقوق كركوك»، غالبية أعضائها من التركمان، وتضم عدداً من الكورد المؤيدين لتركيا. وأسهمت في ذلك التقارب جمعية سرية أخرى في السليمانية، نشرت أخباراً وشائعات مختلفة ومثيرة عن تحركات الكماليين، وعن تحالفهم مع الألمان، وردعهم المتواصل لليونانيين، وغير ذلك من النجاحات التي يحققونها، ونددت بمواقف الكورد المتعاونين مع السلطات البريطانية.

واستغل أوزدمير طموحات الشيخ محمود الحفيد الشخصية إلى الزعامة ليقنعه بأن التعاون مع حكومته (تركيا) سيوصله إلى منصب الحاكم المستقل للكورد. ويشير الدكتور كمال مظهر، المتخصص بشؤون كوردستان، إلى أن الشيخ محمود الحفيد حاول كسب تأييد الكماليين لتشكيل جبهة قوية معادية للبريطانيين في المنطقة، بعد أن يئس من إمكانية إيجاد حل مناسب عن طريق التعاون مع البريطانيين.

ولا بد من الإشارة إلى أن البريطانيين لم يكونوا بعيدين عن معرفة طبيعة الاتصالات بين الشيخ محمود الحفيد وأوزدمير (العقيد علي شفيق)، إذ كانت غير بعيدة عن مرأى رجال استخباراتهم. وتؤكد المصادر أن الاستخبارات البريطانية استطاعت الحصول على وثيقة سرية تتضمن إشارة من أوزدمير إلى قيادته في جزيرة ابن عمر بأنه أجرى اتصالاً سرياً مع الشيخ محمود الحفيد بعد مغادرته بغداد إلى السليمانية. وتؤكد التقارير البريطانية أن الشيخ محمود الحفيد، بعد شهر من وصوله إلى السليمانية، بعث بوفد إلى أوزدمير في راوندوز، وكانت مهمة ذلك الوفد التباحث في إمكانية تقديم الكماليين الدعم له في حالة تأسيسه حكومة كوردية مستقلة في السليمانية. ويؤكد المسؤولون البريطانيون أيضاً أنهم كانوا على اطلاع على أن الشيخ محمود كان يبعث رسلاً عنه إلى الكماليين، كما كان يستقبل ضباطاً أتراكاً. وكان أحمد تقي أحد الذين اعتمد عليهم الشيخ محمود في مثل هذه المهام، إذ ما لبث أن عاد في إحدى المرات برفقة ضابط تركي، وعاد الضابط إلى راوندوز برفقة مبعوث آخر هو علي باقي. ولم تنزّه التقارير البريطانية الشيخ محمود عن الضلوع في التعاون مع جمعية كمالية سرية في كركوك للقيام بتمرد ضد القوات البريطانية هناك.

وتشير الوقائع إلى أن الكماليين لم يكونوا جادّين في تعاونهم مع الشيخ محمود الحفيد، إذ إن وعود أوزدمير وتعهداته بمساندة الشيخ محمود في إقامة دولة كوردية مستقلة لم تجد صداها في حقيقة تصرفاته؛ ففي إحدى رسائله التي بعث بها إلى مقر قيادته في جزيرة ابن عمر يذكر أنه يتجنب أي طلب لإصدار تصريح بالقبول بحكم ذاتي للكورد، وفي كتابه إلى لجنة تركية أُلّفت في كركوك أعطى كثيراً من التأكيدات بأن حكومته لا نية لها في دعم مطالب الشيخ محمود وترويج مزاعمه بتشكيل دولة كوردية، وأنه (أوزدمير) «إنما يستخدمه بمثابة جندي في لعبة الشطرنج، والهدف هو استعادة ولاية الموصل لا غير، سواء برغبة أهاليها أو خلافاً لها». ويشير بعضهم إلى أن الترك لم يعطوا أي تأكيد بشأن سعي الكورد في كوردستان العراق إلى تحقيق مطالبهم القومية إذا ما أُعيد نظام الحكم التركي إليها.


أجزاء «الكورد والحركة الكمالية» (6 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث
  4. الجزء الرابع
  5. الجزء الخامس (هذا الجزء)
  6. الجزء السادس

→ الجزء الرابع  |  الجزء السادس ←