الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الكورد والحركة الكمالية (الجزء الرابع)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
منصب غريب يقبل به زعيم ثورة كوردية!
وأقبل الشتاء دون أن يبدر من الثوار الكورد ما ينمّ عن نيتهم في إقران القول بالعمل؛ فلم يعلنوا استقلالاً ولا حكماً ذاتياً، ولم يتخذوا أي إجراء يدل على تصميمهم على وضع شروطهم موضع التطبيق، وبقي السجناء في سجونهم، كما بقي الموظفون الترك في المنطقة الكوردية، وبقيت الوحدات العسكرية التركية في مواضعها. والظاهر أن موسم الشتاء بصقيعه كان له تأثيره في الثوار الأكراد، في حين استغله الكماليون الأتراك لتقوية حامياتهم في كل من أرضروم وأرزنجان وسيواس والعزيز، والقصد هو الحيلولة دون انتشار الثورة الكوردية وحصرها في نطاقها الضيق. وتعذّر على الثوار الأكراد حشد القوى الكافية لعرضها على الساحة، كما لم يكن أيٌّ منهم يملك شيئاً من حضور الذهن ليشير بالاعتصام بالجبال حتى نهاية الشتاء.
وكان هؤلاء الكورد العلويون، كما يبدو، يبغون من عرض هذه المطالب الضخمة توسيع رقعة الاستجابة لثورتهم، وإغراء الأكراد السنة بالانضمام إليهم. إلا أن الوقت مرّ مسرعاً دون أن يتلقوا استجابة كبيرة، وخاب أملهم لقلة من انضم إليهم، فتقدّموا في الحادي عشر من آذار 1921م بمطالب جديدة متواضعة، تتضمن فحسب استحداث ولاية يديرها الكورد حين تكون غالبية سكانها من الكورد. فلم تُعِر أنقرة التعديلَ اهتماماً، إذ ما إن بدأ الثلج بالذوبان في آذار ونيسان 1921 حتى وجد الثوار في ديرسيم أنفسهم مطوَّقين بالقوات التركية التي راحت تتقدم نحو مواقعهم. وجرت اشتباكات عنيفة، وذُكرت فظائع ارتكبها الجانبان، زهّدت كما يبدو عدداً كبيراً من القبائل الكوردية البعيدة عن مسرح الأحداث في الانتصار لهذه الثورة الصغيرة. كما أن النواب الكورد في المجلس الوطني الكبير بأنقرة لم يتحركوا ولم يحتجّوا، وإلى الجنوب، حول ملاطية، بقيت القبائل العلوية التي زارها الميجر نوئيل في أواخر عام 1919 ساكتة ولم تتحرك.
وفي نهاية نيسان عام 1921 كانت نهاية الثورة، وأُلقي القبض على حيدر بك وأودع السجن، إلا أن أخاه بقي طليقاً.
ولا أرى بُدّاً من تزويد قارئي الكريم بمختصر مركّز لأصول الحركة الكمالية، وانتصارها في الأخير بالمساندة الكوردية المسلمة المعنوية، وبالقدرات البشرية والاقتصادية لكوردستان، حيث نمت بذرتها الأولى.
كان انهيار حكومة الاتحاديين وهرب قادتها بعد خسارة الحرب قد خلّف فراغاً سياسياً، جاهد نظام السلطان العثماني لتأكيد وجوده فيه بمعونة البريطانيين، الذين ظلوا يدعمون حكومة السلطان العثماني على أمل استعادة سيطرتها لضمان تطبيق معاهدات الصلح. وكادت حكومات السلطان أن تنجح لولا نزول اليونانيين على سواحل تركيا الغربية في أيار 1919 بنية ضمها إلى بلادهم، إلا أن هذا الغزو وخطر تقسيم البلاد (تركيا) أدّيا إلى انبعاث روح المقاومة الإسلامية. ودبّ النشاط في الاتحاديين الذين راحوا يطلقون على أنفسهم اسم الوطنيين (قيادة حركة المقاومة)، ولم يركب السلطان العثماني وحيد الدين (محمد السادس) الموجة ليتصدّر المقاومة، فقد كان يفتقر إلى الإرادة والمقدرة، وبدا راغباً في أن يترك مصيره بيد القوى العظمى.
ووجد الجيش العثماني نفسه في مأزق؛ فبعد انهيار حكومة الاتحاديين أعلن الضباط ولاءهم للسلطان، ولما وجدوا أنه عاجز عن مقاومة الغزو أسرعوا إلى مساندة القضية التركية التي كان يقودها مصطفى كمال أتاتورك في وسط تركيا وشرقها، إذ كان يشغل هناك منصب المفتش العام للجيش في الأناضول.
وعندما أعلن عزمه على مقاومة الاحتلال اليوناني توجّه إلى الشرق ينشد العون من الكورد المسلمين. وفي صيف 1919 وضع مصطفى كمال أتاتورك أمله في الكورد مستنهضاً فيهم حميتهم الدينية، في وقتٍ بدا لهم فيه مصطفى كمال مجرد قائد عسكري خاضع لحكومة إستنبول، يعمل وفق أوامرها ويطبّق سياستها. وقد عرف الكورد مصطفى كمال أيام كان قائداً لحامية ديار بكر في عام 1916، حيث أُتيح له التعرّف على عدد كبير من زعماء الكورد القبليين المسلمين، وارتبط هناك مع بعضهم بعلاقات. وفي تموز عام 1919، وعلى إثر مؤتمر أرضروم، كتب رسائل إلى هؤلاء يناشدهم التعاون، كما بذل جهوداً كبيرة في المدن الكوردية لضمان ولاء أهاليها وسراة القوم فيها، وحقق في هذين السبيلين نجاحاً ملحوظاً أمّن له الوقت والتفرغ لتعبئة ذلك الجيش الذي طرد به اليونانيين، ومعظمه من الكورد.
وعلينا ألا نغفل هذه الحقيقة، وهي أن الكماليين، حتى إعلان الجمهورية التركية عام 1923 وإلغاء الخلافة العثمانية وتبلور الأيديولوجية الكمالية، كانوا يتظاهرون، أو ربما يتصوّرون، بقيام دولة إسلامية تتألف من الترك والكورد الذين هم ضمن الإمبراطورية العثمانية، وقد تضمّن «الميثاق الوطني» ذلك بشكل واضح، وبدا كذلك في المسيرة الكمالية قولاً وعملاً.
ومصطفى كمال أتاتورك بالذات كان واقفاً على نوايا الكورد الانفصالية من متابعته نشاط النوادي والجمعيات الكوردية في إستنبول، التي انبثقت بكثرة هناك ونشرت لها فروعاً في المدن الكوردية الكبيرة. كما كان يدرك خطورة مهمة الميجر نوئيل في السليمانية، التي تشابهت مع مناورة الإغريق في فتح طروادة بالحصان الخشبي؛ فالإنكليز والأرمن هم الإغريق الآن، والحصان هو الكورد، والمهمة هي انتزاع الأناضول الشرقية من قبضة الأتراك.
وسواء أكان ذلك بدافع من خلوص نية وعقيدة أم كان مجرد مناورة خادعة مؤقتة، فقد كان أتاتورك يضرب دوماً على وتر وحدة الترك والكورد، ويدين المؤامرات الأجنبية التي تعمل على الفصل بين الشعبين التركي والكوردي، ويقصد بها أساساً مجهودات البريطانيين. وكان هذا المنحى يتفق أساساً مع حركة المقاومة الناشطة في الأناضول عندما وصلها أتاتورك؛ إذ كانت هناك جمعية عُرفت باسم «جمعية الدفاع عن حقوق الأناضول الشرقية» تصدر بيانات تحضّ فيها على التضامن والتعاضد، وتستهوي عقول الذين ينادون بالوحدة الكوردية التركية بديلاً عن الهويتين القوميتين المتميزتين، بارتكازها على الوحدة الدينية التي سيكون مركزها الإمبراطورية العثمانية. وكان لهذه الدعوة وقع طيب عند أتاتورك، عبّر عنه في خطاب ألقاه في أيلول 1919 في المجلس الوطني الكبير:
«ما دام هناك رجال أماجد ذوو عزة وشرف في البلاد، فإن الكورد والترك سيعيشون معاً دائماً كإخوة، ويقيمون سياجاً شامخاً حول الخلافة، وبرجاً حديدياً يصمد أمام الأعداء في الداخل وفي الخارج».
كان الإسلام في تلك المرحلة المحور الذي تدور عليه عجلة نضال الكماليين ضد الغزاة المسيحيين، وكان أتاتورك من جانبه مدركاً لعدد الفئات القومية المختلفة التي يضمها هذا «الوطن» الإسلامي:
«هناك ترك وكورد، وليس هناك فرق بينهم، وكلنا مستعد للحماية والدفاع عن تركيا… وبطبيعة الحال فإن البلاد ليس قوامها عنصراً واحداً؛ هناك عناصر إسلامية مختلفة مترابطة، وكل عنصر إسلامي من مكونات هذه الوحدة هو مواطن، يحترم أفرادها بعضهم بعضاً، وكلهم يتمتعون بجميع الحقوق القومية والاجتماعية والجغرافية. نكرر هذا، وقد كررناه مرة بعد مرة، ونحن نقرّ بهذه الأمانة. ومع ما فيه فإن مصالحنا مشتركة، والوحدة التي نحاول خلقها ليست تركية ولا جركسية، بل هي مزيج لعنصر إسلامي واحد».
وذلك هو ما تخشاه بريطانيا، التي مثّلت العالم الصليبي لقهر الإسلام في عقر داره.
وظلت فكرة الكورد بوصفهم كورداً، واعتبارهم جزءاً أساسياً من مكونات تركيا الحديثة، تحتل جانباً كبيراً من تفكيره الذي عُرف به في هذه المرحلة من حركته. وقد وجدناه في عام 1921 يكتب لأحد الزعماء الكورد:
«ولاء الشعب الكوردي كان معلوماً لدينا منذ وقت طويل. إن الكورد كانوا وسيبقون دائماً ظهيراً ثميناً للترك، بل يمكن القول إن الشعبين يؤلفان شعباً واحداً».
على أن أتاتورك كان غامضاً حول مستقبل العلاقة بين الشعبين، ويرى أن ذلك لا يمكن أن يتقرر إلا بعد القضاء على العدوان الخارجي على تركيا (اليونان)، فهو يخاطب المجلس الوطني قائلاً:
«عليكم أن تتصوروا وجود نوع واحد من القومية ضمن حدودنا. هناك ترك وكورد وجركس ومختلف العناصر المسلمة، وتلك هي الحدود الوطنية للشعوب المتآخية التي اتحدت مصالحها وأهدافها اتحاداً كاملاً. والعامل الذي يقرّر هذه الحدود هو مبدئياً العظيم الوحيد الذي يؤمن به كل عنصر إسلامي يعيش ضمن حدود هذا الوطن. أعترف بكل أمانة وإخلاص بالقبول المتبادل بالقومية والتقاليد والبيئة لكل قومية. وبطبيعة الحال لا توجد تفاصيل ولا شروح تتعلق بتلك التقاليد، إذ إن الوقت لم يأزف للإجابة عن التفاصيل والشروح، لكن إن شاء الله ستتم معالجة ذلك ووضع الحلول بين الإخوة بعد إنقاذ كياننا».
ومهما يكن من أمر، ومع توالي أمثال هذه التصريحات، كان الوضع في كوردستان يهدد بالانفجار. ففي التاسع من تشرين الأول عام 1921 نهض نائب ديرسيم في جلسة سرية عقدها المجلس الوطني ليشرح للنواب كيف أن «العصبة الاجتماعية الكوردية»، وهي جناح انفصالي النزعة من الحركة القومية الكوردية، قد اتخذت، بقيادة البدرخانيين وبالاتفاق مع عليشان بك، مقرّات لها في ديرسيم وغيرها لنشر دعوة الانفصال، مستغلةً التذمّر العام من الضرائب الفادحة المرهقة التي فُرضت على أهالي كوردستان الأكراد. وعلى إثر ذلك تلت مناقشة حامية، طلب خلالها عدد من النواب الترك اللجوء إلى الشدة واتخاذ إجراءات صارمة ضد الأكراد.
وفي ذلك الوقت كانت معظم كوردستان، وليس ديرسيم وحدها، غارقة في لجّة من الفوضى، ولا وجه عملياً أو مجدياً لاستعمال الشدة واللجوء إلى إجراءات حاسمة. وتغلّب رأي المعتدلين من النواب الكورد الداعي إلى التفاوض، واتُّخذ قرار بإرسال لجنة مصالحة والقيام بدراسة موضوع الإدارة في كوردستان. إلا أن تخوّفاً عظيماً كان يشيع في نفوس أعضاء لجنة المصالحة من امتداد المطالب الكوردية بالحكم الذاتي إلى ما وراء الحدود التي رسمها الحلفاء لها في معاهدة سيفر 1920م، فضلاً عن القضية الشائكة: الإصرار على انسحاب موظفي الدولة الأتراك انسحاباً كاملاً من المنطقة التي سيشملها الحكم الذاتي للأكراد. ولم تكن لأنقرة نية في تحقيق هذين المطلبين بالشكل الذي رسمه القوميون الكورد، لذلك لم تُؤلَّف اللجنة إلا بعد مرور فترة طويلة، وفي خلال ذلك تواصلت المناقشات حول الوضع العام.
وفي العاشر من شباط عام 1922م أعلن المجلس أنه يتعهد بإقامة إدارة ذاتية للشعب الكوردي بما يتفق وهويته القومية، وقيّد ذلك بشروط أفرغت مصطلح الحكم الذاتي من معناه، ومن هذه الشروط انتخاب مجلس وطني كوردي بالاقتراع العام في المنطقة التي سيقوم بتحديدها، على أن تكون اللغة التركية هي لغة المجلس الرسمية. واحتفظ المجلس الوطني الكبير بحق المصادقة على تعيين الحاكم (الحكمدار) المنتخب شعبياً أو رفضه، كما احتفظ لنفسه بحق قيادة قوات الأمن الداخلي (الجندرمة). وكان من جملة المقترحات أيضاً ما نصّت عليه المادة السادسة عشرة منها: «أن الواجب الأول للمجلس الوطني الكوردي سيكون استحداث جامعة في كوردستان تضم كلية للحقوق وأخرى للطب»، كأن الحكم الذاتي المقترح هو لغرض تأسيس جامعة فحسب!
على أن المادة الخامسة عشرة من المقترحات كانت تسمح للحكمدار بتشجيع استخدام اللغة الكوردية، شريطة ألا تكون أساساً للاعتراف بها لغةً رسمية للإدارة الذاتية في المستقبل. وحين يحتّم على المجلس الوطني الكوردي استخدام اللغة التركية قسراً، لم يكن المجلس الوطني الكبير يرى في هذا إلا اضطهاداً قومياً بحد ذاته. تلك هي الرسالة التي أرادت أعلى سلطة في حكومة أنقرة توجيهها إلى الوطنيين الكورد.
ووجد المندوبون الذين أُرسلوا لتقصّي الحقائق في ديرسيم وضواحيها ومناطق مختلفة من كوردستان، ولم يكن بينهم كوردي واحد، أن ما توصّل إليه المجلس في هذا الشأن غير مقبول قط، فعارضوه كما عارضه النواب الكورد بشدة، واتفقت المعارضتان على قبر اللائحة.
وفي المجلس اتهم نائب أرضروم «خواجه صالح أفندي»، نيابةً عن زملائه الكورد، الحكومة بالطغيان والتنكّر للقضية الكوردية، ووصف الضرائب الجديدة بأنها إنما فُرضت لأغراض عسكرية، لا سيما وقد وُضعت اليد قسراً على الماشية وحيوانات الحمل والركوب، وشجب الوسائل الوضيعة التي تُستخدم في إصدار الوصولات عند وضع اليد عليها، وكيف أن ذلك قد خلق نقمة عامة، ثم لفت النظر إلى موقف حكومة أنقرة من الخلافة.
ومع أن لائحة الأوتونومي (الحكم الذاتي) أُبرمت قانوناً، فإن هذا القانون لم يرَ النور قط.
وبقيت أقاليم الأناضول الشرقية تسودها الفوضى والبلبلة خلال فصلي ربيع عام 1922 وصيفه، في الوقت الذي كان الكماليون يقاتلون الغزاة اليونانيين بقوات ووحدات معظم أفرادها من الكورد، وكانت كوردستان مصدر تموينها الوحيد تقريباً. كما لم تقم زعامة كوردية يمكن الركون إليها لتَرُصّ صفوف الجماهير خلفها، ولتقف بوجه إجراءات أنقرة. وقد كتب العقيد راولنسن بعد أشهر احتجاز طويلة في أرضروم:
«الكورد بأغلبية ساحقة في الأجزاء الشرقية من الأناضول، والمراكز التركية في نهاية الضعف وتحت رحمة الكورد المحليين، وكانت هدفاً سهلاً لو اجتمعت كلمة الكورد وهاجموا المواقع التركية بعمل عسكري موحّد وفي آن واحد تقريباً، ولنقل في غضون شهر واحد… إن الزعماء الكورد الكبار مستاؤون للغاية».
مستاؤون، إلا أنهم عاجزون عن العمل المنسّق الضروري لطرد الترك.
وانتظرت أنقرة حتى تنفض يدها من اليونانيين قبل التصدي لكوردستان.
وفي أواخر عام 1922 بدأت الحركة الكمالية بإكمال العمل الذي شرع فيه ضياء كوك ألب، الكوردي الأصل، بفحص أسس الإمبراطورية العثمانية في بداية القرن العشرين. ومن هنا جاء اهتمام الكماليين بإنشاء حكومة مركزية قوية محكمة القبضة على كل زاوية من تركيا، والتشديد على نوع من «التركية» التي يتحتم أن تكون عقيدة كل مواطني البلاد بصرف النظر عن الهوية والخصوصيات القومية، لا سيما بعد أن تبلورت فكرة إلغاء منصب السلطان ثم الخليفة، والتصميم على إعلان الجمهورية التركية وقيام الدولة العلمانية الصرفة التي تقطع كل صلة لها بالدين. أما الكورد، حتى الوطنيون العاملون منهم في سبيل إقامة الكيان الكوردي، فقد ظلّوا، شاؤوا أم أبوا، يقرنون دعواتهم بالحوافز الدينية العميقة الجذور في أسس المجتمع الكوردي شبه البدائي.
وبرز نشاط فلاسفة «الترك» في تلك المرحلة، بل قل في مراحلها الأولى، بفضل معلّمها ضياء كوك ألب، الكوردي الأصل، الذي بسط نظريته في كتاب «مبادئ التركية» الصادر في عام 1920، ورسم فيه الخط الواجب الاتباع لصبّ القوميات غير التركية في بوتقة الهوية التركية: «لما لم يكن للتكوين القومي أي علاقة بالخصائص الاجتماعية ولا بالتابعية (المواطنة) التي هي حاصل جمع المظاهر الاجتماعية، فإن التضامن الاجتماعي يقوم أصلاً على الوحدة الثقافية التي هي ثمرة التعليم، ولذلك فهو لا يمتّ بأية صلة إلى الانتماء العرقي… والوطن ليس مجموعة عنصرية أو قومية أو جغرافية أو سياسية أو اختيارية، بل هو وحدة مكوّنة من أفراد يشتركون في لغة واحدة ودين واحد وطبائع وميول واحدة، أعني تلك التي نالت عين الثقافة».
وما إن جاء عام 1923 حتى تبوّأت نظرية ضياء كوك ألب، الكوردي الأصل، حول الهوية التركية مركز الصدارة في المفاهيم السياسية العامة، لا سيما تلك التي تفترض أن الوطن (الشعب) هو المعبّر الحقيقي والمظهر لثقافة ذات خصوصيات معينة، أي كل أولئك الذين يعيشون ضمن حدود الجمهورية الجديدة (تركيا الحديثة). وكان ثمة انقلاب في الرؤية مفاجئ تماماً.
وحتى كانون الثاني عام 1923، عندما كانت المفاوضات جارية في مؤتمر لوزان لمعاهدة صلح جديدة، لم يبدُ من زعماء الأتراك وساستهم أي حرج في الإشارة إلى الكورد بوصفهم قومية متميزة في تركيا. إلا أن مفاوضهم الجنرال عصمت إينونو، الكوردي الأصل، راح يضرب على نغمة جديدة حين ردّ على المفاوض البريطاني اللورد كرزن، وزير خارجية بريطانيا، قائلاً: الكورد من أصل طوراني، وفيما يخص العادات والتقاليد والتعامل ليس هناك فرق بأي وجه من الوجوه بين الكورد والترك. وأضاف مؤكداً وجهة نظره هذه: «إن حكومة المجلس الوطني الكبير التركي هي حكومة الكورد مثلما هي حكومة الترك تماماً، فالممثلون الحقيقيون والقانونيون للكورد يجلسون في المجلس، ويساهمون في حكم البلاد وإدارتها بالشكل نفسه الذي يمارسه الممثلون الترك».
إلا أن صدى آخر تردّد في الداخل، بعيداً عن أروقة مؤتمر لوزان 1923، حيث كان مصير ولاية الموصل (جنوب كوردستان) ما زال ملقى على طاولة التشريح الدولية، وحكومة أنقرة تستنهض الهمم في كوردها لا بوصفهم أتراكاً بل كورداً، لا سيما أتاتورك بالذات، الذي امتاز على من يحيط به ببعد النظر والتحسّب الدقيق والشعور المرهف بالعواقب. فقد كان هناك مجال لاستمالة الكورد وإرضاء وعيهم القومي ببعض الوعود والتدابير، ما دامت غير مفروضة من القوى الخارجية، وما دامت حكومة أنقرة صاحبة الكلمة. وبقي أتاتورك يفكر في إطار إقامة شخصية حكمية خاصة للمناطق الكوردية، لكن ليس بالقدر الذي يؤول إلى حكم ذاتي واضح، وقد عبّر عن أفكاره بجلاء أثناء زيارة له لإزميت في 15 كانون الثاني 1923، ردّاً على سؤال وجّهه إليه الصحفي «أمين»، ونُشر في الجرائد مثيراً تعليقات صحفية في الجرائد الصادرة هناك يومي 16 و17 من الشهر عينه:
«هؤلاء الذين هم ضمن حدودنا الوطنية يمثّلون فحسب أكثرية كوردية في أماكن محدودة. وبتمادي الزمن، وبفقدانهم كثافتهم السكانية، استقرّوا مع عناصر تركية بشكل لو أننا حاولنا معه رسم حدود للجانب الكوردي لوجب علينا أن ننتهي بـ«التركية» وبتركيا، مثلاً في مقاطعات أرضروم وأرزنجان وسيواس وخربوط، ولا تنسَ القبائل الكوردية في بوادي قونية. فبدلاً من ترك الكورد في حالة عزلة سيقام لهم حكم ذاتي بحسب منطوق دستورنا، وأي مقاطعة تقطنها أغلبية كوردية ستحكم نفسها حكماً ذاتياً (أوتونومياً)، ولكن خلافاً لذلك علينا أن نصفّ شعب تركيا معاً، وإن لم نصفّهم بهذا الشكل فسنتوقع مشاكل، وخصوصاً عندهم… لا يصحّ لنا محاولة رسم حدود أخرى (بين الترك والكورد)، يجب أن نضع برنامجاً جديداً لتركيا الحديثة».
من هذا يتبين أن أتاتورك ظل حتى أواخر عام 1923 يميل إلى تمييز القومية الكوردية عن القومية التركية، ولا يمانع في إعطاء الكورد حكماً ذاتياً. فما الذي أحدث انقلاباً في فكره بعد فترة وجيزة؟
لا نستطيع أن نغفل بعض أسباب هذا الانقلاب:
كانت هناك ثورة اجتماعية هزّت كيان المجتمع التركي من جذوره، فرضتها الحركة الكمالية بوسائل بلغت أحياناً حدّ العنف: إلغاء الخلافة، والإعلان عن علمانية الدولة التركية، وإعلان الحرب على التكايا والخانقاهات الصوفية، والأخذ بالأساليب الغربية ابتداءً من تغيير حروف الكتابة إلى فرض الزي الأوروبي. وما من شك في أن الولاء الديني والتقاليد والعادات الكوردية الموروثة كانت عقبات لا يسهل تخطّيها. وهناك أيضاً التذمّر الكوردي العام المؤذن بالانفجار، وقد نوّهنا به، وقد بدت بواكيره والكماليون يخوضون حرب موت وحياة، وخاصة مع اليونان والأرمن. وأخيراً كانت هناك مفاوضات لوزان عام 1923م، التي انتهت بمشكلة عائدية ولاية الموصل إلى العراق، ورسم خط حدود جديد لجنوب شرق تركيا (خط بروكسل).
وتبيّنت للأتراك رغبة بريطانية في منح الكورد في جنوب كوردستان درجة من الحكم الذاتي، ورأوا فيها عامل تهديد لوحدة الأراضي التركية، لأن ذلك سيوقظ ميول الانفصال في الشمال عبر الحدود. وشاع قلق حقيقي عندما حاول اللورد كرزن، وزير الخارجية البريطاني، في مؤتمر لوزان عام 1923م إقناع تركيا، عبر ممثلها عصمت إينونو، بالاعتراف بالكورد أقليةً قومية، في حين أن الكماليين لم يدخلوا معركة «سيفر» ليتنازلوا فيما بعد عن سلطتهم بمنح الكورد شخصية حكمية متميزة تمليها معاهدة دولية أخرى.
وفشل الترك في احتواء الأحداث في جنوب كوردستان، وطُرد وكلاؤهم، وطوّع البريطانيون أنصارهم هناك. وإن لم يكن بالوسع احتواء الأحداث عبر الحدود، فقد يكون من الممكن احتواؤها عندهم، بل كان من الضروري لبناء تركيا الكمالية العمل على إطفاء مشعل القومية الكوردية في الداخل.
وهبّت الريح الجليدية من أنقرة لتُشيع الرعدة في البدن.
ففي صيف عام 1923 جرت انتخابات العضوية في المجلس الوطني الكبير، ومُنع المندوبون القدماء من العودة إلى مناطقهم الانتخابية. أما المرشحون الجدد الذين خاضوا المعركة الانتخابية في المناطق الكوردية وفازوا، فكانوا في نظر عامة الكورد مرشحي الحكومة التركية، فهي التي سمّتهم وهيّأت لهم سبيل النجاح، وأُبعد الكورد المعارضون عن المحفل الديمقراطي للجمهورية الجديدة في المجلس الوطني الكبير.
وتوالت الدلائل على الخط السياسي الجديد لتركيا الحديثة؛ فمن ذلك أن المناصب الإدارية الكبرى كافة مُلئت بموظفين أتراك، فضلاً عن أكثر من نصف المناصب من الدرجة الثانية، وأُزيلت كل إشارة إلى كوردستان من المخاطبات والمواد الرسمية، وزحفت تسميات تركية للأماكن والمحالّ فحلّت محل الأسماء الكوردية. إلا أن الشكوى العظمى كانت في الوسط العسكري، فقد أخذ ضباط الصف والجنود الأكراد يشعرون بمضاضة سوء المعاملة، وبإناطة أحقر الواجبات بهم وأبغضها إلى نفوسهم.
وفي آذار 1924 صدر مرسوم يقضي بالاقتصار على اللغة التركية في المحاكم ومجالس القضاء، وحظر استخدام اللغة الكوردية في التعامل الرسمي، ومن ضمن ذلك استخدامها للتعليم في المدارس. وعمدت السلطة إلى وضع اليد على كل الأراضي التي هُجّر منها الكورد والأرمن أو نزحوا عنها أثناء الحرب، وتوزيعها على الجنود الأتراك المسرَّحين من الخدمة، مما كان له أسوأ الوقع.
وفي الثالث من شهر آذار 1924 أُلغي منصب الخلافة في تركيا، ووقع النبأ كالصاعقة. ونظراً لما كان يتوقعه حكام أنقرة من ردود فعل عنيفة، فقد رافق الإلغاءَ إنشاءُ محاكم خاصة عُرفت بـ«محاكم الاستقلال»، ونصّ قانون تشكيلها على أن تكون على درجة واحدة، وأن تكون أحكامها قابلة للتنفيذ الفوري، ومُنحت سلطة كاملة على الحياة والموت، وتُوسّع فيها في مفهوم الخيانة العظمى ليشمل، فيما يشمل، الاعتراض على إلغاء الخلافة أو البحث في مشروعيته، وأي تحبيذ أو ترويج للحياة الدينية. وتلا ذلك إغلاق كل المدارس الدينية ومعاهدها، وكانت آخر سبيل ومصدر للثقافة في قلب المجتمع الكوردي. وصُنّف في عداد الخونة أولئك الشيوخ والأغوات الأكراد المتدينون الذين رأوا واجبهم الدفاع عن الخلافة، وهم عينُ أولئك الذين دافعوا عن الكيان التركي في الأيام العصيبة للسنوات 1919–1922، فصدّوا الهجوم الأرمني من الشرق والجنوب الغربي، وسفكوا دماء عزيزة في الدفاع عن حكومة أنقرة بوجه الغزاة اليونانيين. وإلى هؤلاء توجّه القوميون الكورد لتنظيم المقاومة الكوردية ضد الأتراك.
وفي الفترة من 21 شباط إلى 21 آذار سنة 1921 حاولت بريطانيا التوفيق بين مواقف حكومتي أنقرة وإستنبول، ولكن هذا المؤتمر انتهى بالفشل بسبب إصرار وفد أنقرة برئاسة بكر سامي على ألا تكون معاهدة سيفر أساساً لأي تسوية. لذلك أدى فشل هذه المحاولات إلى تجميد الاتفاقية وعدم انتقالها إلى حيّز التنفيذ. وبرغم ذلك فلا شك أنها كانت مرحلة خطيرة في تطور المسألة الكوردية، إذ بحثت وثيقة سياسية دولية لأول مرة في التاريخ قضية الاستقلال للمناطق الكوردية في تركيا.
أجزاء «الكورد والحركة الكمالية» (6 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع (هذا الجزء)
- الجزء الخامس
- الجزء السادس