الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الكورد والحركة الكمالية (الجزء السادس)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
ويمكن القول إن العلاقة التي مدّ جسورها الشيخ محمود الحفيد مع الكماليين كانت مبنية على أسس فكرية قومية سياسية عامة، لم تصل في عمقها إلى حد الغوص إلى الأعماق، ولم تنتقل إلى التفاصيل الدقيقة؛ ففكرة الإسلام فكرة عامة، واحترام القوميات ومنحها استقلالها الذاتي أمر مطلوب ولا شك، ومقارعة الاستعمار مهمة وطنية لا مراء فيها، أما التعبير الجادّ عن هذه الأفكار العامة فلم يجد له سبيلاً أو وجوداً متنامياً على أرض الواقع في العلاقة بين الطرفين. وإذا ما اعتبرنا أن المدة كانت قصيرة في إطارها الزمني، فإن الأحداث الجسام كانت كفيلة بالكشف عن الصدق في العلاقة والتعبير المبدئي عن حيثياتها.
وإذا ما نظرنا إلى حجم آفاق التعاون بين الشيخ الحفيد والكماليين، نجد أن تلك الآفاق كانت رحبة، تفتح بعداً جديداً لعلاقة صميمية بين من يريدون مقاتلة المستعمرين البريطانيين. وعلى الرغم من أن المجال كان مفتوحاً من الناحية الجغرافية لأن يقدّم الكماليون دعماً مادياً واسعاً يشدّ أزر الشيخ محمود الحفيد في مواجهة البريطانيين، فإننا لم نجد أي توجّه لهذا الغرض المهم، إذ اقتصرت المساعدات الكمالية خلال تلك المرحلة على إعانات لا تكاد تسدّ جزءاً يسيراً من احتياجات الشيخ محمود والمسلحين الذين أيّدوه في حركته ضد البريطانيين.
وهناك انعكاس آخر للعلاقة بين الكماليين والشيخ محمود الحفيد، هو موقف أوزدمير بعد مغادرة الشيخ محمود الحفيد السليمانية في 4 آذار 1923، إذ لم يكن لدى الحليف سوى أن يقول لحليفه إنه يأسف لعدم إمكانية مساعدته مادياً ومعنوياً. وإن هذا الموقف الهزيل، أمام الدور الذي يمكن أن يلعبه زعيم كوردي من نمط الشيخ محمود الحفيد، يدلّ بشكل واضح على أن الشيخ محمود وقضيته ومصير الحركة الكوردية المسلحة التي قام بها ضد البريطانيين لم تكن على درجة من الأهمية في مسارات سياسة الحركة الكمالية، التي كانت تحسب ألف حساب للمستقبل، ولم تكن ترغب في قطع كل الجسور مع البريطانيين.
وواجه البريطانيون أوزدمير (العقيد علي شفيق) برتلين عسكريين، إذ استطاعوا في 22 نيسان 1923 استرجاع المدينة التي كان يسيطر عليها (راوندوز)، الأمر الذي أدى إلى انسحابه منها دون قتال والتجائه إلى الأراضي الفارسية. ويشير أحمد تقي في مذكراته إلى أن انسحاب أوزدمير كان موضع شك من عدد من المسؤولين في أنقرة، إذ اعتقد بعضهم أن أوزدمير كان بإمكانه المقاومة لغاية وصول التعزيزات اللازمة إليه. إلا أن التطورات السياسية والعسكرية خلال تلك الحقبة جعلت الكماليين في موقع حرج على المستويين الداخلي والخارجي؛ فقد كانوا في تلك الحقبة يتوقعون مواجهة المصاعب بسبب تعثّر أعمال مؤتمر لوزان عام 1923م، الأمر الذي حدا بهم إلى أن يرتؤوا تقوية مواقعهم في منطقتي المضايق (البسفور والدردنيل) وغربي الأناضول، مما حال دون تقديم العون المطلوب لمفرزة أوزدمير التي عوّلوا عليها كثيراً، وهذا ما جعل أوزدمير ينسحب من الأراضي العراقية.
ومن خلال ما تقدّم نجد أن مدة توطيد العلاقة بين الشيخ محمود الحفيد والكماليين لم تؤشّر إلى نيتهم تقديم المساعدة الكافية له، نظراً لأن موقفهم كان محرجاً إلى الحد الذي لم يكونوا فيه قادرين على تقديم المعونة لرجل عقدوا عليه الآمال في تحقيق أهدافهم في المنطقة. وإذا ما نظرنا إلى علاقة الحفيد بالحركة الكمالية من زاوية أخرى، نجد أن تلك العلاقة كانت علاقة ازدواجية، إذ إن الشيخ محمود الحفيد كان في علاقته المزدوجة تلك مع الكماليين والبريطانيين يحاول استعداء هذا الطرف على ذاك. فصحيفة «بانك كوردستان» الناطقة باسم حكمدارية الشيخ محمود الحفيد، مثلاً، كانت تتحدث عن البريطانيين بودّ لا يقلّ شأناً عن أسلوب حديثها عن الكماليين، بل يتفوق عليه في حالات غير قليلة، خصوصاً عندما كانت تكتب شيئاً عن مصالح بريطانيا في كوردستان، أو عن الميجر نوئيل.
وكان ذلك يمثّل لعبة سياسية حاول الشيخ الحفيد أن يخرج منها قوياً مع الطرف القوي، ومنتصراً مع الطرف المنتصر، إلا أن وجهة النظر تلك جعلت العديد من القوميين الكورد في السليمانية يعدّونها لعبة خطرة، وراحوا يراقبونها عن بُعد بقلق، واضطر كثير منهم إلى النأي بأنفسهم عنه وعن طرقه التحكّمية المستبدة غير المتوقعة في الحكم، إلا أن الشيخ محمود الحفيد كان يعتقد أنه بعمله ذلك إنما كان يخدم القضية الكوردية.
وهناك من يرى أن الشيخ محمود الحفيد أدرك أنه لن يحظى من الكماليين بمساندة فعالة، وذلك من خلال رسائلهم الجوابية التي اكتفت بكيل المديح له دون الارتباط بأي وعود تُذكر، الأمر الذي جعل الشيخ محمود يسعى إلى الاستفادة من كره الترك للبريطانيين، في الوقت الذي يزيد فيه من مطالبة البريطانيين بما يريد.
ولم يقف البريطانيون مكتوفي الأيدي إزاء العلاقة بين الشيخ محمود الحفيد والكماليين، بل بدؤوا باتخاذ خطوات جادة على الصعيدين السياسي والعسكري. فعلى الصعيد السياسي صدر بيان مشترك من الحكومتين البريطانية والعراقية في 21 كانون الأول 1922 جاء فيه: «إن حكومة صاحب الجلالة والحكومة العراقية تعترفان بحق الأكراد القاطنين ضمن الحدود العراقية في تأليف حكومة كوردية…». ومن الواضح أن توقيت إصدار البيان وأسلوبه يثيران الدهشة بقدر ما يؤكدان أن الحكومتين البريطانية والعراقية هما صاحبتا الشأن في الإشراف على حكومة كوردية إن شُكّلت. فضلاً عن ذلك فإن البيان كان بمثابة قطع لطريق العلاقة بين الحفيد والكماليين، فإذا كان الأمر برمّته تملك زمامه الحكومتان البريطانية والعراقية، فما الداعي لعلاقة الحفيد مع الطرف الثالث (الكماليين) الذي ليس له الحق في تقرير مصير الكورد؟
أما على الصعيد العسكري فكان لا بد من إيجاد قوة تواجه الشيخ محمود الحفيد في توجهاته نحو الكماليين، لأن تنامي تلك العلاقة قد يجعل بريطانيا تفقد زمام الأمور في كوردستان العراق. وعلى هذا الأساس توجّه البريطانيون نحو الشيخ طه الشمزيني، الذي ظهر نفوذه في المنطقة في تشرين الأول 1922، وأبدى الشمزيني رغبته في جمع شمل الكورد والعشائر الكوردية الخاضعة لنفوذه والتصدي للكماليين، فعزّزت بريطانيا تحركاته بجهد القوة الجوية الملكية، الأمر الذي أجبر الكماليين خلال الشهر المذكور على إخلاء رانية والانسحاب شمالاً، كما كان لسطوته أثر مهم في تحييد دور عدد غير قليل من العشائر الكوردية في الصراع القائم بين البريطانيين والكماليين في كوردستان العراق.
ويبدو أن ما حققه الشيخ طه الشمزيني كان مثار اهتمام الساسة البريطانيين، الأمر الذي أدّى إلى استدعائه إلى بغداد في تشرين الثاني 1922 لمقابلة المندوب السامي البريطاني هنري دوبس (H. Dobbs)، وتركّز البحث أثناء اللقاء على السبل الكفيلة بتشديد قبضة الحكومة على المنطقة الكوردية، ومعالجة تهديدات الكماليين في كوردستان العراق. وخلال لقائه بالملك فيصل الأول وضع الأخير تحت تصرف الشيخ طه الشمزيني عدداً من العسكريين الكورد الذين كانوا يومذاك يؤدون الخدمة في الجيش العراقي.
وفي تلك الحقبة بدأت السلطات البريطانية، من خلال استقرائها للأحداث، تنظر بعين الريبة والحذر إلى العلاقة القائمة بين الشيخ محمود الحفيد والكماليين، وكانت تلك العلاقة أحد أبرز الدوافع لإنهاء دور الشيخ محمود السياسي، إذ إن القيادة البريطانية في العراق كانت ترى أن تلك العلاقة تجاوزت مرحلة التنامي إلى مرحلة النضوج في التنسيق والمواجهة. فالبريطانيون كانوا على علم مسبق بأن الشيخ محمود الحفيد لديه النية في توجيه ضربة لهم في كركوك، إلا أن ما كان يشكّل لديهم أمراً أخطر وأدهى هو أن العناصر الكمالية داخل مدينة كركوك كانت على علم وتنسيق معه للتهيئة للهجوم والمشاركة فيه. وما كان يشكّل لهم طامّة كبرى هو أنهم اكتشفوا أن ذلك الهجوم يتزامن مع تحرّك واسع للقيام بثورة شاملة في وسط العراق وجنوبه 1920 بدعم من رجال الدين في النجف وكربلاء، وبتنسيق دقيق بين رمزي بك، القائم بأعمال الدعاية التركية في كوردستان العراق، ومحمود الحفيد من جهة، وبين محمود الحفيد ورجال الدين من جهة أخرى، فضلاً عن قيام أوزدمير بالهجوم على كويسنجق في المدة نفسها.
وعلى الرغم من أن وجهة النظر تلك بريطانية، وأن تفسيراتها مستمدة من وحي التوجهات البريطانية، فإننا نجد أن المخطط المزعوم يتركّز على محور رئيسي هو الشيخ محمود الحفيد، الذي ينفرد بعلاقاته مع جميع الأطراف (البريطانيين، ورمزي بك، وأوزدمير، ورجال الدين)، ومن هنا تكمن خطورة التعامل مع الشيخ الحفيد. لذا فقد كان البريطانيون عازمين بشكل جدي على إفراغ شخصية الشيخ محمود من محتواها السياسي. وهذا لا يعني أن العلاقة مع الكماليين كانت الدافع الوحيد لهذا التوجه، إلا أن نمو العلاقة بينه وبين الكماليين وبلوغها ذلك المستوى من التنسيق السياسي والعسكري كان يعني أن الحفيد سيوجّه للبريطانيين ضربة تهدد وجودهم بشكل جادّ في كوردستان العراق ووسطه وجنوبه.
ويبدو أن المخطط البريطاني لإبعاد الشيخ محمود الحفيد عن دوره السياسي في السليمانية بُني على خطوة أولى تقضي باستدعاء الشيخ محمود إلى بغداد، كانت تحمل في محتواها إخراجه من منطقة كوردستان للاطمئنان إلى أن الهجوم على كركوك لن يحصل، على الرغم من أن البريطانيين احتاطوا للأمر وعزّزوا وجودهم العسكري هناك، فضلاً عن إبقاء أوزدمير وحيداً بلا ظهير إذا ما أقدم على احتلال كويسنجق.
وكان رفض الشيخ محمود الحفيد للمطالب البريطانية قد ترافق مع محاولات أوزدمير الحصول على الذخائر والرجال من منطقة أورمية القريبة من الحدود الفارسية إلى راوندوز، ومع حصول الجانب البريطاني على معلومات بقرب شنّ هجوم مشترك بين الحفيد وأوزدمير على مدينة أربيل، فأثار ذلك مخاوف سالموند، وأصبح واثقاً من خطورة الموقف في كوردستان، فكتب إلى سكرتير وزارة الطيران في لندن يؤكد فيه أنه اكتشف «وجود خطط أخرى للهجوم على أربيل تجري بالاتفاق مع الثورة العامة التي كان مزمعاً أن تُنظَّم في كوردستان… أما الدور الذي كان على الشيخ محمود أن يمثّله في تلك الخطط فقد كان جلياً». وكان هذا الأمر محرجاً للقيادة البريطانية، وقد وصفه سالموند بقوله: «وعليه فإن الحالة التي كانت تشتد هكذا لم تكن لتصبح مرضية أبداً، فضلاً عن أنها كانت تحتاج إلى عمل سريع وشديد لمنع تفاقمها…».
وعبّرت الخطوة العسكرية التي قامت بها القيادة البريطانية بعد ذلك عن وجهة النظر البريطانية تلك التي أشرنا إليها، إذ ارتكزت على ثلاثة محاور رئيسية مبعثها العلاقة بين الشيخ محمود وأوزدمير: فالمحور الأول كان توجيه أي عمل يشلّ حركة الشيخ محمود ويبعده عن السليمانية سلماً أو حرباً، أما المحور الثاني فكان الفصل بين الشيخ محمود الحفيد وأوزدمير، ووضع حاجز بينهما لمنع تواصل قوتيهما المسلحتين، وهي خطوة كان من شأنها أن تمنح البريطانيين إمكانية المناورة باتجاه أي طرف منهما للقضاء عليه، أما المحور الثالث فكان التوجه إلى الطرف الأقوى للقضاء عليه، ثم يليه الطرف الأقل قوة. وعلى هذا الأساس سارت العمليات العسكرية.
إن تعامل البريطانيين مع الأحداث بتلك التصورات، والتصرف إزاءها بتلك الدقة والفاعلية، وأخذها على تلك الدرجة من الأهمية، لا يمكن إلا أن يكشف لنا بدقة عن أهمية وضع الشيخ محمود الحفيد في إطار الصراع بين بريطانيا والكماليين، فضلاً عن خطورة العمل الذي قام به بانحيازه إلى الكماليين في مرحلة ما على حساب مصالح بريطانيا في كوردستان العراق. ومن جانب آخر تضعنا تلك الأحداث أمام الشيخ محمود الحفيد رجلاً سياسياً قادراً على التعامل مع الحدث بما يوجبه التعامل معه، وترسم صورة لثائر وطني يجيد التعامل مع مواطن الضعف في هيكل بناء عدوه ليصل إلى أهدافه المنشودة.
ومن الجدير بالذكر أن هناك مجموعة من العوامل المحددة، والمتفاعلة فيما بينها، حالت دون انتقال العلاقة بين الشيخ محمود الحفيد والكماليين إلى درجة من الانسجام التام في الغايات والمصالح المشتركة لتحقيق أهدافها المرجوة، ويأتي في مقدمة تلك العوامل الجهود التي بذلها البريطانيون في هذا المجال، ومساعيهم الحثيثة للحدّ من أبعاد تلك العلاقة وتطورها.
والعامل الآخر كان ينحصر في عجز الضباط السياسيين الترك عن مجاراة نظرائهم من البريطانيين؛ فعلى سبيل المثال كان الميجر سون ذا شخصية قوية، وضليعاً باللغة الكوردية ويتحدث بها بطلاقة، في الوقت الذي كان أوزدمير يرفض تعلّم اللغة الكوردية، بل كان يفرض على من حوله تعلّم اللغة التركية. ومما لا شك فيه أن أسلوباً من التعامل كهذا كان من شأنه أن يؤدي، بكل تأكيد، إلى نفور الكورد منه.
ومن جانب آخر فإن الدعم المادي من الكماليين كان دون المستوى المطلوب كثيراً، فالمفارز التركية أوقعت على كاهل الشيوخ والأغوات الكورد عبء إمدادها بالحبوب والأغذية. وعلى حد تعبير الشيخ عبد الله السورجي: طلب الكورد من الترك أن يساندوهم، فبعثوا لهم بستين رجلاً جائعاً. ولم نجد في الوقائع، على سبيل المثال، ما يثبت أن أوزدمير، أو غيره من المسؤولين الترك، قد قدّم دعماً مادياً كافياً للشيخ محمود الحفيد أو غيره من الشيوخ والأغوات الكورد.
وكان لتناقض الخلفية الفكرية للقادة الكورد والترك دوره في تلك العلاقة؛ ففي الوقت الذي كان فيه الحفيد سليل عائلة دينية عشائرية متنفذة في منطقة برزنجة، ورجلاً محدود الاتصال بالأوروبيين، «وذا خبرة قليلة بالحكومة العلمانية»، كان التوجه العلماني للكماليين يتبلور، لا سيما بعد إلغائهم السلطنة. وكان هذا الاتجاه مرصوداً من بعض القادة الكورد ومثقفيهم، مما كان له أثر في مواقفهم تجاه الحركة الكمالية، وفي مدى استعدادهم النفسي للتعامل معها.
وهناك أمر جوهري آخر ينبغي أن يؤخذ بنظر الاعتبار في سياق تحليل هذا الموضوع، وهو أن أهداف الكماليين كانت تتجه اتجاهاً مغايراً لاتجاهات الحركة الكوردية؛ فالكماليون همّهم الوحيد الحصول على ولاية الموصل، بينما كان الكورد يحاولون الوصول إلى تكوين دولة كوردية من خلال خوضهم تجربة نضالية ضد البريطانيين، فكانت العلاقة بين الطرفين من حيث الغايات غير موحدة إلى حد بعيد، فهي ليست وليدة توجهات استراتيجية موضوعية. فالترك يحاولون استخدام الشيخ محمود الحفيد ورقة رابحة للضغط على بريطانيا في صراعهم معها، والشيخ محمود الحفيد يريد الدعم والعون من حليف استراتيجي يمكّنه من إنشاء كيان سياسي قومي للكورد. ونظراً لهذا التفاوت في الأهداف لم تصل العلاقة في هذا الاتجاه إلى غاياتها المرجوة.
سبقت الإشارة إلى أن الشيخ محمود الحفيد كان بمعيّته خليط غير متجانس من الأعوان والمقرّبين الذين كانوا يحاولون جرّه إلى توجهاتهم، وكان من بين هؤلاء عدد من الرجال الذين يناصرون الحركة الكمالية، من أبرزهم طاهر أمين أفندي وفوزي بك، اللذان كانا مندفعين نحو الحركة الكمالية، وكان للأخير دور في تقريب وجهات النظر بين الحفيد وأوزدمير. أما مواقف المثقفين الآخرين فكانت لا تسير على وتيرة واحدة، بل خضعت لتأثير الأحداث والمتغيرات التي شهدتها منطقتا كوردستان العراق وتركيا، ولكي نتعرف بوضوح على تلك المواقف لا بد لنا من مراجعة مواقف بعض المثقفين آنذاك.
عبّر أحمد تقي عن رأيه قائلاً: «… لقد كنا في الواقع غير بعيدي النظر سياسياً، وهكذا كان الأمر بالنسبة إلى الشيخ محمود الحفيد ومن كانوا حوله، ولكن بما أننا كنا مستائين بلا حدود من تصرفات الإنكليز (البريطانيين)، لذا آثرنا الاتصال بالكماليين وأوزدمير».
وينحو رفيق حلمي المنحى ذاته حين يقول: «لا أنكر أنني وقعت في الخطأ حين أيّدت الترك، ولم أكن الوحيد بين الكورد الذي وقع في مثل هذا الخطأ، إذ إننا في العراق لم نكن على اطلاع على أوضاع الشعب الكوردي في تركيا، بل لم نكن نعرف شيئاً عن الوطنيين الكورد هناك وعن حالهم».
إن هذين الموقفين يكشفان عن تراجع واضح في تأييد الحركة الكمالية خلال المدة التي شكّل فيها الشيخ محمود الحفيد حكومته الثانية، إذ إن الأحداث كشفت للعديد من المثقفين الكورد زيف الادعاءات الكمالية، خاصة إبّان الثورة الكوردية في تركيا سنة 1925 (ثورة الشيخ سعيد بيران)، والطرق التي استخدمها الكماليون في قمعها.
والملاحظ أن هذين الرأيين لا يحمّلان الشيخ محمود الحفيد المسؤولية الكاملة عن الموقف من الكماليين، بل يبدو الأمر وكأنه شعور بخطأ جماعي، وردّ فعل طبيعي للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي كانت تعيشه كوردستان العراق في ظل الاحتلال البريطاني.
غير أننا نجد اتجاهاً آخر بين مثقفي الكورد يجعل الأمر حالة مباشرة بينه وبين الشيخ محمود الحفيد، إذ كان تيار رافض للتحالف مع الكماليين يفرض نفسه على الساحة الثقافية، يندد بتلك العلاقة ويرفضها. فالشاعر أحمد حمدي صاحيبقران في قصيدته «الوطن» (نظمها عام 1923) يوجّه نقداً مُرّاً لحكمدارية الشيخ محمود الحفيد، على أساس أن بعض أعضائها كانوا «جّل خواره كان» (ذوي القمصان المعوجّة)، وهو المصطلح الذي كان يُطلق على كل من تعاون مع الترك في السليمانية. وعلى المنوال نفسه، وفي التوجه نفسه، يخاطب الشاعر الكوردي شكري الفضلي الشيخ محمود الحفيد في قصيدة أهداها إليه أثناء ما كان في طريق عودته من منفاه إلى السليمانية في أيلول 1922، وتتضمن القصيدة نصيحة للشيخ محمود الحفيد بأن يختار الحلفاء الصادقين والطريق الصحيح في الحكم، وهي إشارة ضمنية إلى الكماليين والابتعاد عن التحالف معهم. ومما يؤكد ما ذهب إليه الفضلي قصيدة نظمها أحمد حمدي صاحيبقران بعد سقوط حكومة الحفيد الثانية، بعنوان «جواب حمدي إلى شكري»، بيّن فيها أن الشيخ محمود الحفيد فعل نقيض نصيحة شكري الفضلي، وعلى الأخص فيما يتعلق بمسألة التحالف مع الكماليين. وإن هذا النمط من المعارضين للعلاقة مع الكماليين، وإن لم يكن يمثّل توجهاً شعبياً عاماً، فإنما كان يمثّل توجهات محدودة، أغلب الظن أنها لم تكن على مستوى معيّن من التأثير السياسي بقدر أهميتها الأدبية، إلا أنها في جانب من جوانبها تمثّل رأي تيار من المثقفين كان يرفض تلك العلاقة.
وكان من بين المقرّبين من الشيخ محمود الحفيد رجال كانوا في الأصل معارضين للتوجهات التي تؤيد التحالف مع الكماليين، ومنهم على سبيل المثال مصطفى باشا ياملكي، إذ كان يُعدّ من الكورد الذين وقفوا علناً ضد التيار الداعي إلى التحالف مع الكماليين على الصعيدين السياسي والثقافي. وكان ياملكي ضابطاً حازماً من ذوي الرتب العالية في الجيش العثماني، فضلاً عن كونه شاعراً نظم قصائد عدة عام 1914 باللغة التركية. وبعد عودة ياملكي إلى العراق في أيلول 1921 أحسّ البريطانيون أن بالإمكان التعاون معه، نظراً لأنه كان يُعدّ من المحسوبين على التيار المناهض للكماليين منذ أن كان ضابطاً عثمانياً، إذ ترأس المحكمة التي أصدرت حكم الإعدام غيابياً على مصطفى كمال أتاتورك ومن معه في 11 أيار 1920، فضلاً عن تأثيره المحلي في السليمانية الذي يمكن أن يخدم مصالح بريطانيا هناك. وعلى أساس هذا التوجه اجتمع ياملكي بالملك فيصل الأول أكثر من مرة، وكانت العلاقة بينهما جيدة، ويبدو أن أساس تلك العلاقة تبلور من خلال عدائهما المشترك للكماليين.
وهيّأ مصطفى باشا ياملكي الأجواء لنشوء «جمعية كوردستان» التي تأسست في السليمانية في 21 تموز 1922، وهي جمعية مناوئة للكماليين بشكل مكشوف. وعلى الرغم من أن أهدافها المعلنة في جريدتها «بانك كوردستان» تدعو إلى تقدّم الكورد ورفعتهم، فإن ياملكي أكّد ضمناً غالباً، وصراحةً أحياناً، خصوصاً قبل عودة الشيخ محمود من منفاه، أن من بين ما تضطلع به الصحيفة بشكل رئيسي الوقوف بوجه الدعاية الكمالية. ومن بين المقالات الافتتاحية التي كتبها في «بانك كوردستان» مقال يلفت فيه انتباه الكورد إلى الأوضاع السيئة التي يعيشها الضباط الكورد في الجيش الذي شكّله الكماليون، ودعا فيه إلى ضرورة تهيئة سبل العودة لهم. وبسبب توجهات الصحيفة المناوئة للكماليين هذه بدأ أنصار الكماليين بتوجيه اللوم والتقريع للصحيفة ولياملكي، فوصفهم ياملكي في إحدى مقالاته بأنهم كماليون أكثر من كونهم كورداً. وأشار في مقال آخر إلى مظالم الترك الكماليين، وهاجم المفارز الكمالية في كوردستان، وأبدى شكوكه في نيات أوزدمير (العقيد علي شفيق).
إن العلاقة بين الشيخ محمود الحفيد والحركة الكمالية، حسبما تبدو لنا، كانت تجربة من بين التجارب التي مرّ بها الشيخ محمود الحفيد والقضية الكوردية. وإذا كانت التجربة النضالية للحركة الوطنية القومية معرّضة للانتكاسات والإخفاقات بقدر ظفرها بالنجاحات والانتصارات، فإن التجربة الكوردية خلال تلك المرحلة لم تتعرض للانتكاس مع الكماليين من حيث البعد النظري الاستراتيجي أو التحرك السياسي التكتيكي، إلا أن جوهر الحركة الكمالية لم يكن مبنياً على أساس إقامة روابط مشتركة وثيقة الصلة مع الحركة الكوردية بقيادة الشيخ محمود الحفيد. فالخيار السياسي المرحلي كان يفرض على الكورد الاتجاه بما لديهم من تطلعات إلى إيجاد سند يمكّنهم من تجاوز مرحلة من مراحل نضالهم بنجاح بالتعاون مع الكماليين كحليف استراتيجي مستقبلي، قبل أن يكون معيناً لهم على تجاوز الشدائد مع البريطانيين. أما الكماليون فقد نظروا إلى الأمر على أساس مرحلي فقد أهميته بزوال الظروف الدولية والإقليمية المؤدية إليه.
أجزاء «الكورد والحركة الكمالية» (6 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث
- الجزء الرابع
- الجزء الخامس
- الجزء السادس (هذا الجزء)